ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (17)

طلال الربيعي
2017 / 2 / 12

في حلقة سابقة, اشرت الى تساؤل بروفسور Mario D Garrett هل ان الله والرياصيات وعلم النفس هم شئء واحد؟ فحسب وايتهيد وفلسفته العضوية, ان الله نفسه هو نتاج لتطور الطبيعة وكتجسيد لقدرتها على الخلق والابتكار.

Garrett هو (1) استاذ علم كبار السن Gerontology في جامعة San Diego State - يمكن دراسة هذا العلم كدراسة جامعية اولية في بعض بلدان العالم, مثل FERN HS في النمسا (2), او كدراسة عليا او كاختصاص طبي.

في دراسته حول العلاقة بين العقل واللغة, يشير Stanislas Dehaene الى ما يسميه الشعور بالعدد number sense, اي كتعبير موجز لقدرتنا على التعامل مع كميات عددية وفهما بسرعة (3). ويفترض Dehaene أن الشعور بالعدد يعتمد على وجود مراكز دماغية تطورت على وجه التحديد لغرض تمثيل المعرفة الحسابية الأساسية. وهنالك اربعة دلائل لفرضيته بان الشعور بالعدد هو عملية بيولوجية تطورية.

اولا, وجود سلائف تطورية للحساب في الحيوانات, وبالاخص الحيوانات الذكية مثل القرود, الشمبانزي, الببغاء, والدولفين. ثانيا, الظهور المبكر للقدرات الحسابية عند الاطفال الرضع بشكل مستقل عن قدرات أخرى، بما في ذلك اللغة. ثالثا, وجود تناظر بين الحيوان والاطفال الرضع والكبار من البشر في التعامل مع الاعداد. رابعا, وجود مراكز دماغية مخصصة للشعور بالاعداد والتعامل ذهنيا معها. في الكبار من جميع الثقافات، يمكن لخلل او عطب في منطقة خاصة من الدماغ وهي inferior parietal region في التسبب في اعاقة الشعور بالعدد, في حين انه يترك المجالات المعرفية الأخرى سليمة, ويسمى ذلك Acalculia. علاوة على ذلك، يتم تنشيط هذه المنطقة بشكل واضح أثناء معالجة العدد.

يفترض Dehaene ان المستويات العليا للتطور الذهني في الحساب تظهر من خلال إقامة روابط بين القدرة الاساسية في تمثيل الارقام عقيا-دماغيا (خط العدد, number line, كما في 4) وغيرها من الرموز اللفظية والبصرية للعدد. ان وجود المنظومات العصبية والذهنية لتمثيل representation العدد يفسر لنا لماذا ان بعض المفاهيم الرياضية هي بديهية، في حين أن البعض الآخر من الصعب فهمه. وهكذا، في نهاية المطاف تقوم الرياضيات على خاصية التمثيل المنضوية في أدمغتنا خلال مجرى التطور.

حسب Dehaene, ان العدد معلمة أساسية نستطيع من خلالها النظر إلى العالم المحيط بنا. ليس فقط يمكننا من خلال العدد أن ندرك بسرعة وبدقة عددية numerosity المجموعات الصغيرة من الأشياء. ولكن كل اللغات لديها كلمات خاصة بالعدد. فكل واحد منا قد تعلّم, بهذا القدر او ذاك وبشكل عفوي، الحساب على أصابعه. ومعظمنا له الحدس الحسابي, الذي يسمح لنا اتخاذ قرار بسرعة بأن 9 أكبر من 5، او أن 3 هي في منتصف العددين 2 و 4، أو أن 12 + 15 لا يمكن ان تساوي 96، وذلك بدون الكثير من التأمل في كيفية أداء تلك العمليات الحسابية. وان القدرات الابتدائية الأساسية أو البديهيات حول الأرقام هي ما يسميه Dehaene "الشعور بالعدد", كما شرح ذلك في كتابه الذي يحمل عنوان "الشعور بالعدد وكيف خلق العقل الرياضيات" (5).

تتلخص فرضية Dehaene هي ان الشعور بالعدد هو حالة معرفية محددة بيولوجيا. ويقترح أن أسس الحساب تكمن في قدرتنا على تمثيل الاعداد عقليا والتلاعب ذهنيا بالعدديات numerosities على "خط العدد" العقلي، وهو خط تمثيلي متشابه analogical للعدد وأن هذا التمثيل لديه تاريخ طويل من التطور(البيولوجي) وتشكيلة دماغية خاصة. وتبدو الاعداد وكأنها أحد الأبعاد الأساسية التي من خلالها يدرك جهازنا العصبي العالم الخارجي.

