الأذكياء في مصر المعاصرة

طارق المهدوي
2017 / 2 / 20

الأذكياء في مصر المعاصرة
طارق المهدوي
(1)
عندما يصاب الجسد البشري بالمرض في أحد أعضائه أو إحدى وظائفه يشعر الشخص المصاب بآلام مرضه فور حدوثه ويسعى منذ اللحظة الأولى لمكافحته وصولاً إلى تعافيه واستعادة توازنه الجسماني المفقود، وينطبق ذلك أيضاً على العضو المسمى بالدماغ الذي تتم معاملته تشريحياً باعتباره من مكونات الجسد البشري، أما عندما يصاب الدماغ البشري بالمرض في وظائفه العقلية التي تشمل الإحساس والضمير والإدراك والتفكير والإرادة والطموح والذاكرة وغيرها، فإن الشخص المصاب يتضرر بشدة تتجاوز كثيراً ضرر المرض الجسدي لكنه لا يتألم نظراً لتعطل وظيفة الإحساس لديه تحت وطأة مرضه العقلي، تاركاً المحيطين به يعانون آلام مرضه فيسعون هم لمكافحته وصولاً إلى تعافيه واستعادة توازنه العقلي المفقود، رغم صعوبة ذلك في ظل مقاومة الشخص المصاب ذاته لغياب إحساسه بحقيقة أن مرضاً قد أصاب إحدى أو بعض الوظائف العقلية لدماغه، وتزداد الصعوبة حسب عمق الإصابة والمدى الزمني لاستمراريتها قبل ظهور العلامات الدالة عليها وحسب اتساع نطاق تداعياتها حيث يمكن لمرض عقلي واحد إتلاف عدة وظائف دماغية في الوقت ذاته، وأيضاً حسب نوع الإصابة ذلك أن خريطة الأمراض العقلية المعروفة تتسع لتشمل الفصام والاكتئاب والهيستيريا والارتياب والوسواس القهري، إلى جانب الانحراف السلوكي المتمثل في الاستعلاء أو الدونية أو انعدام الإحساس أو فقدان الضمير أو في الهوس بما هو حقيقي أو خيالي من أشخاص وأشياء أو في الاستمتاع بالتأذي أو بأذى الغير أو ما شابه، وفي الوقت الذي اختارت فيه المجتمعات البشرية التقليدية مبكراً عزل مصابي الأمراض العقلية بمجرد ظهور العلامات الدالة على خطورتها، فإن الأجهزة الإدارية لمختلف حكومات العالم الحديثة قد اختارت محاولة علاج الأمراض العقلية بواسطة منظومة متكاملة تضم ثلاثة محاور متشابكة، للتحكم في المرض داخل الدماغ عبر الجرعات الكيميائية والكهربائية والإشعاعية المحددة التي يشرف عليها المتخصصون في الطب النفسي، وللتحكم في السلوك الخارجي الناجم عن المرض العقلي عبر جلسات الإقناع والإرشاد والتوجيه المبرمجة التي يشرف عليها المتخصصون في علم النفس الفردي، وللتحكم في إعادة دمج المريض العقلي داخل أوساط المحيطين به عبر الخطوات التدريجية للتأهيل المجتمعي التي يشرف عليها المتخصصون في علم النفس الاجتماعي، ولمنظومة علاج الأمراض العقلية سلم وظيفي يحتل المتخصصون في الطب النفسي رأسه يليهم المتخصصون في علم النفس الفردي ثم المتخصصين في علم النفس الاجتماعي، بترتيب هرمي شبه عسكري يعتمد على طاعة الأدنى للأعلى وتنفيذ تعليماته حتى لو كانت خاطئة، ورغم سلامة نوايا هؤلاء الذين كانوا يعزلون المرضى العقليين بدافع حماية الأصحاء من خطورتهم، وأولئك الذين مازالوا يحاولون علاجهم بدافع منحهم فرصة حياة أخرى، فإن سوء النوايا هو الدافع الوحيد لفريق ثالث كان ومازال يستخدم أصحاب الأدمغة المصابة بالمرض العقلي كمعامل حية متحركة لاختبار الألعاب النفسية الرامية إلى حيازة أدوات التحكم في السلوك البشري، وصولاً لفرض سيطرة أنظمة الحكم على شعوبها، حتى لو كان أعضاء ذلك الفريق من الثعالب البشرية يصفون أنفسهم بأنهم فريق "مؤسسة الذكاء السياسي"!!.
(2)
لا يوجد نظام حكم على امتداد التاريخ والجغرافيا يخلو من مؤسسة ذكاء سياسي، باعتبارها المسئولة نظرياً عن تحصيل وفحص وتدقيق أوسع نطاق ممكن من المعلومات المتنوعة بشأن الاهتمامات المختلفة لدى الشعوب الأخرى، مع التشغيل الأمثل لتلك المعلومات باستخدامها في محاولة تلبية المساعي المشروعة لشعوبها نحو تحقيق التنمية الشاملة، رغم أن الواقع العملي للعديد من مؤسسات الذكاء السياسي على امتداد العالم يكشف اختلاف حقيقة مسئولياتها الميدانية، التي أصبحت تدور حول تحصيل وفحص وتدقيق أوسع نطاق ممكن من المعلومات المتنوعة بشأن الثغرات النفسية والسلوكية المختلفة لدى أبناء شعوبها ذاتهم، مع التشغيل الأسوأ لتلك المعلومات باستخدامها في محاولة تلبية المساعي غير المشروعة لأنظمة الحكم نحو السيطرة على الشعوب، وإذا كانت المساعي المعلوماتية الخارجية لتحقيق التنمية الشاملة لا تستغني عن المتخصصين في مجالات الدبلوماسية الشعبية وفنون الاتصال فإن المساعي المعلوماتية الداخلية لتحقيق سيطرة أنظمة الحكم على شعوبها لا تستغني عن المتخصصين في مجالات الطب النفسي وعلم النفس الفردي والاجتماعي، باعتبارهم يشكلون الأعمدة الفقرية لمدارس السيطرة الثلاث التي ترى كل واحدة منها أنها الأقدر على التحكم في السلوك البشري، وهي المدارس التي آمنت بها مؤسسة الذكاء السياسي المصرية طوال العمر الزمني لجمهورية الخوف الأولى الممتد بين عامي 1952و2011، لتستخدمها جنباً إلى جنب وبتنسيق بيني تام يضمن حصول المدارس الثلاث معاً على الخدمات المتنوعة للمتخصصين في الطب النفسي وعلم النفس رغم اختلاف أساليب عمل تلك المدارس، حيث تلجأ مدرسة الترويع إلى أسلوب الردع الاستباقي لنوايا المعارضة والتمرد الفردي أو الجماعي عملاً بقاعدة رأس الذئب الطائر، بما يعنيه ذلك من توسيع نطاق إعلان وإشهار عمليات البطش وقهر الخصوم أو قتلهم بأعلى درجات القسوة والشراسة، بينما تلجأ مدرسة السيطرة النظيفة إلى أسلوب تنظيف المجتمع من الوجود الجسماني لخصوم نظام الحكم حتى تخلو له الساحة السياسية، بما يعنيه ذلك من تصفيتهم جسدياً أو إبعادهم بالنفي أو تقييدهم بالاعتقال أو تعجيزهم بإصابات مدبرة، في وقائع تبدو منفصلة مع ترك أدلة زائفة وإخراج درامي مفبرك للتضليل والتمويه بشأن ملابسات تلك الوقائع ودوافعها ومرتكبيها للتنصل من المسئولية عند الضرورة، أما مدرسة السيطرة السلوكية فتلجأ إلى أسلوب نزع عوامل القوة المعنوية من أيدي الخصوم، باختراق مجالاتهم الحيوية وتفكيك