الأطباء في مصر المعاصرة

طارق المهدوي
2017 / 2 / 12

الأطباء في مصر المعاصرة
طارق المهدوي
(1)
إذا كان الدور التاريخي للمثقف الثوري أو الإصلاحي يتمحور حول مدى مساهمته في استمرار تقدم مجتمعه بكل أفراده وجماعاته نحو الأمام وصولاً إلى أعلى درجات السلامة والعدالة اللتان توفران معاً السعادة المرجوة للجميع, فإن عليه مواصلة الإسهام الجاد في المساعي المبذولة لتأمين مجتمعه من كافة الأخطار القائمة والتهديدات المحتملة مع إزالة المخاوف المعرقلة لتقدم أفراد وجماعات هذا المجتمع سواء كانت تمس حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم ومصالحهم المشروعة, إلى جانب مواصلة الإسهام الجاد في المساعي المبذولة لتلبية الحد الأقصى الممكن من احتياجاتهم وتطلعاتهم نحو الرفاهية, ولترجمة هذه المساهمات النبيلة على أرض الواقع فإن المثقف الثوري أو الإصلاحي ينشط بدأب وإصرار من أجل استخلاص الكيفية الأنسب للتعامل مع كل مجال على حدا حتى يتقدم مجتمعه إلى الأمام في كافة المجالات, عبر استخدامه للموهبة الأكثر ندرة بين المواهب الإنسانية والتي اختصته بها الطبيعة حصرياً لتميزه عن بقية البشر والمعروفة علمياً باسم "الوعي", وهو ذلك النشاط الدماغي الدائم والتصاعدي الذي يبدأ بالربط التحليلي الجدلي بين معرفة معطيات الواقع الموضوعي المحيط وإدراك الأفكار النظرية ذات الصلة مع تلك المعطيات من جهة, وبين الشعور بالخيال الإيجابي اللازم للقياس والاستنباط والتخمين والاستنتاج وصولاً إلى التنبوء من الجهة الأخرى, لينتقل بعد ذلك إلى ابتكار أفكار جديدة متنوعة تتعلق بالشأن المجتمعي العام سواء فيما يخص تأمين الأخطار أو تلبية الاحتياجات, ثم يقوم بتحويل تلك الأفكار إلى مبادرات ميدانية مع إبداع الأساليب والوسائل والأدوات المناسبة لإعلام الأفراد والجماعات بما تم التوصل إليه من أفكار ومبادرات وإقناعهم بالالتفاف حولها من أجل العمل على التنفيذ الفعلي لمقتضياتها, دون الوقوع في أفخاخ الأنشطة الدماغية المنحرفة التي تنتج آليات تفكير نمطية سهلة ولكنها ضارة على كل المستويات النظرية والتطبيقية, مثل الغيبيات المطلقة والحتميات المسبقة والمبالغات المفرطة والينبغيات المتعالية والافتراضات التآمرية الشمولية ونماذج المحاكاة الحرفية لخوارق الأسلاف وغيرها, لذلك فقد كان من الطبيعي أن يسفر حضور "الوعي" عن إغضاب مختلف رموز الواقع المجتمعي القائم ذوي الحرص على إبقاء الأوضاع كما هي ضماناً لاستقرار مصالحهم غير المستحقة السابق لهم اكتسابها بوسائل غير مشروعة, وكذلك توابعهم أصحاب الأفكار القديمة البالية والمبادرات المحافظة التقليدية التي تعجز عن مجاراة أفكار ومبادرات المثقف الثوري أو الإصلاحي لاسيما وأن وعيه يؤهله لاكتشاف وكشف المستور الإجرامي لهؤلاء وأولئك أمام المجتمع, مما يدفعهم نحو مواجهته سعياً إلى احتوائه أو تشتيته أو إزالته أو على الأقل إتلاف وإعطاب موهبة "الوعي" لديه الأمر الذي يصعب تحقيقه سوى باستخدام أحد أسلوبين اثنين أو كليهما معاً, وهما أسلوب الخطف الذهني عبر غسيل المخ الاستباقي لمن تظهر عليه أية أعراض مبكرة دالة على احتمالات وعيه المستقبلي أو أسلوب التدخل الطبي المبرمج في الدماغ الذي ظهر وعيه فعلاً عبر جرعات