العقل والنقل بين الكتاب المقدس والآباء

عصويد المنتفخ
2017 / 2 / 16

سفر الأمثال 3
1 يَا ابْنِي، لاَ تَنْسَ شَرِيعَتِي، بَلْ لِيَحْفَظْ قَلْبُكَ وَصَايَايَ.
2 فَإِنَّهَا تَزِيدُكَ طُولَ أَيَّامٍ، وَسِنِي حَيَاةٍ وَسَلاَمَةً.
3 لاَ تَدَعِ الرَّحْمَةَ وَالْحَقَّ يَتْرُكَانِكَ. تَقَلَّدْهُمَا عَلَى عُنُقِكَ. اُكْتُبْهُمَا عَلَى لَوْحِ قَلْبِكَ،
4 فَتَجِدَ نِعْمَةً وَفِطْنَةً صَالِحَةً فِي أَعْيُنِ اللهِ وَالنَّاسِ.
5 تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ.
6 فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ.
7 لاَ تَكُنْ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِكَ. اتَّقِ الرَّبَّ وَابْعُدْ عَنِ الشَّرِّ،

تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب
أمثال سليمان 3 - تفسير سفر الأمثال
طريق الحكمة العملي
في الأصحاح الثاني تحدث سليمان الملك على مكاسب الحكمة وبركاتها، وفي هذا الأصحاح يُحدثنا عن الطريق العملي للحكمة. وفي نفس الوقت يؤكد الحكيم أن الذين يُطيعون وصايا الله ويقبلون القيادة الإلهية بتعرفهم على الله والصلاة بإيمان يجدون صحة لنفوسهم، وممارسات صالحة للجسد، ونجاحًا صادقًا في كل جوانب الحياة.
في كل غنى العالم لا يوجد تذوق للسعادة الفائقة كتلك التي تُقتنى في المسيح يسوع، الذي فيه تُذخر كل كنوز الحكمة التي تُوجد في معرفة الله ومحبته.
في هذا الأصحاح يُقدم الحكيم الخطوط العريضة للسلوك في طريق الحكمة من جهة علاقتنا بالله والناس، خاصة مرشدينا والفقراء والمحتاجين والمحيطين بنا، وأيضًا نظرتنا للمادة كما للضيقات إلخ.


. الطاعة طريق النعمة في أعين الله والناس
1-4.
2. الاتكال على الله يقوِّم سبل الإنسان
في صلاة نصف الليل نردد ما يقوله داود النبي: "خبأت كلامك في قلبي لكي لا أخطئ إليك" (مز11:119). كما نردد دومًا ما قيل عن الكاهن الشاب عزرا: "لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها، وليُعلِّم إسرائيل فريضة وقضاءً" (عز10:7).
عندما نسمع: "فإنها تزيدك طول أيام وسني حياة وسلامة" [1]، لا نشتهي البقاء على وجه الأرض، وإن كان ذلك عطية إلهية صالحة، لكننا نطلب زيادة طول أيامنا المثمرة. كثيرون بقوا أحياء حتى بعد موتهم، وبقيت سيرتهم وصلواتهم وكلماتهم عاملة في حياة الناس، فهم وإن ماتوا لكنهم يعملون خلال نعمة الله التي قُدمت لهم.
يقول الحكيم: "سني حياة"، لأن البعض يعيشون "سني موت". ربما تطول أيام غربتهم على الأرض إلى عشرات السنوات، لكنها سنوات موت، لا تحمل حياة ولا حبًا، وجودهم على الأرض كعدم وجودهم...
أما عن السلامة فيطلب المؤمن "سلام" القلب الداخلي، حتى وإن أحاطت به النيران من كل جانب، فيمارس مع الثلاثة فتية تسبيحهم وهو في أتون النار.
بالطاعة في الرب، النابعة من القلب نسلك الطريق الملوكي، طريق الرحمة والحق.
"لا تدع الرحمة والحق يتركانك،
تقلدهما على عنقك" [3].
بقوله: "لا يتركانك" واضح أنه لا يتحدث عن مجرد سمتين، بل عن علاقة شخصية مع الرحمة والحق اللتين في الواقع هنا أقنوم الكلمة الإلهي الذي يود ألا يتركنا ولا نتركه.
مسيحنا هو الطريق، نقتنيه فنحمل روح الحب والرحمة واللطف، هذا الروح الذي يسلك في الحق بلا انحراف يمينًا أو يسارًا. ففي حبنا نحمل الحق، وفي تمسكنا بالحق نمارس الحب. فالحب بدون الحق يتحول إلى ميوعة قاتلة للنفس كما للغير. والحق بلا حب يولد غضبًا يفسد العينين. الحب الصادق هو جانب آخر للحق، والحق الصادق هو الوجه الآخر للحب!
إذ نمارس الرحمة والحق تتحول الوصايا التي تبدو ثقيلة للغاية، وأحيانًا مستحيلة إلى قلادة ثمينة وجميلة تتزين بها عنق النفس بكونها أميرة سماوية، كما حدث مع يوسف في بيت فوطيفار (تك41:41) لذا يقول: "تقلدهما على عنقك" [3].
وصيتا الرحمة والحق تدخلان إلى الأعماق، وهناك تُنقشان على لوحيْ القلب، فلا تستطيع الأحداث أن تميل بالمؤمن إلى جانب أو آخر، بل يسلك باستقامة. لذا قيل: "اكتبهما على لوح قلبك" [3].

يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على القول: "لا تدع الرحمة والحق يتركانك" [3]، قائلًا بأن علاقتنا بالله ووصاياه ليست علاقة مؤقتة لفترة قصيرة، إنما نتمسك بالرحمة والحق على الدوام بلا انقطاع ولا نتركهما قط فلا يتركانا، فإننا في حاجة إليهما على الدوام.
* يليق بنا أن نسر الله ليس مرة واحدة، بل على الدوام. الذي يدخل في سباق إن جرى عشرة أشواط وتوقف عن الجريّ آخر مسافة يفقد كل ما فعله. ونحن إن بدأنا الأعمال الصالحة ثم تهاونّا، نفقد كل ما صنعناه، ونفسد كل شيء.
لتصغِ إلى النصيحة النافعة: "لا تدع الرحمة والحق يتركانك" [3]. لا يقول افعل هذا مرة واحدة، أو مرتين أو ثلاث أو عشرة أو مائة مرة بل "لا تدعهما يتركانك"، مظهرًا أننا في حاجة إليهما، وليس هما في حاجة إلينا. إنه يُعلمنا أنه يجب أن نبذل كل الجهد لنحفظهما معنا[83].
* لنطعهما الآن، ليس يومًا واحدًا، ولا ثلاثة أيام، بل يقول الحكيم: "لا تدع الرحمة والحق يتركانك". لم يقل: "لمرة واحدة أو مرتين". وكما نعرف كان لدى العذارى زيت يبقى معهن إلى النهاية (مت3:25، 8). هكذا نحن في حاجة إلى زيت كثير، فنكون كشجرة الزيتون الخضراء في بيت الرب (مز8:52)[84].
القديس يوحنا الذهبي الفم
تُوضع وصيتا الرحمة والحق حول العنق كي تكونا موضع نظرنا، لا نتجاهلهما قط، كما تُنقشان على لوح القلب كي تمتصا كل مشاعرنا وتملكا على أحاسيسنا؛ نشعر بهما بقلوبنا كما نراهما بعيوننا الداخلية.
أما ثمرة الطاعة التي تدخل بنا إلى هذا الطريق فهي: "تجد نعمة وفطنة صالحة في أعين الله والناس" [4]. يُسر الله بنا ويهبنا فهمًا مقدسًا أكثر فأكثر، وإن قاومنا البعض لكن كثيرين يكرموننا ويطلبون مشورتنا.
هكذا يحثنا الحكيم لكي نجاهد في التصاقنا بالرحمة والحق بنعمة الله على الدوام حتى نبلغ الكمال. ففي حديث الطوباوي إكليمنضس عن البتولية تحدث عن ضرورة الجهاد المستمر بلا توقف لبلوغ الفضيلة الكاملة، ولا يقف البتوليون عند مظهر البتولية.
* يليق بكل البتوليين من الجنسين من الذين بالحق عقدوا العزم لحفظ البتولية من أجل ملكوت السموات -كل واحدٍ منهم- أن يكون مؤهلًا لملكوت الله في كل شيء. فإنه ليس بالبلاغة ولا بالشهرة، أو بالمركز ، أو الأصل، أو الجمال أو القوة، ولا بطول الحياة نبلغ ملكوت السموات، إنما نناله بقوة الإيمان عندما يظهر الإنسان أعمال الإيمان. فمن كان بالحق بارًا أعماله تشهد لإيمانه، إنه بالحقيقة يؤمن، بإيمان عظيم، إيمان كامل، إيمان بالله، إيمان يشرق في أعمال صالحة، فيتمجد أب الكل في المسيح.
الآن الذين هم بالحقيقة بتوليون من أجل الله يخضعون للقائل: "لا تدع الرحمة والحق يتركانك، تقلدهما على عنقك. فتجد نعمة وفطنة صالحة في أعين الله والناس" [3، 4][85].
القديس اكليمنضس الروماني
أخيرًا بقوله: "لا تدع الرحمة والحق يتركانك" يدعونا أن نكون في رفقتهما الدائمة، فهما صديقان مخلصان نحتاج إلى صحبتهما المستمرة. بل هما صديق واحد، شخص السيد المسيح "الرحمة والحق"، نتمسك به، قائلين مع العروس التي جاهدت تبحث عنه فوجدته وأمسكت به ولم تُرْخِه (نش4:3). التصقت به كمن هو عريسها وحدها، قائلة لمن حولها: "أُحَلِّفَكُنَّ يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقل ألا تيقظْنَ ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء" (نش5:3).

2. الاتكال على الله يُقوِّم سبل الإنسان

"توكَّل على الرب بكل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد.

في كل طرقك أعرفه، وهو يقوِّم سبلك" [5، 6].
هذه هي أهم الوصايا، ترتبط بإيماننا بالله مصدر كل الخيرات، محب البشر والأب السماوي القدير والحكيم المهتم بنا، حتى بالأمور الصغيرة، يَعِد ويفي بوعده لنا. يليق بنا أن نثق في الرب بكل قلوبنا، فإنه يريد أن يقدم لنا ما هو أفضل، وقادر على ذلك. من يعرفون أنفسهم يُدركون أن فهمهم -بدون العون الإلهي- أشبه بقصبة مكسورة، إن اتكأوا عليها فشلوا. لذلك يليق بنا ألا نُخطط أمرًا ما إلا بما يتناغم مع الوصية الإلهية، طالبين من الله مشورته، كما نطلبه أن يقدس فكرنا ويقود سلوكنا. حقًا إن من يتكل على فهمه وخبراته وقدراته بغير العون الإلهي يكون غبيًا!
في كل طرقنا الخاصة والعائلية والخاصة بالعمل أو المجتمع المحيط بنا يليق بنا أن نعرف الله قائدًا لنا، فنخضع له، ونُعلن سرورنا بتتميم إرادته ووصاياه، حينئذ يوجه هو طرقنا ويُقوِّمها، فنعيش في سلام وسعادة، مفصلين كلمته في حياتنا باستقامة (1تي15:2).
نعرفه قائدًا لنا في بداية كل طريق نسلكه، مرافقًا لنا طوال رحلتنا، يتحدث معنا ونحن معه بلا انقطاع، ويعبر بنا حتى النهاية، عندئذ نقول مع تلميذيّ عِمْواس: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟!" (لو22:24).