روابطهم الطبيعية وكياناتهم الاختيارية واستدراجهم إلى مختلف أنواع الأفخاخ المجهزة بعناية لخداعهم واحتوائهم أو لاستنزافهم وإنهاكهم وتشتيتهم، بحيث لا يترتب على وجودهم الجسماني أي إزعاج سياسي لنظام الحكم، وقد التزم المتخصصون في الطب النفسي وعلم النفس الفردي والاجتماعي بتقديم كافة الاستشارات السلوكية التي طلبتها مدارس السيطرة الثلاث المذكورة خلال مواجهاتها المستمرة مع أبناء الشعب المصري من الخصوم السياسيين لحكام جمهورية الخوف، كما قدموا الدعم النفسي لمؤسسة الذكاء التابعة لتلك الجمهورية على محاور احتياجاتها العديدة بامتداد ستة عقود زمنية، مثل قيامهم بفحص الشخص المستهدف لتحديد الكيفية الأنسب لتسلل المؤسسة إليه واختراقه سواء من أجل اقتناص صداقته والتأثير عليه لإيقاعه تحت السيطرة بهدف تجنيده كعضو أو مندوب دائم، أو من أجل تضليله لاستخدامه كمندوب مؤقت في تنفيذ دور عملياتي عابر، ومثل قيامهم بإجراء اختبارات حول مدى طاعة الشخص المستهدف وخضوعه للمؤسسة قبل تصعيده إلى المراكز الوظيفية أو الأدبية أو المالية الأعلى، ومثل قيامهم بإعادة التأهيل النفسي والسلوكي لأعضاء المؤسسة عقب تنفيذ عملياتهم القذرة بمحو ذاكرتهم السلبية عما ارتكبوه من شرور خلال العملية الأمر الذي يسمح لأولئك الثعالب البشرية بمعاودة ارتكاب المزيد من الشرور، والأهم من ذلك كله هو تقديمهم للخطط "المركزية" المتعلقة بالتنميط السلوكي الجماعي عبر تحسين الصورة الذهنية المجتمعية!!.
(3)
تسعى أنظمة الحكم المختلفة بامتداد التاريخ والجغرافيا إلى الحصول على القبول المجتمعي بالأمر الواقع الناتج عن قراراتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لضمان الاستقرار الذي يكفل استمرارها في الحكم، وهو مسعى سهل المنال لو كانت مؤشرات الأمر الواقع تخلق في الأذهان المجتمعية تصورات إيجابية، من حيث مدى تعبيرها عن الرأي العام وتلبيتها لاحتياجاته الحياتية الهامة المتمثلة في التنمية والوفرة والمساواة والعدالة والحرية والشفافية والاستقلال الوطني وغيرها، أما لو كانت مؤشرات الأمر الواقع على تلك الأصعدة تخلق تصورات سلبية في الأذهان المجتمعية فإن رد الفعل الطبيعي يصبح رفض الرأي العام لاستمرار نظام الحكم، بما ينتجه من تداعيات سلوكية لإسقاطه عبر آليات التغيير المتاحة أو المبتكرة حسب الأحوال، وهو رد فعل تخشاه أنظمة الحكم الشمولية فتسعى لإجهاضه برفع شعار الحفاظ على الاستقرار الذي يتم تنفيذه بواسطة منظومتين متداخلتين، أولاهما تدفع بالرأي العام نحو الخضوع للأمر الواقع تحت وطأة الخوف من ملاحقات أجهزة العنف ذات الوظائف القمعية المعروفة، أما الثانية فتدفع بالرأي العام نحو الانخداع في الأمر الواقع تحت وطأة تزييف الوعي الذي تمارسه أجهزة التعبئة ذات الوظائف الدعائية المعروفة، علماً بأن المنظومتين كانتا خلال جمهورية الخوف المصرية الأولى تخضعان معاً لمؤسسة الذكاء السياسي بأعضائها المتخصصين في الطب النفسي وعلم النفس الفردي والاجتماعي، الذين لم يتوانوا عن تقديم الاستشارات الخاصة بعمليات تخويف المجتمع إلى جانب مساهماتهم الأكبر في عمليات التنميط السلوكي الجماعي بتزييف الوعي والذي يسمونه تحسين الصورة الذهنية المجتمعية، حيث يبدأ المتخصصون النفسيون عملهم بالدراسة الميدانية الوافية لمختلف القضايا محل اهتمام الرأي العام وفقاً لواقعها الفعلي وأهميتها النسبية، مع تصنيف الجمهور المتعلق بكل قضية على حدا حسب مدى تأثرهم المباشر بها ونوعية أفكارهم ومشاعرهم حيالها، ثم يقيسون التصورات الذهنية الحقيقية لكافة الفئات الجماهيرية السابق تصنيفها تجاه تلك القضايا مع تقدير ردود أفعالهم السلوكية المتوقعة لترجمة تصوراتهم الذهنية حول كل قضية على أرض الواقع، ثم يقترحون ما لديهم من حلول تؤدي إلى الحفاظ على الاستقرار بإزالة احتمالات رفض الأمر الواقع لدى الرأي العام عبر اللعب المبرمج في أدمغة الجماعات والأفراد، فإذا كانت زيادة المسافة بين الواقع الفعلي والتصورات المجتمعية لما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع هي مصدر رفض الرأي العام وإذا كان نظام الحكم الشمولي يمتنع عن الاستجابة للرأي العام بعدم تغيير قراراته التي أنتجت هذا الواقع، فإن المتخصصين في الطب النفسي وعلم النفس التابعين لمؤسسة الذكاء السياسي يلعبون في تصورات الجماعات والأفراد حول الواقع السلبي لتزييف وعيهم به، عبر جرعات مبرمجة ومكثفة من الكذب المتكرر والمتنوع الذي يستخدم تقنيات نفسية عالية للحذف والإضافة والاختلاق والإنكار والتعديل والتبديل في كافة المفردات الحقيقية المكونة للقضايا محل اهتمام الرأي العام، بما يؤدي إلى الإحلال التدريجي لتصورات إيجابية زائفة محل التصورات السلبية القائمة بشكل طبيعي حول تلك القضايا، وصولاً إلى تحسين الصورة الذهنية المجتمعية للدرجة الكفيلة بدفع الرأي العام نحو مخرجات سلوكية نمطية خاضعة لنظام الحكم، سواء على نمط أهل الخليج العربي المنصرفين برفاهيتهم عن الشأن العام أو على نمط أهل الصين المطيعين كالجنود لحكامهم أو على نمط الأميركيين الذين لا يهتمون سوى بمصالحهم الخاصة أو غيرها من الأنماط الخاضعة، ولتزييف وعي الرأي العام وصولاً إلى صورة ذهنية مجتمعية إيجابية تنتج نمطاً سلوكياً جماعياً خاضعاً لنظام الحكم، فإن المتخصصين النفسيين كانوا يستخدمون في الوقت ذاته كل وسائل الإعلام والصحافة والثقافة والفنون والتربية والتعليم والتكنولوجيا إلى جانب الوسائل المباشرة كالخطب السياسية والدينية، كما كان حكام جمهورية الخوف الأولى يستجيبون لهم فيما يفرضونه عليهم من أقوال وأفعال تؤدي إلى تغيير المناخ العام المحيط سلباً أو إيجاباً، لتدفع نحو الأوضاع التي تلائم معرفتهم الحصرية بردود فعل الرأي العام المصري المترتبة على اختلاف حالته النفسية في ظل الظروف الاستثنائية المفتعلة!!.
