النازيون في مصر المعاصرة

طارق المهدوي
2017 / 2 / 18

النازيون في مصر المعاصرة
طارق المهدوي
(1)
وفقاً لحكايات إعلام الدولة الرسمي فهو من مواليد حي "منيل الروضة" بالقاهرة عام 1922 وإنه بمجرد حصوله على شهادة الثقافة العامة باجتيازه للصف الرابع الإعدادي دفعه حبه للوطن إلى الالتحاق بالكلية الحربية, التي تخرج منها ليبدأ مشواره العسكري أثناء اشتعال الحرب العالمية الثانية (1939- 1944) بين معسكرين من الدول الكبرى, هما معسكر المحور بقيادة ألمانيا وإيطاليا واليابان ومعسكر الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وفرنسا مع بريطانيا الجاثمة آنذاك بقوة احتلالها العسكري على الأراضي المصرية، وحسب الإعلام الرسمي أيضاً فقد شارك عام 1948 في حرب فلسطين حيث التقى بزملائه الذين شكلوا لاحقاً تنظيم الضباط الأحرار ليطيحوا عام 1952 بالملكية ويقيموا على أنقاضها الجمهورية الأولى التي استمرت حتى عام 2011, وتولى هو فيها كبقية الضباط الانقلابيين عدة وزارات سيادية واقتصادية وخدمية إلى جانب مواقع سياسية أخرى لا تقل أهمية كالمحافظ أو السفير دون أن تفوته رئاسة بعض الأجهزة والهيئات العامة مثل المخابرات والاستعلامات وغيرهما, وذلك على امتداد العهود المتتالية لرؤساء الجمهورية الأربعة من العسكريين المتعاقبين وهم "محمَّد نجيب" و"جمال عبدالناصر" و"أنور السادات" و"حسني مبارك"، ويذكر الإعلام الرسمي إنه بعد سنوات قليلة من بداية عهد مبارك عام 1981 تفرغ للعمل السياسي المباشر كعضو الأمانة العامة بالحزب الوطني الحاكم, بالإضافة إلى استمرار إشرافه على إمبراطورية المشاريع المالية والتجارية الضخمة التي كان قد نجح في تأسيسها بأسماء أولاده تحت مظلة الأجواء الانفتاحية التي عرفتها مصر عام 1975 خلال عهد السادات، وأخيراً يشير إعلام الدولة الرسمي إلى أنه مع انهيار الجمهورية الأولى بالسقوط المدوي والمهين لنظام مبارك عام 2011 استجاب لنصائح الأطباء بالاعتكاف والخلود إلى الراحة, لاسيما وقد أعقب انهيار الجمهورية الأولى دخول مصر مرحلة انتقالية بدأت بتنافس العسكريين مع الإخوان المسلمين لتنتهي بانسجام مخادع مؤقت بين الفريقين دون أن يكون مسموحاً لأمثاله بأي دور سواء في التنافس أو الانسجام، إلا أن حقيقة حكاياته كما يرويها هو بنفسه تختلف جذرياً عن حكايات الإعلام الرسمي للدولة بشأنه من حيث بداياتها ونهاياتها وتفاصيل مشوار حياته الطويل الذي يمتزج بأهم وقائع التاريخ المصري المعاصر!!.
(2)
بالنسبة لبدايات حياته المهنية فهو يؤكد أنه دخل الكلية الحربية هرباً من عقدة نقص لازمت صباه وأزعجته كثيراً بسبب سخرية أقرانه منه ونعتهم إياه بالأنوثة, نظراً لأن أمه التركية الحسناء كانت قد أورثته جاذبية ملامحها وبياض جلدها واصفرار شعرها واخضرار عينيها, ولما استفزته تلك السخرية ذات مرة حتى دفعته إلى محاولة إثبات رجولته عبر تدخين السجائر احتفالاً بحصوله على شهادة الثقافة العامة, رآه أبوه الأزهري الكهل الذي كان بدوره يحاول إثبات رجولته هرباً من عقدة نقص يعانيها في مواجهة زوجة تركية شابة حسناء, فأوسعه أبوه ضرباً أمام أقرانه لتزداد سخرياتهم منه مما أدى إلى تفاقم عقدة النقص لديه, وهكذا لم يجد لنفسه مهرباً سوى دخول الكلية الحربية التي ستبعده عن أقرانه لمدة ستة أيام في الأسبوع كما ستكسبه بعض الخشونة الرادعة لهم، وأما بالنسبة للنهايات فهو يؤكد أنه امتنع عن الطعام والشراب عام 2010 بعد إصابته باكتئاب حاد في أعقاب اكتشافه لغدر زملائه من أعضاء الحرس القديم بالحزب الوطني الحاكم, الذين أطاحوا به خارج الأمانة العامة للحزب بهدف تسليم موقعه لأحد شباب الحرس الحزبي الجديد حرصاً من هؤلاء الزملاء على كسب ود الشباب المستجدين المناصرين لجمال نجل الرئيس "حسني مبارك" في مسعاه لوراثة رئاسة الحزب والدولة بعد أبيه الثمانيني, وفي أعقاب اكتشافه لغدر أبنائه الذين أطاحوا به خارج إمبراطورية المشاريع المالية والتجارية الضخمة التي كان قد سبق له تأسيسها قبل خمسة وثلاثين عاماً بأسمائهم, حرصاً من هؤلاء الأبناء على تحقيق ثروات سهلة بوضعهم لمشاريع أبيهم تحت رعاية "جمال مبارك" وأنصاره، وإزاء فشل كافة المحاولات المبذولة لعلاج اكتئابه وإقناعه بالعدول عن إضرابه نصح الأطباء آنذاك بنقله للإقامة داخل إحدى دور الرعاية المتخصصة, ومع انهيار جمهورية الخوف الأولى عام 2011 بما تلاه من إيداع "حسني مبارك" ونجله "جمال" وبعض الملتفين حولهما من أعضاء الحرس الحزبي القديم والجديد معاً خلف القضبان, انشغل زملاؤه وأبناؤه بخوض عشرات المعارك القضائية الاستثنائية لحماية رقابهم وحرياتهم وثرواتهم في مواجهة اتهامات غير مألوفة لديهم, أجبرتهم على المثول أمام المحاكمات العديدة التي ميزت المرحلة الانتقالية التالية لجمهورية الخوف الأولى, فشاركوا جميعاً في إيداعه رغماً عنه داخل دار رعاية معاقي الإصابات الجسمانية والعجزة والمسنين الكائنة بضاحية "التجمع الخامس" في محافظة "القاهرة", حيث التقاني واسترجعت ذاكرته اليقظة سابق عملي المهني تحت رئاسته في بعض أجهزة الدولة وهيئاتها العامة, بكل مفردات تلك الذكريات حتى الصغيرة منها مثل قطع الشيكولاتة التي كان يخصني بها لمنعي من تدخين الغليون داخل مكتبه, مما شجعه على أن يروي لي تفاصيل مشوار حياته الطويل الذي يمتزج بأهم وقائع التاريخ المصري المعاصر!!.
