كيف ولماذا هزمنا امام صدام حسين ؟ (23) - سلام عادل- شهيد، ام متهم تجب ان يحاكمته تاريخيا؟

عبدالامير الركابي
2017 / 2 / 16

من اهم، لابل قد تكون اهم قاعدة من قواعد واسس سلامة العضوية في الحزب الشيوعي العراقي، التركيز على مايسمى الأمانة الحزبية، بمعنى عدم التفريط باسرار الحزب تحت أي ظرف، واية ذريعة مهما كانت، هذا المبدأ يصل ووصل لمرات عديدة، لدرجة خسارة الحياة تحت التعذيب، في نوع من الممارسة تبلغ الحد الأقصى من حيث تكريسها للحزب كغاية، والاهم من هذا، كون الفكرة، او الممارسة المذكورة، لم تطرح يوما للنقاش، كما انها ظلت تعامل كمسلمة لاياتيها الباطل من امامها ولا من خلفها، لابل وقد سيدت نوعا من التصورات والاحكام والأفكار المناقضه لما تدعيه، او يترتب عليها، من قبيل ربط الصمود تحت العصي، والموت في اقبية التعذيب، باعتباره قمة الشجاعة والبسالة الخارقه، ولم يسبق ان جرى التساؤل عن قيمة ومعنى وفائدة تلك الشجاعة، ومدى تطابقها مع المضمون المفترض ان يكون جوهرها، بحيث تكون بعيدة كليا عن المازوخية كمرض على سبيل المثال، بحسب الظن المحتمل في مثل هذه الأحوال، وبناء على الأمر الواقع، كما على الحصيلة المستخلصة من ممارسة ظلت جامدة، تتكرر بلا جدوى، ومن دون نتائج عملية.
وكان من المفترض لاي صاحب عقل،ان يسال: مالغرض من وجود الحزب أصلا؟ وهل تتفق ممارسة تصل لحد الموت من اجله، وحفاظا على كيانه، مع تحقيق المصالح الوطنية والشعبيه بحيث تتلازم في نفس المنتمي للحزب، الامانتان : الحزبية، والوطنية، وتقتربان من ان تكونا شيئا واحدا، مع ارجحية مطلقة للثانية الوطنية، على الأولى الحزبية.
فهل هذا التقارب او التطابق متحقق بالفعل كما يفصح عن ذلك تاريخ الحزب؟ لناخذ على سبيل المثال اهم حدث تجلت فية هذه الثنائية، بحيث ظهرت بقوة درجة التباعد، او التقارب بين المتلازمتين كما حصل خلال وبعيد انقلاب 8 شباط 1963، ففي تلك المناسبة فقد الحزب العشرات من مناضليه، واعتقل الالاف منهم، وعذبوا، ومنذذلك اليوم حتى هذه اللحظة، لم نسمع عن ذلك الحدث غير "جريمة الآخرين" من جانب. وبطولة الواقع عليهم العنف بالمقابل، لدرجة موتهم "المشرف تحت التعذيب". لم يسمع احد كلمه واحدة عن مسؤولية أولئك القتلى بشرف حزبيا، عن احتمال التفريط بقضايا الشعب، والتسليم السلبي / حتى لانقول شيئا آخر/ للقدر الانقلابي. لم يوضح لنا احد يوما، كيف ان حزبا هائلا يحرك عشرات، لابل مئات الألوف من الناس من مختلف القطاعات الاجتماعية، ومنها العسكرية، ينهار امام ثلة صغيرة من المغامرين، ضعيفي التنظيم، معزولين جماهيريا؟. لقد مات "سلام عادل" تحت التعذيب دفاعا عن حزبه، الا انه ومن معه، ماتوا مقصرين، او خونه لقضية شعبهم، يتحملون مسؤولية كبرى، عن الالآف ممن عذبوا او قتلوا، او فقدوا وظائفهم، ذلك عدا عن المسؤولية التاريخية عن ضياع ثورة تموز1958 واغراضها، والاهداف والامال الوطنية الكبرى التي حملتها.