3. الاتضاع يهب شفاءً للنفس والجسد

لا يمكننا ممارسة الطاعة ولا ننعم بالاتكال على الرب بطريق آخر غير الاتضاع، لذا يقول:

"لا تكن حكيمًا في عينيّ نفسك.
اتق الرب وابعد عن الشر،
فيكون شفاءً لسرتك، وسقاءً لعظامك"

الحكمة التي يهبها الله لنا تعطي ليس فقط شفاء للنفس وحدها، وإنما تقدم بركة خاصة للجسد، فينعم الإنسان بالشفاء لسرته أي لأمراض بطنه الخفية، كما تكون نخاعًا خفيًّا في داخل عظامه أي لهيكل جسمه، أو لقوته الجسمية. حينما نكرم الرب بروح الاتضاع يتقدم إلينا كطبيب لأنفسنا وأجسادنا يعمل في أعماقنا الخفية ليهبنا الحياة والنمو والقوة.

__________________________


كتاب من هو الإنسان؟ - البابا شنوده الثالث
الفصل الثالث: ما الذي يقود الإنسان في حياته؟

17 ما الذي يقود الإنسان في حياته
18 العقل
19 التقاليد
20 الإرشاد
21 الأعصاب
22 الضمير
23 العواطف
24 التوازن
25 المعرفة
26 القيادة الإلهية
____

في الإنسان طاقات كثيرة تتحكم في تصرفاته: منها العقل والروح والجسد والنفس والضمير والأعصاب والمواهب والقدرات والإمكانات.
والمفروض في الإنسان السوي أن تتعاون فيه كل الطاقات معًا، بلا تعارض ولا تناقض.
وإن كان قد قيل في الرسالة إلى غلاطية أن "الجسد يشتهي ضد الروح، والروح تشتهي ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر، حتى تفعلون ما لا تريدون" (غل5: 16،17).. فإن المقصود بهذا الإنسان الروحي المبتدئ في حياة الجهاد. ولكنه حينما ينتصر في جهاده، لا يصبح في حياته صراع بين الجسد والروح، بل يتعاون الاثنان معا في عمل واحد لأجل الله.
العقل
التقاليد
الإرشاد
الأعصاب
الضمير
العواطف
التوازن
المعرفة
القيادة الإلهية