(3)
قبيل الحرب العالمية الثانية تم استدراجه بمهارة احترافية عالية لتجنيده داخل صفوف إحدى الجمعيات السرية, ولم يكن مسموحاً له في حينه بالحصول على أية إجابات معلوماتية لأسئلته القلقة حول الجمعية سوى أنها تضم الفدائيين الوطنيين الساعين لإجلاء قوات الاحتلال البريطاني عن مصر بواسطة الكفاح المسلح, إلا أنه بمجرد انتهاء الحرب توصل إلى إجابات لغالبية الأسئلة التي طالما أقلقته حيث أدرك أنه كان قد أصبح عضواً قاعدياً عاملاً في الجمعية السرية المعروفة باسم "الحرس الحديدي", وهي المختصة حصرياً بالعسكريين ضمن عدة جمعيات سرية أخرى موزعة على مختلف الفئات الاجتماعية للشعب المصري مثل جمعيتي "الفلاح" و"الصنائع" وغيرهما, واكتشف أن الجمعية السرية التي ضمته لا تمارس الكفاح المسلح وإنما بعض أشكال العنف لاسيما الاغتيالات ذات الطابع العشوائي, والتي تطول أحياناً مواطنين مدنيين لا يحملون فقط الجنسية البريطانية بمن فيهم المصريين تحت دعوى تعاونهم مع قوات الاحتلال, كما تبين له أن الجمعية تعمل من أجل تحقيق المصالح الضيقة لرعاتها الحقيقيين وهم القصر الملكي وبعض أجهزة استخبارات الدول الكبرى المعادية لبريطانيا وفي مقدمتها ألمانيا النازية, دون علم أعضائها القاعديين المتحمسين, ليتم بذلك استغلال الجمعية ليس فقط في إلحاق الخسائر بقوات الاحتلال البريطاني وأعوانها ولكن أيضاً في إقصاء الخصوم والمنافسين والمعارضين لإحكام السيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع, ضمن الصراعات التاريخية الممتدة بين عدة أطراف محلية وإقليمية وعالمية حول السلطة والنفوذ في مصر ذات الموقع الجغرافي الاستراتيجي والثروات الاقتصادية الهائلة, وقد تضاربت شهادات زملائه من أعضاء الحرس الحديدي وتقديراتهم بشأن البدايات الأولى لنشأة جمعيتهم السرية, فمنهم الذي أرجعها إلى وقوع الاحتلال البريطاني لمصر في القرن التاسع عشر ومنهم الذي أرجعها إلى الحملة الفرنسية على مصر في القرن الثامن عشر, إلا أن بعضهم تمادوا في التقدير ليرجعوها إلى القرن الثاني عشر بزحف الصليبيين نحو مصر تحت رايات دينية مسيحية, الأمر الذي اضطرت معه القيادة المدنية للدولة الفاطمية القائمة في مصر آنذاك إلى الاستعانة بالعسكريين المحترفين من المسلمين غير المصريين كالأيوبيين والمماليك والعثمانيين, هؤلاء الذين جلبوا معهم إلى الأراضي المصرية وسائل دفاعية جديدة, ليستخدموها بعد انتصارهم على الصليبيين في صراعاتهم البينية الداخلية من أجل السلطة والنفوذ, وهي الوسائل التي ضمت الجمعيات السرية عموماً وجمعيات العنف السري على وجه الخصوص، ورغم تضارب الشهادات والتقديرات حول بدايات النشأة التاريخية الأولى لجمعية "الحرس الحديدي" السرية, يتفق جميع أعضائها على أن بدايتها الحقيقية ذات التأثير الفعلي في الواقع الميداني المصري كانت خلال ثلاثينيات القرن العشرين قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية التي قادت ألمانيا النازية أحد طرفيها بين عامي 1939 و1944!!.