(4)
تتباهى مؤسسة الذكاء المصرية باحتلالها للموقع الرابع في الترتيب العالمي من حيث القدرة على السيطرة والتأثير في السلوك السياسي للرأي العام بالاعتماد على التطبيقات الميدانية لعلم النفس السلوكي، وليس من باب المصادفة أن مقر تلك المؤسسة قد احتل ذات الموقع الجغرافي لمستشفى خاص بالأمراض العقلية المزمنة أنشأه طبيب نفسي شاب، كان فاشلاً قبل تصعيده الصاروخي بدعم المؤسسة ليصبح عميداً لإحدى كليات الطب ثم مديراً لجامعة عريقة، حتى بلوغه سن التقاعد الذي سمح له برئاسة عدة منظمات محلية وإقليمية وعالمية متخصصة في مجال الطب النفسي تحت رعاية شقيقه عضو تنظيم "الضباط الأحرار" وأحد وزراء عهد "جمال عبدالناصر"، وطوال الفترة الزمنية لجمهورية الخوف الأولى كان الطبيب النفسي نموذجاً للصمت والكتمان وعدم الإفصاح عما شارك فيه أو شاهده أو سمعه، بشأن شرور الممارسات التي نفذتها مدارس السيطرة الثلاث التابعة لمؤسسة الذكاء المصرية من أجل الحفاظ على استقرار نظام الحكم وضمان استمراره، لاسيما وأنه شخصياً حصل خلال تلك الفترة على مقابل سخي لخدماته في شرور السيطرة بمنحه ما لا يستحقه من سلطة وشهرة ومال وجنس، إلى جانب تعيين الذين يمتون له بصلات قرابة أو نسب أو صداقة في المواقع الوظيفية البارزة والمؤثرة داخل أروقة الدولة والمجتمع حسب رغبات كل واحد فيهم، حتى أنهم شكلوا فيما بينهم شبكة منتفعين تحمل اسم الطبيب النفسي ذاته، وقد فوجئ الجميع قبيل سقوط الجمهورية الأولى في فبراير عام 2011 مباشرةً بانفلات لسانه من عقاله ليصبح شخصاً كثير الكلام والبوح والفضفضة التي تتجاوز كافة الخطوط الحمراء، مما أقلق أعضاء شبكة المنتفعين الذين أدركوا أن انفلات لسان الطبيب النفسي لا يشكل خطراً على حياته فقط بل يهدد أيضاً مصالحهم غير المستحقة المكتسبة بفضله، فقرروا العمل معاً للسيطرة على لسانه المنفلت حيث اجتمعوا عليه وأودعوه بغير إرادته داخل دار رعاية معاقي الإصابات الجسمانية والعجزة والمسنين الكائنة بضاحية "التجمع الخامس" في محافظة "القاهرة"، وهناك التقاني وأفلت لسانه عامداً متعمداً الاعتراف بعشرات الوقائع التاريخية منذ استدعاء الرئيس "جمال عبدالناصر" له في منتصف خمسينيات القرن العشرين، لإبلاغه بأن مؤسسة الذكاء الوليدة قررت الاستعانة به كاستشاري سلوك بشري مع استخدام مستشفاه الخاص كمقر دائم للمؤسسة، حتى ذلك اليوم الذي شهد مصرع ابنه الوحيد المترجم بالأمم المتحدة عقب سقوطه من شرفة مسكنه في إحدى العواصم الأوروبية ومصرع شقيقه الوحيد الوزير السابق صعقاً بالكهرباء داخل حمام منزله الريفي الواقع في صعيد مصر، وهما الحادثين اللذين شهدهما يوم واحد من الأيام الأخيرة لجمهورية الخوف وسارعت جهات التحقيق بحفظهما بعد قيدهما تحت وصف "وفاة طبيعية"، رغم إفادته بالسرقة المزدوجة لدفتر مذكراته الذي كان قد أودع نسخة منه لدى ابنه والأخرى لدى شقيقه كأمانات للحماية والاحتياط التاريخي، مما أدى إلى انفلات لسانه كرد فعل دفاعي نحو المؤسسة الوحيدة صاحبة المصلحة في اختفاء دفتر مذكراته، حيث شرع يروي شفاهةً كل ما كان مدوناً داخل الدفتر المسروق حول تفاصيل شرور السيطرة التي شارك في ارتكابها لصالح مؤسسة الذكاء المصرية على امتداد الفترة الزمنية لجمهورية الخوف الأولى، كاشفاً في اعترافاته عن وقائع إجرامية آثمة تضعه مع شركائه من ثعالب المؤسسة تحت طائلة الإعدام السياسي والجنائي عدة مرات، بما في ذلك توصيته الخاصة باستغلال حماسي الوطني من أجل تضليلي واستدراجي إلى مؤسسة الذكاء لإرسالي في مأمورية وطنية حقيقية خارج الحدود، اعتقد الطبيب النفسي واستشاري علم السلوك البشري أنها ستودي حتماً بحياتي فتريح نظام الحكم من مشاغباتي، وهي المأمورية التي أسفرت عن تحطيم عمودي الفقري لألتقيه في دار الرعاية وقد تحطم قلبه بنفس الأيدي الآثمة لثعالب المؤسسة الذين رافقوه طوال عمر جمهورية الخوف الأولى، ولكنه سرعان ما حصل من جمهورية الخوف الثانية على اعتذار عملي بتعيينه عام 2015 رئيساً لأهم وحداتها الاستشارية فتركني وحدي في محنتي وعاد إلى تكرار ذات ممارساته القديمة رغم سابق إعلانه لتوبته عنها!!.
