القضاء في مصر المعاصرة

طارق المهدوي
2017 / 2 / 16

(1)
تندرج العدالة ضمن الأحلام المستحقة التي تسعى الإنسانية للوصول إليها أو على الأقل الاقتراب منها، ليس فقط باعتبارها تشكل أحد الأضلاع الثلاثة المكونة لمثلث الحياة النموذجية المستهدفة إلى جانب ضلعي السلامة والسعادة، ولكن أيضاً باعتبارها تجسد أحد المبادئ المثالية المطلقة لضمان تقدم الفرد والجماعة والمجتمع البشري والتي أدركتها العقول بالتفكير الموضوعي واستلهمتها الضمائر بالتخيل الوجداني، في ظل استمرار الصراعات البينية للأفراد والجماعات داخل المجتمعات المختلفة من أجل النفوذ والامتيازات والمصالح والرغبات بالإضافة إلى استمرار الصراع الإنساني المشترك ضد شرور الطبيعة، الأمر الذي استدعى مبكراً توافق الأفراد والجماعات الأقوى على وضع خرائط تتضمن تحديداً واضحاً لكافة الحقوق والواجبات المتبادلة في المجتمعات البشرية، عبر تثبيت المستحقات المادية والمعنوية والمختلطة لأصحابها مع منحهم السلطات اللازمة للقوامة على مستحقاتهم وحمايتها في مواجهة الغير عند الضرورة، لتظهر بذلك مجموعة القواعد العامة التي تنظم المراكز النسبية لكل الأفراد والجماعات على نحو يلزمهم بحدود سلوكية متبادلة في الواقع الميداني الحاضر وصولاً إلى استقرار المعاملات المستقبلية داخل المجتمعات، وسواء كانت قواعد السلوك البشري المذكورة مستمدة من مصادر تاريخية أو جغرافية أو ثقافية أو تعاقدية فقد كان من الضروري اقترانها بجداول عقوبات لمن يخالفها، حتى يتحقق الإلزام الإجباري بها على نطاق واسع بخلاف القواعد الأخلاقية ذات الالتزام الاختياري المحدود، ونظراً لما تدعو إليه تلك القواعد الإجبارية بجداول عقوباتها من تعميم يكفل توقيع نفس العقوبة تلقائياً كلما تكررت المخالفات نفسها بصرف النظر عن هويات الفاعلين والمفعول بهم، فقد أطلقت عليها اللغة العربية اسم "القانون" وهي كلمة إغريقية معناها الخط المستقيم، ومع تطور الإنسانية تعددت القوانين المنظمة لقواعد السلوك البشري الإلزامية وتنوعت بين الجنائي والمدني والإداري والعسكري، لتحدد كل مجموعة قوانين في مجالاتها المختلفة ماهية المخالفات والأخطاء والأفعال غير المشروعة التي تتجاوز المراكز النسبية المتفق عليها فتخل بالحقوق الخاصة أو الجماعية أو العامة، والموصوفة بالجرائم لكونها تشكل عدواناً يسبب أضراراً في مستحقات الأفراد والجماعات أو يهدد المصالح العامة والعليا للمجتمعات البشرية بالخطر، ويتم تقسيم الجرائم حسب خطورتها إلى المخالفات البسيطة والجٌنَح المتوسطة والجنايات الكبرى، بحيث تتصاعد العقوبات المترتبة على ارتكابها وفقاً لدرجة الخطورة من الغرامة المالية إلى تقييد حرية الحركة بتحديد الإقامة أو الحبس أو السجن وصولاً للإعدام، دون إغفال أشكال عقابية أخرى كان مأخوذاً بها على نطاق واسع في أزمنة سابقة من التاريخ الإنساني كالتشهير والنفي والأعمال الشاقة والتعذيب البدني وبتر بعض أعضاء الجسد وغيرها، لتصبح العقوبة القانونية هي الإجراء الوحيد الكفيل بإزالة الأضرار الناتجة عن الجريمة مع تعويض المتضرر عما أصابه من أذى بسببها، إلى جانب كونها الإجراء الوحيد الكفيل بإيلام المجرم ليس فقط لمنعه من تكرارها ولكن أيضاً لردع غيره قبل أن تسول له نفسه ارتكاب جرائم أخرى تضر بمستحقات الأفراد والجماعات أو تهدد المصالح العامة والعليا للمجتمع، ولمنع التعارض الميداني بين مجموعات القوانين المتنوعة السارية في مختلف مجالات الحياة فقد تم التوافق المجتمعي مجدداً على وضع نظام تنسيقي فوق كافة القوانين، أطلقت عليه اللغة العربية اسم "الدستور" وهي كلمة فارسية معناها أبو القوانين وسرعان ما أفرزت الدساتير نفسها القوانين المنظمة لكيفية سريانها وأعمالها، كما أدى اتساع نطاق المعاملات المتنوعة بين المجتمعات وبعضها إلى التوافق على وضع نظام لتنسيق العلاقات الخارجية فظهرت القوانين الدولية، ولإلزام الجميع بالدستور والقوانين كان لابد من وجود سلطة آمرة مهابة للفصل فيما يعرض عليها من منازعات خاصة أو عامة وصولاً إلى القضاء بين المتنازعين بأحكام صادرة تطبيقاً للقواعد الدستورية والقانونية السارية، فظهرت السلطة القضائية التي سرعان ما وضعت لنفسها أنظمة عملها داخل حدود منشآتها المسماة بالمحاكم اشتقاقاً من واقع احتضانها لمحاكمات يعقبها صدور أحكام، واضطر المتنازعون للبحث عن حقوقهم الضائعة والدفاع عن مستحقاتهم المهددة بين ردهات تلك المحاكم التي انعقدت عليها أحلام العدالة المأمولة من قبل كافة الأفراد والجماعات والمجتمعات البشرية وشعوب العالم كله بما في ذلك الشعب المصري!!.
(2)
منذ دخول مصر في الدولة الإسلامية عام 641 ميلادياً بدأ خلفاء الإسلام يرسلون إليها القضاة الشرعيين بهدف الإفتاء وفض منازعات المسلمين مع استمرار خضوع المصريين غير المسلمين لقضائهم الملي الموزع على مختلف طوائفهم، وقد ظهرت المحاكم الشرعية كأول مؤسسة قضائية منظمة في مصر عقب خضوعها للحكم العثماني عام 1517 حيث أصبح الخليفة يصدر الفرمان الخاص بتسمية قاضي قضاة ولاية مصر وتحديد اختصاصاته، ليقوم من جانبه باختيار نوابه ووكلائه ومعاونيه وقضاة المديريات الجغرافية المحلية مع اعتماد القضاة المليين السابق ترشيحهم بواسطة طوائفهم غير الإسلامية، ويوزع المهام التفصيلية على هؤلاء وأولئك ليمارسونها بشكل هرمي منظم تحت رئاسته وإشرافه المباشر، ثم ظهرت المؤسسة القضائية المنظمة الثانية عام 1740 بصدور الفرمان العثماني الذي أنشأ محاكم قنصلية في سفارات الدول الأجنبية العاملة داخل مصر، ومنحها الاختصاصات القضائية لفض منازعات رعاياها المقيمين على الأراضي المصرية تطبيقاً لقوانين بلادهم الأصلية، ومع حلول عام 1805 ظهرت المؤسسة القضائية المنظمة الثالثة عندما أضاف والي مصر "محمَّد علي" الاختصاصات القانونية إلى الديوان العالي المسئول عن فحص ومراجعة قرارات الدولة المختلفة قبل الشروع في تنفيذها على أرض الواقع، مع تغيير اسمه ليصبح ديوان القاضي وجعله تحت رئاسة نائب الوالي، وفي عام 1842 ظهرت المؤسسة القضائية المنظمة الرابعة عندما أنشأ "محمَّد علي" جمعية الحقانية التي تغير اسمها لاحقاً إلى مجلس الأحكام للنظر في شكاوى المصريين ضد إساءة موظفي الدولة لممارسة سلطاتهم، وفي عام 1856 ظهرت المؤسسة القضائية المنظمة الخامسة بصدور الفرمان العثماني المعروف بالخط الهمايوني لتنظيم اختصاصات المحاكم الملية في فض المنازعات القضائية للمصريين غير المسلمين، حسب شرائعهم وتحت إشراف القيادات الدينية لطوائفهم بمعزل عن المحاكم الشرعية الإسلامية، وبفضل مجهودات رئيس وزراء مصر الأول "نوبار" وخليفته "محمَّد شريف" تم إنشاء المحاكم المختلطة عام 1876 لتحل محل القضاء القنصلي وإنشاء المحاكم الأهلية عام 1883 لتحل محل ديوان القاضي، وفي عام 1949 تم إلغاء المحاكم المختلطة ونقل اختصاصاتها إلى المحاكم الأهلية ثم صدر القانون رقم 462 لعام 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والملية ونقل اختصاصاتها إلى المحاكم الأهلية، ثم صدرت مجموعة القوانين أرقام 82 و83 و84 لعام 1969 بتنظيم الفرعين الجنائي والمدني في المحاكم الأهلية كمؤسسة قضائية موحدة، وكان القانون رقم 112 لعام 1946 قد أنشأ مجلس الدولة ومنحه كافة الاختصاصات القضائية الإدارية السابق انعقادها لمجلس الأحكام بما فيها مراقبة الجهات الإدارية أثناء ممارستها لسلطاتها وفض ما يقع من منازعات بين بعضها أو مع الأفراد، ثم صدر القانون رقم 165 لعام 1955 بمنح مجلس الدولة حصرياً كل الاختصاصات القضائية المتعلقة بالجهات الإدارية والتي شملت فيما شملته التفسير والرقابة الدستورية لقرارات تلك الجهات، وفي عام 1969 صدر القانون رقم 81 بإنشاء المحكمة العليا ومنحها اختصاصات التفسير والرقابة الدستورية لقرارات وأحكام المحاكم الأهلية، ثم صدر القانون رقم 48 لعام 1979 بإنشاء المحكمة الدستورية العليا ومنحها كافة الاختصاصات المتعلقة بالتفسير والرقابة الدستورية على أعمال المحاكم وفض تنازع الصلاحيات الدستورية بين كل السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية نقلاً من مجلس الدولة والمحكمة العليا، وهكذا اكتملت ملامح السلطة القضائية المصرية المعاصرة بتوزيعها على أربع مؤسسات نوعية هي المحكمة الدستورية التي يتم تشكيلها واختيار رئيسها بقرار جمهوري صادر عن السلطة التنفيذية، ومجلس الدولة الذي يضم المستويين العادي والعالي من المحاكم الإدارية والتأديبية، والقضاء الأهلي بشقيه الجنائي والمدني والذي تتسع خريطة مكوناته لتضم النيابة العامة والنيابات المتخصصة والمحاكم الجزئية والابتدائية والجٌنَح والجنايات وأمن الدولة والاستئناف والنقض ومجلس القضاء الأعلى، مع عدة أدوات معاونة تابعة أصلاً للسلطة التنفيذية كدار الإفتاء الشرعي وإدارات الخبراء والطب الشرعي والصحة النفسية والشهر العقاري ولجان تسوية المنازعات والدعم الأسري ووحدات الاستيفاء والمحضرين وأمناء السر والكتبة والسكرتارية وغيرها، أما المؤسسة القضائية الرابعة والتي تبدو كأنها تعتلي الأخريات فهي القضاء العسكري!!.