__

18- العقل
قد يقول البعض إن الإنسان يقوده عقله..
ولكن العقل ليس هو الموجه الوحيد للإنسان.
فالإنسان قد توجهه عوامل نفسية، أو عوامل عصبية، أو عوامل عاطفية.. ومن الجائز أن يوجهه الضمير. وقد يفكر العقل في اتجاه، ويكون ضميره في اتجاه آخر..
والإنسان قد تقوده طباعه وتوجهه..
وقد تكون هذه الطباع راسخة منذ الطفولة، لا تتغير، ربما يعترف الشخص، ويتناول، ويصلى ويصوم، ويقرأ ويتأمل. وتبقى طباعه كما هي، أو يبقى مقودًا بعادات معينة تطغى عليه، أيًا كان اتجاه عقله أو ضميره.
وقد يخطئ عقل الإنسان أحيانًا في إرشاده وحكمه على الأمور، كما يخطئ ضميره؛
"توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت" (أم12:14).
ومن أهمية هذه الحكمة، كررها الكتاب مرة أخرى في (أم 25:16). هذه الطريق المهلكة التي عاقبتها طرق الموت، ويكون العقل بلا شك موافقًا عليها، ويكون الضمير موافقًا عليها أيضًا، لأنها تبدوا للإنسان مستقيمة.
إن سلك الإنسان حسب العقل، فأي عقل هو؟ المفروض أن يكون عقلًا سليمًا، لآن العقول تختلف في نوعيتها.
قد يكون العقل أحيانًا خادمًا مطيعًا لرغبات النفس.
فإن أرادت النفس شيئا، تجد العقل يزودها بأدلة وبراهين وإثباتات. ومن الجائز أن يأتي لها بأدلة أخرى من الكتاب المقدس، يفسرها بطريقة تريح نفسه بل وتريح ضميره أيضًا.. وما أسهل أيضًا أن يذكر أقوالا للآباء ربما قيلت في مناسبة معينة، ولكنه يقصها قصًا ويفصلها تفصيلًا لتناسب ما تريده نفسه. أن غضبت النفس يسير العقل في تيارها، وإن رضيت يسير أيضًا في تيارها..!
لذلك فعقل الإنسان يحتاج إلى توعية.
هناك أشخاص عقلهم هو الذي يتعبهم، كما أن عقل البعض يريحهم.
إنسان عقلة يتعبه نتيجة لما يقدمه له هذا العقل من شكوك وظنون وأفكار، أو ما يقدمه له من مخاوف. أو نتيجة لأن عقله لا يفكر بطريقة سليمة، أو لا يضع في اعتباره نتيجة ما يطرحه من أفكار.. عقلة عبارة عن دوامة، أن دخل فيها يغرق، ولا يقر له قرار.. وعقل الإنسان قد يتعبه، إذا كان في طبعه شيء من التشاؤم أو القلق، أو تصور الضرر حيث لا يوجد ضرر، أو التفكر في الضياع أو الموت أو المستقبل المظلم بغير ما سبب يدعو إلى ذلك.
هناك أشخاص يعمل عقلهم على تكبير المشاكل.
بحيث تأخذ حجمًا أكثر من حجمها الطبيعي، وبحيث تشكل خطورة موهومة.. أو أن عقلهم يخلط الأمور معًا، ويربط بين الأحداث وبعضها بطريقة تعقد الأمور وتسئ إلى العلاقات..! ويجمع بين أحداث مضت من زمن طويل، يضيف إليها تخوفات من مستقبل مبهم. وفى كل ذلك يضغط على نفسيته بطريقة تفكيره.
أو إنسان يتعبه عقله من عقدة اضطهاد موجودة عنده، يتصور فيه أن كل الذين حوله لا يحبونه. كأن تتخيل ابنة أن أبويها يحبان أختها أكثر منها..
أو إنسان يتعبه عقله لارتباطه بالخيال.
إما بخيال أثيم يتأمل فيه صورًا من الخطايا يلذذ بها مشاعره، أو خيال حالم يسمونه (أحلام اليقظة)، يعيش به في الأماني والرغبات بعيدًا عن الواقع الذي يحققها. ويكتفي بالخيال يسعد به نفسه -دون عمل- ويضيع به وقته! بشهوة في المناصب، أو في الألقاب، أو الغنى..
وهناك إنسان يسد العقل له أمامه الطريق.
ويخيل أحيانًا أنه لا خلاص (مز3)، وربما يقوده إلى الانتحار نتيجة لليأس، وعجز العقل عن الوصول إلى حل، مع رفض العقل أيضًا أن يكشف مشاكله إلى مرشدين لحلها.
عكس ذلك إنسان عقله يريحه.
فيحل له مشاكله بأسلوب سليم، وبذكاء وحكمة. بل أيضًا يساعده على حل مشاكل الآخرين.
حتى الفلاسفة!! أحيانًا تكون نقطة البدء عند بعضهم خاضعة لتأثيرات عديدة!!
وربما لا تكون فلسفة بعضهم عقلية خالصة، إنما متأثرة في أساسها بعوامل عائلية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، شكلت عقله تشكيلًا خاصًا بنى عليه كل فلسفته.
يندر أن يكون العقل عند الغالبية عقلًا مجردًا.
فالعقل لا يعمل وحده، بل تتداخل معه عوامل أخرى.
منها التقاليد مثلًا، والبيئة، والعادات الموروثة.
19- التقاليد
هذه التقاليد ترغم العقل على تصرفات معينة. مثال ذلك تزويج الابنة الكبرى قبل أخوتها مهما عرضت على هؤلاء الأخوات من زيجات ممتازة. فتجد الأب يرفض بغير سبب عقلي، إلا خضوعه للتقاليد! وهكذا فعل لابان في تزويج ليئة قبل راحيل (تك29: 22-27). ضميره وعقله دفعاه أن يفعل هكذا، ولو بالغش والخداع!!
وكثيرًا ما تكون الأخت الصغيرة ضحية لخضوع عقل أبيها للتقاليد، وبخاصة لو كانت أجمل من أختها الكبرى.
وما أكثر ما يضيع الناس أموالًا بسبب التقاليد المتبعة في حفلات الخطوبة والزواج، أو في التقاليد الخاصة بالجنازات، أو الأعياد.. الخ. وقد ينصح العقل بغير ذلك ولا يستطيع لأنه خاضع للتقاليد
لهذا كله قال الكتاب "وعلى فهمك لا تعتمد" (أم5:3).
من أجل هذا أوجد الله المرشدين الروحيين والقادة. وأصبح العقل محتاجًا أن يخضع إلى الإرشاد لقيادته.

20- الإرشاد
قد لا يستطيع الإنسان أن يخضع تمامًا لفهمه الخاص في قيادته، ولا حتى لضميره، لنقص في قدرة كل منهما
أو لأنه يحاول أن يشكل عقله وضميره بالطريقة التي تريحه.
فهو يحتاج إلى عقل آخر إلى جوار عقله غير خاضع للتأثيرات النفسية. كذلك يحتاج إلى ضمير صالح إلى جوار ضميره، إن كان ضميره ليس خالصًا في أحكامه، لذلك يقال:
الذين بلا مرشد يسقطون مثل أوراق الشجر.
فالإرشاد لازم لإنقاذ الإنسان من خضوع عقله لرغباته!
فالعقل ورغبات النفس يتعاونان بطريقة (شلني وأشيلك).. فكل منهما يسند الآخر في الوصول إلى ما يريد.
والإنسان في أحيان كثيرة تقوده أعصابه:

21- الأعصاب
والأعصاب ليست مجرد مسألة عضوية Organic. إنما غالبًا ما يدخل فيها العامل النفسي. فإذا تعبت النفس، قد تلتهب الأعصاب تزيد النفس تعبًا وتصبح كل منهما سببًا ونتيجة.
وإذا التهبت الأعصاب، قد تتولى قيادة الإنسان، وحينئذ توقف كل قوى العقل والضمير وتنفرد بالموقف.
وتصبح تصرفات الإنسان عشوائية بلا ضبط للنفس..
وحينئذ تتدخل الروح، إن أفسحوا لها مجالًا.. فتكون مثل مرهم يهدئ الأعصاب، ويقود العقل قيادة سليمة. فتهدأ النفس أيضًا، ويستيقظ الضمير ويوبخ صاحبه على تصرفاته العشوائية السابقة..