(5)
منذ البدايات الأولى لالتحاق الطبيب النفسي ومستشفاه بمؤسسة الذكاء المصرية في منتصف خمسينيات القرن الماضي وهو يقدم الخدمات الاستشارية المتعارف عليها في هذا المجال، لاسيما تلك المتعلقة بالتنميط السلوكي الجماعي عبر تزييف الوعي الذي يسمونه تحسين الصورة الذهنية المجتمعية، إلى جانب العديد من العمليات القذرة الموصوفة بالاعتيادية نظراً لتكرارها اليومي بانتظام روتيني، والتي شملت فيما شملته عمليات برمجة أدمغة مندوبي المؤسسة الذين يتم اختيارهم أصلاً من بين الشخصيات المنحرفة نفسياً، ليسهل تعبئتهم في بضعة جلسات نحو الممارسة الحماسية لأفعال تحتاج بطبيعتها إلى دوافع شعورية غير متوافرة لديهم، مثل إقناع فتيات السيطرة بالحماس عند ممارستهن للأفعال الغرامية مع الأشخاص المستهدفين دون وجود أي مشاعر غرام لدى الفتيات تجاههم، وإقناع رجال التعذيب البدني بالحماس عند ممارستهم للأفعال العدوانية العنيفة ضد الأشخاص المستهدفين دون وجود أي مشاعر عدوانية لدى الجلادين تجاههم، وكذلك إقناع مندوبي المؤسسة في أوساط الصحفيين والمحامين بالهجوم الشرس أو الدفاع الحار دون شعورهم بمدى استحقاق الأشخاص المستهدفين لهذا الهجوم أو ذاك الدفاع، كما شملت العمليات الاعتيادية القذرة أيضاً إحكام السيطرة النفسية على الخاضعين للاستجواب المعلوماتي بتعريضهم لجرعات محسوبة بدقة من مختلف أنواع المعاملات الكيميائية والكهربائية والإشعاعية والسلوكية، سواء بهدف الحصول على اعترافاتهم الحقيقية أو لدفعهم نحو الإدلاء باعترافات كاذبة عن أنفسهم أو حول غيرهم من الأشخاص المستهدفين، وأيضاً شملت تلك العمليات الاعتيادية القذرة إصدار تقارير طبية عقلية كاذبة لتلبية احتياجات مؤسسة الذكاء دون معاينة الأشخاص الصادرة بشأنهم التقارير، فإذا كان أحد أتباع المؤسسة قيد المحاكمة الجنائية فإن تقريراً بمرضه العقلي يسقط جرائمه تمهيداً لتبرئته وإذا كان أحد خصومها صعب المراس فإن تقريراً بمرضه العقلي يسقط أهليته تمهيداً لاحتجازه داخل المستشفى والتخلص منه، أما التقارير الكاذبة بشفاء أشخاص مازالوا يعانون المرض العقلي فهي تسمح بإطلاق المريض وهو تحت سيطرة المؤسسة، لتدفعه نحو تنفيذ عملية انتحارية ضد الشخص المستهدف فيموت الاثنان معاً ويخلو موقع الجريمة من الأدلة السياسية بادعاء أن مجنوناً عاوده المرض فقتل المجني عليه ثم انتحر، ولم يُفَوِتْ أعضاء قسم السموم بالمؤسسة فرصة استغلال أجساد المرضى المحتجزين في المستشفى لتجربة ابتكاراتهم الجديدة من مختلف أنواع السموم القاتلة، كاختبار معملي حي يوفر لهم معرفة مسبقة بالآثار المحتملة لاستخدامات تلك السموم ضد الأشخاص المستهدفين لاحقاً مع معرفة أنواع الترياق الأصلح لإزالة آثار مختلف السموم لو استخدمتها ضدهم المؤسسات المعادية، ولم يكن نجاح الاستشارات السلوكية التي يقدمها الطبيب النفسي حول العمليات القذرة أو فشلها يقاس بمدى تعافي شخص مريض كما هو معروف في الأوساط الطبية الطبيعية، بل كان يقاس بمدى تلبيتها لاحتياجات مؤسسة الذكاء السياسي المصرية التي تدور حول التحكم في النفس البشرية والسيطرة على السلوك البشري للأشخاص المستهدفين، وحسب هذا القياس الشاذ فقد نجحت نصف استشارات الطبيب النفسي بينما أسفر ربعها عن عدم نجاح بدون خسائر، أما الربع المتبقي فقد حقق فشلاً مصحوباً بخسائر بشرية مما جعله الأكثر مرارة في ذاكرة الطبيب النفسي وبالتالي الأكثر إلحاحاً على لسانه المنفلت خلال اعترافاته!!.
(6)
في ظل الالتزام الصارم بخريطة مهنية تراتبية داخلية تمنح العسكريين كل المواقع القيادية وثلثي المواقع الوسطى ونصف المواقع القاعدية وتوزع النصف الآخر وفقاً لجدول أهمية نسبية تراتبية أيضاً، يشغله الخريجون من التخصصات شبه العسكرية والشُرَطية والتربية الرياضية ثم الطب النفسي وعلم النفس الفردي والاجتماعي ثم الصيدلة والكيمياء ثم العلوم السياسية مع مراعاة استثناءات التوريث المهني، فقد انقسمت مؤسسة الذكاء السياسي المصرية لعدة قطاعات حسب النطاق الجغرافي والمجال الوظيفي، إلى جانب القطاع الفني الذي يشمل فيما يشمله وحدتين للمتخصصين في الطب النفسي وعلم النفس الفردي والاجتماعي، وهما وحدة الدعم النفسي التي تختص باللعب في الأدمغة البشرية الفردية مع وحدة التنميط السلوكي الجماعي التي تختص بتزييف الوعي المجتمعي، بالإضافة إلى قطاع العمليات الذي يتكون من تشكيلات الثعالب البشرية المعروفة باسم مجموعة المحطات الميدانية السرية، حيث تختص كل محطة منها بملف نشاط محدد يتسع ويضيق حسب عدد ونوعية الأشخاص المستهدفين وموقعهم الجغرافي، وكأي خلية سرية فإن التخصصات داخل المحطة تتوزع بين ما هو مكتبي وما هو ميداني لتتوزع الأدوار الميدانية بين التنفيذ والاتصال والتشغيل والتجنيد والمراقبة والتمويه والتغطية والإمداد والتطهير وخلافه، مع إمكانية تبديل الأدوار فيما بين أعضاء المحطة الواحدة أو المحطات المختلفة وفقاً للاحتياجات العملياتية على أرض الواقع، هذا وتستخدم كل محطة عدداً كبيراً من المندوبين الدائمين ذوي الصلات الطبيعية بالملف الذي تباشره المحطة ليكونوا بمثابة أتباع المؤسسة المقيمين بصفة دائمة داخل العملية والأدرى بشعابها، ويلتحق هؤلاء المندوبون الدائمون بخدمة مؤسسة الذكاء السياسي لتحقيق منافع شخصية لا يستحقونها، سواء تمثلت في تحصيل الأموال أو النفوذ أو الشهرة أو الوجاهة الاجتماعية أو العلاقات الغرامية غير المشروعة أو تمثلت في محو وإتلاف الوقائع التاريخية المسيئة من ملفاتهم أو تصفية حساباتهم الشخصية مع بعض خصومهم أو ما شابه، ويعمل المندوبون الدائمون تحت الإشراف اليومي المباشر لضباط التشغيل بالمحطات المعنية، ويضطر قطاع العمليات أحياناً خلال مباشرته للملفات الأكثر خطورة وصعوبة إلى الاستعانة ببعض المندوبين المؤقتين المعروفين باسم المتعاونين أو أدوات التنفيذ البشرية، هؤلاء الذين يتميزون عن الأعضاء والمندوبين الدائمين بتقدمهم صفوف التنفيذ الميداني للعمليات دون أية أغطية أو سواتر أو حماية اللهم إلا مهاراتهم الشخصية ودون أي مقابل مدفوعين في ذلك بحماسهم الوطني وبما يؤمنون به من قيم مثالية عليا، وهي المداخل التي تسمح لوحدة الدعم النفسي باختراقهم وتضليلهم وغسل أدمغتهم ليتم تجهيزهم من أجل تنفيذ العملية وهم يظنون أنهم يدافعون عن الأوطان والشعوب وحقوق الإنسان حتى لو كانت العملية بعيدة عن ذلك، ويتولى كبار قادة مؤسسة الذكاء بأنفسهم تشغيل المتعاونين بعد ادعاء صداقتهم على النحو الذي تنصح به وحدة الدعم النفسي، تماماً مثلما حدث معي شخصياً قبل ربع قرن زمني، ونظراً لصعوبة تضليل نفس الشخص مرتين فإن المؤسسة تتخلص من المتعاونين بمجرد انتهاء مأمورياتهم وبصرف النظر عن مدى نجاح أو فشل العملية التي شاركوا في تنفيذها، غير عابئة بما عساه يكون قد لحق بهم من وفيات أو إصابات جسمانية وعقلية أو خسائر مادية واجتماعية خلال تنفيذهم للمأموريات التي كلفتهم بها المؤسسة، أما المندوبين الدائمين فإنه لا يتم الإبقاء عليهم إلا إذا نجحت العمليات التي قاموا بها أما في حالات عدم النجاح بدون خسائر أو الفشل المصحوب بخسائر فإن المؤسسة تتخلص منهم أيضاً لاسيما وقد حصلوا على مقابل أتعابهم سلفاً، وتعتبر مؤسسة الذكاء نفسها قد خسرت فعلياً في حالات فشل العمليات مع حدوث وفيات بين أعضائها سواء بنيران معادية أو نيران صديقة، أو حتى لو حدثت الوفيات بنيران وحدة تصفية الشهود التابعة لقطاع عمليات المؤسسة ذاتها والتي تتلقى تكليفاتها من رئيس المؤسسة، فتسارع بتصفية العضو المستهدف لمنع تسرب أي معلومات أو اعترافات قد تصدر عنه بوعي أو غير وعي مما يكشف مستور مؤسسة الذكاء السياسي أمام الآخرين!!.