(3)
ظهر القضاء العسكري كمؤسسة منظمة عام 1893 بصدور قانون الأحكام العسكرية الذي استمر سارياً حتى حل محله القانون رقم 25 لعام 1966 بتعديلاته المتتالية العديدة التي كان آخرها تلك الواردة في القانون رقم 21 لعام 2012، وينص القانون 25 على أن السلطات القضائية العسكرية تتمثل حصرياً في هيئة القضاء العسكري التابعة لوزارة الدفاع والتي تضم مدير سلاح القضاء العسكري ورئيس أركان هيئة القضاء العسكري والمدعي العام العسكري، وهؤلاء يترأسون ضباط القضاء العسكري وأعضاء النيابة العسكرية وأصحاب سلطة الضبطية القضائية العسكرية الذين هم ضباط المخابرات الحربية والشرطة العسكرية، ويعمل جميع رؤساء وأعضاء هيئة القضاء العسكري تحت قيادة وزير الدفاع الذي يصدر دون غيره قرارات تعيينهم ليحلفوا يمين الولاء أمام شخصه، ويحدد القانون المستويات الثلاثة للقضاء العسكري والمتمثلة في مستوى المحاكم ذات الدرجات الأربع ومستوى النيابة ذات صلاحيات التحقيق والحبس الاحتياطي والإفراج والإحالة إلى المحاكمة، ومستوى الضبطية القضائية التي لا تقتصر على ضباط المخابرات الحربية والشرطة العسكرية فقط بل تتسع حسب القانون لتشمل أيضاً قادة القوات المسلحة كل منهم في دائرة عمله، إلى جانب المخولين بسلطة الضبطية القضائية من وزير الدفاع أو ممن يفوضه الوزير في ذلك سواء كانوا ضباطاً أو ضباط صف أو جنوداً أو غيرهم، بالإضافة إلى ضباط الصف والجنود والأفراد العاملين لصالح المخابرات الحربية والشرطة العسكرية، كما ينص القانون على أن القضاء العسكري يختص حصرياً بنظر الجرائم الداخلة في اختصاصه وأن السلطات القضائية العسكرية هي وحدها دون غيرها التي تقرر ما إذا كان الجرم داخلاً في اختصاصاتها أم لا، وأن العسكريين والملحقين بهم يظلون خاضعين لأحكام قانون القضاء العسكري حتى لو خرجوا من الخدمة، ولرئيس الجمهورية أن يحيل إلى القضاء العسكري أية جريمة من الجرائم التي يعاقب عليها أي قانون آخر، ويصدق رئيس الجمهورية على أحكام القضاء العسكري الصادرة بالإعدام أو بطرد أحد الضباط من الخدمة، أما الأحكام بالعقوبات الأخرى مثل الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة أو السجن أو الحبس أو الغرامة أو تنزيل الرتبة أو الحرمان من الأقدمية أو التكدير فيصدق عليها من يفوضه رئيس الجمهورية في ذلك، وهو التفويض الذي ذهب في بعض الأحيان لرئيس الوزراء أو لنائب رئيس الجمهورية إلا أنه كان يذهب في معظم الأحيان إلى وزير الدفاع خلال العمر الزمني لجمهورية الخوف الأولى بين عامي 1952 و2011، ثم صدر القانون رقم 136 لعام 2014 بتفويض النائب العام في إحالة ما يراه من جرائم تخص المنشآت المدنية ذات الطابع الحيوي إلى القضاء العسكري، وبالنظر إلى نصوص بعض مواد قانون القضاء العسكري على سبيل الأمثلة لا الحصر دون مناقشتها، نجد أن المادتين رقم 16 ورقم 20 تمنحان صاحب سلطة الضبطية القضائية العسكرية حق توقيف وتفتيش أي شخص يشتبه في أنه فاعل جرم أو شريك أو يحوز أشياء تتعلق بجرم أو يخفي شخص له علاقة بجرم مع ضبط ومصادرة الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الجرم، وأي شخص داخل أو خارج من مناطق الأعمال العسكرية والحدود والسواحل وغيرها من المناطق المدنية التي تحددها الأوامر العسكرية، أما المادة رقم 34 فإنها تسمح للنيابة العسكرية بحبس المتهم احتياطياً لمدة خمسة عشر يوماً ولقاضي محكمة الدرجة الأولى العسكرية بأن يمدها إلى خمسة وأربعين يوماً وللمحكمة العسكرية العليا بأن تمدها حتى ينتهي التحقيق مع المتهم بلا حد أقصى زمني، وحسب المواد أرقام 128 و129 و132 و134 و138 و138 مكرر و139 و151 و152 و153 من قانون القضاء العسكري فإنه يجوز الحكم بإعدام أي شخص خاضع لذلك القانون إذا قام بأي فعل يندرج ضمن قائمة طويلة من الأفعال المتعددة والمتنوعة، مثل الخروج عن طاعة رئيس الجمهورية ومناهضة السياسة العامة للدولة على الصعيدين الداخلي أو الخارجي، والامتناع عن طاعة الضابط الأعلى فيما يصدره له من أوامر بالوسائل المكتوبة أو الشفهية أو غيرها من الوسائل حتى لو كانت بالإشارة، والامتناع عن إخماد جريمة الخروج عن طاعة السلطة العسكرية بمجرد وقوعها، والتأخر في إبلاغ قيادته عن أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها داخل قانون القضاء العسكري وفي مقدمتها جريمة الخروج عن طاعة السلطة العسكرية، والوقوع في أسر العدو لعدم اتخاذه ما يلزم من احتياطات أو التقاعس في العودة من الأسر، وأخيراً وليس آخراً يجوز الحكم بإعدامه عند تقصيره أثناء خدمته الميدانية والمتمثل في عدة حالات منها النوم أو السكر، أما المادة رقم 117 فتنص على عدم جواز الطعن بأي وجه في أحكام القضاء العسكري أمام أية هيئة قضائية أو إدارية، بينما يحصل العسكريون المحكوم عليهم بأحكام نهائية في الجرائم المنصوص عليها بقانون العقوبات العام وما يرتبط بها من جرائم أخرى على فرصة الطعن أمام المحكمة العسكرية العليا، بموجب المادة الثانية من التعديلات التي أدخلها القانون 21 الصادر عام 2012 خلال إدارة المجلس العسكري لشئون البلاد بتكليف من الرئيس المعزول "حسني مبارك"!!.
(4)
مع تطور النشاط الاقتصادي الإنساني بما أفرزه من أنماط وعلاقات إنتاجية واستهلاكية مختلفة من حيث درجات التوافق والتناقض، ظهرت المصالح المشتركة في نفس وقت ظهور المصالح المتباينة بين الأفراد والجماعات، كما تبلورت موازين القوة والنفوذ والتحالفات والمخاصمات داخل المجتمعات البشرية، وهنا استخدمت الفئات الاجتماعية الأقوى كافة الوسائل الخشنة للقهر العنيف جنباً إلى جنب مع الوسائل الناعمة للخداع الالتفافي بهدف دعم سيطرة تلك الفئات على الدول والحكومات بالشكل السياسي الذي يكفل حماية وتنمية مصالحها الاقتصادية داخل المجتمعات البشرية، وكان القضاء هو أفضل وسيلة لدعم السيطرة باعتباره يجمع بين الوجهين الخشن والناعم معاً، الأمر الذي اعترفت به منظمة "اليونسكو" التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الشهير الصادر عام 1962 بالعاصمة الفرنسية باريس تحت عنوان "تاريخ البشرية"، فقد أكدت في الجزء الثاني من المجلد السادس للتقرير والمعنون "تطور المجتمعات" الحقيقة التاريخية التي مفادها، أن الهيئات القضائية هي قوة محافظة داعمة للأوضاع القائمة ورافضة للتغييرات المحتملة، وبالتالي فهي الأبطأ في الاعتراف بالاتجاهات الجديدة وفي منحها أي شرعية، لذلك فإنه ليس من قبيل المصادفة حسب تقرير "اليونسكو" أن النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجديدة تقوم كخطوة أولى لها بتغيير الأنظمة القانونية والقضائية الموروثة، وهو ما يعطي سبباً إضافياً لدفاع الهيئات القضائية عن الأوضاع القائمة والموروثة حفاظاً على وجودها ذاته، وإذا كانت عجلة التغيير تبدأ بحرية التفكير تليها حرية التعبير تمهيداً لحرية التمكين التي تشمل حق مراقبة المسئولين ومحاسبتهم والمشاركة معهم في المسئولية العامة وصولاً إلى حق تداول السلطة، فإن التاريخ الإنساني زاخر بوقائع تثبت معاداة الهيئات القضائية لحريات التفكير والتعبير والتمكين وكراهيتها لحقوق المراقبة والمحاسبة والمشاركة وتداول السلطة، تحت مبررات الرطانة الوطنية أو الدينية التي يتم استخدامها في غير محلها بالكذب والتضليل على نطاقات واسعة، ورغم اتساق الأوضاع السياسية والقضائية المصرية في العصرين القديم والوسيط مع ذلك السياق الإنساني السلبي، فإن التذكير بواقعتين اثنتين من التاريخ المصري الحديث الممتد بين عامي 1805 و1952 على سبيل الأمثلة لا الحصر قد يكون أقرب إلى الأذهان، ففي عام 1877 وخلال تبعية مصر للدولة العثمانية التي كانت بدورها خاضعة للنفوذ الأوروبي، أصدر الخديوي "إسماعيل" قراراً بتأجيل فترة استحقاق سداد فوائد الديون الأوروبية على الخزانة العامة المصرية لمدة عام واحد، فلجأ الدائنون الأوروبيون إلى المحاكم المختلطة التي لم تكن مصرية رغم وجودها داخل مصر، لتحكم عام 1878 بأحقيتهم في الحصول على تلك الفوائد بدون تأجيل، وعندما حاول "إسماعيل" كسب الوقت من خلال المماطلة القضائية في تنفيذ الحكم استصدر الدائنون الأوروبيون فرماناً عثمانياً عام 1879 بعزله وتولية الخديوي "توفيق" خلفاً له، استناداً لحكم محكمة كان قد صدر تعبيراً عن موازين القوة والنفوذ في مصر آنذاك، وبعد حوالي نصف قرن زمني أصدر القاضي الشرعي الشيخ "علي عبدالرازق" كتابه الشهير "الإسلام وأصول الحكم" والذي أثارت محتوياته الفكرية غضب الملك "فؤاد"، فأوعز إلى حلفائه الإسلاميين سواء في الحركة السلفية أو في جماعة "المنار" التي احتواها "الإخوان المسلمون" لاحقاً ليدفعوا هيئة كبار علماء الأزهر باعتبارها الهيئة العليا للقضاء الشرعي إلى الانعقاد يوم 12/8/1925، حيث قررت "إخراج المحكوم عليه علي عبدالرازق من زمرة علماء الأزهر ومحو اسمه من سجلات الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى وطرده من كل وظيفة عمومية سواء كانت دينية أو غير دينية وإعلان عدم أهليته للقيام بأي وظيفة أخرى وقطع مرتباته في أي جهة كانت ومخاطبة السراي والحكومة بذلك مع مصادرة كتابه الإسلام وأصول الحكم من المكتبات ومنعه عن الجمهور"، وعندما أراد الملك "فاروق" مكايدة السلفيين والإخوان المسلمين في إطار صراعه السياسي معهم أوعز إلى حلفائه المدنيين في أحزاب الأقلية أثناء توليهم الحكم، ليدفعوا هيئة كبار علماء الأزهر باعتبارها الهيئة العليا للقضاء الشرعي إلى الانعقاد عام 1946 لإصدار قرار جديد بإلغاء قرارها السابق صدوره عام 1925 ضد "علي عبدالرازق" مع رد اعتباره قبل أن يعينه "فاروق" كوزير أوقاف لمدة ثلاثة أعوام، أي أن نفس الشخص قد عوقب ثم كوفئ على نفس الفعل استناداً لحكمين أصدرتهما نفس الهيئة القضائية تباعاً، في تناقض كان تعبيراً عن اختلاف موازين التحالفات والمخاصمات خلال العشرين عاماً المنقضية بين صدور الحكم الأول عام 1925 وصدور الحكم الثاني عام 1946، ومع ذلك فإن تاريخ مصر المعاصر الذي بدأ منذ بداية جمهورية الخوف الأولى عام 1952 قدَّمَ النموذج العالمي الأبرز لاستخدام القضاء بواسطة النظام الحاكم، إلى درجة أصبح يصعب معها تمييز ما هو قضائي عما هو سياسي في الكثير من قرارات وأحكام المحاكم المصرية المعاصرة الموزعة على المؤسسات القضائية العسكرية والدستورية والإدارية والأهلية بشقيها الجنائي والمدني!!.
