هنا.. الموالد الشعبية

السيد شبل
2017 / 2 / 16

قال لي، ماذا هنا؟

قلت: هنا حيث الموالد الشعبية، حيث الوعاء الحضاري الذي يلعب دور المادة الصمغية، فيخلط الناس، خلطًا تامًا، ويجبر المكسور من الأرواح، ويجمّع بين القلوب، بعد أن شتتتها الطبقية تارة، والتعصب المناطقي تارة أخرى..

هنا حيث لا تذاكر للدخول، ولا سؤال عن الهوية..

هنا حيث الجميع محب وعاشق ودرويش ومريد..

هنا حيث "المراجيح" و"الكرنفالات الشعبية".. هنا، مسموح لي وللفقراء أمثالي أن نبتهج.. ونبتهج.. ويبتهج معنا أطفالنا، دون أن تقصمنا مصاريف مدن الملاهي، أو تجرح إعلاناتها كبرياءنا في عيون أبنائنا..

هنا حيث تتجسد للزائر نياته، فالمحب المأذون له بالزيارة يرى الجميل وأحسن، والمعدوم، المتجريء عليها، المتحدي بغرور، لا يقف إلا عند العدم؛ فالأول يترجم ما وراء الصورة فيرى حقيقتها، والثاني يُؤوّلها على وجهها الذي يلائم باطنه، فيرى ما تريد نفسه أن تراه.

قال لي: وكيف تأتي بالسياسة إلى هنا؟

قلت: وكيف لا آتي بها؟! ..

أين يا تُرى في وطننا العربي، مكانًا يوفر كل هذا الكم من المعاني القومية، وأبطاله ذوي ذوق رفيع يتنافسون في وصف أنفسهم بالفقراء، هنا "الفقر" نعمة، و"الخدمة" شرف.. لو علمت!.

هنا الطابع عربي، في بعض المعمار ومعظم المقاهي.. والفن شعبي، والمنشد يشدو باللغة العربية، وبلباس قومي (جلباب واسع وعمامة)، والمطاعم محلية من أفقرها إلى أغناها، والحلوى شرقية، وصناعتها وطنية، من الغلبان الصانع.. للغلبان المشتري.

هنا، لا مساحة كبيرة بين (الحمص والفولية والسودانية والبسبوسة و..)، للمنتجات الغربية.. هي تعرف من ذاتها أنها مرفوضة فلا تأتي أو تستحي عند حضورها، حتى بدون حملة مقاطعة..

هنا لا يتكلف المناضلون عناءًا في الدعوة إلى الصواب.. كل شيء، مساق من ذاته إلى الصواب، دون دعوة من أحد، بل دون حتى أن يلتفت إلى هذا "عقل" أحد.

هنا حيث المدد :)..هل تعرف أنت ما هو ؟.. لهذا حديث آخر.

16 فبراير 2016