دوائية مكثفة وطويلة المدى تؤدي إلى تغييرات كيميائية معطلة للوعي, حيث تميل الجماعات الفاشية المتطرفة إلى استخدام أسلوب الخطف الذهني كما يفعل الإخوان المسلمون والسلفيون والجهاديون والشيوعيون البيروقراطيون الستالينيون المصريون وغيرهم مع توابعهم, بينما تميل الأجهزة السيادية المتسلطة إلى استخدام أسلوب التدخل الطبي المبرمج لإحداث تغييرات كيميائية في أدمغة توابعها كما حدث بمصر ضمن برنامج "الثبات الانفعالي", الذي كان قد سبق اعتماده في خمسينيات القرن العشرين بهدف نظري هو تقوية الصمود المعنوي لأولئك التوابع في مواجهة الألاعيب الاحترافية لعتاة الجواسيس والإرهابيين وزعماء العصابات, وهدف تطبيقي هو ضمان إحكام سيطرة الأجهزة على توابعها لاستخدامهم كأذرع مطيعة فيما تقوم به من عمليات خاصة تستهدف المواطنين العاديين, إلا أن زيادة جرعات "الثبات الانفعالي" قد أزالت نهائياً موهبة "الوعي" التي كانت قائمة في أدمغة بعض توابع تلك الأجهزة, عبر ردم مساحات الشعور وإغلاق بوابات التفكير لديهم مع تحويل رصيدهم المعرفي إلى مجرد معطيات رقمية صماء مرصوصة داخل خانة أرشيفية صدأة، وكان المدعي العام لإيطاليا الفاشية هو الأكثر وضوحاً في التعبير عن مساعي إتلاف وعي الخصوم أثناء مرافعته أمام المحكمة العسكرية ضد المفكر الشيوعي الإيطالي "أنطونيو جرامشي" المتهم بمعاداة الفاشية, حيث طلب المدعي العام من المحكمة دون مواربة معاقبته عبر إصدار الحكم الذي يكفل منع دماغه من العمل لمدة عشرين سنة على الأقل، وهو ما حدث فعلاً عام 1937 بوفاة "جرامشي" داخل سجنه تحت تأثير الإهمال الطبي لنزيفه الدماغي الغامض كما ذكر الأديب الفرنسي "برنار نويل" في كتابه الشهير "حالة جرامشي"!!.
(2)
منذ بداية التحاقي بالعمل في مجال الإعلام السياسي داخل إحدى الهيئات السيادية ذات التخصص المعلوماتي وهي الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية خلال أواخر سبعينيات القرن العشرين, ظهر اختلافي المهني مع رؤسائي الوافدين على الهيئة نقلاً من الأجهزة السيادية الأخرى ذات التخصصات العسكرية والأمنية والرقابية والعقابية والدبلوماسية, والذين كانوا يكتفون بمحاولات الترويج الدعائي الفج لقرارات رئيس الجمهورية سعياً نحو تعبئة مختلف الأوساط المجتمعية حولها كما هي شكلاً وموضوعاً باعتبارها غاية المراد التي تستوجب الشكر من العباد, مع حرصهم في الوقت ذاته على النفاق الفاجر لشخص رئيس الجمهورية عبر ادعاءاتهم الكاذبة بالرضا المجتمعي التام والدائم عن تلك القرارات, مما يخالف الذي كنا قد تعلمناه لتونا على أيدي أساتذة العلوم السلوكية والرأي العام بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وكلية الإعلام في جامعة القاهرة, من عدم اكتمال الأداء المهني السليم للإعلام السياسي سوى برجع الصدى الأمين لقرارات رئيس الجمهورية, والذي يتمثل في وجوب إعلامه أولاً بأول حول مدى وكيفية القبول المجتمعي الحقيقي لقراراته مع توجيه النصح لو اقتضى الأمر نزولاً عند ضرورات القواعد العلمية أو تطلعات القواعد الشعبية, سواء بتعديل بعض تلك القرارات أو العدول عنها إجمالاً مثلما تراجع الرئيس "أنور السادات" في يناير عام 1977 عن قرارات سابقة له برفع أسعار