(5)
عقب عودة الجيش المصري من حرب فلسطين الأولى التي وقعت عام 1948 مهزوماً على أيدي العصابات الصهيونية المسلحة، قامت جمعية "الحرس الحديدي" النازية السرية التي كانت تعمل داخل صفوف الجيش بتغيير اسمها إلى تنظيم "الضباط الأحرار" مع إعادة تشكيل الهيئة العليا للتنظيم الجديد تحت رئاسة العقيد "جمال عبدالناصر" في سبتمبر 1949، وخلال النصف الأول لعام 1952 أصدر الملك "فاروق" قرارين متتاليين ضد اللواء "محمـد نجيب" بعزله من موقعه الوظيفي كمدير لسلاح الحدود ثم عزله من موقعه النقابي كرئيس لمجلس إدارة نادي ضباط الجيش، فأعلن "نجيب" سخطه الشديد على "فاروق" بشكل صريح أعطى انطباعاً لعموم الضباط بأنه أصبح من كارهي الملك، مما دفع "الضباط الأحرار" إلى الاتصال به والاقتراب منه تمهيداً لاختياره رئيساً شرفياً ليس لتنظيمهم الذي استمر تحت رئاسة "عبدالناصر" ولكن لحركتهم الانقلابية الناجحة ضد الملك "فاروق" في 23 يوليو 1952، وهي الحركة التي اختارت منذ لحظتها الأولى السيطرة على الدولة والمجتمع عبر سحق خصومها وضرب معارضيها، وهو ما يعترف به "أنور السادات" عضو الهيئة العليا لجماعتي "الحرس الحديدي" و"الضباط الأحرار" والنائب الأول لجمال عبدالناصر وخليفته في رئاسة مصر، رغم سعيه لتبرير السحق والضرب ككل زملائه أعضاء نادي الحكام الطغاة بقوله في كتابه الشهير "قصة الثورة كاملة" إنه كان حتماً على الجيش الذي يمثل الثورة سحق وضرب كل أعداء الثورة الذين تكتلوا ضدها وأيضاً كل الذين يدعمونهم بلا رحمة منذ اللحظة الأولى، لأنهم بعد أن أبقى عليهم الجيش أحياءً دون أن يبيدهم أو يفنيهم فقد تخيلوا أنهم قادرون على وقف الثورة بمؤامراتهم ضدها لعلمهم بأن موازين القوة والأمر الواقع تجعلهم عاجزين عن الاشتباك المباشر مع الجيش، وإن الجيش كان محقاً عندما ضرب على أيدي رجال الأحزاب بيد الثورة الحديدية لوأد جريمتهم قبل إتمامها، فقد كان لابد من إبعادهم عن طريق الثورة ولا سبيل إلى ذلك سوى بمعركة مسلحة يخوضها الجيش ضدهم بحزم وصمود وإصرار حتى يلقى كل أعداء الشعب والثورة مصرعهم، ورغم وضوح النزوع الاستبدادي المعادي للحياة السياسية والكاره للحريات المدنية لدى حركة الجيش الانقلابية منذ لحظتها الأولى بلسان قادتها أنفسهم، فقد حصلت على دعم قضائي كبير تسابق فيه عدد من أبرز القضاة المصريين مثل "عبدالرزاق السنهوري" و"سليمان حافظ" و"حسن الهضيبي" و"عبدالقادر عودة" بدوافع مختلفة لكل منهم، حيث كان القاضي "عبدالرزاق السنهوري" يخشى عودة الشرعية بما تتضمنه من برلمان يشغل حزب الوفد أغلبية مقاعده، لأن الأغلبية البرلمانية الوفدية كانت على وشك استصدار قانون لا يسمح للوزراء السابقين من القضاة سوى بالعودة إلى المحاكم للجلوس فقط على منصة القضاء دون تولي أية مواقع وظيفية داخل الهياكل الإدارية العليا للسلطة القضائية، مما يعني ضرورة تخلي "السنهوري" عن موقع رئيس مجلس الدولة والذي تولاه عقب تركه لمنصبه السابق كوزير معارف في إحدى حكومات أحزاب الأقلية، أما القاضي "سليمان حافظ" النائب الأول لرئيس مجلس الدولة والمسئول عن هيئة الرأي والفتوى والتشريع بالمجلس فقد كان متطلعاً بشغف إلى رئاسة المجلس وصولاً لأي منصب وزاري بأي ثمن، وأما القاضي "حسن الهضيبي" مرشد عام جماعة الإخوان المسلمين آنذاك ونائبه الأول في الجماعة آنذاك القاضي "عبدالقادر عودة"، فقد كانا يطمحان إلى احتواء حركة الجيش الوليدة داخل جماعتهما لتمكين الجماعة من اعتلاء السلطة ولو على حساب مجمل الحياة السياسية والحركات المدنية في الدولة والمجتمع، وهكذا تسابق هؤلاء القضاة الأربعة لتوفير كل ما طلبه العسكر من أغطية دستورية وقانونية وسياسية وجماهيرية لتمرير الانقلاب العسكري داخلياً وخارجياً طوال العامين التاليين لنجاحه في 23 يوليو 1952، إلا أن مساعداتهم المتعددة والمتنوعة لم تشفع لهم أمام طوفان الاستبداد العسكري، فبحلول عام 1954 رد لهم العسكر جميلهم بإعدام "عبدالقادر عودة" وحبس "حسن الهضيبي" و"سليمان حافظ" أما "عبدالرزاق السنهوري" فقد ضربوه بهدف قتله داخل مكتبه في مجلس الدولة ثم قاموا بتحديد إقامته في منزله مع منعه من السفر، أسوةً باللواء "محمَّد نجيب" الرئيس الشرفي لحركة الجيش الانقلابية والذي كان قد ظن أنه يمكنه تجاوز الوضع الشرفي ليصبح رئيساً حقيقياً لمصر!!.
(6)
في إحدى مناوراتها السياسية الفاشلة للوصول إلى السلطة، حاولت جماعة الإخوان المسلمين تحت قيادة مرشدها العام القاضي "حسن الهضيبي" ونائبه الأول القاضي "عبدالقادر عودة" احتواء حركة الجيش الانقلابية الوليدة داخل صفوف الجماعة، فاعترف الإخوان منذ اللحظة الأولى بشرعية حكم العسكر رغم قيامه على جثة الشرعية الحقيقية التي كانت منعقدة قبل انقلاب يوليو 1952 لحزب الوفد صاحب الأغلبية الكاسحة في الانتخابات الديمقراطية برئاسة "مصطفى النحاس"، حيث اجتمعت الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان يوم 26/7/1952 تحت رئاسة "الهضيبي" وأعربت عن فرحتها بنجاح حركة الجيش التي وصفتها بالمباركة مع الإشادة بها ودعوة الشعب المصري إلى تأييدها، ثم أصدر مكتب إرشاد الجماعة يوم 31/7/1952 بياناً عن الإصلاح المنشود في العهد الجديد متضمناً تحريض العسكر على البطش بخصومهم، فيما قاله من أن جيش مصر العظيم قد أزال عقبة كانت تصد عن سبيل الله والحق وتساند الفساد وتعيق الإصلاح، وأن عقاب الشعب أحق بأن يأخذ مع الملك السابق كل أعوانه من وزراء ورجال حكم وسياسة يسروا له سبل الشر والبغي والطغيان والفساد والاستغلال والغنم الحرام، ليمنح الإخوان المسلمون بذلك الاعتراف الكثير من الصكوك الجماهيرية والسياسية التي كانت تحتاجها حركة الجيش الانقلابية بشدة في لحظات ميلادها الأولى للوقوف على قدميها، وهو غدر ظل بعض الوفديين يجترونه داخل أعماقهم الحزينة حتى ردوه إلى جماعة الإخوان المسلمين في نفس شهر يوليو ولكن بعد ستة عقود زمنية، من خلال اعترافهم بشرعية حكم العسكر الذي قام يوم 3/7/2013 على جثة الشرعية الحقيقية المنعقدة للجماعة باعتبارها صاحبة الأغلبية الكاسحة في الانتخابات الديمقراطية السابقة تطبيقاً لمعادلة كما تدين تدان والبادئ أظلم، ليستمر الصراع المتبادل بين المجني عليهم من فريقي الوفديين والإخوان تاركين الانقلاب العسكري الذي هو الجاني الفعلي التكراري في حق هؤلاء وأولئك دون عقاب لينعم بغنائم الجريمتين، ومنذ البدايات المبكرة لانقلاب 23 يوليو 1952 انطلق قادة الجماعة وكوادرها يشاركون بشكل إيجابي في عضوية كافة المستويات التنظيمية لجمهورية الخوف الأولى، سواء كأعضاء في القيادة العسكرية العليا مثل "محمَّد رشاد مهنا" و"عبدالمنعم عبدالرؤوف" و"معروف الحضري" و"أبوالمكارم عبدالحي"، أو كأعضاء في مجلس الوزراء مثل "أحمد حسني" وزير العدل و"أحمد حسن الباقوري" وزير الأوقاف، أو كأعضاء في القيادة العليا للتنظيم السياسي الذي أنشأه العسكر تحت اسم هيئة التحرير مثل "البهي الخولي"، أما القاضيان "حسن الهضيبي" و"عبدالقادر عودة" فقد ترأسا كتلة إخوانية ضمت معهما الإخوة "صالح عشماوي" و"حسن العشماوي" و"كمال خليفة" في عضوية لجنة الخمسين التي شكلها العسكر عام 1952 لوضع الدستور الجديد، مع تولي بعض الإخوة لعدة مناصب تنفيذية واستشارية هامة مثل "صلاح دسوقي" و"عبدالرحمن السندي" و"سيد قطب" وغيرهم، وبالعودة إلى صحافة تلك الأيام يتضح جلياً حجم ما ارتكبه "الهضيبي" و"عودة" من خيانة لضميرهما المهني وثقافتهما القانونية، بتواطؤهما الفج مع مساعي العسكر لوأد الحريات وإسكات المعارضين وتصفية الخصوم تمهيداً لإحكام الاستبداد داخل كل الأروقة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، على مظنة انتهازية لجماعة الإخوان المسلمين بإمكانية نجاح مناورتهم في احتواء العسكر المبتدئين داخل صفوف جماعتهم العتيقة وصولاً إلى سيطرة الإخوان على الدولة والمجتمع، إلا أن الإخراج الاحترافي المحبك لمسرحية محاولة اغتيال "جمال عبدالناصر" بالإسكندرية يوم 26/10/1954 أثبت تفوق العسكر على الإخوان في الدهاء، حيث منحتهم تلك المسرحية فرصة ذهبية لحل جماعة الإخوان ومصادرة مقراتها وأموالها واعتقال قادتها وكوادرها لتقديمهم إلى المحاكمة العسكرية، في القضية رقم 1 لعام 1954، والتي أسفرت عن أحكام بالأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة على ألف وخمسمائة منهم مع إعدام سبعة آخرين في مقدمتهم القاضي "حسن الهضيبي" مرشد عام الجماعة ونائبه الأول القاضي "عبدالقادر عودة"، الذي تم إعدامه فعلاً يوم 9/12/1954 بينما لم يتم تنفيذ حكم الإعدام بحق "الهضيبي" عقب تخفيفه في اللحظات الأخيرة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، نزولاً عند رغبة بريطانيا التي لم تكن قد أكملت بعد سحب قوات احتلالها العسكرية من الأراضي المصرية، فيما اعتبره المؤرخون عقاباً مستحقاً للغباء السياسي حيث خان القضاة من قادة الإخوان المسلمين ضميرهم المهني وثقافتهم القانونية لصالح العسكر دون حتى أن يتعلموا قواعد الخيانة الواردة في قواميس الاستبداد السياسي، مثل قاعدة أن شريك خيانتك للآخرين هو بطبعه خائن لا يؤتمن، وقاعدة أن الذي يضعك فوق رأسه لتساعده في التهام شركائك سوف يسقطك أرضاً لالتهامك بمجرد انتهائه من الآخرين، وغيرها من قواعد الخيانة التي لم يتعلمها أيضاً القاضي "عبدالرزاق السنهوري" رئيس مجلس الدولة ونائبه الأول القاضي "سليمان حافظ" فحصلا معاً من نفس العسكر على عقاب مستحق شبيه!!.