(4)
بمجرد اندلاع الحرب العالمية الثانية اعتبرت الاستخبارات النازية الألمانية جمعية "الحرس الحديدي" إحدى أهم القواعد الثابتة المؤهلة لدعم وتلبية احتياجات محطتها الخارجية الأكبر الكائنة في مصر, كما اعتبرتها أحد أهم السواتر الصالحة لتغطية مجمل أنشطة تلك المحطة, الأمر الذي أكده لاحقاً "مايلز كوبلاند" رئيس محطة الاستخبارات المركزية الأمريكية بمصر خلال الفترة نفسها في كتابه الشهير "لعبة الأمم"، لذلك فقد قام الألمان بحشد وتعبئة كل إمكاناتهم المادية والمعنوية لإعادة تنظيم جمعية "الحرس الحديدي" وتطويرها على كافة المحاور السياسية والأمنية والعسكرية, والتي شملت فيما شملته استجلاب أكفأ الكوادر العقائدية والاحترافية لتدريب أعضاء الحرس الحديدي على مختلف استخدامات التقنيات الأحدث في حينه, والخاصة بمجالات جمع وتدقيق المعلومات وتوظيفها ومهارات الاتصال والاختراق إلى جانب التحركات الميدانية لتنفيذ الاغتيالات والتصفية الجسدية وما شابه من عمليات العنف المباشر, بالإضافة إلى العمليات المستترة بقصد التأزيم والترويع والتشتيت والسيطرة وغيرها مما يسميه المصريون "فنون اللهو الخفي"، وقد حصل أعضاء الحرس الحديدي عبر هذه التدريبات على احتياجاتهم من التثقيف والتأهيل النوعي وأوراق الهوية الزائفة, التي ساعدتهم في اختراق مؤسسات الدولة السيادية والتنفيذية والتشريعية والقضائية والأحزاب والتنظيمات السياسية ذات التأثير الجماهيري كالوفد والشيوعيين والإخوان المسلمين ومصر الفتاة, كما ساعدتهم في شغل وتولي عدة مواقع قيادية هنا وهناك تسمح لهم بتوجيه المؤسسات والأحزاب والتنظيمات المخترقة ودفعها نحو ما تريده المخططات الألمانية، وفي السياق ذاته جلب الألمان إلى الأراضي المصرية من خلال "الحرس الحديدي" الوسيلة القذرة المعروفة باسم "فتيات السيطرة", وذلك بالتجنيد المنظم والواسع للمنحرفات ذوات التطلعات غير المستحقة من المصريات وبنات الجاليات الأجنبية المقيمة مع الاستقدام السخي لمنحرفات الدول المجاورة, ليحصلن بدورهن على احتياجاتهن من التثقيف والتأهيل النوعي وأوراق الهوية الزائفة التي ساعدتهن في الإيقاع بالعناصر البارزة المستهدفة هنا وهناك, لدفعهم نحو ما تريده المخططات الألمانية أو على الأقل لاستدراجهم إلى عضوية جمعية "الحرس الحديدي" السرية تمهيداً لاستخداماتهم المستقبلية، ومن خلال الجمعية استحدث الألمان وسيلة التلاعب بالصورة الذهنية لمنح الأعضاء والمندوبين وفتيات السيطرة قبولاً مجتمعياً زائفاً يساعدهم في عمليات الاختراق والترقي صعوداً نحو ما تريده المخططات الألمانية, وذلك عبر تنقية تواريخهم وأموالهم وشخوصهم من العفن الذي يملؤها والقاذورات التي تحيط بها ثم إغراقهم بمكسبات اللون والطعم والرائحة وتسليط الأضواء على إيجابيات وهمية يتم إلصاقها بهم زوراً, بما يقتضيه ذلك من تلميعهم داخل دوائر الانتشار المجتمعي آنذاك كالمسرح والسينما والآداب والفنون والصحافة والإذاعة والصالونات والمنتديات الثقافية والجوائز المفبركة, وما شابه من "فنون غسيل البشر" المستمرة في مصر حتى الآن على طريقة هيئة الاستعلامات النازية الألمانية!!.
(5)
انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1944 بتغيير مجمل خرائط العلاقات الدولية جذرياً على كل المستويات التي أسفرت بدورها عن انعكاسات مختلفة في الساحة الداخلية المصرية, حيث أسفرت هزيمة معسكر المحور الذي تقوده ألمانيا النازية عن التوقف المؤقت لتدخلات الاستخبارات الألمانية في شئون الدول الأخرى بما فيها مصر من الناحية الرسمية, وأسفر فشل بريطانيا في هزيمة ألمانيا بمفردها عن التراجع النسبي لموقفها العالمي وبالتالي ضعف هيمنتها التقليدية على مستعمراتها القديمة بما فيها مصر, كما أسفر نجاح المجهود الحربي الأمريكي والسوفيتي في حسم الحرب لصالح معسكر الحلفاء عن إعادة ترتيب مراكز القوة في العالم ودخوله مرحلة جديدة ثنائية القطبين دار الصراع حول قيادتها بين واشنطون وموسكو, حيث لجأت الأولى إلى أسلوب الهيمنة الاقتصادية بينما لجأت الثانية إلى أسلوب الهيمنة الأيديولوجية كبدائل حديثة غير مباشرة لوراثة السيطرة التقليدية المباشرة على مستعمرات العالم القديم بما فيها مصر, وفي إطار الصراع بين القطبين على تلك المستعمرات أخذت واشنطون تدعو أتباعها إلى تطبيق النظام الجمهوري الذي تحظى فيه القوات المسلحة بالنفوذ السياسي الرئيسي, بينما أخذت موسكو تدعو أتباعها إلى تطبيق النظام الجمهوري الذي تحظى فيه الأحزاب الشيوعية بالنفوذ السياسي الرئيسي, وهكذا اتفق القطبان الكبيران الجديدان ضمناً وبدون قصد على انتهاء صلاحية الأنظمة الملكية الوراثية الحاكمة لمستعمرات العالم القديم بما فيها مصر آنذاك, الأمر الذي أدركه جيداً الملك المصري "فاروق" فسعى إلى مقاومته لحماية نفسه ونفوذه ومصالحه عبر كافة الوسائل المتاحة أمامه وعلى رأسها جمعية "الحرس الحديدي" السرية, من خلال احتفاظه بوجودها وتطويرها لاستخدامها ضد خصومه ومناوئيه القدامى والجدد لاسيما في ظل استمرار علاقاته المميزة مع قياداتها وأبرز كوادرها من المصريين، وعلى رأسهم معلمه الخاص ورئيس أركان الجيش السابق الفريق "عزيز المصري" وطبيب أسنانه الخاص عضو الديوان الملكي لواء الجيش "يوسف رشاد" مع زوجته "ناهد رشاد" كبيرة وصيفات القصر الملكي وكبيرة ممرضات الجيش، إلى جانب ضابط الجيش النشط العقيد "مصطفى كمال صدقي" الذي كان يتولى آنذاك مهمة قيادة العمل الميداني السري للجمعية مع زوجته الفنانة "تحية كاريوكا" صديقة سيدة الترفيه الشهيرة "حكمت فهمي"، ليحظى الحرس الحديدي بفرصة تاريخية غير متوقعة لاستمرار وجودهم التنظيمي وأنشطتهم السياسية والأمنية والعسكرية, وإزاء اضطرار بعض القيادات العليا وغالبية الكوادر الوسطى والمندوبين القاعديين والميدانيين لأجهزة الاستخبارات النازية الألمانية وحليفاتها الإيطالية واليابانية وغيرها إلى الفرار والتخفي, هرباً من المطاردات واسعة النطاق والرامية لإجبارهم على المثول أمام المحاكمات الجنائية الدولية التي كانت تقضي بإعدامهم كمجرمي حرب, فإنهم لم يجدوا تمويهاً أفضل من الذوبان داخل الجمعيات السرية التابعة لهم والتي كانوا يعتبرونها قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية مجرد قواعد وسواتر لأنشطتهم الخارجية مثل جمعية "الحرس الحديدي", وبترحيب من القصر الملكي تم ذوبانهم داخل الجمعية ليمنحونها بذلك اتساعاً في نطاق العضوية الجديدة ذات المهارات المتعددة والخبرات المختلفة الأمر الذي تحسنت معه أحوالها التنظيمية, حتى وقعت حرب فلسطين عام 1948 والتي أسفرت بدورها عن إعادة ترتيب مجمل الخرائط السياسية الإقليمية بتكريس الوجود الإسرائيلي كأمر واقع في قلب الشرق الأوسط, عقب الهزيمة المخزية والمهينة التي لحقت بالجيوش العربية بما فيها الجيش المصري على أيدي عصابات البلطجة الصهيونية المعادية أيضاً لألمانيا النازية!!.
