ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (18)

طلال الربيعي
2017 / 2 / 17

كما اوضحت في الحلقات السابقة, ان ديالكتيكية الماركسية وفلسفة وايتهيد في الصيرورة منسجمتان مع, ويغني, بعضهما الآخر, كما في الماركسية العضوية. فكما نعلم ان الماركسية تتكون من ثلاثة أجزاء: المادية الديالكتيكية، المادية التاريخية, والاقتصاد الماركسي.

بالنسبة لأولئك غير الملمين بالفلسفة الماركسية، لربما تبدو المادية الديالكتيكية مفهوما غامضا وصعبا. ومع ذلك، بالنسبة لأولئك المستعدين لان يأخذوا بعض الوقت لدراسة هذه الطريقة الجديدة في النظر إلى الأمور، فهم سوف يكتشفون نظرة ثورية من شأنها أن تسمح لهم بالحصول على نظرة ثاقبة وفهم لأسرار العالم الذي نعيش فيه. وفهم المادية الديالكتيكية هو شرط أساسي في فهم الفلسفة الماركسية. المادية الديالكتيكية هي فلسفة الماركسية، التي توفر لنا نظرة علمية وشمولية للعالم- علمية ليست بمعنى العِلمانية, والشمولية ليست بمعنى الشمولية المقترنة بالديكتاتورية او قمع الرأي الآخر, بل هي شمولية التكامل في التحليل وتشخيص الامور, اي ان الشمولية هنا هي منهجية التحليل, وليست مفهوما سياسيا او طريقة في الحكم, وكما وضّحت في الحلقات السابقة. هذا هو الأساس الفلسفي -المنهج- الذي تقوم عليه الماركسية.

وفقا لإنجلز، ان الديالكتيك هو "أفضل أداة عمل لدينا وهو أشد اسلحتنا". وبالنسبة لنا أيضا، هو دليل للعمل ونشاطاتنا داخل الحركة الثورية. وهو مشابه لبوصلة أو خريطة، ويسمح لنا بالحصول على مؤشرات في معمعة الأحداث، ويسمح لنا ايضا بفهم العمليات الأساسية التي تشكل عالمنا (1).

سواء أحببنا ذلك أم لا، بوعي أو بغير وعي، كل شخص لديه فلسفة. الفلسفة هي مجرد وسيلة للنظر إلى العالم. في ظل الرأسمالية، دون فلسفتنا العلمية، سنعتمد حتما الفلسفة المهيمنة للطبقة الحاكمة والأحكام المسبقة في المجتمع الذي نعيش فيه. قول الناس "الامور لن تتغير أبدا" يفسر الامتناع المشترك للناس عن السعي للتغيير، مما يعكس عدم جدوى تغيير الامور والحاجة لقبول الامور كما هي وعلى علاتها وبمظالمها. هنالك بالطبع امثال او اقوال اخرى تعكس هذا التشاؤوم والقبول بالامر الواقع وكأنه قضاء البشرية وقدرها. احد الامثلة الأخرى هو انه "لا يوجد شيء جديد تحت الشمس"، او ان "التاريخ دائما يعيد نفسه"، والتي تعكس النظرة المحافظة نفسها. مثل هذه الأفكار، كما أوضح ماركس، هي بمثابة قوة طاردة لوعى الرجال والنساء (1). فهي تسلبهم الشعور بقدرتهم على التغيير, فيتصرفون بسلبية مدمرة لانفسهم والآخرين. ويتحالفون بذلك مع مازوخية مقيتة تجد تعبيرا لها في سادية السلطة وسلوكياتها القمعية او الفاشية, كما شرحت ذلك, كموضوعة سياسية, في مكان آخر (2). لذا يمكن القول ان المازوخية, على الصعيد السياسي, هي نقيض كامل للماركسية ولمنهجها الديالكتيكي, لانها تختزل الثورة وتلغيها, وذلك باحالتها من فعل للمقاومة الى القبول السلبي بالامر الواقع وما يتضمنه من عذابات او ظلم, ويكون حالها بالمحصلة حال أي منهج مثالي او اية عقيدة دينية تحض الناس على الشهادة من اجل , مثلا, "اعلاء شأن الاسلام"!