(7)
رغم اختلاف تقديرات المؤرخين حول معظم الأحداث التفصيلية المرتبطة بالبدايات الأولى لحكم العسكر في مصر المعاصرة عام 1952 حسب الاتجاهات الفكرية والسياسية لكل منهم، إلا أنهم قد اتفقوا جميعاً على التقدير السلبي لحقيقة ما ارتكبه القاضي "عبدالرزاق السنهوري" رئيس مجلس الدولة ونائبه الأول القاضي "سليمان حافظ" من أخطاء ألحقت بالدولة والمجتمع أضراراً بالغة، مثل عضو مجلس قيادة الثورة اليميني "أنور السادات" في كتابه "قصة الثورة كاملة" وزميله اليساري "خالد محيي الدين" في كتابه الشهير "الآن أتكلم"، وبينهما شهادات زملائهما "عبداللطيف البغدادي" و"كمال الدين حسين" و"حسن إبراهيم" الواردة في كتاب "الصامتون يتكلمون" لمؤلفه "سامي جوهر" إلى جانب الباحث الأكاديمي "عمرو الشلقاني" في كتابه الشهير "ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية"، حيث اتفقوا جميعاً على أن "السنهوري" و"حافظ" قد وضعا كل مهاراتهما القانونية المميزة منذ اللحظة الأولى لانقلاب يوليو 1952 في خدمة النزوع الاستبدادي للعسكر، على حساب حياة المصريين وأنصبتهم المشروعة من الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة بشقيها الاجتماعي والقضائي، لدرجة أن غلاف مجلة "روزاليوسف" الصادرة يوم 22/3/1954 قد نشر لهما معاً رسماً كاريكاتورياً يظهرهما في صورة أراجوزين يطبلان ويزمران ويدقان الدفوف والصاجات نفاقاً لأهواء الحكم العسكري الجديد، لاسيما بعد افتضاح خضوعهما المخزي للعسكر فيما ارتكباه من أفعال تضمنت كتابة الصياغة القانونية المحبكة لتنازل الملك "فاروق" عن العرش وإقناعه بتوقيعها ومغادرة البلاد نهائياً يوم 26/7/1952 تحت التهديد باغتياله، ثم تعديل قانون الولاية على العرش يوم 31/7/1952 بإضافة المادة رقم 11 لمنح مجلس الوزراء التابع للعسكر حق تشكيل هيئة الوصاية المؤقتة على الملك القاصر "أحمد فؤاد"، لتحلف اليمين أمام مجلس الوزراء وبالتالي أمام مجلس قيادة الثورة بهدف تحاشي المادة رقم 52 من دستور 1923 الذي كان سارياً آنذاك، لوضوحها في اقتصار حق تشكيل تلك الهيئة على مجلس النواب مع إلزامها بحلف اليمين أمامه، مما سمح للعسكر باستمرارهم في تعطيل البرلمان ذي الأغلبية الوفدية حتى قاموا بحله وإلغاء الدستور، وبتشجيع حماسي من "السنهوري" و"حافظ" إلى جانب القيادي الإخواني البارز "سيد قطب" بدعوى مفبركة حول ضرورة الردع المبكر لمن تسول له نفسه معارضة الحكم العسكري الجديد، وقعت مذبحة كفر الدوار يوم 14/8/1952 عندما هجم العسكر على مظاهرة سلمية لعمال غزل ونسيج شيوعيين كانوا يطالبون بزيادة أجورهم، فقتلوا منهم خمسمائة عامل واعتقلوا خمسمائة آخرين لتقديمهم إلى القضاء العسكري، الذي أصدر يوم 18/8/1952 أحكامه بعقوبات قاسية متعددة على رأسها إعدام اثنين من قادة العمال الشيوعيين المتظاهرين هما "مصطفى خميس" و"محمَّد البقري"، حيث تم إعدامهما فعلاً يوم 7/9/1952 أي بعد ثلاثة أسابيع فقط من واقعة التظاهر المنسوبة إليهما، وظل بعض الشيوعيين يجترون داخل أعماقهم الحزينة دعم الإخوان المسلمين لمذبحة كفر الدوار ضد أنصارهم حتى ردوه إليهم بعد ستة عقود زمنية، بصمتهم على مذبحتي رابعة العدوية ونهضة مصر اللتان نفذهما العسكر ضد أنصار الإخوان في نفس يوم 14/8 ولكن عام 2013 تطبيقاً لمعادلة كما تدين تدان والبادئ أظلم، ليستمر الصراع المتبادل بين المجني عليهم من فريقي الشيوعيين والإخوان تاركين الانقلاب العسكري الذي هو الجاني الفعلي التكراري في حق هؤلاء وأولئك دون عقاب لينعم بغنائم الجريمتين، أما "السنهوري" و"حافظ" فقد قاما في الأيام الأولى لانقلاب 1952 بإعداد قانون تطهير الحياة السياسية لإلزام الأحزاب بإعادة الإشهار عبر تقديم طلب جديد إلى وزير الداخلية مع منحه سلطة القبول أو الرفض، مما استثمره لاحقاً "سليمان حافظ" الذي أصبح هو نفسه وزير الداخلية عندما رفض طلب إعادة إشهار حزب الوفد اعتراضاً منه على وجود اسم شخص وصفه "حافظ" على الملأ بأنه "دمل يجب فقعه"، والذي لم يكن صاحبه سوى "مصطفى النحاس" رئيس الحزب وصاحب الشرعية الحقيقية لرئاسة الدولة والمجتمع آنذاك، والذي سبق له أن أمضى عشرين عاماً من عمره جالساً على منصة القضاء المصري ثم وقف أمامها خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين كشاهد إثبات على الأنشطة الإرهابية لتنظيم "الضباط الأحرار" عندما كان يحمل اسم جمعية "الحرس الحديدي"، وتكررت الشواهد على خيانة "السنهوري" و"حافظ" لضميرهما المهني وثقافتهما القانونية بإعدادهما لقرار حل جميع الأحزاب ومصادرة مقراتها وأموالها يوم 16/1/1953 والذي أعقباه بالقانون رقم 37 يوم 18/1/1953 لحل جميع الأحزاب نهائياً وحظر أي نشاط عام على أعضائها في الحاضر والمستقبل كأول تقنين تشهده مصر المعاصرة للعزل السياسي، ناهيك عما قدماه من فتاوى استبدادية عديدة تلقفها العسكر فأهدروا استناداً إليها العدالة والقانون وأبسط حقوق الإنسان، سواء فيما يتعلق بحل البرلمان وتأجيل الانتخابات وإلغاء الدستور أو بتمديد حالة الطوارئ ومحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري أو بغيرها من غرائب استبداد جمهورية الخوف الأولى، إلا أن القانون رقم 36 الصادر يوم 18/1/1953 بمعرفة "السنهوري" و"حافظ" يظل الشاهد الأوضح على تلك الخيانة بالنظر إلى ما منحه للعسكر من حصانة بنصه على أنه "تُعتبر من أعمال السيادة التي لا يجوز الطعن فيها كل التدابير التي اتخذتها أو تتخذها قيادة حركة الجيش التي قامت في 23 يوليو 1952"، وهي حصانة تسعى قيادة حركة الجيش التي قامت في 3 يوليو 2013 لاستعادتها مرة أخرى بعد أن أسقطها الإخوان المسلمون من النواحي الدستورية والقانونية رغم إبقائهم عليها من الناحية الواقعية خلال حكمهم لمصر بين عامي 2012 و2013!!.
(8)
اكتفى القاضي "عبدالرزاق السنهوري" رئيس مجلس الدولة ونائبه الأول القاضي "سليمان حافظ" بقراءة المتون الرئيسية لقواعد النفاق في قواميس الاستبداد السياسي بما تؤكده من الأهمية المطلقة لشاغل الموقع رقم واحد على رأس السلطة، دون انتباه منهما إلى وجود هوامش صغيرة خارج المتون ذاتها تشير إلى حالات استثنائية يكون فيها شاغل الموقع رقم واحد على الرأس الظاهر للسلطة هو مجرد واجهة شرفية يتستر خلفها الشخص رقم واحد الحقيقي، مما أوقعهما في شر أعمالهما بوقوفهما معاً إلى جانب رئيس الجمهورية اللواء "محمَّد نجيب" الذي كان قد ضاق بوضعه كرئيس شرفي لمصر وحاول طوال فترة رئاسته الممتدة بين عامي 1952 و1954 أن يصبح رئيساً حقيقياً، فاصطدم برئيس الوزراء العقيد "جمال عبدالناصر" الذي كان الرجل الأقوى في مجلس قيادة الثورة باعتباره رئيس تنظيم الضباط الأحرار والقائد العام للقوات المسلحة، حيث كان "السنهوري" و"حافظ" يعدان المكاتبات الداخلية الموجهة من "نجيب" إلى "عبدالناصر" وزملائهما الضباط الآخرين في مجلسي قيادة الثورة والوزراء حتى أنهما كانا يتفاوضان مع جميع الضباط كوكيلين عن "نجيب"، خلال محاولاته المتكررة والمتتالية لتمرير مطالبه المتعلقة بتمكينه الفعلي من السلطة عبر حصوله على عدة ضمانات، أبرزها عدم جواز اجتماع مجلسي قيادة الثورة أو الوزراء إلا بحضور رئيس الجمهورية ومنحه حق الفيتو على ما ينويان إصداره من قرارات مع تعهد أعضاء المجلسين بترشيحه دون غيره لانتخابات رئاسة الجمهورية التالية، وحقه الحصري بصفته رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة في تعيين ونقل وندب قادة وضباط الجيش مع إلزامهم بحلف يمين الولاء أمامه هو وليس أمام القائد العام للقوات المسلحة "جمال عبدالناصر" الذي كان ينافسه على السلطة، في تنافس انتهى يوم 15/11/1954 لصالح "عبدالناصر" بإقصائه "نجيب" عن رئاسة الجمهورية نهائياً ثم تحديد إقامته داخل أحد المنازل المهجورة في ضاحية المرج التي كانت آنذاك تقع عند أقصى الأطراف النائية للعاصمة المصرية، وعقب ذلك تمت إقالة القاضي "عبدالرزاق السنهوري" من وظيفته القضائية ورئاسته لمجلس الدولة ثم تحديد إقامته داخل منزله مع منعه حتى وفاته من مزاولة مهنة المحاماة الحرة ومن السفر خارج البلاد، كما تمت إقالة القاضي "سليمان حافظ" من وظيفته القضائية ومنصبه الوزاري ثم اعتقاله لفترة طويلة، بعد أن كان "السنهوري" قد تلقى خلال الصراع بين "نجيب" و"عبدالناصر" عدة ضربات متتالية، بدأت مبكراً بسحب ترشيحه كرئيس للوزراء نزولاً عند رغبة مزعومة أبلغها السفير الأمريكي في القاهرة "جيمس كافري" إلى "عبدالناصر" من خلال صديقه العضو البارز بتنظيم الضباط الأحرار "علي صبري"، ثم تعرضه لعملية حربية يوم 29/3/1954 تمثلت في ضربه المبرح بهدف قتله داخل مكتبه في مجلس الدولة على أيدي العشرات من عمال النقل والسكة الحديد بقيادة بعض أفراد الشرطة العسكرية، وهي العملية التي اتضح لاحقاً أنها تمت بتوجيه اثنين من الأعضاء البارزين في مجلس قيادة الثورة هما "زكريا محيي الدين" و"صلاح سالم"، وبتخطيط اثنين من الأعضاء البارزين في تنظيم الضباط الأحرار هما "أحمد حمروش" و"إبراهيم الطحاوي"، وتحت الإشراف التنفيذي المباشر لاثنين من الأعضاء البارزين في اتحاد العمال هما "أحمد طعيمة" و"الصاوي أحمد الصاوي"، وللغرابة فقد اتضح أن محاولة تصفية القاضي "عبدالرزاق السنهوري" تمت بتواطؤ مريب من نائبه الأول القاضي "سليمان حافظ" في إطار سعيه المبكر للحلول محله على رأس مجلس الدولة!!.
