الفردوسُ الخلفيّ: الجزء الثاني الذال 3

دلور ميقري
2017 / 2 / 17

" الشريفة "، كانت ضحية جريمتين على شيء كبير من الغموض. ولا تقل إلتباساً، الجريمة الثالثة، التي تورّطت هيَ فيها: حادث موت أبيها في أحد الآبار. على الرغم من أنّ التحقيق طويَ في الحادث بإعتباره قضاء وقدراً، إلا أنّ ملابسات الجريمتين الأوليتين تعطي مبرراً للشكّ بأن " الشريفة " لها يداً في الأمر. ويبدو أنها قضت بقية الإعوام المنصرمة، وسيف التهديد مسلط فوق رأسها. الأم، هيَ من كانت تمسك بمقبض السيف، وبصرف النظر عما إذا كانت يدها ملوّثة بجريمة البئر، المفترضة.
ما سبق، يجعل القارئ ولا مِراء أقرب إلى اليقين بأنّ مساعيَّ قد خابت فيما يخصّ استدراج امرأتي الماكرة للبوح بمزيد من الإعترافات. وإذ سار الأمر على هذا المنوال فعلاً، فإنني لم أكن وحدي الملوم. فالماكرة، ربما حدست بأن مخطوطة شقيقتي لا يمكن أن تحتوي على أشياء من ذلك القبيل، الذي كنتُ أسعى لسبره؛ وإلا لكنت قد وضعتها رأساً أمام الأمر الواقع، دونما حاجة للمداورة. من ناحية ثانية، لعل " الشريفة " أملت أولاً بقراءة المخطوطة في فرصةٍ سانحة. وكانت خشيتي، أن يدفعها اليأس إلى إتلافها مثلما فعلت مع مذكرات " مسيو غوستاف ".
" أتريد أن تدفعني لليأس، بهذا التحقيق؟ ولكنني لو وصلت إلى طريق مغلق، فلن ألبث أن أرجع إلى الوراء كعاصفة مدمرة..! "، كذلك هتفت فجأةً خلال ليلة الإعترافات. أتخذتُ عندئذٍ مظهرَ المصدوم من ثورتها، وطفقت أتطلّع إليها بنظرة ثابتة. على غرة أيضاً، رأيتني أقول لها: " إنني أبذل المستحيل للخلاص من وضعنا المزري. موضوع السفر، يدخل ولا شك في هذا السياق. ولكنك بنفسك من يغلق الطريق عليّ، بتوهمك أنني لو تمكنت من السفر والاستقرار في أوروبا فلن تقوم لعلاقتنا قائمة من بعد. وكأنك تتناسين، بأن ثمة ابنة تربطنا.. "
" يجب أن يكون لي عقل ابنتنا، لكي أقتنع بكلامك. فكيف سألحق بك إلى أوروبا، وبأي صفة، ونحن غير متزوجين ولا حتى ابنتنا مسجلة رسمياً؟ "
" لقد بذلت جهداً كبيراً في هذ السبيل خلال الأشهر المنصرمة، وأنت على علم بذلك. كما أنك على علم، بأنّ معاملة كهذه تحتاج لرشاوى في كل خطوة بسبب الروتين "
" أطلبْ مساعدةَ مسيو جاك، إنّ لديه علاقات مع مقامات رسمية رفيعة.. "
" هو يعرف مشاكلي، فلو أراد مساعدتي لفعل. ولكنه، في مقابل ذلك، حثني على الاتصال بسوسن خانم... "
" سوسن خانم! ولكنه لا يكاد يعرفها، هوَ المنعزل في هذه الضاحية منذ عدة أعوام؟ "، فلما قالت ذلك، فإنني أخبرتها بجلية الأمر. لقد أطلقتُ بالون اختبار بوجهها، وعليّ كان أن أنتظر النتيجة. ردة فعل المرأة الماكرة، وكما كنتُ أتوقعه، أنها لزمت الصمتَ. فيما كانت تعمل فكرها، راحَ بصرها يجوس في ملامح سحنتي. وكما علمتم، كانت قارئة بارعة لأفكار المرء. قالت أخيراً بهدوء: " أعتقد أنها تريد مساومتك حول ابنتنا... "
" ماذا تقولين؟ ماذا تبغي الخانم من ابنتنا؟ "
" مهلاً، دعني أوضح لك بدَوري حقيقة الأمر. وعند ذلك، ستعرف أنها لا تريد استعادتك مجاناً "، أجابتني وهيَ تلوي فمها بحركة متهكّمة. بقيت تتكلم، لحين حضور والدتها مع ابنتنا. كانت " خجي " ما تني باكية، فما أسرع أن تلقفت صدرَ أمها بلهفة ونهم. كمألوف عادتها، رشقتني الحيزبون بنظرة مزدرية كأنما تترجم المثل الشاميّ المعروف: " أكل ومرعى وقلة صنعة! "؟
في اليوم التالي، أفقت من النوم متأخراً. كانت السماء بأحلى حالات زرقتها، تتربع فيها الشمس دون مزاحمة من سحابة واحدة. ظهراً، وفيما كنتُ أفتح باب الدار للخروج، إذا بزعيق دراجة نارية يملأ سمعي. خِلَل الدخان والغبار، ميّزتُ هيئة الحيزبون وكانت تهمّ بالنزول من خلف ظهر سائق الدراجة. طريقة تحيتها للشاب، أوحت بأنها على معرقة جيدة به وليسَ مجرد شخصٍ أوصلها بدراجته مقابل بضعة دراهم. عندئذٍ، حقّ لي أن أرمقها بازدراء فيما كنتُ أتابع سيري إلى فيللا " مسيو جاك ". ثمة، لبيتُ لأول مرة دعوة الرجل إلى الغداء.
" أهيَ والدة الشريفة، مَن أعدّت بسطيلة الدجاج هذه؟ "، تساءلتُ وأنا أهمّ بالأكل. رفع رأسه عن طبق الطعام، فتأملني قليلاً قبل أن يردّ بالقول: " لا، أنا أطبخ بنفسي. لقد أستغنيتُ عن خدمات تلك السيدة منذ فترة طويلة ". على الأثر، تراءى في ذهني المشهدُ الأخير للحيزون. جرعات النبيذ، المرافقة للغداء، جعلت لساني ينطلق على سجيته. استمع إليّ الرجل باهتمام، متخذاً مظهراً محايداً كعادة الأوروبيين. وكنتُ قد ربطت بين موضوع اختفاء الكردان الذهبيّ ومسلك الحيزبون المشبوه، مثلما تجلّى لعينيّ قبل قليل: " ولكنها كانت من النذالة، أنها لم تتورّع عن الإيحاء لابنتها بكوني مَن سرق الحلية لكي أستخدم المال في موضوع السفر ". عقّب المسيو على كلامي، بما أنّ نظراتي الملحاحة كانت تستحثه على إبداء رأيه: " شيء مؤسف. قد يكون ميمو الصغير هو من أضاع الحلية في مكان ما بالبيت. أمانة للّا نفيسة، للحق، من غير الممكن الطعن بها. إلا أنّ سنّ الشيخوخة، المقترب حثيثاً، يحيل المرأة إلى كائن آخر. إنه سنّ تجربة الجسد المريرة، طالما أنه ليسَ عاجزاً بعد عن ممارسة الجنس ".