ما عدا المصابين منا بعمى الالوان, فكما أننا لا يمكن تجنب رؤية الأشياء بالوانها (اللون سمة يكوّنها او يخلقها الدماغ في القشرة القذالية، بما في ذلك منطقة الدماغ V4), وفي مواقع محددة في الفضاء (تمثيل يشكله الدماغ في المنطقة القذالية الجدارية ومسارات الإسقاط occipito-parietal neuronal projection pathways)، وبنفس الطريقة تفرض الكميات العددية نفسها علينا دون عناء من خلال دوائر دماغية متخصصة في الفص الجداري السفلي. اي ان هيكلية دماغنا تحدد خواص ادراك العالم من خلال الرياضيات.

الا ان اعتقاد Dehaene ان كل اللغات لديها كلمات خاصة بالعدد ليس صحيحا تماما. فقد درس Everett لغة شعب ال Pirahã في حوض جنوب الأمازون واكتشف وجود علاقة متشابكة بين البنيات الرياضية والقدرة المعرفية لدينا (6). ففي لغة ال Pirahã لا يوجد بند التبعية clause subordination (على سبيل المثال، بعد، لأنه, إذا)، وفي الواقع لا تحتوي هذه اللغة على قواعد نحوية من أي نوع، كما أنه لا يوجد لديها كلمات محددة للكمية (مثل: الكثير، القليل، لا شيء)؛ وليست لديها أية كلمات للاعداد على الإطلاق (على سبيل المثال، واحد، اثنان، العديد). ولكن, بالرغم من ذلك, ما زال متكلمو هذه اللغة قادرين على أداء مقارنات رياضية معقدة على الرغم من عدم وجود البنية اللغوية. العجز الرئيسي هو أنه لا يمكن حفظ هذه الوظائف. اي انهم يمكنهم أداء وظائف حسابية فقط عندما تستدعي الضرورة على الفور. ولذلك, استنادا على فيلسوف العلم كارل بوبر (7), لا يمتلك شعب Pirahã ما يسمى "العالم الثالث" Third World للرياضيات لتمكينهم من الاحتفاظ الذهني بالتمثيل المجرد للأرقام كما في حالة الرياضيين من خلال استخدامهم الرموز الرياضية. وقد خلق الرياضيون هذه اللغة، ويشكل الواحد اساس هذه الرياضيات. ولذلك على ضوء هذه الخلفية, يمكن لنا بسهولة نسبيا ان نفهم مغزى تساؤل Garrett هل ان الله والرياصيات وعلم النفس هم شئء واحد؟

يعود الأساس الذي بموجبه تم رفع الرياضيات إلى أكثر من كونها مجرد نظام معقد لخلق النظريات الى الدور الذي أعطاه فيثاغورس (القرن 6th قبل الميلاد) للرياضيات. فيثاغورس لا يعتقد أن الأرقام فقط وسيلة للحقيقة، ولكنها هي الحقيقة نفسها. اي أن الرياضيات لا تصف الطريقة التي يعمل بها الله، ولكن هذه الطريقة هي الله نفسه. وهذا الاعتقاد، أن الرياضيات تحمل حقيقة جوهرية او متأصلة, لا يزال هو السائد بين علماء الرياضيات اليوم.
يتبع
............
المصادر
1. https://www.psychologytoday.com/experts/mario-d-garrett-phd
2. http://www.fernfh.ac.at/studienrichtungen/aging-services-management/
3. http://www.unicog.org/publications/Dehaene_PrecisNumberSense.pdf
4. https://www.mathsisfun.com/number-line.html
5. The Number Sense: How the Mind Creates Mathematics
https://www.amazon.co.uk/s/?ie=UTF8&keywords=the+number+sense+dehaene&tag=googhydr-21&index=stripbooks&hvadid=38302588334&hvpos=1t1&hvnetw=g&hvrand=1149688461552798159&hvpone=&hvptwo=&hvqmt=b&hvdev=c&hvdvcmdl=&hvlocint=9060161&hvlocphy=9062717&hvtargid=kwd-4548015335&ref=pd_sl_4r2rvhuvne_b
6. Everett C (2012). A Closer Look at A Supposedly Anumeric Language 1. International Journal of American Linguistics, 78(4), 575-590
7. L. E. J. BROUWER AND KARL POPPER
TWO PERSPECTIVES ON MATHEMATICS
http://popper.sakura.ne.jp/IndexMaterials/Alexander%20Naraniecki%20Brouwer%20and%20Popper.pdf