(9)
وفقاً للقاضي "أحمد مكي" الذي تولى وزارة العدل خلال فترة الحكم الإخواني لمصر بين عامي 2012 و2013 في شهادته الواردة ضمن كتاب أعده "نبيل عبدالفتاح" تحت عنوان "القضاة والإصلاح السياسي"، وحسب تقديرات البحث الأكاديمي المعنون "ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية" لمؤلفه أستاذ القانون في الجامعات المصرية والأمريكية "عمرو الشلقاني"، فإن الأجهزة السيادية بفروعها العسكرية والمخابراتية والأمنية والسياسية كانت قد استطاعت خلال حكم "جمال عبدالناصر" اختراق السلطة القضائية المصرية تمهيداً لاحتوائها والسيطرة عليها عبر سيف المعز وذهبه منذ ستينيات القرن العشرين، لاسيما بعد نجاح تلك الأجهزة في استصدار مجموعة القوانين أرقام 81 و82 و83 و84 لعام 1969 بإعادة تنظيم السلطة القضائية على نحو كفيل بإخضاعها، حيث أطلقت القوانين المذكورة أيدي الأجهزة لتعبث في الجسد القضائي بحل مجالس الإدارات المنتخبة لنوادي القضاة وتعيين لجان إدارية تضم توابع الأجهزة محلها، وعزل القضاة المستقلين من مناصبهم بناءً على التقارير الأمنية الواهية كذلك الذي استند إلى وجود صداقة شخصية مع القيادي الشيوعي "أحمد القصير" لعزل القاضي "ممدوح البلتاجي" في أوج التألق الرسمي والمجتمعي لعمته "أم كلثوم" سيدة مصر الأولى وسيدة الغناء العربي آنذاك، رغم أنه بعد مرور ربع قرن زمني على واقعة عزله أصبح "البلتاجي" وزيراً للسياحة ثم الإعلام ثم الشباب، وغير ذلك من أشكال الاختراق والعبث الأمني التي لم تزل مستمرة حتى الآن على كافة المحاور القضائية رغم اصطدامها بمقاومة ملحوظة تحت قيادة تيار الاستقلال القضائي سواء فيما تبقى من عهد الرئيس "عبدالناصر" أو طوال عهد خلفه الرئيس "أنور السادات" الممتد بين عامي 1970 و1981، وكان أول تجليات المقاومة هو صدور الحكم النهائي لمحكمة النقض عام 1972 باعتبار قرارات عزل القضاة في عام 1969 كأنها لم تكن، مع مواصلة الضغط على السلطتين التشريعية والتنفيذية لإصدار القانون رقم 43 لعام 1973 بعودة جميع القضاة السابق عزلهم إلى مواقعهم الوظيفية الأصلية، أما آخر تجليات تلك المقاومة خلال عهد "السادات" فقد حدث عندما رشحت الأجهزة السيادية أحد توابعها من القضاة هو "أحمد سمير سامي" المحامي العام الأول لنيابات الأموال العامة، كي يخوض معركة رئاسة نادي القضاة في مايو 1981 بدعم مادي ودعائي مطلق من تلك الأجهزة، ليسقطه القضاة سقوطاً مدوياً ويختاروا خصمه القاضي "وجدي عبدالصمد" المتعاطف مع تيار الاستقلال القضائي، وحتى لا تؤثر نتيجة الانتخابات على استخدامات الأجهزة لسيف المعز وذهبه مع القضاة صدر قرار جمهوري فوري بتعيين "سامي" وزيراً للعدل، ويفيد رصد اليوميات الخاصة بكيفية مباشرة القضاة لأعمالهم آنذاك في التعرف على بعض نماذج المقاومة، حيث تضمنت شهادة القاضي "مرتضى منصور" الواردة في كتابه الشهير "ضد الفساد" واقعة حدثت معه شخصياً عام 1976 خلال عمله وكيلاً لنيابة الإسماعيلية، عندما قرر حبس عدة مشجعين لفريق كرة القدم بالنادي الإسماعيلي على ذمة التحقيق معهم فيما ارتكبوه من عنف عقب انتهاء إحدى المباريات بهزيمة فريقهم، وكان بين المحبوسين أحد لاعبي الفريق فتدخل رئيس النادي "عثمان أحمد عثمان" وهو في الوقت ذاته مالك ورئيس مجموعة شركات المقاولين العرب الاحتكارية وصهر "السادات" رئيس الجمهورية، مستعيناً بكبار مسئولي السلطة التنفيذية لإقناع وكيل النيابة الشاب أو إجباره على إخلاء سبيل اللاعب واستثنائه من الحبس، إلا أن "منصور" أبقى اللاعب محبوساً مع بقية المتهمين على قدم المساواة حتى اكتمال مدة الأيام الأربعة المقررة بشأنهم في ظل دعم مهني كامل من تيار الاستقلال القضائي، ولم يستطع جبروت "عثمان" إزاء هذا الدعم سوى نقل "منصور" ودياً من مدينة الإسماعيلية الراقية إلى مدينة الإسكندرية الأكثر رقياً، دون أدنى قدرة على التدخل فيما أصدره من قرارات قضائية أو التأثير على سلامة موقفه القانوني رغم أن عمر وكيل النيابة كان في ذلك الوقت لا يتعدى الثلاثة وعشرين عاماً!!.
(10)
عملاً بمقولة أن خلافهم يكشف المستور نواصل رصد المتاح القليل من شهادات القضاة أنفسهم حول يوميات مباشرتهم لأعمالهم، حيث يتضح مدى الانحسار الحالي لتيار الاستقلال القضائي عقب تراجعه المتواصل بخطوات واسعة إلى الوراء طوال عهد الرئيس "حسني مبارك" الممتد بين عامي 1981 و2011، فها هو القاضي "مرتضى منصور" يروي في كتابه "ضد الفساد" واقعة أخرى حدثت معه شخصياً عام 1984 خلال عمله رئيساً لمحكمة بولاق الدكرور الابتدائية، عندما أصدر حكماً قضائياً بحبس عدد من مشاهير السينمائيين سنة واحدة مع الشغل وكفالة عشرة آلاف جنيه لوقف تنفيذ الحكم حتى يبت فيه الاستئناف، بعدما ثبت لديه ما هو منسوب إليهم بأوراق القضية رقم 2170 جُنَح بولاق الدكرور لعام 1984 من قيامهم بالاشتراك معاً في تأليف وإخراج وإنتاج وتمثيل فيلماً ساخراً يتهكم على القضاء والمحاماة وبعض المهن الأخرى، فشرعت السلطة التنفيذية في الضغط على القاضي "ممدوح عطية" وزير العدل ليصدر تكليفاً إلى مرؤوسه المحامي العام الأول لنيابات جنوب الجيزة بوقف تنفيذ الحكم المذكور بدون دفع كفالات حتى يبت فيه الاستئناف، الأمر الذي تم تنفيذه حرفياً ليسفر عن تجميد الحكم وكأنه لم يكن مما اعتبره "منصور" تدخلاً إدارياً سافراً فيما أصدره من أحكام قضائية دفعه لتقديم استقالة مسببة مفادها أن الاستجابة لتدخل السلطة التنفيذية بإعفاء مشاهير السينمائيين من تنفيذ حكم قضائي يعني عدم تطبيق القانون سوى على أبناء الوطن الضعفاء فقط وهو واقع يؤدي إلى اهتزاز العدالة، كما يروي "مرتضى منصور" نفسه في كتابه الشهير "حضرات السادة الطغاة" شهادته عن واقعة أخرى حدثت معه شخصياً عام 2007 خلال عمله كمحامي أمام المحكمة الإدارية العليا في مجلس الدولة، عندما نصب له رئيس المحكمة كميناً محبكاً أسفر عن صدور حكم ابتدائي بسجنه لمدة ثلاث سنوات خففها الاستئناف لاحقاً إلى سنة واحدة مع الشغل تم تنفيذها فوراً داخل ليمان طرة، في استجابة لضغوط بعض كبار مسئولي السلطة التنفيذية الذين كانت قد أزعجتهم الاندفاعات اللفظية المتهورة والمتكررة ضدهم على لسان "منصور" الحاد، ليتساءل في كتابه باستنكار كاشف عما يمكن أن يمارسه حضرات السادة القضاة من طغيان مع المواطنين البسطاء إذا كانوا قد مارسوا كل هذا الطغيان ضده، وهو حسب وصفه لنفسه رئيس نادي الزمالك ثاني أكبر الأندية المصرية ونائب برلماني سابق وقاضي سابق أي ابن كار مثلهم، بالإضافة إلى ما هو معروف عنه من أنه محامي بعض رموز الطغمة العسكرية المهيمنة على الدولة والمجتمع والسوق، وفي كتابه "حضرات السادة الطغاة" المشار إليه أورد القاضي "مرتضى منصور" نص الشكوى التي رفعها زميله القاضي "أسامة صلاح الدين علي حسانين" رئيس محكمة الوراق الجزئية عام 2008 إلى الرئيس "مبارك"، حول تفاصيل واقعة حدثت معه شخصياً عندما استدعاه رئيس محكمة شمال الجيزة الكلية باعتباره رئيسه الإداري المباشر، ليكلفه بأن يصدر حكماً بالسجن ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ على أحد المتهمين في قضية منظورة أمام "أسامة حسانين"، موضحاً له أن تلك هي تعليمات القاضي "ممدوح مرعي" وزير العدل لمراعاة خواطر بعض كبار مسئولي السلطة التنفيذية، فلما رفض "حسانين" تنفيذ تلك التعليمات استناداً إلى أن الموقف القانوني للمتهم المطلوب سجنه يستوجب الحكم ببراءته، صدر قرار إداري بسحب القضية منه وإرسالها لقاضي آخر غير مختص جغرافياً لكنه ملتزم بالتنفيذ الحرفي للتعليمات الإدارية الصادرة من وزير العدل عبر رئيس المحكمة الكلية، ليعقبه صدور قرار عزل "حسانين" من وظيفته القضائية بحجة عدم صلاحيته الفنية لممارسة القضاء، رغم استمرار جلوسه لمدة عشرين عاماً متتالية على منصة القضاء المصري ورغم كونه قاضي ابن قاضي حسب وصفه لنفسه في شكواه الرسمية المرفوعة إلى رئيس الجمهورية!!.