22- الضمير
أي ضمير هذا الذي يقود الإنسان؟

الكتاب المقدس يتحدث عن صفة خاصة للضمير، هي (الضمير الصالح).
(أع1:23)، (1 تى1: 5، 19) (عب18:13).
ذلك لأنه قد يوجد ضمير غير صالح. ولذلك ما أجمل قول القديس بولس الرسول "أنا أيضا أدرب نفسي ليكون لي دائمًا ضمير بلا عثرة من نحو الله والناس" (أع16:24).هناك ضمير واسع يبلع الجمل، وضمير ضيق موسوس يصفى عن البعوضة (مت24:23). وكذلك كان الكتبة والفريسيون. أما الضمير الصالح فهو مثل ميزان الذهب في دقته ووزنه للأمور. بل هو مثل ميزان الصيدلي الذي يعرف أنه إن أزاد يضر، وإن نقص يضر.
الضمير الصالح هو الذي يستنير بإرشاد الروح القدس.
فهو لا يرشد الإنسان من ذاته، ولا يعمل بمجرد معرفة بشرية، وإنما يرشده روح الله. ويكون أيضًا تحت إرشاد كلمة الله الصالحة وتعليمه الإلهي.
وأحيانا تقود الإنسان عواطفه وليس أعصابه.

23- العواطف
كثير من الناس تقودهم عواطفهم ومشاعرهم، من حب أو كراهية، أو حسد وغيرة، أو بذل وتضحية.. وربما النساء تقودهم عواطف أكثر مما يقاد بها الرجال.
ولكن العواطف وحدها لا تكفي إذ ينبغي أن تمتزج بالعقل والحكمة.
عاطفة بلا عقل لا تكفى. وعقل بلا عاطفة لا يكفى. بل الاثنان يكمل أحدهما الآخر، وهكذا وضع الله في الأسرة الأب والآم يكملان بعضهما البعض.. العاطفة وحدها قد تقود إلى تدليل الأولاد. والحزم وحده قد يقود إلى الخشونة. ولكن إذا امتزجت العاطفة بالحزم توصل إلى لون من التكامل في التربية. ويوجد أيضًا نوع من التوازن في المعاملة. وهنا ننتقل إلى نقطة أخرى وهي:

24- التوازن
الإنسان السوي يقيم توازنًا في كل مشاعره وانفعالاته وتصرفاته: توازنًا بين العقل والعاطفة، وتوازنًا بين الأنا والآخر.
فإن كان في ذاته فقط، دون أن يعمل حسابًا للآخرين، قد يصل إلى لون من الأنانية، ويفشل كإنسان اجتماعي. وإذا فكر في الآخرين فقط، قد يتعب أخيرًا، ويصل إلى لون من التضجر والتذمر، وأن لم يكن بذله ممتزجًا بقدر كبير من الحب ينسبه ذاته، أو يركز حبه لذاته في أبديتها وليس في الحياة على الأرض.
والإنسان السوي يوزع عواطفه بطريقة سوية.
فمثلًا يقيم توازنًا بين المرح والكآبة في حياته، وبين الجدية والبساطة، وبين العمل والترفيه. ويضع أمامه قول الكتاب "لكل شيء زمان، ولكل أمر تحت السموات وقت.. للبكاء وقت، وللضحك وقت.. للسكوت وقت، وللتكلم وقت.. للحرب وقت، وللصلح وقت" (جا3: 1-8).

25- المعرفة
فيأخذ من قيادتهم من الكتب وسائر المطبوعات. وإنما هذا الأمر يتوقف على نوعية الكتب والمطبوعات التي يستقون منها معلوماتهم. وبالمثل ينطق هذا على المعرفة التي يتلقونها من وسائل الإعلام المتعدد.
ولأهمية المعرفة في الحياة، قيل عن الخطاة إنهم جهلة.
ففي مثل العذارى، قيل "خمس منهن كن حكيمات، وخمس جاهلات" (مت2:25).
وقيل عن الملحدين "قال الجاهل في قلبه ليس إله" (مز1:14). وربما هذا الذي يصفه الكتاب بأنه جاهل يكون فيلسوفًا!!
فالجاهل لا يدرك حقيقة وجود الله وقدسيته، ولا يدرك قيمة ما يفعله هو، ونتيجة ذلك، وتأثير ذلك على أبديته، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وقد يجهل أيضًا طبيعة نفسه وطبيعة الحروب التي يتعرض لها. ويجهل أو يتجاهل أن الله يراه في كل ما يعمله ويقوله.. لكل ذلك قال الرب:
"هلك شعبي من عدم المعرفة".
وعلاج ذلك هو المعرفة السليمة. لآن هناك معرفة خاطئة تضر. بقى أن نقول أن هناك قيادة أخرى إلهية.

26- القيادة الإلهية
هذا هو الوضع المثالي، الذي يقول عنه الكتاب "لأن كل الذين ينقادون بروح الله، أولئك هم أبناء الله" (رو14:8).
روح الله يقود أرواحهم. وأرواحهم تقود أجسادهم وعقولهم.
ويكون الله هو الكل في الكل، في حياتهم.