السلع والخدمات, عندما تيقن من خلال رجع الصدى الأمين لإعلامه السياسي أن تلك القرارات هي التي كانت قد أشعلت ضده انتفاضة الغضب الجماهيري تحت قيادة الشيوعيين في حينه, ومع استمرار التباين المهني بين خلفياتي السياسية والإعلامية من جهة وبين الخلفيات العسكرية والأمنية لرؤسائي في هيئة الاستعلامات من الجهة الأخرى, فقد عاقبوني بنقلي لمدة ثلاثة أعوام من نعومة قطاع الإعلام الخارجي المسئول عن المتابعة الميدانية لمختلف بلدان العالم بهدف إعداد تقارير الرأي العام الدولي, إلى خشونة قطاع الإعلام الداخلي المسئول عن المتابعة الميدانية لمختلف محافظات مصر بهدف إعداد تقارير الرأي العام المحلي, المستندة على عدة مصادر علمية لمسح واقع حياة المواطنين اليومية ورصد اهتماماتهم والتي كانت تشمل فيما تشمله آنذاك كنزاً معلوماتياً يتحاشاه الباحثون بسبب صعوبة إطلاعهم عليه لإدراجه ضمن المعلومات السرية, ألا وهو شكاوى البسطاء المودعة داخل صناديق أضرحة أولياء الله الصالحين المنتشرة ليس فقط في بعض المساجد الشهيرة كالسلطان أبوالعلا والمرسي أبوالعباس والسيد البدوي وإبراهيم الدسوقي وعبدالرحيم القناوي, وبعض مساجد آل البيت النبوي كالسيد الحسين والسيدات رقية وسكينة ونفيسة وزينب وفاطمة الزهراء وغيرها ولكن أيضاً في بعض كنائس الأقباط الأرثوذكس الشهيرة, حيث يرفع المواطنون البسطاء شكاواهم إلى وجه الله تعالى تضرعاً بأحبائه المسلمين والمسيحيين للبحث عن حلول مستعصية لأوجاعهم المزمنة, وبتصنيفي لتلك الشكاوى اتضح أن بند الأوجاع الصحية يتفوق من الناحيتين الكمية والنوعية على كل بنود الأوجاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخرى, وبالفحص الدقيق لبند الأوجاع الصحية الذي يتصدر قائمة شكاوى البسطاء اتضح لي أن كابوس الجرائم الطبية المختلفة يشغل قمة الاهتمامات السلبية للمجتمع المصري, فالإنسان الذي يتهاوى جسده تحت وطأة المرض أو الإصابة ليصبح في أضعف حالاته مما يستوجب نظرياً إسراع الأطباء المتخصصين نحو نجدته وإسعافه وعلاجه بدافع الضمير المهني أو النخوة الأخلاقية أو حتى غريزة حب النوع البشري, هذا الإنسان لا يجد على أرض الواقع الفعلي في مصر شيئاً من تلك الافتراضات النظرية إلا نادراً مع تجاهل الدولة المصرية لخطورة الجرائم الطبية وعدم اعترافها بحقيقة تفاقمها إلى الحد الذي أصبحت تشكل فيه أحد كوابيس المجتمع, وإزاء تزايد الجرائم الطبية طردياً كلما هبط السلم الاجتماعي المصري وصولاً لدرجة الاستشراء عند قاعدة الهرم فإن بعض الباحثين ينظرون إليها باعتبارها إحدى وسائل الإبادة الطبقية المتعمدة, ويدعون إلى معاملة ضحاياها كالشهداء ومصابي الحرب بل ويرون أن جماهير المحتجين الغاضبين الذين قاموا بمهاجمة أبرز معاقل الفساد والاستبداد والتبعية خلال أحداث انتفاضة يناير عام 2011, لم يخطئوا عندما اعتبروا المستشفيات ضمن تلك المعاقل فاقتحموها لتحطيم محتوياتها ومطاردة أطبائها بهدف معاقبتهم على ما سبق أن ارتكبوه من جرائم طبية بشعة لا تنساها الذاكرة المصرية، وتكشف المقارنات المعمارية الهندسية بين مباني المستشفيات المشيدة قبل وبعد عام 1952 مدى خوف الأطباء المعاصرين من ردود الفعل الشعبية الغاضبة تجاه جرائمهم الطبية!!.