ماذا يعني ان يكون من مات تحت التعذيب قد أدى الأمانة لحزبه، مع انه مات وهو مقصر ومبدد للامانة الكبرى، الوطنية. وهل من قيمة تتبقى وقتها للحزب أصلا، تستحق الموت، افلا تتحول عملية الصمود والموت آنذاك، الى ممارسة عبثية لامعنى لها، ومن الصعب تفسيرها او إيجاد وصف لها، غير المرض والشذوذ، الذي يجعل من الحياة والتفريط بها، ممارسة عبثية على المستوى الذاتي، مع انه ضاربالدرجة الأولى والاساس للاخرين، مبدد لجهدهم وتضحياتهم، ومخيب لامالهم، ومستهتر بقضايا وطنهم.
كيف يمكن نعت "سلام عادل" بالبطل والمناضل او الشهيد الوطني، وهو لم يقاتل من اجل قضايا الشعب، ولم يطلق رصاصة واحدة من اجلها، ولم يحرص عليها، ولاصانها، ان لم يكن اسهم في تقديمها لقمة سائغة لاعدائها، ومن أرادوا بها الشر، وجرعوها الهزيمة، ليس كل من يقتل في ملابسات ومناخات من هذا القبيل، قائد وطني يستحق نعته بالبطل، بما تعنيه البطولة من جرأة على سبيل تحقيق الأهداف، لا الاقدام الخانع على موت مجاني، يسحق تلك الأهداف، ويحول التضحيات الى انكسار تاريخي، والى قضية ضحايا بمعنى "الخرفان"، القرابين المقدمة للالهة تكفيرا عن ذنب، او إرضاء وتحاشيا لغضب قوة عليا .
لم يخض "سلام عادل" ومن معه معركة بمستوى الحدث، ولا بحجم الحزب الذي يقفون على راسه، ولا بما يوازي درجة المسؤولية التاريخية التي هم بموقع التحلي بها افتراضا. ولو كان العقل العراقي في حالة اتزان، ويمر بطور من الحيوية، لماقبل مثل هذه المهزلة المعيبة من طغيان المفاهيم والممارسات المخالفة للمنطق والعقل، دون ان ينتفض ضدها ويحاكمها، بكل جذريتة، متخليا عن اجترائه المعروف به تاريخيا، دزن ان يضعها في المحل الذي تستحقه كظاهرة مشينه ومعيبة، لاتمت باي صلة لتاريخ العراق وخاصياته، ولطبيعته الثورية التكوينية في المجالين، مجال المقاومة والانتفاض العنفي المسلح الدائم، ومجال "التقية الثورية"، التي هي احدى الابداعات العراقية المتطابقة مع تكوين العراق، وانشطاره المجتمعي، وديمومة ظاهرة الصراع العنيف بين مستوييه، الأعلى ممثلا بالدول البرانية القاهرة، والأسفل المشاعي المنتج المحارب.
ماعلاقة نهج "الموت تحت العصي" ورفض القيام باي عمل إيجابي، بثورة العشرين، وبالمستوى غير المالوف من الاستنفار المجتمعي الذي استدعته، وبالميل البديهي لاستعمال السلاح والابداعية القتالية في ظرف من اللاتوازن المطلق، في نوع الأسلحة والتنظيم: " الطوب احسن لومكواري"، التي جعلت حملة النظرية الهندية الاستعمارية المتغطرسة في يتحولون كاسرين مبدا اساسيا في الاستعمار الكولونيالي القديم، فيضطرون لتاسيس ماعرف بعد ذلك التاريخ باربعين سنه، ب "لاستعمار الجديد" وقد اسموه عام 1021 ب " الحكم من وراء ستار"، واقاموا حكومة من "اهل البلاد" من فوق، ومن خارج النصاب الاجتماعي، وسنوا قانون التسوية، كي يدمروا العلاقات المشاعية الريفية التاريخية، عدوتهم اللدود. وماعلاقة هذا المسلك الغريب يكل تاريخ العراق الحديث، وبعشرات العصيانات والانتفاضات المسلحة بوجه الاتراك العثمانيين، من القرن السابع عشر، حتى الثلاثينات بعد ثورة العشرين ومابعد ذلك، لقد احصى المؤرخ الكبير عبدالعزيز الدوري 32 انتفاضة مسلحة، نشبت في العراق أيام حكم الامويين، ولم يمر على العراق طور من التخنيث الواعي للمجتمع، كذلك الذي شاع في القرن العشرين على يد قوة منحت من الشعب كل الدعم والتأييد؟
لابد لاي انسان يملك ذرة من العقل، ان يسال (ماهو المنجز الذي حققه الحزب الشيوعي على مدى تاريخه ل"الوطنية العراقية"؟ على صعيد أهدافها، واحلام الشعب وآماله). اتحدى أيا من المؤمنين ببغاوية، ان يأتي لي بمنجز واحد مقابل، تدمير الطاقات، واهدار مالايحصى من التضحيات، بما يعني كون الحزب المذكور مجرد حزب تبديد وتدمير للطاقات الوطنية، وقوة تحوير وحرف تخنيثية لمجتمع من اعرق مجتمعات العالم في مجال المزاج والسلوك الثوري التكويني، والاستعداد للتضحية الإيجابية، والذي يتحلى بنمط مختلف من الشجاعة، بدل " البطولة الخروفية" التي ابتدعها الشيوعيون.