(11)
يعتبر فارق التوقيت الزمني بين عهدي الرئيس "أنور السادات" والرئيس "حسني مبارك" أحد أهم أسباب تراجع الاستقلال القضائي، بالنظر إلى أن حوالي ثلاثين دفعة من القضاة خريجي التعليم الحقوقي للعصر الليبرالي الذي ساد مصر قبل قيام جمهورية الخوف الأولى عام 1952، كانوا لا يزالون في الخدمة الوظيفية الرسمية عندما تسلم "السادات" الرئاسة المصرية عام 1970، وهو العدد الذي نقص منه خريجو إحدى عشرة دفعة عندما تسلم "مبارك" الرئاسة عام 1981 واستمر يتناقص تدريجياً حتى وصل إلى نقطة الصفر مع انتصاف تسعينيات القرن العشرين، بفعل تقاعد شيوخ القضاة الذين تركوا الساحة القضائية حكراً على أربعة عشر ألفاً من خريجي التعليم الحقوقي وشبه الحقوقي للعصر الشمولي يملأونها حالياً، لاسيما وقد سمحت قوانين ولوائح جمهورية الخوف لضباط الشرطة وأعضاء القضاء العسكري والأزهريين بالانتقال إلى مختلف المؤسسات القضائية الأهلية والإدارية والدستورية مع احتفاظهم بأقدمياتهم السابقة، ليعتلوا رئاسات تلك المؤسسات ومنها ينطلقون بسهولة نحو اعتلاء قمم الدولة والمجتمع، حتى أن أحدهم أصبح أول رئيس لجمهورية الخوف الثانية التي قامت في مصر عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013 العسكري المموه، رغم الطابع الشرفي لرئاسة القاضي "عدلي منصور" في ظل استمرار كل السلطات الفعلية تحت سيطرة العسكر بقيادة وزير الدفاع "عبدالفتاح السيسي"، الذي سرعان ما أصبح رئيس الجمهورية الفعلي والرسمي عام 2014 بينما اعتلى الأزهري "أحمد الزند" وزارة العدل عام 2015 ليعقبه تولي ضابط الشرطة "نبيل صادق" موقع النائب العام، كما كانت هناك عدة أسباب ذاتية وموضوعية أخرى لتراجع الاستقلال القضائي نحو الخلف بسرعة صاروخية أوصلت القضاء المصري إلى حالة من الخضوع المخزي للمستبدين الذي يخون معه القضاة ضميرهم المهني وثقافتهم القانونية يومياً على كافة المحاور، سواء بموافقتهم على العودة للعمل في ظل حالة الطوارئ بما تقتضيه من محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، أو بتمريرهم للقوانين المعادية للحريات السياسية والمدنية تحت مسميات فضفاضة مثل تنظيم التظاهر ومكافحة الإرهاب وتحصين بعض قرارات كبار المسئولين التنفيذيين، ومد الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق إلى مدة مفتوحة بما يوفر الغطاء القضائي للاعتقالات الإدارية الأبدية ضد الخصوم بمجرد إجراء أي تحقيق مفبرك معهم، لاسيما عقب افتضاح أمر اختراقات قانون الاعتقال السابق لكونه يلزم القضاء بالإفراج الوجوبي عن المعتقلين السياسيين الذين لم يتم توجيه اتهامات محددة ضدهم خلال خمسة شهور تالية على اعتقالهم، عبر حيلة الإفراج الوهمي عن المستفيدين من هذا الإلزام والمتمثلة في نقلهم خارج السجون العمومية مع استمرار احتجازهم عدة أيام بالمحابس السرية التابعة لأجهزة الأمن السياسي أو احتجازهم بضع ساعات داخل سيارات الترحيل الخاصة بتلك الأجهزة، ثم إعادتهم مرة أخرى إلى نفس سجونهم العمومية السابقة أو غيرها بموجب قرارات اعتقال جديدة سارية لمدة خمسة شهور تالية في دائرة تكرارية جهنمية لا تنتهي، أو بتوقيع القضاة لقرارات ضبط وإحضار وحبس احتياطي على نماذج ورقية بيضاء يسلمونها إلى أفراد الجيش والشرطة والأمن السياسي الذين يملأون بياناتها لاحقاً بهدف استخدامها في اعتقال الخصوم تحت الغطاء القضائي، أو بعقدهم لجلسات محاكمة المتهمين دون إحضارهم من محابسهم ثم إصدار القرارات والأحكام ضدهم وكأنهم غائبون أو هاربون رغم خضوعهم لولاية القضاء باعتبارهم قيد الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق، أو بتوسعهم في حبس القاصرين والقاصرات باتهامات واهية مع إفراطهم في تطبيق الحدود القصوى للعقوبات بشكل انتقامي على الخصوم الذين صدرت أحكام الإعدام في حق العديدين منهم عقاباً على أفكارهم ومقاصدهم وليس أفعالهم وجرائمهم، أو بانتقالهم إلى المقرات غير القانونية لاحتجاز الخصوم المتهمين واستجوابهم هناك لإصدار قرارات مد حبسهم بهدف إضفاء الطابع القانوني على أوضاع غير قانونية، حتى أن قضاة التحقيق الأربعة الذين تم انتدابهم تباعاً لاستجواب "محمَّد مرسي" رئيس الجمهورية المخلوع بانقلاب عسكري داخل محبسه السري، قد وافقوا على قيام السلطات العسكرية السابق لها خطف "مرسي" عقب خلعه يوم 3/7/2013 بتعصيب عيونهم أثناء تنفيذ مأموريات الانتداب، لكيلا يتعرفوا على موقع محبسه غير القانوني داخل قاعدة أبي قير البحرية العسكرية في الإسكندرية، بل أنهم حاولوا إقناعه بأن ضباط المخابرات الحربية السريين المرافقين لهم هم محامين متطوعين للدفاع عنه، أما القضاة الذين أغضبتهم تلك المخالفات القانونية فرفضوا مسايرتها وعددهم 75 قاضياً فقد أصدرت السلطات العسكرية أوامرها بشأنهم إلى وزير العدل القاضي "عادل عبدالحميد" وخلفائه ليتم عزلهم بعد التحقيق معهم أمام مجالس التأديب ولجان الصلاحية بدعوى ممارستهم أنشطة سياسية محظورة في ظل صمت مريب من زملائهم، ولما كان الخضوع المخزي للمستبدين هو أحد وجهي العملة المتداولة بمحاكم مصر المعاصرة فإن الوجه الآخر الحتمي لذات العملة هو تبديد أحلام العدالة المستحقة للمصريين، بين مطرقة التدخلات المباشرة العديدة لأولئك المستبدين في سير العدالة وسندان الحصانات القضائية العديدة الممنوحة لهم ولتوابعهم دون غيرهم، رغم أن "نوبار باشا نوباريان" أول رئيس وزراء لمصر عام 1878 كان قد كشف مبكراً عن إدراك النخبة المصرية لتعارض الاستبداد والحصانات مع العدالة، فيما أورده بالصفحة رقم 392 من مذكراته المنشورة عدة مرات بقوله: إن المحاكم هي الأداة الوحيدة التي ستوصلنا إلى العدالة بإنقاذها البلاد وحمايتها من السلطة المطلقة للوالي ومن الامتيازات المطلقة للأجانب في الوقت نفسه، لأن خضوع الوالي والأجانب لذات القانون الذي يخضع له المواطن العادي هو وحده الكفيل بمنح المواطنين الأمن والأمان!!.
(12)
خلال جمهورية الخوف الأولى اتسع نطاق سلطات الحاكم المطلق حتى أصبح يسيطر على كل مؤسسات الدولة والمجتمع، فهو رئيس الجمهورية والرئيس الأعلى لمجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني والمجلس العسكري والقوات المسلحة، والرئيس الفعلي لكافة المجالس التشريعية عبر رئاسته لحزب الأغلبية، كما أنه يرأس المجتمع المدني بواسطة تعيينه لاثنين من توابعه في موقعي وزير التضامن الاجتماعي ورئيس اتحاد الجمعيات الأهلية ليمسك من خلالهما بتلابيب كل الأنشطة المدنية، إلى جانب سيطرته المطلقة على القضاء ليس فقط بتعيينه لتوابعه في مواقع وزير العدل والنائب العام ورئيس المجلس الأعلى للقضاء ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا وغيرها من المفاصل القضائية، ولكن أيضاً باعتماده لحركة تعيينات معاوني النيابة على بداية السلم الوظيفي القضائي ولمجمل حركات الترقيات اللاحقة وصولاً إلى رؤساء المحاكم، وبالتبعية فقد اتسع أيضاً نطاق السلطات شبه المطلقة لأعضاء الدائرتين الأولى والثانية من منظومة الحكم لاسيما وزراء المجموعة السيادية ورؤساء الهيئات السيادية وقادة مؤسسة رئاسة الجمهورية والمؤسسات العسكرية والشرطية والأمنية، الذين أجادوا جميعاً استخدام سيف المعز وذهبه لاحتواء القضاء والسيطرة عليه بهدف توجيهه نحو مراعاة مصالحهم المخالفة للقوانين والخارجة عن العدالة، سواء عبر تلاعبهم العمدي في رسم الخريطة القضائية للإخلال بمعايير الاختيار والتعيين والتوزيع والتصعيد والانتدابات الداخلية والخارجية وقرارات الإشراف القضائي على مختلف أنواع الانتخابات وعضوية لجان فض المنازعات ومد الخدمة بعد سن التقاعد، أو عبر اختراقهم العضوي لأدوات معاونة القضاء كوحدات البحث الجنائي وتنفيذ الأحكام وإدارات الخبراء والطب الشرعي والصحة النفسية والشهر العقاري وأقلام الاستيفاء والمحضرين والدعم الأسري وأمناء السر والكتبة والسكرتارية، وغيرها من الأدوات القانونية التي هي في الأصل تابعة للسلطة التنفيذية رغم دورها المؤثر داخل السلطة القضائية، أو عبر تحريكهم لتوابعهم من المحامين داخل ساحات المحاكم لإضاعة حقوق المتقاضين أو على الأقل تعطيلها بالمخالفة للواجبات القانونية التي أقسموا عليها أمام نقيب محامين لم يسلم هو نفسه من الوقوع بالفخ ذاته، حيث أوضح القاضي "مرتضى منصور" في كتابه "حضرات السادة الطغاة" أن نقيب المحامين "سامح عاشور" يمتنع عن تأدية واجباته القانونية كمحامي أمام بعض المحاكم والدوائر لارتباطه بمصالح خاصة معها، وهو ما لم ينفه "عاشور" حتى اليوم رغم مرور عدة أعوام على صدور الكتاب، الأمر الذي دفع الأكاديمي "عمرو الشلقاني" للاعتراف في كتابه "ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية" بأن سمعة المحامين في مصر المعاصرة لم تعد حميدة بعد وصول نظرة المجتمع المصري لهم إلى حد الازدراء، ومع اتساع نطاق سلطات الفئات المميزة خلال جمهورية الخوف الأولى كان لابد من اتساع مواكب لنطاق الحصانات القضائية التي حصلت عليها تلك الفئات رأسياً وأفقياً، حتى أن نطاق السلطات والحصانات لم يعد قاصراً على شخص الحاكم المطلق وأعضاء الدائرتين الأولى والثانية لمنظومة الحكم كما هو شائع في الاستبداد التقليدي، بل أصبح يغطي أيضا الوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات والأحياء ونواب البرلمان والمحامين والصحفيين والأطباء والدبلوماسيين والعاملين في الأجهزة السيادية، سواء عبر ما تمنحه لهم القوانين واللوائح من استثناءات صريحة ومعلنة، أو عبر قصر سلطة إحالتهم إلى المحاكمات وتحريك الدعاوى الجنائية ضدهم على النائب العام حصرياً دون غيره من المحامين العموم ورؤساء ووكلاء وأعضاء النيابات المختصة، أو عبر وضع اشتراطات صعبة ومعقدة لضبطهم أثناء ارتكابهم لجرائمهم حتى في أكثر حالات التلبس وضوحاً، إلى جانب سلطات وحصانات واقعية منحتها جمهورية الخوف الأولى للبلاطجة الأوغاد أعضاء لجان "المواطنين الشرفاء" التابعة لتلك الأجهزة، والذين وصل عددهم عند نهاية حكم الرئيس "مبارك" عام 2011 إلى حوالي نصف مليون بلطجي وفق إعلان خلفه الرئيس "مرسي"، عقب اعتماد الأجهزة بشكل واسع على استخدام عصابات البلطجة الاحترافية المنتشرة بالحواري والأزقة العشوائية والشوارع السفلية في مصر المعاصرة ضد خصومها السياسيين لاسيما العقائديين منهم كالشيوعيين والجهاديين، سواء في مجالات المعلومات أو العمليات التي تصل أحياناً إلى درجة القتل بعد إخراجها بأشكال فنية مضللة للعدالة وصولاً إلى إعفاء الأجهزة السيادية من أية مسئولية قانونية عن جرائم توابعها البلاطجة الأوغاد، أما الحصة الأكبر من السلطات والحصانات فقد كانت من نصيب أعضاء السلك القضائي أنفسهم ليغطوا بها أيضاً من فرط اتساعها معاونيهم الفنيين والإداريين وسكرتيراتهم الحسناوات وذويهم وأقاربهم وجيرانهم، فالقاضي يستطيع التأثير سلباً على مجرى العدالة دون إمكانية لمعاقبته حتى لو كان عامداً متعمداً سواء فيما يصدره من أحكام جائرة أثناء جلوسه على منصته القضائية، أو فيما يصدره أثناء جلوسه على مكتبه الإداري من قرارات إحالة مبرمجة سلفاً لتوزيع الدعاوى على دوائر بعينها وصولاً إلى أحكام بعينها، أو عند دخوله في خصومة مع أي مواطن عادي حيث يكون القاضي هو الخصم والحكم في الوقت ذاته فهو يحرر ضد خصمه المنزوع السلطات والحصانات مذكرة يتم التعامل معها باعتبارها تحقيق وقرار إحالة لمحاكمة الخصم، الذي قد يجد نفسه متهماً بإهانة القضاء ومقاومة السلطات وإثارة الشغب والإضرار بالأمن العام أمام زملاء للقاضي يتنافسون في مراعاة خاطره، لمجرد أن الخصم المسكين حاول مثلاً أن يركن سيارته بمكان خالي على أحد جانبي الطريق العام دون انتباه منه إلى أن القاضي يرغب في استخدام هذا المكان لركن سيارته هو، وتكشف المقارنات المعمارية الهندسية بين مباني المحاكم والنيابات المشيدة قبل وبعد عام 1952 مدى خوف السلطة القضائية المعاصرة من ردود فعل عفوية طبيعية مشروعة لمواطنين مصريين بسطاء قد تفاقم غضبهم وسخطهم، ليس فقط تجاه أدائها لوظائفها الذي أصبح يتسم مرة بالتجاوز ومرة بالتقصير ومرات بالانحراف عن العدالة المرجوة، ولكن أيضاً تجاه وجودها ذاته الذي أصبح أحد الأعمدة الأساسية لجمهورية الخوف الأولى على أصعدة الفساد والاستبداد والتبعية بخلاف ما كان مأمولاً منها!!.