(6)
كان الاعتراف بالمسئولية عن هزيمة الجيش المصري في حرب فلسطين عام 1948 يحتاج إلى شجاعة غير متوافرة آنذاك لدى الأطراف الثلاثة المسئولة معاً عن الهزيمة بدرجات متفاوتة, فراحوا يتبادلون الاتهامات فيما بينهم بشأنها, حيث وجه الملك "فاروق" اتهاماً بسوء القيادة والتوجيه لقائد عام الجيش الفريق "حيدر باشا" ورئيس الأركان اللواء "عثمان المهدي", اللذان اتهما من جانبهما الضباط المقاتلين أنفسهم بمن فيهم أعضاء "الحرس الحديدي" الميدانيين بالإهمال والتراخي, فرد هؤلاء باتهام الملك "فاروق" شخصياً بتوريد أسلحة متخلفة عجزت عن مواجهة الأسلحة الأحدث التي كانت في حوزة عصابات البلطجة الصهيونية أو الصمود أمامها وهو ما أصبح معروفاً بعد ذلك بصفقة الأسلحة الفاسدة، ومع استمرار دورة الاتهامات المتبادلة بين الأطراف الثلاثة واتساع نطاقها النخبوي والجماهيري على أيدي الصحافة والأحزاب ازدادت العدائيات حتى وقع الطلاق القاسي بين القصر الملكي والحرس الحديدي, الذين توقفت أنشطتهم واجتماعاتهم السرية لعدة شهور قبل أن يتلقوا تعميماً شفهياً خلال الربع الأخير من عام 1949, لإبلاغهم بأنهم منذ ذلك التاريخ لم يعودوا أعضاءً بجمعية "الحرس الحديدي" السرية بل أصبحوا أعضاءً في تنظيم "الضباط الأحرار" السري الجديد الذي أصدر بيانه السياسي الأول خلال الربع الأخير من عام 1950 بعنوان "نداء وتحذير". ومرة أخرى حالت اعتبارات السرية دون حصوله على إجابات يقينية لأسئلته المقلقة حول ما إذا كانت جمعية "الحرس الحديدي" قد غيرت اسمها إلى تنظيم "الضباط الأحرار" أم إنها انضمت له واندمجت فيه مع غيرها من الجمعيات السرية, رغم بعض الشواهد الهامة التي استوقفته مثل الاختفاء التام والنهائي للجمعية عن الساحة السياسية بمجرد ظهور التنظيم, واستمرار وجود "عزيز المصري" و"يوسف رشاد" وزوجته "ناهد" في الخلفية الغامضة لأنشطة التنظيم واجتماعاته بعد أن كانوا يتصدرون واجهة الجمعية, وكذلك استمرار وجود "مصطفى كمال صدقي" كعضو مؤثر في التنظيم بعد أن كان يقود الأنشطة الميدانية للجمعية, إلى جانب بعض الذين سبق لهم العمل معه كأعضاء في الجمعية ثم أصبحوا يقودون التنظيم مثل "أنور السادات" و"زكريا محيي الدين" و"صلاح سالم" و"حسن عزت" و"عبدالمنعم عبدالرؤوف" و"حسين صبري ذوالفقار" وغيرهم, والأهم من ذلك كله بالنسبة إليه هو شخصياً أن فتاة السيطرة الصغيرة ابنة إحدى الجاليات الأجنبية المقيمة والتي كانت قد استدرجته بمهارة احترافية لتجنيده داخل صفوف الجمعية في أواخر الثلاثينيات, هي نفسها قد أصبحت زوجة لأحد أبرز قيادات التنظيم بعد اكتمال نضجها الأنثوي في أواخر الأربعينيات, ليعلو نجمها مع زوجها لاحقاً وتصبح على مدى عقد زمني كامل أهم شخصية نسائية في مصر!!.