(3)
على امتداد التاريخ والجغرافيا تصدرت سلامة النوع والعرق والسلالة أهداف الجنس البشري بما صاحب ذلك من وضع حالة الصحة العامة على رأس أولويات القضايا الإنسانية مع اعتبارها إحدى أهم ثوابت الأمن القومي لكل شعوب العالم, التي سعت جميعها وبدون استثناء إلى خلق وتطوير المنظومات الطبية على نحو يكفل الوقاية المسبقة والعلاج الفوري لكافة الأمراض والإصابات المجتمعية والفردية, مع النص الصريح على ذلك في دساتير البلدان المختلفة بما فيها الدساتير المصرية المتتالية, ابتداءً بدستور عام 1923 وانتهاءً بدستور عام 2014 مروراً بالدساتير الصادرة في أعوام 1930 ثم 1956 ثم 1971 ثم 2012 إلى جانب عشرات الدساتير المؤقتة والإعلانات الدستورية السابقة واللاحقة, والتي اتفقت كلها على إقرار الحق النظري للمواطن المصري في تلبية كافة احتياجاته الصحية الوقائية والعلاجية مع إبقاء هذا الحق في إطار النص الدستوري دون تحويله إلى قوانين عامة يمكن ترجمتها لقرارات ولوائح تنفيذية تنظم الكيفية العملية لحصول المواطن المصري عليه, بما يترتب على ذلك من عدم تحديد ماهية الانتهاكات المحتملة ضد حق تلبية الاحتياجات الصحية الذي يكفله الدستور نظرياً وبالتالي عدم وضوح جدول العقوبات الرادعة لكل انتهاك وكيفية توقيعها, حتى أصبحت مصر واحة الأمان النموذجية لمرتكبي الجرائم الطبية على المستوى العالمي عملاً بقاعدة أن الذين يأمنون العقاب يسيئون التصرف, لاسيما وقد تواكب التراخي القانوني في التصدي للجرائم الطبية موضوعياً مع الغياب التام لآليات الرقابة على وقائع الأداء اليومي داخل المجال الطبي بدوافع تتراوح بين إهمال وتواطؤ الأجهزة الرقابية, كما تواكب مع ازدياد تغلغل عشوائيات الرأسمالية المشوهة داخل أعمق أعماق أجهزة ومؤسسات الدولة وكل فئات وطبقات المجتمع المصري, بما أسفر عنه من شيوع الفقر والجهل والقهر والاستغلال والتلوث البيئي على نحو لا مثيل له في تاريخ أو جغرافية الجنس البشري, حتى تضخمت خرائط المرض والإصابة والوفاة غير الطبيعية بشكل مؤلم فإلى جانب الاحتكار المصري لأمراض حصرية كالبلهارسيا والدوسنتاريا والإنكلستوما وشلل الأطفال وبعض أنواع رمد العيون, فقد أصبحت مصر تحتل أعلى النسب العالمية في عدة أمراض وأوبئة فتاكة مثل الالتهاب الكبدي الفيروسي والفشل الكلوي والأورام السرطانية وسوء التغذية والتشوهات الخلقية كتقزم القامة والسمنة المفرطة والاكتئاب النفسي الانتحاري وغيرها, كما أصبحت تحتل أعلى النسب العالمية في الوفيات الناجمة عن إصابات حوادث الطرق البرية والبحرية والنهرية والجوية والسكك الحديدية وغيرها من الحوادث الطبيعية، وهي إصابات ترتفع نسبة الوفيات فيها كثيراً عن المعدلات العالمية بسبب التلكؤ في انتشالها وبالتالي تأخر إسعافها, لدرجة وفاة مئات المصريين تحت تأثير "ضربات شمس" لا يحتاج علاجها سوى التهوية والماء وبعض الأملاح خلال صيف 2015، إلى جانب أعلى النسب العالمية في الوفيات أثناء العلاج داخل المستشفيات التائهة في الفوضى والانفلات والوفيات الناجمة عن الانتحار, بالإضافة إلى احتلالها أعلى النسب العالمية في استخدام الأدوية والكيماويات الضارة بالإنسان سواء لكونها مغشوشة أو ملوثة أو منتهية الصلاحية أو لكونها فاقدة للمواد العلاجية الفعالة أو مهربة من الخارج بدون بيانات منشأ أو ما شابه, وفي المقابل أصبحت مصر تحتل أدنى النسب العالمية في متوسطات الأعمار الافتراضية المتوقعة لأبنائها, وذلك رغم استمرار المقاومة