27- إن كان العقل يقود الإنسان، فما الذي يقود العقل؟
المعروف عند جميع الناس أن الإنسان مخلوق عاقل. وأنا أريد أن أناقش هذا الموضوع: إلى أي حد الإنسان مخلوق عاقل؟
هل الإنسان عقل خالص صرف؟ أم أنه يخضع لمؤثرات كثيرة، تجعله أحيانًا لا يتصرف بعقله كما ينبغي؟
وسنعرض لكل هذه المؤثرات ونفحصها..
1- أول نقطة نناقشها هي نوع العقل:
أهو عقل ذكي؟ أم عقل عبقري؟ أم متوسط الذكاء؟ أم ضعيف الذكاء؟ أم غير ذكي على الإطلاق؟
ذلك لآن عقليات الناس تتفاوت في نوعيتها ودرجاتها. وحسب التفاوت يختلف الفهم والتفكير والاستنتاج.
وتختلف أيضا نوعية الذاكرة: هل هي مجرد ذاكرة جامعة وحافظة؟ أم حافظة ومرتبة؟ أم ذاكرة فوتوغرافية؟ وهل تسعفه في أي وقت، أم تخونه أحيانًا؟
كذلك ما نوع تفكيره؟ هل هو تفكير شامل؟ أم يتركز في زاوية واحدة ويهمل الباقي؟ وهل هو تفكير سطحي أو عميق؟ وما درجة عمقه؟
وعلى هذا القياس، إلى أي حد نقول عن كل أحد أنه عاقل؟
ليس الناس على حد سواء، حتى في فهمهم ما هو حادث، أو فهم ما ينبغي أن يحدث.. هناك شخص بالكاد يقود نفسه، وآخر يمكنه أن يقود غيره أيضًا. وثالث يحتاج إلى من يقوده.
2- وهناك من تتعبهم طريقة تفكيرهم. وقد تتعب غيرهم معهم أيضًا..
إنسان قد يفكر في مشكلة، ويساعده عقله على حلها. وإنسان آخر تستقطبه المشكلة، وتستولي على عقله وكل تفكيره، في صحوه وفى نومه، وربما في أحلامه أيضًا. ولا تترك له فرصة ليفكر في غيرها. وبهذا تفكيره فيها يتعبه، ويقينًا يؤثر على أعصابه ونفسيته..
3- وقد يوجد إنسان يسيطر على عقله الشك:
يشك في الأحداث وما تحوى. ويشك في الناس وتصرفاتهم ونواياهم.. يشك فيما يقال وما يسمع. ويشك في قدرته على التصرف. ويشك في المستقبل.
والشك يتعبه ويؤلمه، وقد يجلب له الخوف والاضطراب ومع ذلك فعقله غير قادر أن يخرج من دائرة هذا الشك! ومهما قيل له من تبرير يزيل هذا الشك، فإنه يشك في هذا التبرير أيضًا، ومدى صدقه، وما هو هدفه.
وقد ينمو الشك عنده فيشمل كل شيء، وكل أحد حتى أعز الأحباء.. ويصبح فريسة للإشاعات وللظنون والأكاذيب..
ومن أصعب الشكوك التي تصيب بعض العقول، الشكوك الإيمانية:
مثل الشك في الله عند الملحدين وأمثالهم، والشك في المعجزات عند بعض رجال العلم. والشك في الحياة الأخرى وفى قيامة الأجساد، والشك في الكتب المقدسة، أو في بعض الحقائق الإيمانية والعقائدية والمسلمات.
وإذا وصل العقل إلى هذا الحد من الشك، ما أسهل أن يستلمه الشيطان ويلعب به..
ويزوده عدو الخير بأفكار وأفكار، ويرشده إلى قراءات تزيد شكه، وإلى زملاء من نفس النوع، يعمقون الأفكار التي تحاربه ويضيفون إليها..
هل تظنون مثل هذا العقل عقلًا خالصًا، بينما هو في قيادة غيره؟!
4- العقل أيضًا يتأثر بالجهل:
سواء كان جهله نتيجة عدم معرفة، أو نتيجة معرفة مضللة وصلت إليه، ونتيجة لوقوعه في الجهل، يتصرف تصرفات خاطئة. وإذا يجهل حقائق أي موضوع أو أي حدث، تسيطر عليه بعض الظنون والأفكار التي ما أسهل أن تتعبه..
يحتاج مثل هذا العقل إلى المعرفة الصادقة المقنعة، وإلى التوعية السليمة، وأحيانًا إلى العتاب المشبع بالحب والنية السليمة،لكشف الحقائق..
وأصعب أنواع الجهل الذي يحارب العقل، الجهل الذي يرفض المعرفة..
أعني العقل الذي يتمسك بجهله في إصرار، مقتنعًا بما عنده من أفكار، ويشك في كل توعية وكل شرح.. مثل هذا، ربما التجارب تصقله، أو النعمة تفتقده، بتجديد ذهنه (رو3:12). وعلى كل كلما ينمو الإنسان في المعرفة، تتغير طريقة تفكيره، على حسب نوع المعرفة التي تأتيه..
5- هناك عقل يقوده مبدأ معين يؤمن به:
فهو يعيش داخل هذا المبدأ، سواء كان سليمًا أو خاطئًا.. ولا يحب أن يتزحزح عنه، بل يستمر حبيسًا فيه. ويشكل هذا المبدأ هيكلًا أساسيًا لحياته..
صدقوني، حتى بالنسبة إلى كثير من الفلاسفة، الذين يحكمهم العقل فرضًا، ينطبق عليهم المثل القائل بأن نقطة البدء في الفلسفة أحيانًا تكون غير فلسفية.. أي ربما يبدأون بعامل نفساني معين، يبنون عليه كل فلسفتهم.
مثل كرة ألقيتها من على جبل: إن ألقيتها شرقًا، تستمر بكل قوتها في هذا الاتجاه الشرقي، وأن ألقيتها غربًا، تستمر في هذا المجال الغربي بكل قوتها..