(13)
في إطار حرصها على استمرار احتكارها للسلطة السياسية في الحاضر والمستقبل تستخدم أنظمة الحكم الاستبدادية أجهزتها السيادية لإحكام السيطرة على كل البدائل ذات الحضور السياسي القائم فعلاً أو المحتمل قيامه، وقد تفوقت الأجهزة السيادية المصرية في مهمة السيطرة حتى أصبحت تشغل مراكز نسبية متقدمة على مختلف المستويات الكمية والكيفية في العالم المعاصر، فمن بين حوالي مائتي دولة تحتل المخابرات العامة المصرية بين نظرائها الترتيب الرابع بينما تحتل الاستخبارات العسكرية المصرية الترتيب الرابع عشر وسط نظرائها، وفقاً لتقرير منظمة "جلوبال فاير باور" العالمية المنشور بصحيفة "الشروق" يوم 13/10/2013، رغم ما تؤكده تقارير الأمم المتحدة من تراجع ترتيب الشعب المصري كله إلى المركز المائة وأربعين بالمقارنة مع نظرائه في التنمية البشرية، حيث تميزت تلك الأجهزة باستخداماتها المتعددة والمتنوعة لكافة شرور السيطرة على البدائل السياسية القائمة والمحتملة طوال العمر الزمني لجمهورية الخوف الأولى الممتد بين عامي 1952 و2011، سواء منها ما كان موروثاً عن استبداد العصور القديمة والوسطى في مصر ودول المشرق أو ما كان مستمداً من التاريخ الحديث لدول المحور الفاشية المهزومة في ألمانيا وإيطاليا واليابان، أو ما كان منقولاً عن دول حلف وارسو السابق بقيادته الروسية ودول حلف الأطلسي المستمر تحت القيادة الأمريكية، أو ما كان مبتكراً بواسطة أدمغة الشر العاملة داخل الأجهزة السيادية المصرية المعاصرة، والتي نجحت في السيطرة على غالبية البدائل السياسية باستخدام ثلاثة محاور مجتمعة أو منفصلة، وهي محور احتواء الشخص المستهدف تحت جناح أحد سواتر تلك الأجهزة لتحويله من الخصومة أو الاستقلالية إلى التبعية بواسطة الخداع الاستراتيجي والمناورات الالتفافية، ومحور التخلص من الشخص المستهدف عبر إزالته أو تقييده أو إتلاف عقله أو إصابته بإعاقة صحية بواسطة الأدوات الناعمة المستترة أو الخشنة المباشرة حسب أحواله والظروف المحيطة به، ومحور تشتيت الشخص المستهدف واستنزافه بهدف إرباكه وإنهاكه وصولاً إلى إشغاله التام عن أي أنشطة خارج دوامة التشتيت، ويتم تشتيت الشخص المستهدف باستخدام ثلاثة أساليب مجتمعة أو منفصلة، وهي أسلوب عرقلة خطواته في كل المجالات الشخصية والاجتماعية والمهنية والمالية والصحية بهدف إهدار وقته وجهده خلال سعيه المتكرر والمضني لإعادة بناء خطواته التي تتعرض مجدداً للتعطيل في دورة جهنمية لا تنتهي سوى بوفاته، وأسلوب دفعه نحو الاشتباك في عدة معارك جانبية زائفة ومفتعلة ومتدنية المستوى مع دعم خصومه للانتصار عليه بهدف تحطيم عقيدته القتالية وكسر روحه المعنوية وحرمانه من التوازن النفسي حتى نهاية عمره، وأسلوب استدراجه كي ينزلق داخل أفخاخ التيه القضائي الأشبه بمستنقعات رمال متحركة تملأها الألغام، حيث تستخدم الأجهزة توابعها من أعضاء السلطة القضائية والمحيطين بها لدفع الشخص المستهدف نحو مطاردة وهم إمكانية إحقاق الحقوق ورد المظالم عبر النظام القضائي القائم، وبمجرد أن يصبح رسمياً شاكياً أو مشكواً في حقه حتى يفاجأ بوقوعه تحت حصار تلك الأجهزة المختبئة في كل ثنايا العباءة القضائية، التي تبتلعه وتعتصره وتقوم بتدويره كلياً من أعلى إلى أسفل كخلاط الأسمنت لدرجة يمكن أن يفقد معها حريته عند وقوعه في أي خطأ غير مقصود، أو تودي بحياته تحت تأثير الإجهاد الجسدي والإحباط النفسي الناجمان عن تكرار فشل محاولاته لملاحقة الوهم المذكور، وعلى سبيل المثال التوضيحي إذا كان كاتب هذه السطور مقيماً في حي "الهرم" فإن الجهات القضائية الجنائية المسئولة عنه حسب الاختصاص الجغرافي تبدأ بقسم شرطة الهرم الواقع عند سفح الأهرامات على مسافة عشرة كيلو مترات غرباً، ثم نيابة ومحكمة الهرم الجزئيتين الواقعتين بمدينة "أكتوبر" على مسافة خمسين كيلو متر جنوباً ثم نيابة ومحكمة الجيزة الكليتين الواقعتين في ميدان "الجيزة" على مسافة عشرة كيلو مترات شرقاً ثم نيابة ومحكمة الاستئناف الواقعتين بمدينتي "الرحاب" و"التجمع الخامس" على مسافة مائة كيلو متر شمالاً، فيما أصبح عوام المصريين المعاصرين يسمونه "ركوب المراجيح القضائية" والتي كان أشهر المستدرَجين لركوبها خلال جمهورية الخوف الأولى هو الدكتور "عبدالمحسن حمودة" أستاذ الهندسة بالجامعات المصرية والاستشاري الهندسي العالمي، الذي حاول مبكراً إيجاد القواسم الوطنية المشتركة بين الماركسية والليبرالية منذ تشكيله لجناح الطليعة الوفدية الشبابي الماركسي داخل حزب الوفد الليبرالي في بداية خمسينيات القرن العشرين، إلى جانب الكاتب الصحفي والخبير الاقتصادي "عادل حسين" الذي حاول في بداية ثمانينيات القرن العشرين إيجاد القواسم الوطنية المشتركة بين الماركسية والإسلام السياسي!!.
(14)
لم يكن بمقدوري أبداً تحاشي استدراجي للانزلاق داخل أفخاخ التيه القضائي التي مازالت حتى اليوم تبتلعني وتعتصرني وتدور بي من أعلى إلى أسفل كخلاط الأسمنت، رغم تحذيرات "عبدالمحسن حمودة" و"عادل حسين" وهما يرويان لي في لقاءاتنا المتكررة تفاصيل مرعبة عن "ركوب المراجيح القضائية"، ذلك أن الأجهزة السيادية التي كانت قد صنفتني ضمن فئة الأشواك المحتملة الواقعة في ذيل جدول الأشخاص المستهدفين للسيطرة عقب مولدي في أواخر خمسينيات القرن العشرين لأبوين يتصدران صفوف المعارضة الماركسية، قامت بتصعيدي تدريجياً داخل الجدول المذكور منذ مشاركتي الشخصية مع زملائي السابقين بالحركة الماركسية في انتفاضة يناير 1977 الجماهيرية الاحتجاجية ذات الأبعاد الاجتماعية، حتى أدرجتني ضمن أعلى فئات الجدول والمخصصة للأعداء الخطرين الواجب إزالتهم مع بداية الثمانينيات، عندما أصدر حزب 8 يناير الشيوعي المصري إحدى دراساتي النظرية حول البدائل القتالية المتاحة لمواجهة العدو الصهيوني تحت عنوان "حرب التحرير الشعبية هي طريق الشعب المصري للتحرر الوطني"، وإزاء الفشل النسبي لجهود تلك الأجهزة الرامية إلى احتوائي أو التخلص مني أو تشتيتي بسبب الإرادة الإلهية النافذة، فقد قررت استدراجي للانزلاق داخل أفخاخ التيه القضائي بمجرد انتهاء صفتي الدبلوماسية بعودتي عام 1997 من مهمة رسمية طويلة المدى في السودان وشرق أفريقيا ومنابع النيل، لتتكاثر "مراجيحي" وتزداد سرعة دورانها بعد وفاة محامي العائلة "أحمد نبيل الهلالي" عام 2005، على النحو التفصيلي المرعب الذي كشفته أوراق ملفي الأمني السابق انتزاعه من أحد مقرات جهاز مباحث أمن الدولة عام 2011 بأيدي جماهير المحتجين الغاضبين، وحسب الأوراق الرسمية الصادرة عن الأجهزة السيادية والتي يحتويها ملفي الأمني بشقيه المعلوماتي والعملياتي، فإن توابع تلك الأجهزة قاموا بصفاتهم الشخصية والوظيفية بتنفيذ ما صدر إليهم من تعليمات فارتكبوا ضد حياتي وحقوقي ومصالحي المشروعة عدة جرائم ومخالفات وحماقات، بفجاجة مكشوفة واستفزاز واضح كان لابد معهما أن أدافع عن نفسي عبر لجوئي إلى أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم المختصة، حيث تنتظرني هناك الأفخاخ التي سبق أن نصبتها لي الأجهزة بمهارة فائقة وإحكام شديد، ومع استناد أعضاء الهيئات القضائية إلى ثغرات لا تنتهي امتدت حبال القضايا إلى أعوام لا تنتهي فتراكمت وتداخلت ثم تشابكت حول رقبتي منزوعة السلطات والحصانات حتى كادت تخنقني، ابتداءً بقضية تحديد إقامتي ومنع سفري خارج البلاد عام 1997 نظراً لما في حوزتي من أسرار سيادية هامة بحكم عملي الدبلوماسي المنتهي، وانتهاءً بقضية سطو أحد الأوغاد على حقوق الملكية الفكرية الثابتة لي عام 2015، مروراً بعشرات القضايا أمام مختلف أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم الإدارية والأهلية والعسكرية والدستورية والتي كشفت أوراق ملفي الأمني بعض خلفياتها التفصيلية بما احتوته من غرائب مضحكات مبكيات!!.
