من نُكت المتنبي

نايف سلوم
2017 / 2 / 13

من نكت المتنبي
نايف سلوم
قال أحمد ابن الحسين:
ضيفٌ ألمّ برأسي غير محتشمِ السيفُ أحسن فعلاً منه بالِّلمِ
ضيفٌ وأضيافٌ عراة ، طيفٌ واطيافٌ عراة ؛ زارني أضياف عراة مجردون من الجسد كأنهم أطياف . اقتحموا رأسي من دون استئذان. كان حضورهم الطيفي ثقيل الوقع، بارد وحاد ، لكنه "ثقيل" وربما فضلت عليه ضربة السيف على الّلمة! واللِّمة الشعر إذا جاوز شحمة الأذن ووصل إلى العنق. وضرب اللِّمة كناية عن ضرب العنق.
أبعد بعدت بياضاً لا بياض له لأنت أسود في عيني من الظلم
إنه ثقل البعد وامتداد البياض اللانهائي ، فشدة البياض تعمي البصر ، كضوء الشمس يعمي البصر. فبياضه المرسل ظلام مرسل كالعماء أو هولة اليمّ في امتداده اللانهائي. قال سارتر في وصف بودلير في أزهار الشر: تصوروا الشحرور الأبيض أصيب بالعمى ، لأن النور المبهر إذا انعكس على العين يعادل العمى.
قال المتنبي: لاتفتنني الأوثان ولا الرسوم والآثار ولا أنا عابد للأصنام ، لكن الفضول القاتل جعلني أسائل كل رسمٍ أمرّ به، وكل كلمة ؛ لوغوس. حتى خطر ببالي عنترة وهو يسائل نفسه:
أعياك رسم الدار لم يتكلم حتى تكلم كالأصم الأعجمي
وكيف لجسد أصم أن يتكلم! وكيف لمحسوس أن يتجاوز المحسوس ! وكيف لجسد أن يشف ، وهو الحجاب السميك!
ولكن لاعليك أيها القارئ النهم والشريك الرائع، فلقد سبق لأفلاطون أن اكتشف الفارماكون وهو الشعار الذي يسم الصيدلية أو الفارماشية ؛ هي حيّة تنفث السم في الكأس . الفارماكون سم وترياق ، حجب وكشف ، سواد وبياض ، هي الطاولة التي تقف على رأسها في مشهد غريب يسم الفصل الأول من الكتاب الأول من رأس المال . هو الميم؛ باب وحجاب، تشف المعنى وتحجبه ، هو عيسى وهو الكلمة المنطوقة ، الصوت مركوب المعنى ، ناقة صالح . وكما أريق دم عيسى لإفشائه سر الكلمة (لوغوس) ، وكما عقرت ناقة صالح فقد أريق دمي ، قال المتنبي وهو متلقي وحي الماضي:
فما أمر برسم لا أسائله ولا بذات خمار لا تريق دمي
وعندما خرج أكتايون حفيد قدموس إلى الصيد برفقة كلابه تشبهاً بدايانا ، وقاده فضوله الجاهل وحظه العاثر إلى داخل لفيف من الشجر حيث تستحم ربّة الصيد في غدير من الماء العذب تحيط بها وصيفاتها الست ، ولكونها أطول منهن لم تستطع ستر جسدها العاري البتول من نظرات أكتايون المتلصصة فرشقته بقطرات من ماء الغدير على جبهته فتحول وعلاً ، وعندما رأى في الماء وجهه وقرنيه ، كاد أن يصرخ : ما أشقاني ، لكن لم تخرج من فمه أيّة كلمة ، تأوّه وكان تأوهه لغته كلها .
وهذا السرب الضاري من الكلاب ، المتلهفة إلى الفريسة أخذ يطارد الشاب عبر الصخور والمنحدرات والأماكن الوعرة وفي المناطق الصعبة ، أو التي لادروب فيها ، وكان يهرب في الأمكنة ذاتها حيث طارد غالباً فريسته ، نعم وا أسفاه إنه يهرب من حيوانات كانت في خدمته . أراد ان يصرخ فيها : أنا اكتيون، تذكري سيدك ، غير أن الكلمات لم تعد طوع إرادته . وانقضت الأنياب كلها على جسمه في الوقت ذاته تأوه وتذكر دون القدرة على النطق والتلفظ قول المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفُه فمن المطالب والقتيل القاتل
قال أوفيد موجهاً خطابه إلى قدموس جد أكتايون القتيل:
حفيدك يا قدموس
بقرنيه اللذين أثقلا جبينه خلافاً للطبيعة
هو سبب لعذابك الأول ، في قلب رخائك العامر
وأنتِ كذلك ايتها الكلاب التي ارتويت من دماء سيدك
ولئن نظرنا عن كثب ، فإننا نرى أنه ضاع
بخطأ من ربة الحظ.