فكما أن البرجوازية الناشئة في ثورتها ضد المجتمع الإقطاعي تحدت الأفكار المحافظة الخاصة بالأرستقراطية الإقطاعية القديمة، وبالتالي فإن الطبقة العاملة وكل القوى الثورية, في كفاحها من اجل مجتمع جديد, عليها تحدي النظرة المهيمنة للطبقة الرأسمالية او لحكام النخبة المالية او السياسية. بطبيعة الحال، فإن الطبقة الحاكمة، من خلال احتكارها وسائل الإعلام والصحافة والمدرسة والجامعة, كما اوضحت من قبل بخصوص مفهوم الهيمنة للقائد الشيوعي الايطالي غرامشي, تبرر نظام الاستغلال والقمع بحجج مثل ان وجود الظلم هو "الشكل الطبيعي للمجتمع" او ان "الطبيعة البشرية مجبولة على الجشع والانانية", لاسباب تتعلق, بزعمهم, بالجينات او خلافها. ان آلة الدولة القمعية، "الهيئات المسلحة من الناس"، ليست كافية للحفاظ على النظام السائد. ولذا تخدم الأفكار المهيمنة وأخلاقيات الطبقة السائدة المصالح المادية للطبقة الحاكمة. بدون هذه العقيدة القوية، لا يمكن للنظام الرأسمالي او نظام الاستغلال السائد أن يستمر لأية فترة من الوقت. بالطبع يمكن لهذه العقيدة ان تلبس ما لا يحصى من الاقنعة, مثل قناع الدين, القومية, الوطن, الحزب, او ما يسمى "روح العصر", حيث تصبح الديمقراطية ايديولوجية تمهد بدورها لخلق الارض الخصبة لانتشار الخزعبلات والاوهام التي تحول بالتمام دون تحقيق اية ديمقراطية, حتى بحدنها الادنى. واذا احتجنا الى اقتباس مثال, فاننا لا نحتاج ان نحلق بعيدا في عالم الخيال, فالواقع اقبح من كل خيال. واني لا افشي سرا بقولي ان مثالي المقصود او المفضل هو عراق "ديمقراطية" الاحتلال!

"وبطريقة أو بأخرى،" يقول لينين، "فكل العِلم الرسمي الليبرالي يدافع عن عبودية العمل المأجور ... ان ننتظر من العِلم أن يكون غير متحيزا في مجتمع الأجور والعبيد هو سذاجة او حماقة, حالها حال توقع الحياد من شركات الصناعة بشأن مسألة ما إذا كان يجب ان تكون زيادة أجور العمال مصاحبة لتخفيض أرباح رأس المال" (1). البرجوازية الأيديولوجية الرسمية تخوض حربا لا هوادة فيها ضد الماركسية، وهي ما تعتبره, بكل حق, خطرا قاتلا على الرأسمالية. الكتاب البرجوازيون يدبجون المقالات ويكتبون الكتب في عزم لا ينضب من الدعاية في محاولة لتشويه سمعة الماركسية-وبخاصة الديالكتيك. وقد كان هذا هو الحال خاصة منذ انهيار جدار برلين، واستمرار الهجوم الأيديولوجي الشرس ضد الماركسية والشيوعية والثورة، وظهور اقوال مثل "الماركسية ماتت"، فهم يردون تلك التعاويذ "الدينية" ببغاوية تعكس حجم خرابهم الروحي وخوائهم النفسي. ولكن الماركسية ترفض الاستلقاء على الأرض أمام هؤلاء المشعوذين.

المدافعون عن الرأسمالية، جنبا إلى جنب مع ظلالها في الحركة الثورية والعمالية، يؤكدون باستمرار أن نظامهم هو الشكل الطبيعي والدائم للمجتمع. من ناحية أخرى، يؤكد الديالكتيك أنه لا شيء دائم وكل شيء يموت في الوقت المناسب. هذه الفلسفة الثورية تشكل تهديدا عميقا لنظام الهيمنة والاستغلال، وبالتالي يجب أن يتم تشويهها من قبل النظام, مهما بلغت التكاليف. وهذا ما يفسر "قصفنا" يوميا بتخرصات الدعاية المعادية للماركسية. ولكن كل خطوة حقيقية إلى الأمام في مجالات العلم والمعرفة تخدم التأكيد بصحة الديالكتيك.

يتبع
...........
مصادر ذات صلة:
1. https://www.marxist.com/what-is-dialectical-materialism.htm
2. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=547799