(15)
رغم معاناتي أسوةً بالمتقاضين الآخرين من كوابيس القضاء المصري المعاصر المتمثلة في إحالة الدعاوى إلى دوائر غير مختصة ليتم بعد ذلك إعادة إحالتها إلى الدوائر المختصة مما يترتب عليه سقوط الشق العاجل في الدعاوى، أو إحالة الدعاوى قبل البت فيها لدوائر أخرى تبدأ نظرها من نقطة الصفر، أو المتمثلة في انقطاع تواصل النيابات والمحاكم مع أدواتها الفنية المعاونة لاسيما وحدات الخبراء والطب الشرعي مما يترتب عليه تأجيل الدعاوى عدة أعوام انتظاراً للتقرير الفني، أو اعتبار رد الجهة المشكو في حقها تقريراً فنياً يأخذ به القضاء مما يعني استناد الحكم على شهادة الخصم المساوية لشهادة الزور، أو المتمثلة في اختفاء المستندات الهامة من داخل ملفات الدعاوى إن لم يكن اختفاء الملفات برمتها أو احتراقها بفعل إشعال النيران في المكاتب التي تحويها، أو المتمثلة في انتقال المحامين إلى الصف الآخر سواء بالانسحاب المفاجئ أو بإفساد القضايا أو بالتصالح مع الخصوم دون علم موكليهم، أو المتمثلة في عشرات الكوابيس الأخرى المعروفة جيداً لجميع المتقاضين داخل محاكم مصر المعاصرة، دون مراعاة لاحتواء بطاقة هويتي بوضوح على وظيفتي الرسمية الهامة التي تدرجت من مذيع إلى دبلوماسي إلى مستشار وزارة الإعلام إلى كبير الإعلاميين في رئاسة الجمهورية بخلاف ما هو معتاد، بل على العكس فقد كان هناك ما يخصني حصرياً من غرائب مازالت مراراتها تملأ جوفي لاسيما بعد إطلاعي على أوراق ملفي الأمني، حيث أوردتها الأجهزة السيادية باعتبارها أدلة ثبوت مدى التزام توابعها من أعضاء الهيئات القضائية والمحيطين بها في تنفيذ التعليمات الصادرة إليهم بشأني مقابل ما يحصلون عليه من مكاسب غير مستحقة، وفي سياق زهو تلك الأجهزة بتوابعها الملتزمين تضمنت أوراق ملفي الأمني بعض خلفيات الإلحاح في استدراجي نحو أفخاخ التيه القضائي، ومنها على سبيل الأمثلة لا الحصر واقعة إدارية حدثت عندما أرسلت لي إحدى الهيئات الثقافية الحكومية نسخة من طبعة جديدة لأحد مؤلفاتي القديمة التي أعادت الهيئة طباعتها ونشرها وتوزيعها لحسابها، بغير موافقتي ودون تقديمها لأي اعتذار أو استعداد لتسوية الموقف المالي، فاضطررتُ إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بما أعقبها من انزلاقي نحو الاستدراج، وهو يشبه ما حدث في واقعة جنائية تم ارتكابها ضدي عندما منعتني شكوكي حول هوية الجاني من الإبلاغ لكيلا أظلمه فإذا به يزورني للاعتراف بارتكابه الواقعة دون تقديم اعتذاره أو إبداء استعداده لإزالة ما سببه لي من أضرار، لأجدني مرة أخرى مضطراً إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بما أعقبها من انزلاقي مرة أخرى نحو الاستدراج، أما الواقعة الأكثر غرابة فقد حدثت عند فتح باب الترشح لانتخابات مجلس إدارة النادي الكبير الذي أنتمي إلى عضويته، حيث اعتقدت الأجهزة أنني أنوي ترشيح نفسي فأرسلت إحدى تابعاتها لتوزيع ورقة تدعي فيها قيامي بمغازلتها هاتفياً، ولما اطمأنت الأجهزة السيادية لعدم ترشحي اكتفت بتغيير مسار العملية وصولاً إلى استدراجي نحو أفخاخ التيه القضائي عبر استفادتها بما سبق أن أنفقته على السيدة صاحبة الورقة، حيث أبلغتني إدارة النادي بضرورة اتخاذي للإجراءات القانونية حتى يتم تمزيق الورقة ومنع دخول السيدة التي اتضح أنها ليست عضوة أصلاً في النادي، وأفادتني إدارة النادي بكل بياناتها الشخصية التفصيلية التي توضح أنها مسجلة "آداب" فاضطررتُ مجدداً لركوب "المراجيح"، وفي نفس سياق زهو تلك الأجهزة بتوابعها الملتزمين أوردت أوراق ملفي الأمني بعض الخلفيات التفصيلية لغرائب محققي الشرطة والنيابات والقضاة معي، ومنها على سبيل الأمثلة لا الحصر ذلك المحقق الذي سكب كوب شاي كبير فوق بلاغي بمرفقاته فأتلفها جميعاً ليتوقف التحقيق، والمحقق الذي أسقط عمداً بطاقة هويتي خارج شباك سيارة النجدة المسرعة فأضاعها ليتوقف التحقيق، والمحقق الذي طالبني بتوقيع محضر التحقيق بعد أن دس في طياته ورقة بيضاء لانتزاع توقيعي على بياض بهدف إرساله إلى الأجهزة حتى تستخدمه في شرورها المتنوعة، بالإضافة إلى رئيس النيابة الذي قرر حفظ واقعة جنائية تم ارتكابها ضدي بحجة عدم ورود التقرير الفني من مصلحة الطب الشرعي التي كانت قد امتنعت عن سحب العينات المطلوبة لخلو مخازنها من الحقن والعبوات، أما الواقعة الأكثر غرابة فقد حدثت عندما انتحل الجاني بيانات شخص آخر مستخدماً بطاقة هويته المبلغ بسرقتها أثناء التحقيق معه في واقعة جنائية ارتكبها ضدي، مما كان يستوجب محاكمته بتهمة فرعية هي تزوير أوراق رسمية، إلا أن رئيس النيابة قرر حفظ جميع الاتهامات الأصلية والفرعية ضده بحجة أن صاحب البطاقة الغائب هو وحده الذي يملك حق اتهام الجاني بالتزوير، وعلى مستوى السادة القضاة فقد قرر أحدهم رفض دعوى إدارية لإلغاء قرار المحافظ بعزلي تعسفياً من رئاسة اتحاد الملاك والشاغلين رغم سلامة إجراءات انتخابي، بحجة أن صفتي كرئيس للاتحاد قد زالت بموجب القرار المطعون عليه وبالتالي لم تعد لي صفة للطعن على قرار المحافظ بإزالة الصفة المذكورة، بينما قرر قاضي آخر رفض دعوى جنائية مرفوعة من جانبي بحجة تقديم الخصم لأوراق تدعم موقفه القانوني وهي مذيلة بخاتم شعار الدولة، رغم أن الخاتم يخص جهة ليس فقط غير معنية بموضوع الدعوى ولكنها أيضاً شريكة للخصم فيما سبق له ارتكابه من وقائع مدونة بقائمة الاتهامات، وغير ذلك من الغرائب المضحكات المبكيات التي تزخر بها أوراق ملفي الأمني لتكشف كيف استدرجتني الأجهزة السيادية بمهارة احترافية خلال جمهورية الخوف الأولى نحو "ركوب المراجيح القضائية"، والتي ظلت بقوة دفعها الذاتي تبتلعني وتعتصرني وتدور بي من أعلى إلى أسفل كخلاط الأسمنت طوال المرحلة الانتقالية التي بدأت عام 2011 لتحصل على المزيد من قوة الدفع بمجرد حلول جمهورية الخوف الثانية في 3/7/2013 والله المستعان!!.
(16)
طوال عامين كاملين استمر إصرار جميع الوزارات والهيئات والأجهزة المعنية في الدولة المصرية على عدم التنفيذ الفعلي للحكم القضائي السابق صدوره لصالحي عن مجلس الدولة يوم 3/5/2014 في الدعوى رقم 3556 للسنة القضائية رقم 67، وهو الحكم الذي كان قد قضى بوجوب علاجي على نفقة الدولة من الإصابات السابق تعرضي لها أثناء وبسبب عملي في خدمة الدولة، فكان لابد من عودتي مرة أخرى إلى مجلس الدولة لاستصدار حكم قضائي جديد بالاستمرار في تنفيذ الحكم القضائي السابق مع معاقبة جميع المسؤولين الرسميين الممتنعين عن تنفيذه حسب القانون، ولكنني فوجئتُ بسرقة ملف الدعوى كله من داخل مجلس الدولة مما دفعني لتقديم شكوى إلى الأمين العام الذي سارع بتسديد خاناته عبر إصدار مجموعة قرارات إدارية أسفرت عملياً عن تغطية واقعة السرقة وليس مواجهتها، حيث تم حل الدائرة القضائية الخامسة عشرة قضاء إداري التي سبق أن نظرت قضيتي وحكمت فيها لصالحي وبالتالي تمت إحالة قضيتي كرقم دون ملف إلى دائرة قضائية جديدة لا تعرف عنها شيئاً مع نقل سكرتير الدائرة المحلولة مرتكب واقعة السرقة للأرشيف، فقام سكرتير الدائرة الجديدة بفبركة ملف جديد يشبه من حيث غلافه الخارجي ملف قضيتي المسروق لكنه يخلو تماماً من أية محتويات داخلية ودفع به لقضاة الدائرة الجديدة، على أمل أن يضطرهم خلو الملف من أية وثائق أو مستندات تثبت حقي إلى إلغاء الحكم السابق صدوره لصالحي تحت مبرر غياب الأسانيد الثبوتية عن ملف القضية، لاسيما وأنهم لم يسبق لهم نظر القضية وبالتالي يجهلون أي شيء عن سابق وجود أسانيدها الثبوتية الكاملة داخل ملفها، مما دفعني إلى تقديم شكوى جديدة للتفتيش القضائي من تلك الحيلة الالتفافية الجديدة التي قادها الأمين العام مع نشر تفاصيلها في بعض وسائل الإعلام واسعة الانتشار، فحقق المفتشون وأثبتوا واقعة السرقة ثم أصدروا توصياتهم إلى الأمين العام بضرورة استرداد الملف المسروق على أي وجه يراه مع معاقبة السارقين إدارياً وجنائياً، وهي التوصيات التي اضطر الأمين العام لترجمتها عبر إعادة إصدارها في قراره القضائي رقم 2072 لسنة 2016 الأمر الذي أغضب الأجهزة السيادية منه فبدأت تضغط عليه، حيث طالبته تلك الأجهزة بإلغاء قراره القضائي وإجبار المفتشين القضائيين على سحب توصياتهم الأصلية حوله فرفض طلبهم لاستحالة تنفيذه، لاسيما مع اتساع نطاق توزيع القرار على كافة الأطراف المعنية ليصلني ويصل إلى أعضاء الدائرة القضائية الجديدة ومسؤولي الأرشيف والتفتيش القضائي ويتسرب لوسائل الإعلام التي نشرته على الملأ، وفي المقابل حاول الأمين العام الذي هو مستشار قضائي بدرجة وزير ممارسة بعض الضغوط الدفاعية المضادة على الأجهزة السيادية كنوع من المناورة مطالباً إياها برد ملف قضيتي المسروق استناداً لاعترافات سكرتير الدائرة مرتكب الواقعة، ولم يكد يمر أسبوع واحد على تلك الضغوط المتبادلة بين الأجهزة والأمين العام حتى تم العثور عليه مقتولاً داخل أحد المقار التابعة لأحد الأجهزة السيادية بعد أن احتمى في إحدى المنشآت التابعة لجهاز سيادي آخر هرباً من تهديدات بعض قادة جهاز سيادي ثالث، رغم سابق تحذيري له عدة مرات خلال لقاءاتنا المتكررة بأن جميع تلك الأجهزة التي هي في شرورها على قلب رجل واحد كالبنيان المرصوص تغطي نفسها عبر تصفية الذين قاموا بتنفيذ جرائمها على أن يقوم منفذون آخرون من توابعها لاحقاً بتسديد الخانات، وهو ما فعله النائب العام الذي أغلق ملف مقتل زميله الأمين العام في بيان رسمي أصدره يوم 12/2/2017 قال فيه إنه انتحر عقب مواجهة أحد الأجهزة السيادية له بتحريات حول حصوله عبر وسطاء على رشوة من إحدى سيدات الأعمال، ورغم الحبكة الدرامية الجيدة لبيان النائب العام الذي اتهم القتيل بالحصول على رشوة مالية تقل قيمتها عن عشرين ألف دولار مع رشوة جنسية من سيدة الأعمال مقابل فواتير وهمية بتوريد أثاث مكتبي إلى مجلس الدولة لصالح الشركة التي تمتلكها تلك السيدة، فقد جاء البيان متناقضاً مع بعض الحقائق الواقعية مثل أن الدخل الرسمي للقتيل يزيد على ثلاثين ألف دولار سنوياً كما أن خدمات الترفيه الجنسي متاحة للجميع في مصر بتكلفة ومخاطرة أقل كثيراً من تلك المنسوبة للقتيل، ومتناقضاً مع بعض الحقائق العلمية مثل أن الشخص الذي يحصل على هذا النوع المتدني من الرشاوى بهذا القدر من الفجور لا يقدم أبداً على رد فعل نبيل كالانتحار المنسوب للقتيل!!.