6- نوع أخر من العقل يسيره أب أو معلم.
فهو منقاد إلى عقل آخر يسيره كيفما يشاء، سواء كان عقل أب بالجسد، أو أب روحاني، أو معلم أو مرشد.
وليست لديه فرصة أن يتصرف أو حتى يفكر. إلا داخل دائرة هذا المعلم وتفكيره وإرشاده. وتكاد شخصيته أن تكون مفقودة تمامًا. وبخاصة لو كان هذا الأب أو المرشد شديدًا في سلطته، يتطلب لونًا من الطاعة العمياء..
ويزيد هذا الانقياد العقلي الكامل، إن كان عقل من يطيع مدفوعًا بثقة كاملة فيمن يطيعه. أو اعتقاده أنه سيهلك إن هو خرج عن حدود الطاعة، أو إن اقتنع بأن مجرد المناقشة أو الحوار مع من يرشده، لون من الكبرياء..
هنا عقله لا يعمل، إنما يطيع عقلًا آخر.
7- مثل هذا العقل قد تقوده أيضًا الأخبار أو الشائعات.
أو يقوده أي كتاب يقرؤه، أو تأثير فيلم يراه في السينما أو في التلفزيون أو في الفيديو.. لأن عقله قد تعود الاستسلام والخضوع لقيادة أخرى تؤثر عليه.. حتى لو كانت الصحافة، أو الأخبار التي يسمعها من الناس أو أي شخص أقوى منه فكرًا ومنطقًا.. وقد يثبت بعد فترة كذب الشائعات، أو عدم صحة الأخبار.. ولكن بعد أن تكون قد تركت في نفسه أثرًا، ليس من السهولة أن يزول..
أما العقل السليم القوي، فهو يفحص ويدقق.
كل ما يسمعه، يفحصه ويحلله. ويقبل منه ما يقتنع به، ويرفض الباقي. أو يترك بعض الأخبار الأخرى لمزيد من الدراسة والاستقصاء. ويمكنه أن ينتفع ببعض ما يقوله الناس. ولكنه لا يسلم ذاته لهم تسليمًا كاملًا ولا يكون مثل ببغاء "عقله في أذنيه".
بعض القيادات ما أسهل أن تضيعهم التقارير المضللة، وبخاصة لو تأثروا بها لدرجة اتخاذ قرارات سريعة مبنية على باطل..
وما أكثر ما انحلت عائلات، نتيجة تصديق كل ما يقال.
8- والعقل قد تقوده الأعصاب أحيانًا.
إن كان سريع التأثر، وسريع الانفعال. ويفكر مدفوعًا بانفعالاته. شمشون أطاع دليله، لأن كثرة إلحاحها عليه، كان ضاغطًا على أعصابه، التي دفعت عقله بلون من الضيق واليأس كشف فيه سره.
9- وكثيرًا ما يخضع العقل لمؤثرات عائلية أو اجتماعية:
فكثيرًا ما تستطيع زوجة أب أن تؤثر على عقله وفكره، حتى يسئ معاملة أبنه من زوجته الأولى، مصدقًا ما تصبه في أذنه من مؤثرات.
كذلك المجتمع كثيرًا ما يترك تأثيره على عقول الناس. فيكون الإنسان في وسط الجماعة متأثرًا بفكر الجماعة وانفعالها. مثل تلميذ في مظاهرة، يردد كل ما يقوله زعماء المظاهرة. فإذا قبض عليه وألقى في سجن، وجلس وحده، حينئذ يفكر عقله بطريقة أخرى، وقد يلوم نفسه على اندفاعه وراء المظاهرة..
10- يوجد عامل آخر يسميه البعض (غسيل المخ).
وفيه يقع عقل تحت تأثيرات متوالية، وشكوك متعددة، وضغوط فكرية، بحيث تقتلع منه كل ما كان فيه، وتحشوه بفكر آخر جديد عليه.. ويخرج من هذه الدائرة التي حبسوا عقله فيها، وإذا به يفكر بطريقة أخرى، عكس ما كان قبلًا. بل قد يتحمس للفكر الجديد تمامًا، الذي عاش فيه دون إتاحة فرصة للفكر الآخر أن يقيم توازنًا مع ما يقع عليه من ضغوط فكرية.
11- وقد تؤثر على العقل طوائف ومذاهب أخرى.
كإنسان يختلط فترة بمجموعة من الشيوعيين، تحول عقله إلى فكر شيوعي. أو يختلط بشهود يهوه فترة، فيصبح وأحدًا منهم وداعية لهم. وكذلك نقرأ عمن اختلطوا بالوجوديين، أو بالهيبز والبيتلز، وبطوائف أخرى متعددة. تركت تأثيرها على عقولهم، فأصبحوا يفكرون بطريقة أخرى.
إنسان يخالط متشددين، فيتحول إلى متشدد. أو يختلط بمستهترين، فيتحول إلى مستهتر. يضيق فكره أو يتساهل، حسب تأثير الواقع عليه.
12- وقد تؤثر على العقل نوعية نفسيته:
فالإنسان صاحب النفسية الرقيقة الحساسة، ما أسهل أن يتأثر تفكيره بأية كلمة تقال له، ويصور له فكره أنها خطيرة وصعبة. والإنسان صاحب النفسية البسيطة، كثيرًا ما يتقبل عقله أمورًا لا يمكن أن يصدقها متعمق باحث عن الحقيقة..
13- وقد يتأثر العقل بعاداته وطباعه:
تسيره العادة أو الطبع، في أمور لا يقبلها العقل المتزن، بل ربما أكثر من هذا، يبدأ العقل في تبرير تلك العادات وتلك الطباع، وما يصدر عنها من سلوك. وقد يثق العقل بأن هذه العادة تضره، ومع ذلك تنتصر العادة. لأن القيادة لا تكون وقتذاك في يد العقل، وعلى رأي المثل "الطبع يغلب".