(7)
يشرف المتخصصون في الطب النفسي وعلم النفس الفردي والاجتماعي التابعون لمؤسسة الذكاء السياسي على اختيار الأعضاء الجدد المطلوب ضمهم إلى المؤسسة، حيث تشترط العضوية توافر بعض المؤهلات النفسية والتي على رأسها الذكاء الفطري إلى جانب الميول العدوانية والانتهازية والارتياب والاستعلاء، كما تشترط في الوقت ذاته غياب بعض الاعتبارات النفسية مثل الإحساس والضمير والإيمان بالمبادئ السامية، لتسفر عملية الاختيار عن عضوية لا تضم سوى الأشرار من الأذكياء المعروفين بالثعالب البشرية والذين تزداد شرورهم عقب التحاقهم بالمؤسسة، ذلك الالتحاق الذي يمنحهم سلطات مطلقة تصيبهم بالمزيد من الآفات النفسية الموجهة ضد الآخرين لاسيما الموهوبين الموجودين في أروقة الدولة والمجتمع، فالثعالب يكرهون الموهوبين بدافع من غريزتي حب الذات وروح الفريق ليس فقط لأفضليتهم الأخلاقية ولكن أيضاً لحصانتهم في مواجهة التضليل، بما تعنيه تلك الحصانة من صعوبة استغلالهم في التنفيذ الأعمى للعمليات الميدانية القذرة إلى جانب عرقلة خطط التنميط السلوكي الجماعي وتحسين الصورة الذهنية المجتمعية، لذلك تسعى المؤسسة للاستعانة بالبدلاء الذين هم أشخاص عديمي المواهب من ذوي المهارات المتواضعة والكفاءات الضعيفة والطموحات غير المستحقة، فتقوم باستدراجهم وغسل أمخاخهم ثم تجنيدهم كمندوبين وإخضاعهم لسيطرة المؤسسة تمهيداً لتلميعهم بشكل مبرمج حتى يصبحوا نجوماً داخل الأوساط المستهدفة، الأمر الذي يسمح بتصعيدهم وإحلالهم محل الموهوبين على رأس المواقع القيادية المختلفة للدولة والمجتمع والسوق والعلاقات الخارجية مع استمرار الإمساك برقابهم من ثغراتهم ونقاط ضعفهم لضمان السيطرة، وفي هذا السياق تم استدراج وتجنيد امرأة فاشلة لعوب كانت قد دأبت على مطاردة مشاهير الوسط الثقافي المصري لانتزاع السهرات الحمراء والليالي الساخنة معهم، مدفوعة في ذلك بآفة نفسية هي هوس الشهرة والتي شكلت الثغرة الأسهل لاختراقها من قبل ثعالب مؤسسة الذكاء ثم سيطرتهم عليها، وسرعان ما استضافت واجهات المكتبات وصفحات الجرائد والمجلات وترددات البث الإذاعي والتليفزيوني نصوصاً أدبية لم تكتبها هي بل استولت عليها المؤسسة من بعض الأدباء المقهورين أو المخدوعين ونشرتها باسمها، لتتحول هذه النصوص الأدبية في زمن قياسي إلى مسرحيات ومسلسلات وأفلام سينمائية تحصد جوائز المهرجانات الرسمية وتجلب للمندوبة الكثير من المال والشهرة وعضوية مجالس إدارات الجهات المشرفة على مختلف الأنشطة الثقافية، وطوال مسيرة تلميعها وتصعيدها وتمكينها للمواقع القيادية لم تتردد المثقفة الزائفة في التنفيذ الدقيق لأدوارها المطلوبة ضمن نطاق العمليات القذرة للمؤسسة، حتى كلفها ضابط التشغيل بمهمة الاستدراج الجنسي لأحد المشاركين في مؤتمر ثقافي عالمي منعقد خارج الحدود، كان الشخص المستهدف الذي يتمتع بقدر كبير من المهارة الاجتماعية والجاذبية الجنسية زائفاً بدوره كما كان قد تم تكليفه باستدراجها جنسياً لصالح مؤسسة ذكاء سياسي أخرى تابعة لدولة معادية، ونظراً لعدم التكافؤ بينهما فقد انتهت مباراة الاستدراج الجنسي لصالحه حيث وقعت مندوبة المؤسسة المصرية في الفخ وأصبحت تحت سيطرة مندوب المؤسسة المعادية، فحاول ضابط تشغيلها التدخل لوقف استدراجها بتخديرها واختطافها داخل طرد دبلوماسي لإعادتها إلى "القاهرة" حيث تنتظرها وحدة تصفية الشهود، إلا أن أعضاء فريق العمليات الميدانية في المؤسسة المعادية تصدوا له بالقوة مما أسفر عن مصرعه هو والمندوبة المخدرة معاً دون أن يترك المهاجمون خلفهم أي أثر أو دليل، الأمر الذي خلق لدى الرأي العام العالمي عدة علامات استفهام واستنكار حول اختراقات مؤسسة الذكاء السياسي المصرية للأوساط والأنشطة الثقافية العالمية، واعترفت المؤسسة بخسارة تلك العملية مكتفية بتوجيه اللوم الوظيفي إلى المشرف على تجنيد المندوبة الفاشلة وهو الطبيب النفسي استشاري علم السلوك البشري، الذي أدرك بعد فوات الأوان إحدى أهم الحقائق الميدانية للسلوك البشري، ومفادها أن البدلاء عديمي المواهب الخاضعين للتدريب على أيدي الأعضاء الانتهازيين يبيعون أوطانهم بسهولة للعدو الخارجي بعد أن باعوا أهاليهم للعدو الداخلي، ذلك لأن حب الوطن غريزة تشغل الاتساع الممتد في الإحساس والضمير والإيمان بالمبادئ السامية، وهي الاعتبارات التي كان يتعين غيابها كشرط للالتحاق بعضوية مؤسسة الذكاء السياسي المصرية التابعة لجمهورية الخوف الأولى!!.
