إشكالية الهوية بين الاستبداد والديموقراطية

معتز حيسو
2017 / 2 / 17


بقليل من التدقيق نلحظ أن ثمة ميلاً يتنامى بشكل مُضطرد، مفاده التخلي عن الهويات المنفتحة على المبادئ العامة لليبرالية السياسية منها والفكرية والمنسجمة. ويُعبِّر عن ذلك أوروبياً أحزاب اليمين المحافظ.

ما يعني أن الارتكاس إلى هويات عرقية وقومية وإثنية محمولة على ميول وأهداف سياسية، أو إعادة إحيائها واستنهاضها لأغراض أخرى مختلفة. لم يعد محصوراً ضمن بلدان تهيمن عليها سلطات ديكتاتورية. في الوقت نفسه، فإنه يحمل دلالات وأبعاداً تتجاوز الحيز السياسي وإطار الوعي الهوياتي، إلى أبعاد أخرى اقتصادية تتعلق بفشل العولمة في تحويل العالم إلى قرية صغيرة معولمة، تتماثل أطرافها مع ما وصلت إليه دول المركز الرأسمالي. وأيضاً بما تسببت به التجارة الحرة من كوارث اجتماعية واقتصادية تجلت بارتفاع نسبة الاستقطاب وشدة الاحتكار وبالتالي تمركز الثروات. وجميعها عوامل تساهم في إعادة البحث والتدقيق في مفهوم الدولة ودورها الاقتصادي والاجتماعي الحمائي، إضافة إلى إعادة بحث وتقييم المبادئ العامة لليبرالية والنيوليبرالية والقضايا ذات العلاقة.
من المعلوم أن فرنسا ألمانيا السويد وهولندا إضافة إلى دول أخرى، تشهد صعوداً لحركات وأحزاب اليمين وبشكل خاص اليمين المتطرف. وكل منها لديه أسباب تدفعه لمعارضة التجارة الحرة، والأسس والقواعد الناظمة والمحددة لها، وللدعوة إلى الخروج من منطقة اليورو وأيضاً من الاتحاد الأوروبي. ويتقاطع ذلك مع تركيز الإعلام الروسي على نقد ونقض الديموقراطية الليبرالية الغربية، والترويج للأحزاب اليمينية الأوروبية، إضافة إلى تقديم الرئيس بوتين كمنقذ للقومية الروسية. ويعزز الميول المذكورة استمرار اعتماد الحكومات الغربية في علاقتها مع مجتمعات البلدان الطرفية مبدأ: المركزية الأوروبية، الذي يتم توظيفه وفق آليات «نيوكولونيالية» معولمة.

