مصطلح التطهير بين ارسطو وبريخت

ايمان عبد الستار عطاالله
2017 / 2 / 16

مصطلح التطهير بين ارسطو وبريخت
ايمان الكبيسي
يصنف ارسطو التطهير في كتابه (فن الشعر) و(السياسة) الى انه تصفية لانفعالات الشفقة والخوف اللذين تثيرهما التراجيديا, جاعلا منه نتيجة حتمية لتاثيرات العرض المسرحي على نفس المتلقي وما تبثه من مشاعر, والتطهيربلفظ (katharis)هو مصطلح بالغة اليونانية مستخدم في الطب ويعني التفريغ العاطفي والجسدي وقد استخدمه اليونانين بمعاني عدة منها ديني وجمالي وفسيولوجي وطبي...الخ, وهو"اجلاء او اخلاء او كما يقال غالباً تزكية او تصفية في الكلام على تصفية الاهواء وهو مصطلح استعمله المحللون النفسانيون ولاسيما (بروير) و (فرويد) للعملية الطبية النفسية التي تقوم على الوعي بفكرة او بذكرى يُحدث كبتها اضطرابات جسدية او عقلية , وتخليص الشخص منها بهذه الطريقة"(1)
والتطهير بوصفه احد من اهم اهداف المسرح كما اشار ارسطو شجع ( مورينو) الطبيب النمساوي على توظيفه كجزء من عملية العلاج بالسايكودراما باستخدام لعب الادوار والتمثيل لمعاجة مزدوجة تتم للبطل الذي يقوم باداء الدور وتقمص الشخصية بكل نوازعها وافكارها وللمتلقي الذي يشاهد الممثل ويتفاعل معه وصولا للتطهير, وللتطهير جانب مهم في انه لا يحدث بين الفرد وذاته (بل يجب ان يكون ضمن سياق اجتماعي يجمع بين شخصين او اكثر , فالعلاقات الاجتماعية والادوار المتفاعلة بما تثيره من قضايا ومناقشات بين الافراد ...تساعدهم على تحقيق التطهير)(2)هذا ان دلّ على شيء انما يدل على ان شرط الوصول للتطهير هو احداث حالة من التقمص بين الممثل والشخصية وحالة من الاندماج بين المتلقي والاحداث الجارية على خشبة المسرح من خلال الاكتشافات التي توصل اليها المخرج والممثل الروسي(ستانسلافسكي) في كتابه (اعداد الممثل )ان الحالة الذهنية للممثل تكون احدى اهم عقباته في التمثيل والاقناع اذ انه سيؤدي ما لا يشعر به داخليا , فضلا عن ان انشغال الممثل وانفصاله عن الجمهورمن خلال تخيله من ان جدارا فاصلا بينه وبين الجمهور يعطيه مساحة من الحرية في الحركة والارتياح الذي ينعكس بصورة ايجابية على اداءه الجسدي والنفسي عن طريق التقمص والاندماج الذي نادى به ارسطو.
في عشرينات القرن العشرين ظهرت نزعة على يد(اوزينغان ولوكربوزييه) " تعلن على ان المهمة الرئيسة للفن هي تطهير الواقع مما يبدو غريبا عنه اي التعقيدات الايديولوجية"(3) وظل هذا المفهوم حاضراً حتى احدث المخرج والكاتب الالماني(برتولد بريخت) ثورة قلبت كل ما كان متعارف من مفاهيم المسرح والدراما الارسطية باستخدامه اسلوب التغريب الذي تجسد في مذهبه المسرحي الذي اطلق عليه بعد نضوجه (المسرح الديالكتيكي), فتجسد في اليات النص من حيث عزوفه عن المنهج التقليدي الارسطي في البناء الدرامي المتصاعد, واستلهام قصص التاريخ وزجها في احداث حالية, وادخال شخصية الراوي في قطع سير الاحداث والتعليق عليها , فضلا عن اعتماد التغريب في اليات العرض من استخدام مناظر رمزية واشرطة سينمائية وتغيير الممثلين لشخصياتهم وازيائهم امام الجمهور ومشاركة الجمهور في الاحداث ...كل تلك الاساليب اعتمدها (بريخت) لكسر الايهام ومنع الاندماج ليبقي على ارتباطة بفكر المتلقي لا عاطفته وتوفير المتعة من خلال اكتشاف المعرفة لا من خلال مداعبة المشاعر واخراج المكبوتات كما كان هدف المسرح الارسطي.
من ينظر الى المنهجين يرى ان (برتولد بريخت) قد قطع كل السبل المؤدية الى التطهير, لكنه في الوقت ذاته اعتمد تطهيراً اخر جعله نتيجة لتطبيق نظرية الانعكاس ذات المرجعيات الماركسية من ان المسرح يقوم بواجبه في ان يعكس الواقع المعاش على الخشبة للعمل على تغيره واصلاحه, بمخاطبة فكر المتلقي واثارته وعدم تخديره وسلبه كما هو حاصل في المسرح الارسطي.
لذا فمن الممكن القول ان (بريخت) لم يرفض التطهير كهدف عام للمسرح لكنه رفض الالية التي تعامل معها (ارسطو) في مخاطبة المشاعر وسلب الفكر حقه في الاختيار, بل على العكس اعتمد تطهير الفكر ومن ثم تطهير المجتمع من سلبياته بتحفيزه الى الرفض والتغيير عن طريق مسرحه الديالكتيك.


المصادر:
(1)لالاند, اندريه:موسوعة لالاند الفلسفية,المجلدالاول,عويدات للطباعة
والنشر,بيروت, 2012 , ص153.
(2)حسين ,كمال الدين:المسرح التعليمي بين الدراما والتطبيق, الدار المصرية
اللبنانية,القاهرة,2004ص186.

(3) روزنتال ويودين:الموسوعة الفلسفية,ت:سمير كرم,ط2,دار الطليعة بيروت,
1980, ص131.