(7)
في عام 1952 أطاح الحرس الحديدي بعد أن أصبحوا الضباط الأحرار بالملك "فاروق" عقب نجاح انقلابهم العسكري الذي نفذوه تحت حماية واشنطون, حيث كان للسفارة الأمريكية في القاهرة اثنين من "الأصدقاء" أعضاء مجلس قيادة تنظيم الضباط الأحرار هما "علي صبري" و"عبدالمنعم أمين", وعن طريقهما تم الاتفاق بين الطرفين على التزام الولايات المتحدة الأمريكية بمنع قوات الاحتلال البريطاني من التصدي للانقلاب أو التدخل بأي شكل لدعم الملك, مقابل التزام الانقلابيين بحماية المصالح الأمريكية في مصر والشرق الأوسط, بما يقتضيه ذلك من تعهدهم بالإسهام النشط في الحملة الأمريكية "المكارثية" لمكافحة الشيوعية والشيوعيين على كافة المحاور والمستويات المحلية والإقليمية والعالمية, الأمر الذي أكده لاحقاً عضو مجلس قيادة التنظيم "خالد محيي الدين" في كتابه الشهير "والآن أتكلم", وقد اطمأنت الإدارة الأمريكية تدريجياً لدقة التزام الانقلابيين بتعهداتهم بعد اجتيازهم الناجح لعدة اختبارات ولاء متتالية خلال الفترة الواقعة بين عامي 1952 و1954, منها على سبيل الأمثلة لا الحصر إقصائهم لرئيس مجلس القيادة ذاته اللواء "محمَّد نجيب" بدعوى رضوخه لمطالب الجماهير الشعبية المصرية والتي كان الأمريكيون يخشون أن تدفعه نحو الاقتراب من الشيوعية, وإقصائهم لاثنين من أبرز أعضاء مجلس القيادة هما "يوسف صديق" و"خالد محيي الدين" بدعوى سابق تعاملهما مع الشيوعيين المصريين, وإلغاء تكليف المستشار"عبدالرزاق السنهوري" برئاسة الحكومة عقب إعلان "علي صبري" لموقف السفير الأمريكي في القاهرة ضده بحجة تعاطفه مع أفكار حركة السلام العالمي التي تتهمها واشنطون بالميول الشيوعية، فيما فسره الرجل الأقوى "جمال عبدالناصر" لاحقاً بأنه كان مجرد تمويه اضطراري لحين اكتمال انسحاب قوات الاحتلال البريطاني عن مصر عام 1956, ولكن التمويه الاضطراري وحده لا يفسر أبداً الإجراءات العنيفة التي اتخذها عبدالناصر آنذاك لقمع هؤلاء وقهرهم كتحديد إقامة "نجيب" تحت الحراسة الجبرية المشددة في أحد المنازل الريفية النائية ونفي "صديق" و"محيي الدين" خارج الحدود ومنع عودتهم للبلاد, وتحريض المئات من عمال النقل العام والسكة الحديد لمهاجمة مكتب "السنهوري" بالمحكمة وشروعهم في قتله لولا تدخل جمهور المتقاضين لإنقاذ حياته، علماً بأن هذا الهجوم قد تم تنفيذه مقابل أربعة آلاف جنيه حصل عليه المهاجمون بواسطة اثنين من الضباط الأحرار هما "أحمد حمروش" و"إبراهيم الطحاوي" إلى جانب بعض القيادات العمالية الصفراء مثل "أحمد طعيمة" و"الصاوي أحمد الصاوي", كأول مصاريف سرية يتم خصمها من الخزائن الخاصة بالجهازين الوليدين اللذين كان "جمال عبدالناصر" قد أنشأهما لتوه برئاسة اثنين من أعضاء مجلس القيادة هما "زكريا محيي الدين" للمخابرات العامة و"صلاح سالم" لهيئة الاستعلامات, ليخلف هذان الجهازان معاً جمعية "الحرس الحديدي" السرية على محاور المعلومات والاتصال والاختراق والعنف غير المباشر واللهو الخفي والتلاعب بالصورة الذهنية وفتيات السيطرة, وغيرها من محاور العمل السري الذي مازال محاطاً بعدة محاذير ومحظورات تحول دون إثبات تلك الخلافة رسمياً, حتى بالنسبة لشخص مثله أمضى عمره الطويل كله متنقلاً بين المواقع القيادية هنا وهناك وحتى لو كان يحدثني أنا شخصياً مرؤوسه السابق وصديقه الحالي، لدعم خطتي الرامية إلى نشر حقائق وكشف مستور جمهورية الخوف الأولى باعتبار ذلك فرض عين على كلينا من أجل مستقبل أفضل لمصر والمصريين!!.
(8)
بانتصاف خمسينيات القرن العشرين كان الرجل الأقوى في مجلس القيادة "جمال عبدالناصر" قد تخلص من كافة خصومه ومناوئيه ومنافسيه وشركائه غير الضعفاء بالداخل تباعاً, عقب خلع الملك "فاروق" وتحديد إقامة رئيس المجلس اللواء "محمَّد نجيب" وإقصاء أعضاء المجلس "عبدالمنعم عبدالرؤوف" و"يوسف صديق" و"خالد محيي الدين", وطرد قوات الاحتلال البريطاني ومحاصرة الوفديين والشيوعيين والإخوان المسلمين وغيرهم من السياسيين الوطنيين, عبر سلسلة مؤامرات احترافية متتالية ومتداخلة تم تدبيرها بمهارة عالية وتنفيذها بنجاح ساحق من خلال جهازي المخابرات والاستعلامات, ليستأثر "عبدالناصر" وحده بكل سلطات الدولة المصرية محاطاً بأتباعه المطيعين فقط مع هذين الجهازين، وفي إطار سعيه لتحقيق التنمية الاقتصادية التي سبق أن وعد بها جماهير الشعب المصري كسباً لودهم وجد نفسه مضطراً لإنجاز بعض المشاريع الضخمة مثل السد العالي, الذي كان يحتاج إلى تمويل مالي من المؤسسات العالمية التي أوقفت تمويلها للمشروع تحت ضغط بريطانيا الغاضبة لأنها أكملت لتوها سحب قوات احتلالها من الأراضي المصرية كرهاً, فرد "عبدالناصر" بتأميم شركة "قناة السويس" المملوكة لبريطانيا وفرنسا فردتا من جانبهما بالمشاركة مع إسرائيل في شن عدوان عسكري غاشم على مصر عام 1956, وتوزعت المهام القتالية بين أطراف الغزو فقامت بريطانيا بالقصف الجوي لمدن القناة ودلتا النيل بينما قامت فرنسا بالقصف الجوي للقاهرة والإسكندرية ومدن الصعيد أما إسرائيل فاجتاحت سيناء بقواتها البرية، ورغم التدخل الأمريكي- السوفيتي المشترك لوقف العدوان الثلاثي وإرغام أطرافه على الانسحاب من الأراضي المصرية المحتلة إلا أن أجواء التعبئة العامة المصاحبة لحرب السويس باعتبارها أولى حروب جمهورية الخوف الأولى لم تتوقف, حيث كلف "عبدالناصر" المحترفين داخل جهازي المخابرات والاستعلامات بالبحث الموسع عن أفكار جديدة تكفل اتخاذ إجراءات دفاعية إضافية مستحدثة وغير تقليدية في مجال مكافحة الاستعمار والصهيونية, وسرعان ما وافق على التنفيذ الفوري لفكرة عرضها عليه "زكريا محيي الدين" رئيس المخابرات العامة الذي كان بدوره قد تعلق بها بمجرد أن شرحها له مبتكرها "سعد عفرة", ضابط المخابرات المصري المسئول عن متابعة أنشطة ألمانيا ودول معسكر المحور السابق وقواعدهم وسواترهم الداخلية والخارجية