هل بعد كل هذا نقول إن الإنسان مخلوق عاقل، بمعنى أن العقل هو الذي يقوده؟! كلا.
14- هناك عقل آخر يقوده الخوف:
الخوف يشل عقله عن التفكير، ويقوده بنفسه..
مثل أبينا آدم، خاف فاختبأ من الله خلف الشجرة!! بينما العقل يقول إنه مهما اختبأ، لابد أن يراه الله. ولكن الذي كان يقوده، كان هو الخوف وليس العقل..
وقد يقود الخوف هذا العقل ليشتغل لحسابه.
كأن يخطئ إنسان، ويخاف من نتائج أخطائه، فيدفع العقل إلى تغطيتها بحيل أو أكاذيب أو اتهام غيره ظلمًا.
كل ذلك ليستره..
الإنسان الخائف لا تطمئن إلى سلامة تفكيره.
15- عقل آخر تقوده الشهوة:
أية شهوة: شهوة جسد، أو شهوة انتقام، أو شهوة مناصب أو ألقاب، أو شهوة مال، أو شهوة عظمة، أو شهرة.. وقد يضيع عقله في سبيل تحقيق هذه الشهوة..
فالذي تسيره شهوة الانتقام، ترى كل عقله يفكر في كيف ينتقم، ولا يفكر مطلقًا في عواقب ذلك، ولا في وصايا الله.. أنه محصور داخل هذه الشهوة، تسيطر على كل تفكيره، وحدها.. وينفذ ويضيع.. لآن عقله لم يستطع أن يمنعه عن الجريمة.
16- والعقل قد تقوده العاطفة.
هناك عاطفة تقود العقل، وعاصفة بلا عقل. وهناك عقل بلا عاطفة، وعقل متزن له عاطفة ولكنه يحكمها. أنواع أربعة، وكل نوع يختلف عن الآخر.
فالعقل الذي تقوده العاطفة، مثل الأم التي تمنع أبنها من السفر لفائدته، لأنها تريده إلى جوارها، أو الأم التي تتدخل في كل شئون أبنتها الزوجة، بحكم عاطفتها، ولكن بلا عقل فتتلف حياتها، وزواجها.
أو مثل تلميذ بسبب العاطفة، يغشش زميلًا له في الامتحان، فيقع الإنسان في مسئولية وتحقيق، وقد يلغي امتحانهما..
إيزابيل باسم العاطفة، فكرت في وسيلة لكي تريح زوجها، وتمكنه من امتلاك حقل نابوت اليزرعيلى. وكانت سببًا في هلاكه وهلاكها. وسمح عقلها أن يغرق في لجة من الأخطاء الدينية والإنسانية.
17- وهناك عقل يقوده الروح القدس:
حقًا إن العقل له قدرة على التفكير، ولكن إذا ما استنار بالروح القدس، الذي يعرفه بكل الحق.. حينئذ تكون أفكاره سليمة تمامًا وروحية وموافقة لمشيئة الله.
أصعب نوع من العقل، هو الذي يعلن استقلاله عن الله.
ويسلك حسب فهمه البشري، الذي قال عنه الكتاب "لا تكن حكيمًا في عيني نفسك" (أم7:3)، والذي قال أيضًا "وعلى فهمك لا تعتمد" (أم5:3). أما الذي يقوده روح الله، فهو الذي يقول لله "لتكن مشيئتك".
18- يشابه هذا العقل الروحي، من تقوده وصايا الله.
كما قال داود النبي "وصية الرب مضيئة تنير العينين عن بعد" (مز 19). وكما قال "سراج لرجلي كلامك، ونور لسبيلي" (مز 19).
هذان النوعان الأخيران، يمكن أن تقودهما الروح، ويقودهما ضمير صالح أمام الله.. ضمير مستنير بالروح القدس أيضًا...
العقل قد يخطئ، وتترسب عليه عوامل تفقده الرؤية السليمة. وهنا نتأمل معًا قول القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية "تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو2:12).

____________

علاقة العقل بالنقل عند توما الاكويني
يقول القديس توما: “إن التعلم المقدس قد يستخدم العقل الإنسانى لكن ليس لإثبات الإيمان لأن ذلك ناسخ لاستحقاق الإنسان بل لإيضاح ما يورد فيه مما سوى الإيمان لأنه لما كانت النعمة لا تنسخ الطبيعة بل تكملها وجب أن تخدم العقل الطبيعى الإيمانى …

__________

ارجو قراءة المصادر التالية ///


http://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Tadros-Yacoub-Malaty/22-Sefr-El-Amthal/Tafseer-Sefr-El-Amthal__01-Chapter-03.html#1


https://aidanassif.wordpress.com/2010/05/24/%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D9%84-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%AA%D9%88%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%8A/

http://st-takla.org/Bibles/BibleSearch/showChapter.php?book=24&chapter=3

http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm061004.htm

http://st-takla.org/books/pope-sheounda-iii/man/index3.html