رأس و عديد من الأرجل

أمنية حامد
2017 / 2 / 16

في حين تنتقل نظم الادراة إلي ترتيبات تشابكية البنية لاتخاذ القرار و تفعيل كفاءة العمل نجد ان نظم اداراتنا تتجه بخطي واثبة نحو الترتيبات الهرمية. الحديث ليس بالجديد، ولكن الاصرار علي هذا الترتيب الهرمي، بل سرعة الخطو نحو تأصيل وتعميق هذا التوجة، هو ما يثير القلق.

لقد غدونا نعاصر اتجاهات تُفحل من حجم الرأس الواحدة، عل حساب تضئيل مساحة العنق، لتتراكم مراكز القوي في رأس تتربع علي عنق نحيف و هش، قبل ان تنفطر علي ملايين الأرجل القصيرة.

إذا ما بحثنا عن تفسير ما نراه، فاننا امام عدد من الاحتمالات، والتي تتضمن:

أولا: بعد تاريخي، فقد ورثنا الترتيب الهرمي كما ورثته باقي المجتمعات و المنظمات. لكن في حين تطور هذا الترتيب في عديد من المنظومات و البلدان، و تبدل نحو نسق أكثر تشابكية ليحاكي متغيرات العصر و متطلبات النمو، لم نغير نحن من هذا الموروث بشكل معنوي. لكننا اضفنا إليه و عدلنا منه (بقصد او بدون قصد) ليصبح ترددنا هو حول اتساع وتضييق العنق أو حول البعد بين الرأس والارجل، دون تغيير الهيكل الهرمي.

ثانيا: هدف التعبئة، يؤمن البعض بضرورة أحادية الاتجاة و التمسك بكيان هرمي حاد الرأس كسبيل لتعبئة الجهود ضد ”الدخيل“ أو ”العدو“. يصاحب هذا التوجهة محاولات للانفراد بالرؤية والسلطة (وهو ما يمكن ملاحظتة علي صعيد دول مثل تركيا بعد محاولاة الانقلاب 2016) وعادة ما يجتهد النظام علي توطيد هذه التركيبة الهرمية الحادة حتي بعد مواجهة ”العدو“، إما بفعل التناسي أو بانشاء عدو جديد و تحدي مستمر.

ثالثا: تفاعلات نقل الثقل، قد ينتج تفاقم الرأس بموجب تفاعل بين قوي الرأس وبين بعض مؤسسات العنق، الأول بدافع توطيد وضعه والثاني بحافز مصلحي و تفاعل فردي. يؤدي مثل هذا التفاعل إلي انسياق الثقل نحو الرأس، آخذا من هيكل العنق، و هو دائما ما يحدث في خضمه ضعف و إضعاف لباقي المؤسسات.

***

مشاكل الهرم

يعاني الكيان المعتمد علي تفاقم رأس المنظومة، علي حساب باقي أجزاء الجسد، من ضعف هيكلي لعدد من الاسباب:

1. ضعف القدرة علي حل المشاكل . تحتاج المشاكل التي تنشب علي مستوي الارجل، أي علي مستوي القاعدة الشعبية، لتفعيل تلك القاعدة ليس فقط للمشاركة في الحل و لكن أيضا للدراية الأفضل للقاعدة بنطاق وطبيعة مشاكلها. و عليه يخفق الكيان الهرمي في حل تلك المشاكل مالم يتسع ليحتوي القاعدة كشريك في وضع رؤية للحلول و ضلع اساسي في تنفيذ خطط الواجهة.

2. ضعف القدرة علي التكيف و مواجهة المتغيرات. تعتمد مرونة قدرة أي منظومة للتكيف والاستجابة للمتطلبات والمتغيرات المحيطة علي تفعيل دور مختلف المستويات التنظيمية (من أفراد و مؤسسات، أو أرجل و عنق). ان الدافع الاساسي لتحول عديد من المنظومات لترتيبات تشابكية أكثر تسطح من الشكل الهرمي هو تعظيم فرص نجاح المنظمومة و ضمان استمراريتها في خضم عالم بطبيعتة مضطرد في تغيره. يحدث ذلك من خلال تفعيل مقدرة باقي اجزاء المنظومة في استشعار و استشراف المتغيرات المحيطة، و تمكينها من التحرك السريع و المبتكر لمجابهه أو مواكبه تلك المتغيرات.

3. محدودية المنهج وفرص النجاح ان كانت حدة الرأس تعتمد علي مبدأ قصدي لتوحيد الصفوف تحت نداءات ”وضع الاختلافات جانبا للمصلحة العامة“، فيجب ان نتذكر ان التحول القصدي و الموجة في المجال البشري (الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي…) لا يمكن ان يكون كإطار مماثلا للتعامل مع ظواهر فيزيائية أو كيميائية في معمل مغلق.
ان التفاعلات الاجتماعية بطبيعتها معقدة و دائما و أبداً ما تنتج فجوة و حيود بين المقصد و المحصلة. أن نداء التعددية (تفلطح الرأس) وتفعيل دور باقي اعضاء الجسد، بخلاف ديمقراطية النداء، يرتكز علي تقوية التنوع في المنهج كسبيل ضمان فرص نجاح أكبر في بلوغ المقصد.

4. خطر ضمور قدرة باقي اعضاء الجسد. إذا ما وضعنا غمامة علي أحد عيني طفل، فستصاب العين بالعمي بعد فترة، علي الرغم من عدم وجود عيب خلقي بها. لقد تكيف الجسد مع الوقت بعدم الاعتماد علي تلك العين. الوضع ممثال تجاه مؤسسات و هياكل العنق، إذا ما تم عزلها أو تنحيتها جانبا (و لو بوضع مؤقت)، فستصاب بالوهن و بالعجز أو بالضمور.

ختاما لا يجب ان ينساق التوجهة نحو تفحيل القمة الهرمية تحت حجة ”عبقرية“ أو ”كارزمية“ الرأس و القائد. ان ركيزة التطور المؤسسي لأي نظام علي مدار التاريخ، تعتمد علي تفعيل آليات الفصل بين الصفه الذاتية أو المقومات الشخصية للقائد و وظيفته في الهيكل المنظومي. فبصرف النظر عن مدي براعة الرأس، لن يستقيم قوام هيكل غير متزن البناية.


بامكاننا المجادلة بأن احادية الرأس و هرمية البناء مناسبين لظروف معينة و لفترة وجيزة و تحت قائد بعينه، و لكن، إضافة لما اشرنا له من عيوب للهيكل الهرمي، فانه يمكن الجزم ان الانسب لأغلب الظروف و الأكثر كفاءة و حكمة هو تفعيل مؤسسات العنق و تمكين الارجل نحو تحول منشود لتستطيح الهرم.