سواء كانت قائمة أو نائمة بما فيها الجمعية السرية للحرس الحديدي, وكافأ "عبدالناصر" ضابط مخابراته "سعد عفرة" على فكرته بمنحه رتبة سفير ثم تعيينه رئيساً لهيئة الاستعلامات خلفاً لصلاح سالم, وكانت الفكرة هي تشكيل وحدة عمليات سرية خاصة من ضباط المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية الجدد وانتدابهم إلى الخارج للعمل تحت سواتر إعلامية ودبلوماسية برئاسة السفير "سعد عفرة" رئيس هيئة الاستعلامات وإشراف الفريق "عزيز المصري"، الذي استمر يشغل موقع سفير مصر في الاتحاد السوفييتي منذ بداية حكم الضباط الأحرار سنة 1952 حتى وفاته سنة 1965 عن عمر يناهز الثمانين عاماً كمكافأة نهاية خدماته العديدة لجمعية "الحرس الحديدي"، وحسب فكرة "عفرة" التي تبناها "جمال عبدالناصر" فقد حصلت تلك الوحدة العملياتية الخارجية على صلاحيات سيادية مطلقة حتى تقوم بالاستقدام السري لأكبر عدد ممكن من فلول دول المحور، الفارين والمتخفين في مختلف بلدان العالم تحاشياً للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية أو هرباً من تنفيذ قراراتها بإعدامهم لارتكابهم جرائم حرب وإبادة ضد الإنسانية, وبموجب فكرة "عفرة" فإنه يجب التركيز على الألمان منهم ولاسيما ضباط الاستخبارات النازية المعادين بطبيعتهم للصهيونية والمعادين أيضاً بنفس الدرجة لكل من الشيوعية والليبرالية, ليكونوا بمثابة خبراء ومدربين ومستشارين للأجهزة الأمنية المصرية الوليدة بشأن كيفية مكافحة الاستعمار والصهيونية إلى جانب مكافحة الأفكار الأخرى "الهدامة" كالشيوعية والليبرالية حسب وصف تلك الأجهزة, ووفقاً للفكرة ذاتها فإنه يتم استقدام هؤلاء النازيين والفاشيين والعسكريين فلول الأنظمة الشمولية الاستبدادية لدول معسكر المحور من مشارق الأرض ومغاربها بمساعدة أعضاء الجمعية السرية للحرس الحديدي ذوي الصلات بهم, على أن يتم منح "الخبراء الألمان" سواتر جديدة تليق بكل واحد فيهم وفقاً لأحواله من حيث الاسم والجنسية والديانة والوظيفة وكافة البيانات الأخرى, المدونة في مستندات وأوراق هوية "سليمة" تثبتها وكأنها حقيقية, أسوة بما كان معمولاً به أثناء العصر الذهبي لجمعية "الحرس الحديدي"!!.
(9)
أثناء استغراقي في الاستماع لشهادته حول تفاصيل مشوار حياته الطويل الذي يمتزج بأهم وقائع التاريخ المصري المعاصر باغتني بسؤال نقلني إلى موقع المشارك في بعض تلك الوقائع, حيث سألني عن مدى تذكري لأحد جلساء الصحبة التي طالما شاركتني سهراتي بمنتديات وسط القاهرة في أوائل ثمانينيات القرن العشرين, وهو طبيب الأسنان "طارق فريد حسين" الذي كثيراً ما أفادتني نصائحه الخاصة بكيفية وقاية أسناني كما أفادتني ثقافته اللغوية المتنوعة والعميقة, ثم فاجأني بإشارته إلى أن ذلك الجليس لم يكن سوى الجنرال "هيربيرت هايم" النمساوي الجنسية, الذي سبق توليه لعدة مواقع قيادية هامة في الاستخبارات النازية الألمانية على مقربة من الفوهرر "أدولف هتلر" شخصياً خلال اندماج النمسا وألمانيا قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية, الأمر الذي جلب له عداء صهاينة العالم مما تسبب في فراره عقب انتهاء الحرب بهزيمة ألمانيا واستمرار تخفيه وتنقله سراً بين الدول الأوروبية بعد إرساله لأولاده إلى أمريكا الجنوبية كي يختبئون هناك, هرباً من مذكرة إيقافه الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بمكافحة مجرمي الحرب النازيين, وأوضح لي أنه كان قد تم استقدامه إلى القاهرة عام 1956 كأحد المستفيدين من فكرة "سعد عفرة" التي أصبحت فيما بعد تحمل اسم "ملف الخبراء الألمان", حيث حصل الجنرال "هايم" على مستندات وأوراق هوية سليمة باسم طبيب الأسنان المصري "طارق فريد حسين" إلى جانب دورات تدريبية مكثفة في اللغة العربية عموماً واللهجة المصرية على وجه الخصوص, ونظراً لمخاوف "هايم" الأمنية المفهومة فقد ظل يتنقل بين الفنادق الشعبية الواقعة داخل الأحياء المزدحمة بالقاهرة ولا يستخدم في تحركاته سوى المواصلات العامة المكتظة بالركاب حتى وفاته عام 1992 عن عمر يناهز الثمانين عاماً, تحت متابعة لصيقة على مدار الساعة من قبل مندوبي الأجهزة السيادية المعنية بالأمن السياسي التي جلبته لتوظفه لديها كمستشار, وذلك حتى يقوم المندوبون بحمايته وتغطيته عند الضرورة فيما فسر لي كيفية تسرب المعلومات الخاصة بتكرار جلوسه ضمن صحبتي، وأضاف وهو يتباهى بكفاءة مندوبيه الذين تدربوا مثلي على يديه أن مطاردي "هيربيرت هايم" من مندوبي الأجهزة المعادية لم يعلموا بأمره إلا بعد وفاته بسبعة عشر عاماً, عندما خرق أبناؤه المقيمين في أمريكا الجنوبية التعليمات الأمنية بتوجههم لصرف أموالهم المورثة عنه والمودعة لدى البنوك السويسرية والتي كانت معاملاته بشأنها قد توقفت في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية, مؤكداً لي أنه لولا ضخامة تلك الأموال بدرجة مغرية لأولاده الطامعين ما كان أحدهم قد علم أي شيء عنه مطلقا أسوة ببقية زملائه النازيين والفاشيين والعسكريين من فلول الأنظمة الشمولية الاستبدادية لدول معسكر المحور السابق, حيث اضطر أبناؤه لكي يصرفوا أموالهم إلى تقديم ما بحوزتهم من مستندات تثبت أن أباهم طبيب الأسنان المصري "طارق فريد حسين" الذي هو نفسه الجنرال الألماني "هيربيرت هايم" قد توفى في "القاهرة"، هذه المدينة التي استضافته بصفة دائمة لمدة ستة وثلاثين عاماً كمستشار خاص وسري للأجهزة السيادية المعنية بالشئون السياسية والأمنية والعسكرية, بعد أن كان مقيماً فيها بصفة مؤقتة قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية للتفتيش والمتابعة في إطار مسئولياته الاستخباراتية النازية عن الجمعية السرية للحرس الحديدي, التي كان يشرف عليها آنذاك من الناحية الظاهرية طبيب أسنان مصري حقيقي اسمه اللواء "يوسف رشاد" إلى جانب رئيس أركان الجيش الفريق "عزيز المصري"!!.