النبيلة لبعض المثقفين الثوريين والإصلاحيين المصريين, التي تواصلت منذ بداية إنشائهم بتبرعاتهم الخاصة لعشرات الجمعيات الأهلية والمبرات الخيرية الساعية إلى علاج المرضى والمصابين مجاناً في بدايات القرن التاسع عشر, حتى تمريرهم لخريطة المواصفات القياسية الخاصة بحقوق المرضى والمصابين داخل المستشفيات المصرية في بدايات القرن الواحد والعشرين, مروراً بمائتي عام من المحاولات النبيلة المضنية لتحسين مستوى الخدمة الطبية أو على الأقل تخفيض نسبة المخاطر الناجمة عن الجرائم الطبية المرتكبة ضد البسطاء, دون أن تسفر محاولاتهم المتنوعة والمتتالية عن تحقيق النتائج الإيجابية المرجوة لصالح المصريين نظراً لإفشالها المتعمد بواسطة الحلف الإجرامي الثلاثي للفساد والاستبداد والتبعية, الذي كان ومازال يدير المجال الطبي على امتداد التاريخ المصري الحديث والمعاصر حسب مصالحه الخاصة, لدرجة انتهاكه الفج لدستور 2014 ذاته في أول موازنة عامة تالية عليه بتخصيص نسبة تقل عن اثنين في المائة من إجمالي الناتج القومي للصحة بينما يشترط الدستور ألا تقل النسبة عن ثلاثة في المائة وهي نسبة تحددها بلدان أخرى بعشرين في المائة!!.
(4)
يعلم القانونيون جيداً أن التراخي العمدي في التصدي لأية جريمة يبدأ عندما تقوم سلطات التحقيق بقيد التهمة في دفاترها القضائية على أساس وصفها بجوانبها الأضعف من حيث الخطأ والضرر وبالتالي الأقل من حيث العقوبة, مما يظهر بوضوح في قيد جميع الجرائم الطبية تحت وصف الإهمال الطبي رغم وجود عدة مستويات أخرى لجرائم طبية أشد خطورة تتمثل في الإتجار الطبي والانحياز الطبي والامتناع الطبي والتبعية الطبية وغيرها, وإذا كانت جرائم الإهمال الطبي تنجم عن الجهل وضعف التركيز والتخلف التعليمي ونقص الخبرة المهنية وغياب الإمكانات التقنية إلى جانب الأخطاء العفوية, وإذا كانت آثارها الضارة تتجلى في إهمال مكافحة العدوى أو إهمال الإجراءات الوقائية بما يسبب انتقال العدوى أو عدم مراعاة الظروف التفصيلية المحيطة التي تؤثر على الحالة الصحية للمريض أو المصاب, وفي عدم التصدي الفوري لمعالجة المضاعفات الجانبية المترتبة على العلاج الأصلي أو إهمال المتابعة التالية للعلاج مما يؤدي بالحالة الصحية إلى الانتكاس والارتداد, إلى جانب الأضرار الأخرى التي تقع بغير قصد كنسيان أحد المستلزمات الجراحية داخل الجسد أو الإتلاف العرضي لأحد أعضاء الجسد أو صرف دواء خاطئ أو الخلط بين الأدوية العلاجية والمكملات الغذائية أو ما شابه, فإن جرائم الإتجار الطبي تنجم عن الجشع الربحي المقصود وغير المستحق وتتجلى أضرارها في ابتزاز المريض أو المصاب لانتزاع أكبر قدر من أمواله مقابل علاجات جراحية وطبيعية وكيميائية ودوائية وفحوص وآشعات وتحاليل لا تحتاجها حالته الصحية, ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هو التوليد عبر العمليات الجراحية القيصرية بدوافع تجارية والذي بلغت نسبته في مصر عام 2014 أربعة أضعاف معدلاته العالمية علماً بأن ثلث عمليات التوليد القيصري يتم داخل المستشفيات الرسمية المصرية حسب الإحصائيات الدولية، كما تتجلى أضرار جرائم الإتجار الطبي أيضاً في استخدام الأدوات والمستلزمات والأدوية الأقل سعراً رغم انخفاض كفائتها لرفع هامش الربح على حساب الحالة الصحية، إلى جانب الترويج لتجارة الأدوية المغشوشة والملوثة والمنتهية الصلاحية وفاقدة المواد العلاجية الفعالة والمهربة بدون بيانات منشأ مع تجارة الأدوية المدعومة في