(8)
تسعى مؤسسات الذكاء السياسي لاصطياد المندوبين والمتعاونين وهم في بدايات أعمارهم، لإحكام السيطرة مبكراً بما يضمن طاعتهم العمياء عند تنفيذهم لأدوارهم في العمليات الميدانية القذرة التي تشنها المؤسسة ضد ضحاياها من الأشخاص المستهدفين، لذلك يقوم الصيادون التابعون لتلك المؤسسة باختراق المدارس الثانوية والإعدادية، إلى جانب منظمات واتحادات الشباب والطلائع وجمعيات الجوالة والكشافة والأشبال والزهرات، بالإضافة إلى فرق اللاعبين الناشئين من فتيان وفتيات الأندية الرياضية بحثاً عن ضالتهم المنشودة، وفي هذا السياق كانت وحدة الدعم النفسي بمؤسسة الذكاء المصرية قد تلقت إخطاراً بوجود تلميذة مراهقة فاتنة الجمال ذات سلوك مستهتر فوضوي وكارهة للمجتمع بسبب استمرار تعرضها لزنا محارم قهري داخل منزل أهلها الكائن في أحد الأحياء العشوائية بالعاصمة، وسرعان ما التقطها ضابط تجنيد شاب منتحلاً صفة طالب فاشل في معهد الطيران المدني ومدعياً تمرده على الأوضاع العامة، رغم وفرة أمواله المستمدة من عائلته الثرية المنشغلة بأطيانها الزراعية الواقعة شمال الدلتا عنه وعما يخصه من دراسة وإقامة منفردة في إحدى الشقق الفاخرة بالعاصمة، والتي لم تكن سوى مقراً آمناً وسابق التجهيز لعمليات السيطرة على المرشحات للتجنيد كمندوبات، وتجاوزت الصبية نسبة الغياب المسموح بها فتم فصلها من المدرسة بعد أن كانت قد غرقت في أوحال الكحول والمخدرات، وعندما بدأ الجنين يتحرك داخل أحشائها طردها ضابط التجنيد من "شقته" ليلتقطها زميله ضابط التشغيل في "شقته" المجاورة، كاشفاً لها عن شخصيته الحقيقية ومرغماً إياها على أن تتزوجه عرفياً بورقة واحدة في حوزته مقابل إحضار الطبيب لإجهاضها، ثم أبلغها ضابط التشغيل بإلغائه لقرار فصلها من المدرسة وأخذ يستخرج لها شهادات نجاح متتالية كانت آخرها تفيد بحصولها على الليسانس الذي سمح لها بالعمل كموظفة علاقات عامة في جامعة القاهرة، وطوال تلك المسيرة كانت المندوبة تنفذ بدقة متناهية كافة أدوارها المطلوبة ضمن العمليات الميدانية القذرة للمؤسسة مع حصولها على كل التدريبات الناعمة والخشنة اللازمة لذلك، في ظل استمرار خضوعها لضابط التشغيل الذي يمسك بيديه ورقة الزواج العرفي إلى جانب ورقة المال الضروري لشراء الكحول والمخدرات، بالإضافة إلى ورقة عدم كشفه عن حقيقة شهاداتها الدراسية التي انتظر حتى قامت باستخدامها رسمياً لإبلاغها بأنها مزورة، وفي تلك الأثناء كان فريقان من الاتجاه الليبرالي يستعدان للتحالف السياسي عقب نجاح التنسيق المشترك بينهما أثناء خوضهما انتخابات نادي أعضاء هيئة التدريس الجامعي، الأمر الذي حرصت مؤسسة الذكاء على إفشاله بأية طريقة وأي ثمن، ولما كان أحد الفريقين يقوده أستاذ جامعي أرمل بينما يقود الفريق الآخر أستاذ جامعي مُطَلّق، فقد أوصت وحدة الدعم النفسي بأن يتم دفع المندوبة الجميلة موظفة العلاقات العامة لاختراق الاثنين معاً من الناحية الجنسية في الوقت ذاته لتخلق بينهما خصومة شخصية تعرقل التحالف السياسي، وبمضي المدة الزمنية لتنفيذها مهمتها في تلك العملية ومع استمرار احتكاكها اليومي بالشخصين المستهدفين اتسع أفق المندوبة وتعمقت رؤيتها الأخلاقية للحياة على كافة محاورها، حيث اكتشفت أنه لدى الأستاذين الجامعيين معاً منظومة متكاملة من الإحساس والضمير والإيمان بالمبادئ السامية التي كانت تظنها غائبة، وأن الأوصاف السلبية التي اعتاد ضابط التشغيل استخدامها حيالهما بعيدة كل البعد عنهما بل هي تنطبق تماماً عليه هو وأمثاله كضابط التجنيد والزاني العائلي الذي اغتصبها بدلاً من حمايتها، وتدريجياً استعادت موظفة العلاقات العامة إنسانيتها المفقودة برعاية الأستاذين فأقلعت عن إدمان الكحول والمخدرات، وشعرت بحب حقيقي تجاه أحدهما فتزوجته كما دفعها احترامها للآخر إلى احتفاظها بموقعه كصديق لزوجها، وهنا تدخل ضابط تشغيلها لسحبها من العملية مهدداً إياها باستخدام الأوراق التي في يديه ومستعيناً بضابط تجنيدها والزاني العائلي الذي كان قد أصبح مندوباً للمؤسسة، فصارحت الزوجة الشابة الأستاذين الجامعيين بكل التفاصيل ليتفقوا ثلاثتهم على فضح تلك العملية القذرة أمام الرأي العام ورد ضابط التشغيل من جانبه بتلفيق عدة اتهامات جنائية ضدهم، وبينما تم اعتقال الأستاذين فإن المندوبة التائبة جيدة التدريب القتالي قد نجحت في الإفلات واتجهت صوب أماكن وجود ضابط التشغيل وضابط التجنيد والزاني العائلي تباعاً، لتقتلهم الواحد تلو الآخر بضربات احترافية في أعناقهم بمبرد أظافرها الحاد والطويل قبل انتحارها بذات المبرد، الذي سبق أن سلمتها إياه المؤسسة ودربتها على كيفية استخدامه كأداة قتل، ورغم استمرار اعتقال الأستاذين فقد تحالف الفريقان الليبراليان مما أسفر لاحقاً عن ظهور حزب سياسي معارض كبير، واعترفت المؤسسة بخسارة تلك العملية مكتفية بتوجيه اللوم الوظيفي إلى من أوصى بتنفيذها وفق السيناريو الفاشل وهو الطبيب النفسي استشاري علم السلوك البشري، الذي أدرك بعد فوات الأوان إحدى أهم الحقائق الميدانية للسلوك البشري، ومفادها أن مشاعر الحب الحقيقي لدى الإنسان السوي تتغلب على مشاعر الكراهية العابرة لديه حتى لو كانت حقيقية!!.