التدقيق في آليات الصراع السوري وأدواته الوظيفية يكشف عن تأثير غياب الديموقراطية

يدلل ما سبق على أن أنظمة الاستبداد العربية لم تعد الجهة الوحيدة المسؤولة عن استمرار العلاقات المانوية والتناحرية بين الهويات الثقافية والقومية العرقية منها والسياسية نتيجة إقفالها أبواب الحريات، واشتغالها بالاعتماد على الأجهزة الأمنية، والأبواق الدعائية على قمع الميول المدنية السياسية منها والفكرية والثقافية، واعتمادها أيضاً على «زعماء» من الأقليات الإثنية والطوائفية والمذهبية والعشائرية والعرقية، لتثبيت أركان سلطتها «المدنية التعددية» الشكلانية. يضاف إلى ذلك طبعاً اشتغالها على نزع العباءة الاجتماعية عن الدولة، وهدر الموارد البشرية، واغتصاب الثروات المادية واعتماد سياسات الإفقار والقهر الاجتماعي. وجميعها عوامل تساهم حتى اللحظة بإعادة إنتاج الهويات الكامنة، إضافة إلى كونها تؤثر أيضاً في طبيعة العلاقة بين الهويات كافة، وتجعل منها حاملة لأسباب ثقافة العنف، وأيضاً لآليات تفكير واشتغال رموز السلطة السائدة. وإن كان ذلك لم يظهر بشكل مكشوف في مراحل سابقة، فإن الأوضاع الراهنة فتحت الطريق أمام موجات من العنف محمولة على هويات يدَّعي أنصارها «المظلومية»، ليعاد إنتاج التناقض الهوياتي في سياق صراعات تزيد من تعميق الانغلاق والتقوقع على الذات.
أما نهوض أحزاب وحركات قومية محافظة وأخرى متطرفة في غير بلد غربي. فإنه يرتبط بفشل العولمة، وعلاقة الحكومات الغربية بالصراع الذي يجتاح غير دولة عربية. ومن المؤسف أنه بعد تجاوز المجتمعات الغربية لإشكالية الهويات المحافظة، ومراكمة وعي مدني وإنساني متحرر من رواسب الوعي الكنسي «القروسطي» وأشكال أخرى إثنية وعرقية. فإن الأحزاب اليمينية المحافظة تعود القهقرى لاستنهاض ما تم تجاوزه من وعي بائد.
في السياق، فقد شكَّل فشل الاشتراكيات المحققة في تجاوز إشكالية الموروث القومي والديني، ولاحقاً فشل آليات العولمة وميكانزماتها لليبرالية والنيو ليبرالية غير الديموقراطية في إزالة الحدود الثقافية بين الأعراق والمذاهب والقوميات الإثنيات، مدخلاً لعودة هويات يمينية أكثر تطرفاً وعدمية.
إضافة إلى ذلك، فإن اشتغال أنظمة الاستبداد العربية على قضايا أيديولوجية فوق وطنية شكل مدخلاً لتأييد ودعم التيارات القومية واليسارية والعلمانية. ذلك برغم تجاهل تلك الأنظمة لقضايا المواطنة والمجتمع، واغتصابها للدولة وهيمنتها على مفاصلها الرئيسية ومواردها الاقتصادية والبشرية، ما أسهم في تمكين التيارات الإسلامية المتشددة ولاحقاً الجهادية، وإفلاس التيارات الوطنية واليسارية والعلمانية. وتفيد القضايا المذكورة بأن التأسيس لواقع سياسي جديد يجب أن ينطلق من التأسيس المعرفي والسياسي لقضايا المواطنة، ودولة المؤسسات والقانون، والربط بين الحرية والتحرر، الوطنية والمواطنة، تجاوز إشكالية الربط والارتباط بين الانتماء الأيديولوجي العقائدي وتصارع المكونات الهوياتية. وأيضاً رفض العنف بكافة أشكاله وتجلياته، والتغيير المحمول على السلاح. وكلاهما، أي العنف والتغير المحمول على السلاح، يستبعد المواطن عن صناعة القرار.
إن التدقيق في آليات الصراع السوري وأدواته الوظيفية يكشف عن تأثير غياب الديموقراطية وكيفية انعكاسه في تصدُّع العلاقة التفاعلية والتكاملية بين الهويات، وأيضاً عجز أطراف الصراع عن إعادة الهويات إلى كنف الدولة. هذا يدلل على أن طبيعة الصراع ومآلاته المرجحة ستفضي للإعلان عن نهاية الدولة والسلطة بشكلهما الراهن، لكن من دون الكشف عن طبيعة وبنية السلطة السياسية وكذلك الدولة المستقبلية. ودلالة ذلك اشتغال دول وأطراف متعددة على تهديم كيانية الدولة واستنهاض المتخلف والمتعفن من تاريخها. والتحول المذكور يتم تمكينه أفقياً وعمودياً في سياق إدارة الصراع على أسس مذهبية وطائفية، ما يعني إعادة إنتاج اغتصاب الدولة والسيطرة على مؤسساتها والتحكُّم بآليات اشتغالها وتحويلها إلى محنطات فئوية وظيفية. وفي سياق ذلك وانطلاقاً منه يتم تشكيل مجتمعاتنا، وجميعها عوامل تنذر بتحويل الهويات إلى جزر مغلقة، ومحكومة بعلاقات بينية تؤسس للعنف والعدمية.