(10)
بعد ترديده لعبارات الامتداح والإعجاب بذاكرتي المبرمجة واليقظة كما سبق له وصفها خلال عملي تحت رئاسته قبل ثلاثة عقود زمنية، أعرب عن ثقته بأنني لم أزل أتذكر واقعة استضافتي داخل شقة "نشوى" ذات مرة كعابر سبيل في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، تاركاً إياي مع ذاكرتي حتى يكمل امتصاص قطعة الشيكولاتة الضخمة التي سمحت لي مديرة دار الرعاية بتهريبها إليه رغم تحذيرات الأطباء، حيث كان الاتحاد السوفيتي قد وضع يده عقب سقوط النازية عام 1944 على ربع الأراضي الألمانية وأسماها "ألمانيا الشرقية" ليفرض عليها نظام الحزب الواحد الذي هو الحزب الشيوعي، بينما وضعت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا أياديها معاً على الثلاثة أرباع المتبقية وأسمتها "ألمانيا الغربية" لتفرض عليها نظام الحزبين الكبيرين اللذان يتداولان السلطة فيما بينهما وهما الحزب الاشتراكي والحزب المسيحي، وبينما كان الحزب الاشتراكي يحكم ألمانيا الغربية آنذاك دعاني كي أشارك في أحد مؤتمراته الموسعة بورقة حول الأدب السياسي لدي شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط عموماً والشعب المصري على وجه الخصوص، فالتقطت الأجهزة السيادية المعنية بالأمن السياسي عن طريق هيئة البريد المظروف الذي يحوي تلك الدعوة قبل وصوله لي واحتجزته بهدف إجراء الفحوصات اللازمة والمعتادة مع مراسلاتي، لاسيما وأنني كنت ممنوعاً من السفر في تلك الأثناء دون علمي على خلفية توصيفي أمنياً كمشاغب ماركسي عنيد، وتصادف أن أجرى الرئيس "حسني مبارك" اتصالاً هاتفياً بالمستشار الألماني الغربي الذي كان يرأس الحزب الاشتراكي أيضاً في نفس التوقيت وتطرق حديثهما إلى ورقة الأدب السياسي التي ينتظر الألمان مشاركتي بها ضمن أعمال مؤتمرهم، وهكذا وجه "مبارك" تعليمات فورية إلى أجهزته السيادية لتسليمي الدعوة المحتجزة لديها مع قرار وزاري بمشاركتي ممثلاً للدولة المصرية وعلى نفقتها في المؤتمر الذي لم يكن متبقياً سوى عدة ساعات فقط لافتتاحه، وبما أن بطاقتي العائلية كانت تالفة وغير صالحة للاستخدام ولم يكن بحوزتي أي صور فوتوغرافية حديثة كما أن محاولة استخراج جواز سفر عبر القنوات العادية كانت ستؤدي حتماً إلى معرفتي بقرار منعي من السفر، فقد أصبح الحل الوحيد هو مروري على شقة "نشوى" الكائنة في الطابق الثلاثين بالمبنى التقني التابع لأحد الأجهزة السيادية، وهي عبارة عن خزانة حديدية باتساع ثلاث غرف تضم نظاماً إليكترونياً متكاملاً شيدته شركة "نشوى" اليابانية ليقوم بالطباعة الفورية لكل شيء، كالبطاقات والكارنيهات وجوازات السفر والشهادات والمستندات بمختلف لغات وتوقيعات وأختام العالم والصور الفوتوغرافية الحقيقية والمعدلة والمزيفة وكافة أنواع العملات الورقية المحلية والأجنبية، بالإضافة إلى المعلومات المطلوبة عن أي شخص والمستخرجة من أرشيف إليكتروني عالمي كانت الأجهزة السيادية تستخدمه قبل ظهور الإنترنت بثلاثة عقود زمنية، وطمأنني المسئول التقني المرافق لي بأن أي مطبوع تصدره "نشوى" يتم إثباته فوراً في صفحات الدفاتر والميزانيات والمعاملات الرسمية التي تخصه لتصبح مطبوعات "نشوى" وكأنها حقيقية باعتبارها مسجلة ضمن مستندات الدولة "السليمة"، وخلال إشادة المسئول التقني بنظام "نشوى" المتطور كشف لي أنه آخر العنقود في حينه لسلسلة أجيال متتالية من الأنظمة الشبيهة، الجاري استخدامها منذ البدايات الأولى للعمل السري على أيدي الآباء المؤسسين لما كان يسمى آنذاك بجمعية "الحرس الحديدي"، والذين حققوا نجاحات مبهرة حسب وصفه رغم استخدامهم لنظام تقني تقليدي عتيق كانت قد شيدته لهم شركة "فيليبس" الألمانية!!.