(9)
انضم في صباه إلى الإخوان المسلمين لكنه لم يستمر معهم بسبب اشتغالهم بالسياسة التي يتحاشاها لأنه يراها نوعاً من الخداع، ثم التحق بجمعية سلفية وجد فيها ضالته المتمثلة في الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأخذت مسئولياته تتصاعد تدريجياً داخل الجمعية حتى أصبح شيخها إلا أنه عجز كغيره من مشايخ السلفيين عن مقاومة التيار الجهادي، الذي نشأ في أروقة الدعوة السلفية قبل انتشاره واستقواء أتباعه لينشقوا رافعين رايات العنف المسلح ضد استشراء المظالم في الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات الخارجية، هؤلاء الذين تسببوا في اضطرار الشيخ إلى مواجهة محنة السياسة عندما استدعته مؤسسة الذكاء السياسي لتفاوضه وتساومه على ما ليس له طاقة به من مساهمات في عملياتها القذرة ضد الجهاديين، ونظراً ليقينه ببطلان نوايا الفريقين المتصارعين مع ظنه بأن الجهاديين أقرب إلى الله من ثعالب مؤسسة الذكاء، فقد قرر الرد على مساومات المؤسسة باعتزال الجمعية للاعتكاف داخل شقته التمليك التي اشتراها آنذاك في أحد الأبراج الحديثة، عقب انهيار المنزل القديم الذي كان يضم سكنه العائلي ومحله التجاري بفعل زلزال عام 1992 المدمر، ورغم إعلان الشيخ عن نيته الاكتفاء بالصلاة في المسجد المجاور إلا أن المصلين الذين يعرفونه أرغموه على الإمامة والخطابة وتوجيه الصدقات لمستحقيها، ورغم استمرار حرصه على تحاشي السياسة إلا أن مؤسسة الذكاء استمرت تترصده عقب توصيفها له كجهادي نائم محتمل بسبب رفضه التعاون معها ضد الجهاديين، وباستشارة وحدة الدعم النفسي تم وضع خطة إيقاعه تحت السيطرة تمهيداً لاستخدامه في عمليات السيطرة على الجهاديين، حيث حصل بواب البرج الذي يسكنه الشيخ على فرصة عمل في الخليج العربي وفرتها له المؤسسة بشرط تسليم موقعه قبل مغادرته إلى أحد مندوبيها، الذي انتحل صفة البواب الجديد مقابل حصوله على ترخيص مطحن ومخبز في بلدته الريفية، بعد أن كانت وحدة الدعم النفسي قد التقطته من داخل مستشفى الأمراض العقلية التي سبق إيداعه فيها لعلاجه من الهلاوس السمعية والبصرية، ونفذ المندوب بدقة متناهية كل الأدوار المطلوبة منه لاستدراج الشيخ إلى قسم الشرطة دون جدوى سواء ليقظة هذا الأخير أو لتسامحه، فتدخل ضابط تشغيله الذي انتحل صفة مستأجر خليجي لشقة مفروشة في البرج وأبلغ شرطة السياحة هاتفياً باكتشافه أن المقبض النحاسي الذي باعه إليه البواب مسروق من الواجهة الخارجية لباب شقة الشيخ، فاستدعى قسم الشرطة الطرفين لأخذ أقوالهما وهناك اضطر الشيخ لتوجيه اتهام بالسرقة إلى البواب الذي أنكر التهمة مبرراً إياها في محضر التحقيق الرسمي بأن الشيخ يكيد له لرفضه ممارسة الشذوذ الجنسي معه، بعد أن أعاد ضابط التشغيل المقبض النحاسي لمكانه ثم غادر البرج دون ترك أي أثر يشير إلى وجوده الظاهري في العملية، كانت خطة السيطرة المقترحة من وحدة الدعم النفسي تتوقع احتجاز الشيخ داخل بدروم قسم الشرطة طوال الليل انتظاراً لعرضه على النيابة في صباح اليوم التالي مع البواب، بما يسببه له اتهامه بالشذوذ الجنسي خلال مبيته وسط المجرمين الجنائيين من إهانات ومضايقات وتحرشات الأمر الكفيل بتحطيمه معنوياً، على أن يتم ترحيله صباحاً إلى مقر المؤسسة وليس النيابة لمعاودة مفاوضته ومساومته مجدداً وهو أكثر استعداداً للخضوع بعد الدرس التأديبي الذي تلقاه، ولكن تصادف أن بدروم الاحتجاز بقسم الشرطة كان يأوي أيضاً في تلك الليلة بعض شباب الجهاديين المستترين من ذوي الميول العنيفة والعضلات المفتولة والذين يعرفون جيداً قيمة الشيخ الدعوية، حيث استاء الشباب للغاية من قذارة الفخ الذي نصبته مؤسسة الذكاء وأوقعت فيه شيخهم، فأمسكوا مندوبها البواب وقاموا بتكبيل يديه ورجليه من الخلف ليجبروه على إعلان كل تفاصيل العملية القذرة أمام جميع النزلاء بما في ذلك البيانات الحقيقية لضابط تشغيله، ثم قاموا بقطع عضوه الذكري لوضعه داخل فمه تاركين إياه ينزف حتى وفاته التي تم قيدها كانتحار استناداً للشهادات الطبية العديدة بجنونه، وتلقى ضابط التشغيل إخطاراً بما حدث في نفس الوقت الذي كانت وحدة تصفية الشهود قد تلقت فيه تكليفاتها بالتدخل، لتنشر الصحف بعد أيام قليلة خبر انقلاب سيارة يقودها ضابط في مؤسسة سيادية مما أدى إلى وفاته، وغادر الشيخ مصر لتأدية فريضة الحج حيث اصطحبه إلى مطار القاهرة عشرات الألوف من محبيه وبقي في الأراضي الحجازية حتى انهارت جمهورية الخوف الأولى عام 2011، واعترفت المؤسسة بخسارة تلك العملية مكتفية بتوجيه اللوم الوظيفي إلى المسئول عن وضع خطتها الفاشلة وهو الطبيب النفسي استشاري علم السلوك البشري، الذي أدرك بعد فوات الأوان إحدى أهم الحقائق الميدانية للسلوك البشري، ومفادها أن التمادي في قذارة عمليات السيطرة يشكل عنفاً مفرطاً يمكن أن يثير لدى الشخص المستهدف أو المحيطين به ردود أفعال عنيفة تجاهه، مع اعتبار البادئ هو الأظلم أمام الله والتاريخ والرأي العام!!.