السوق السوداء, بالإضافة إلى بيع التقارير الطبية المزورة التي تخالف الحالة الصحية الحقيقية لمشتريها حسبما تقتضي مصالحه غير المشروعة، وبيع الدم البشري ومشتقاته للراغبين فيه بأسعار تجارية باهظة رغم سابق الحصول عليه مجاناً كتبرعات اختيارية أو إجبارية، وقد يصل المستوى الإجرامي للإتجار الطبي إلى درجة بيع المخدرات الكيميائية والأعضاء البشرية والأطفال حديثي الولادة أو ما شابه, بينما تنجم جرائم الانحياز الطبي عن تغليب الاعتبارات غير المهنية بدافع انحراف الاتجاه الفكري للطبيب نحو الاستقطاب الحاد حسب هوية المريض أو المصاب على الأصعدة العرقية أو الدينية أو السياسية أو الجنسية, والمؤدي إلى انحراف سلوك الطبيب بالموالاة أو الكراهية تجاهه مما يترتب عليه الانحراف العمدي في علاجه, حيث تتجلى أضرارها في عدم الالتزام بالمقتضيات الطبية الموضوعية سواء عند اتخاذ القرار الانتقائي المسبق بالعلاج الفوري الناجع للصديق المنتمي إلى الفريق الذي يواليه الطبيب, أو عند اتخاذ القرار العكسي بالتصفية أو إلحاق إحدى الإعاقات الجسدية المستديمة بالخصم المنتمي إلى الفريق الذي يكرهه الطبيب أو ما شابه, وقد يصل المستوى الإجرامي للانحياز الطبي إلى درجة المشاركة فيما يتعرض له بعض الخصوم المعتقلين سياسياً من جرائم تعذيب بدني وتحطيم معنوي وإنتهاك جنسي بالسجون التي يعمل فيها الأطباء المنحازون، سواء شاركوا بشكل مباشر في تلك الجرائم أو تستروا عليها عمداً عبر إصدار تقارير طبية كاذبة لتضليل المراقبين والرأي العام وعرقلة القصاص من مرتكبيها، في حين أن جرائم الامتناع العمدي عن علاج المريض أو المصاب تنجم عن خليط من دوافع الإهمال والإتجار والانحياز السابق ذكرها حسب كل حالة على حدا, لتتخذ عدة أشكال منها ما هو مباشر بالرفض الصريح لتقديم العلاج الذي يقتضيه التشخيص السليم للحالة الصحية, ومنها ما هو التفافي عبر الرفض الملتوي سواء بالتشخيص المخالف لحقيقة الحالة الصحية أو بوضع شروط تعجيزية للعلاج مثل تقليل عشرات الكيلو جرامات من الوزن خلال عدة أسابيع أو إيجاد متبرع بفصيلة دم معينة على أن يكون دمه نقياً ويكون قريباً للحالة من الدرجة الأولى, وتتجلى أضرار جرائم الامتناع الطبي في الموت أو إلحاق إحدى الإعاقات المستديمة بجسد المريض أو المصاب, أما جرائم التبعية الطبية فهي تلك الناجمة عن دونية سياسية تدفع الطبيب للارتباط بمصالح الشركات الأجنبية على حساب المصالح الوطنية فيقوم بتنفيذ خطط ومشاريع تلك الشركات عبر الترويج لمنتجاتها في السوق المصري, بما يصاحب ذلك من جريمة رشوة مزدوجة فهو يتلقى الرشاوى من أسياده الأجانب ويدفع الرشاوى لوسائل الإعلام المحلية التي تمنحه فرصة ممارسة التضليل من أجل الترويج الدعائي بالمخالفة للقوانين واللوائح والمقتضيات الصحية, أما تجليات جرائم التبعية الطبية فهي تَلَقّي المريض أو المصاب المصري الملهوف على العلاج لأدوية ومستلزمات غير ملائمة إن لم تكن مخالفة لاحتياجاته الحقيقية مما يلحق به الأذى, وأخيراً هناك جرائم إجراء الأبحاث والتجارب الطبية ذات الطابع الجراحي أو الدوائي على أجساد المرضى والمصابين وجثث الموتى بدون موافقتهم, ناهيك عن جرائم أخرى غير طبية إلا أن الأطباء يرتكبونها تحت الغطاء الطبي لاسيما أثناء الغيبوبة التي تحدث بسبب تدهور الحالة الصحية أو بفعل المخدر العلاجي مثل جريمة الاغتصاب أو جريمة انتزاع بصمة الإصبع على أوراق ضارة بحقوق ومصالح المريض أو المصاب أو ما شابه!!.