لماذا بناء عليه يموت شخص او يصمد تحت التعذيب، او يصعد المشنقه كما يحلو لهؤلاء ان يرددوا الى اليوم بمازوخيتهم المريضة وبلاهتهم، ومن اجل أي هدف او قصد، وما قيمة حزب موجود من دون نتيجه تذكر، لايترك خلفه سوى الخراب وتدمير قدرات الشعب، "سلام عادل" ومن معه يجب ان يحاكوا بتهمة التفريط والتآمر على ثورة تموز، وتسليمها لاعدائها، بما يرقى لمستوى الخيانة الوطنية والتاريخية، ولن تقبل بالطبع ابدا تبريرات نظرية التخنيث التاريخي، تلك التي تتحدث عن قوة العدو، او ايه اعتبارات معاكسة، فالحزب الشيوعي لم يكن ينقصه أي شيء لكي يضع في حسابه، كل مايحيط به وبقضية العراق من مخاطر ومواضع تهديد، بما يجعل من مثل هذا الادعاء قرينة فاضحه تثبت التقصير ولا تبرره.
ومن المخزي والمعيب، ومايصل لحد الإعاقة النفسية والعقلية، قبول العقل العراقي لمهزلة رمي المسؤولية على المجرمين الانقلابيين فقط، وتصوير من ذهبوا ضحية الانقلاب والمجزرة الكبرى كضحايا فقط، الامر غير اللائق باي شخص يتمتع بالحد الأدنى من مقومات سلامة الادراك، فماحدث في 8/شباط/ 1963 هو جريمة ارتكبها الحزبان الايديلوجيان الأكبر، "حزب البعث" و"الحزب الشيوعي" معا وسوية ضد ثورة تموز1958، وضد الشعب العراقي، و"سلام عادل" هو المسؤول الأول عن تلك الانتكاسة المروعة، وهو الذي مهد الطريق لانتصار التيار السلطوي البعثي الكردي بعد المجزرة، بسطوه على قيادة الحزب عام 1964 .
"سلام عادل" متهم، وقد يكون مجرما مدانا، بحكم مسؤوليته التاريخية، ولايهمني او يهم احد، كونه قد قتل نتيجة تفريطة وغفلته، فحياته ليست لها اية أهمية، الا بصفتها الوطنية، وحين لاتكون لها من فائدة على هذا الصعيد، بل على العكس، فان موقعها في الموت والحياة يتغير كليا، موت "سلام عادل" يكتسب أهميته ومكانته، ورمزيته، من تطابقه مع الاحلام والامال المعلقة عليه كقائد، قبل المسؤولية بكامل وعيه وارادته، ليقف على راس حزب كان معدودا حزب الامال الوطنية الأكبر، الممحوض اعلى واوسع اشكال الثقة التي يحلم بها أي حزب في العالم، لابل في التاريخ.
اعلم ان هذا الحكم قاس جدا على الكثيرين، لكن ان نواجه الحقيقة عارية كما هي، وبكل قسوتها، افضل بما لايقاس، من ان نظل نعيش الى الابد ماخوذين بالغفلة التاريخية، فلانكتشف وان في وقت متأخر، هول الخديعة التاريخية الكبرى.