(10)
كان اختيار الأشخاص المناسبين لقيادة المواقع التنفيذية المختلفة على نحو يرضي أنظمة الحكم في جمهورية الخوف الأولى هو الأكثر تعقيداً بين عمليات وحدة الدعم النفسي التابعة لمؤسسة الذكاء السياسي، حيث كانت عمليات الاختيار تتم من خلال أسلوب الحواجز الإقصائية عبر عدة مراحل مبرمجة ومتتالية، تبدأ بالفرز الأمني للمعلومات الموجودة في ملفاتهم، ثم بإخضاعهم لمرحلة المتابعة الميدانية والتي يتم فيها تعريضهم لصدمات وضغوط مفتعلة بهدف رصد ردود أفعالهم النفسية والسلوكية، ثم بوضعهم على رأس بعض المواقع التنظيمية الوسطى لقياس كيفية وتوقيتات اتخاذهم للقرارات اللازمة سواء كانت إيجابية أو سلبية، وتنتهي العملية بصدور التوصيات الختامية لوحدة الدعم النفسي بفتح أبواب المرور نحو قيادة المواقع التنفيذية المختلفة أمام الأشخاص الذين نجحوا في عبور تلك الحواجز الإقصائية، مع إبقائهم تحت متابعة المؤسسة سواء بواسطة ضباط الاتصال والتشغيل المكشوفين لهم أو بواسطة ضباط المراقبة والتنفيذ المستترين عنهم، وتستمر تلك المتابعة حتى لو تركوا مواقعهم القيادية خوفاً من آفة الاعترافات التي تصيب العجائز خلال الفترة الزمنية الواقعة بين التقاعد والوفاة والمعروفة باسم مرحلة كتابة المذكرات، والتي غالباً ما تشهد تدخل وحدة تصفية الشهود للتعامل الميداني سواء مع الاعترافات أو مع الذين قاموا بكتابتها وحيازتها حسب درجة خطورة الأوراق وأهمية الأشخاص، وكانت وحدة الدعم النفسي قد أوصت بترشيح أحد المناضلين الماركسيين السابقين بعد اجتيازه كافة الحواجز الإقصائية، استناداً إلى سهولة إخضاعه للسيطرة بحيث تستطيع المؤسسة من خلاله السيطرة على القطاعات الشعبية التي تثق فيه، نظراً لضعف شخصيته أمام غواية السلطة واستجابته للضغوط التي مورست عليه عقب توريطه في بعض المخالفات المالية والانحرافات الجنسية المحفوظة داخل ملفات المؤسسة لزوم السيطرة، ونظراً لنجاح الوحدة في تضليله وإقناعه بأهمية موقعه القيادي لتحسين أحوال المجتمع ولإصلاح الدولة من داخلها، تم تعيين المناضل الماركسي السابق رئيساً لهيئة خدمية ثم محافظاً فوزيراً واستمرت أموره تمضي على هوى المؤسسة حتى اكتشف ذات يوم أن الابن الأكبر لرفيقه الأقرب في نضاله السابق يعمل موظفاً داخل وزارته، وعندما استدعاه الوزير لسؤاله عن كيفية إفلاته من أكمنة المؤسسة شرح له الشاب أنه اضطر من أجل الحصول على غايته المشروعة في وظيفة حكومية إلى استخدام وسيلة ادعاء البلاهة كإحدى فنون "اللوع" الشعبي، وسرعان ما قام الشاب الشبيه بأبيه في الشكل والمضمون والأسلوب إلى حد التطابق بتسليم الوزير الخطابات السابق إرسالها من أبيه لأمه أثناء فترات الهروب والاعتقال، والتي احتوت على فقرات كاملة تشيد بالدور النضالي للوزير في العديد من الوقائع التاريخية المضيئة، مما أعاده بقوة لذكريات تلك الأيام التي شهدت مصرع رفيقه وهو يحميه بجسده ليتلقى بدلاً منه رصاص قوات مكافحة الشغب خلال احتجاج سلمي للمطالبة بإصلاح أداء الدولة وتحسين الأحوال المعيشية للمجتمع، ولما زاره رفيقه في أحلامه ليعاتبه على انضمامه إلى أولئك الذين أوشكوا ذات يوم أن يقتلونه انقشع عنه غبار التضليل ليدرك أنه فقد توازنه الأخلاقي، وعندما حاول الوزير الانسحاب بهدوء من موقعه متعللاً بأسباب واهية أبلغته مؤسسة الذكاء رفضها لانسحابه باعتباره هروباً من المعركة يستوجب العقاب، مع توجيه رسالة ميدانية فورية لترويعه باقتحام منزله ومكتبه في الوقت ذاته وبعثرة المحتويات هنا وهناك، فقام الوزير باصطحاب الشاب ابن رفيقه إلى الشارع بعد أن كان قد كلفه بوظيفة مستشاره الفني، ليطلعه على نيته استخدام وسيلة ادعاء البلاهة كإحدى فنون "اللوع" الشعبي حتى تضيق به المؤسسة فتطرده من موقعه ليستريح ضميره ويستعيد توازنه الأخلاقي وقدرته على النوم، ولتحاشي معدات المراقبة السرية المزروعة في مكتبه اتفق معه على استخدام قاموس لغة العيون والرموش الذي تشمل مفرداته فيما تشمله "الغمز" كإشارة تؤكد أنه مازال بخير، وأجاد الوزير تمثيل دور المصاب بالزهايمر خلال اجتماعاته مع كبار قادة الدولة بمن فيهم رئيس الجمهورية آنذاك ونائبه الذي كان يرأس مؤسسة الذكاء السياسي في ذلك الوقت إلى جانب رئيس الوزراء الذي كان بدوره نائباً لرئيس مؤسسة الذكاء في حينه، فطلبت المؤسسة رأي وحدة الدعم النفسي التي اقترحت غرز حقنة محشوة بالتركيبة الكيميائية المسببة لمرض الزهايمر في عنق الوزير باعتبارها لن تغير شيئاً لو كان مرضه حقيقياً، أما في حالة تمارضه للهروب من المعركة رغم سابق تنبيه المؤسسة عليه فإن الحقنة المقترحة سوف تلبي له رغبته وتبدد في الوقت ذاته كل ما يحوزه عقله من أسرار الأمر الذي يجلب الطمأنينة للمؤسسة، وعند حلول ساعة الصفر اقترب ضابط التنفيذ المستتر بوظيفة المساعد الطبي للوزير منه ثم غرز الحقنة في عنقه باحترافية شديدة وهو يدعي أنها تحوي مهدئاً لألم الأسنان، فلما نظر ابن رفيقه إلى عينيه ورموشه دون أن يرى "الغمز" المتفق عليه بينهما أدرك ما حدث وشعر كأن الثعلب البشري قد اقتلع قلبه من داخل جسده فانهال على رأسه بتمثال رخامي كبير ليقتله فوراً، حكم القضاء الجنائي بالسجن المؤبد على المستشار الفني الذي مازال ضميره يجلده لحديثه عن وسيلة ادعاء البلاهة كإحدى فنون "اللوع" الشعبي، وهي الوسيلة التي حاول الوزير استخدامها فأنهى حياته فاقداً للوعي والذاكرة وناسياً للأشخاص الذين مروا على تاريخه وللأسرار التي كانت في حوزته، اعترفت المؤسسة بخسارة تلك العملية مكتفية بتوجيه اللوم الوظيفي إلى الفاشل الذي قام بترشيح المناضل الماركسي السابق لموقع قيادي ثم اقترح غرز الحقنة المسببة للزهايمر في عنقه حفاظاً على أسرار الدولة، وهو الطبيب النفسي استشاري علم السلوك البشري الذي أدرك بعد فوات الأوان إحدى أهم الحقائق الميدانية للسلوك البشري، ومفادها أن إخضاع الأشخاص لمؤسسة الذكاء السياسي تحت الضغط أو التضليل يجعل الخاضعين كالألغام القابلة للانفجار عند أي احتكاك إنساني حقيقي!!.
طارق المهدوي