(11)
رغم مرور عشرات الأعوام على الظهور العلني المؤثر في الساحات السياسية والأمنية والعسكرية لجمعية "الحرس الحديدي" السرية، ورغم تباين أنظمة الحكم التي عرفتها مصر خلال تلك الأعوام ما بين الاحتلال والاستقلال من جهة وبين الملكية والجمهورية من جهة أخرى وبين المدنية والعسكرية والدينية من جهة ثالثة، ورغم ما شهدته الأعوام نفسها من عدة انقلابات ناعمة وخشنة أسفرت عن تغييرات هامة في خرائط الجغرافيا السياسية لاسيما تلك المتعلقة بتبديل التحالفات والعدائيات على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، ورغم اتساع حركة التوثيق والبحث العلمي خلال الأعوام المذكورة وقيامها بفتح ملفات المعلومات السرية لكافة أطراف التحالفات والعدائيات السياسية مدحاً أو قدحاً لنشرها أمام الرأي العام، إلا أن أحدهم لم يقترب من ملف جمعية "الحرس الحديدي" بكل امتداداتها المباشرة والملتوية سواء تلك المتمثلة في "ملف الخبراء الألمان" أو غيره من الملفات، ليبقى الغموض محيطاً بحقيقة الانسجام التاريخي الذي حدث بين الأجهزة السيادية المعنية بالشئون السياسية والأمنية والعسكرية خلال العهود الأربعة لجمهورية الخوف الأولى، وبين النازيين والفاشيين والعسكريين فلول دول معسكر المحور السابق الذين تم استقدامهم سراً من مخابئهم في مشارق الأرض ومغاربها ليعملوا مع تلك الأجهزة، فهل حدث الانسجام بسبب اتفاق مصالح الطرفين ضد عدو مشترك هو الاستعمار والصهيونية أم بسبب توافق الميول الشمولية الاستبدادية المتأصلة عند الطرفين أم حدث للسببين معاً، وما هي علاقة هؤلاء المستقدَمين بما ذاقه المصريون في حياتهم اليومية من مرارات الاستبداد والفساد والتبعية على مدى الستين عاماً المنصرمة التي شكلت إجمالي عمر جمهورية الخوف الأولى، والأرجح أن الغموض سوف يبقى محيطاً بالحقيقة إلى أجل غير مسمى، ربما لأن ملف "الحرس الحديدي" بامتداداته المتمثلة في ملفات "الضباط الأحرار" و"الأجهزة السيادية" و"الخبراء الألمان" ليس فعلاً ماضياً بقدر ما هو فعل مستمر في الماضي والحاضر والمستقبل، وربما لأن المعلومات الخاصة بذلك الملف لا تقود حائزها إلى سبق بحثي علمي بقدر ما تقوده نحو متاهات كابوس خانق كالذي ابتُليَ به "إحسان عبدالقدوس" في الأيام الأولى لجمهورية الخوف عام 1952، قبل ستة عقود زمنية من ابتلائي أنا شخصياً به في أيامها الأخيرة عام 2010، وقد دفع الابتلاء نفسه بكلينا إلى الاتجاه نحو الكتابة ذات الطابع الأدبي بدلاً من مقالات الرأي السياسي مع فارق نوعي هام بين نصوص إحسان الرومانسية الحالمة ونصوصي أنا الواقعية المؤلمة، ليس فقط بسبب اختلاف الظروف الذاتية لكلينا ولكن أيضاً لأن الأيام الأخيرة لجمهورية الخوف البائدة كانت قد اختلفت كثيراً عن أيامها الأولى رغم استمرار طابعها الشمولي الاستبدادي منذ نشأتها حتى انهيارها!!.
(12)
ارتبط الكاتب الصحفي "إحسان عبدالقدوس" بعلاقة صداقة شخصية مع "جمال عبدالناصر" الرجل الأقوى في التنظيمات العسكرية السرية منذ حرب فلسطين عام 1948، مما دفعه لترويج رواية الحرس الحديدي عما أسموه بصفقة الأسلحة الفاسدة وغيرها من رواياتهم المفبركة والتحريضية ضد الملك "فاروق" الذي خلعوه وأطاحوا به في انقلاب عام 1952، وذلك على صفحات مجلة "روزاليوسف" التي كان يديرها هو وتمتلكها أمه "فاطمة اليوسف" الفنانة المعتزلة وصديقة "تحية كاريوكا" زوجة الضابط "مصطفى كمال صدقي" قائد عمليات جمعية "الحرس الحديدي"، إلا أنه بمجرد إشارة "إحسان عبدالقدوس" تلميحاً إلى الجمعية بعد شهور قليلة من نجاح انقلاب 1952 في أحد مقالاته المنشورة بالمجلة ذاتها تحت عنوان "الجمعية السرية التي تحكم مصر"، حتى تم اعتقاله داخل السجن الحربي بأوامر مباشرة من صديقه "عبدالناصر" الذي لم يفرج عنه سوى عقب تعهده بعدم الكتابة مستقبلاً في الشأن السياسي، وهو نفس التعهد الذي تم انتزاعه مني أنا شخصياً بمعرفة صديقي "عمر سليمان" رئيس المخابرات العامة الذي أصبح نائب رئيس الجمهورية ثم تولى لاحقاً موقع "جمال عبدالناصر" برئاسته لجمهورية الخوف البائدة في يومها الأخير، والذي طالما استفاد من سابق عملي المهني تحت رئاسته المباشرة لفترة زمنية طويلة، ذلك أنه بمجرد نشر أحد مقالاتي الصحفية حول الحرس الحديدي في الربع الأخير من عام 2010 تحت عنوان "المجد للجمعية السرية"، حتى حوصرت رقبتي بالعديد من سيوف الإزالة النظيفة التي تمنح القاتل خروجاً نظيفاً بينما يحصل القتيل على ميتة مليئة بالقاذورات الكفيلة بتشويه صورته أمام الجميع، لذلك فقد كانت مقايضة "عمر سليمان" لي واضحة برفعه لسيوف الإزالة النظيفة عن رقبتي فور تعهدي له بوقف كتاباتي السياسية المزعجة، والتي تحرجه مع شركائه المستبدين والفاسدين والتابعين الذين يقودون جمهورية الخوف باعتباري كنت ذات يوم من مرؤوسيه المسئولين عن بعض الأنشطة السياسية الخارجية الهامة رغم الصفة الدبلوماسية الظاهرة لتلك الأنشطة، لاسيما بعد تجاوزي للخطوط الحمراء باقترابي من ملف "الحرس الحديدي"، ورغم عدم التزامي بتعهداتي على النحو الذي أراده "سليمان" آنذاك مما تسبب في إبقاء سيوف الإزالة النظيفة حول رقبتي، إلا أن التطورات السريعة والمتلاحقة للاحتجاجات الشعبية العامة والتي أسفرت عن السقوط المدوي والمهين لجمهورية الخوف الأولى عام 2011 قد أنقذت رقبتي ولو إلى حين!!.
طارق المهدوي