(5)
تدير وزارة الصحة المصرية حالياً بشكل مباشر أكثر من مائتين وخمسين مستشفى عمومي إلى جانب مئات الوحدات الصحية الثابتة والمتنقلة لأغراض الإسعاف وتنظيم الأسرة والعلاج المدرسي وجمع تبرعات الدم وغيرها, وترأس وزارة الصحة تنظيمياً عدة مؤسسات علاجية تدير حوالي مائة وخمسين مستشفى تخصصي إلى جانب رئاستها التنظيمية لهيئة التأمين الصحي التي تدير أكثر من مائة مستشفى وعيادة موسعة, وتشرف وزارة الصحة فنياً على حوالي مائة مستشفى تابع لهيئة المستشفيات التعليمية والمعاهد العلاجية التابعة تنظيمياً لوزارة التعليم العالي ومشيخة الأزهر إلى جانب أكثر من خمسين مستشفى تابع للجمعيات الأهلية التابعة تنظيمياً لوزارتي التضامن الاجتماعي والحكم المحلي, بالإضافة إلى مئات المستشفيات والمستوصفات الملحقة بالجمعيات الشرعية والمساجد سواء كانت تابعة لوزارة الأوقاف أو لجماعة الإخوان المسلمين أو للحركة السلفية, كما تشرف وزارة الصحة أيضاً من النواحي الفنية على عشرات المستشفيات الفئوية بالمعنى المهني كالمعلمين والزراعيين والتطبيقيين والدعاة والكهرباء والمقاولين العرب والسكة الحديد والنقل العام ومصر للطيران والبنك الأهلي وما شابه, إلى جانب عشرات المستشفيات الفئوية بالمعنى الطائفي كالراعي الصالح وسان بيتر وكليوباترا ومينا للأقباط الأرثوذكس واليوناني للروم الأرثوذكس والإيطالي للكاثوليك والأنجلوأمريكان للبروتستانت والإنجيلي للأنجليكان وما شابه, بالإضافة إلى مئات المستشفيات الخاصة والاستثمارية والعيادات الجماعية والفردية والمراكز العلاجية المنتشرة في كل المحافظات المصرية, أما المستشفيات العسكرية المحلية التابعة لوزارات الدفاع والداخلية والمخابرات العامة إلى جانب فروع المستشفيات العسكرية العالمية بمصر مثل مستشفى "النمرو" التابع للقوات البحرية الأمريكية والتي يتجاوز عددها المائة مستشفى عسكري, فإن جميعها تمارس كافة أنشطتها على كل المحاور بدون أي إشراف تنظيمي أو فني لوزارة الصحة بل على العكس فإن الوزارة هي التي تخضع من جانبها لإدارات تلك المستشفيات العسكرية فيما تريده حتى لو كان مخالفاً للمقتضيات الصحية والطبية, بما يعنيه تعدد المستشفيات وتنوعها في مصر المعاصرة على النحو المذكور من ارتفاع العدد الإجمالي للأطباء وذوي التخصصات الأخرى المرتبطة بهم كالعلاج النفسي والعلاج الطبيعي والأسنان والصيدلة والتمريض, مع العاملين الآخرين في المجال الطبي كالبياطرة والعلميين والفنيين والمهنيين والإداريين وتوابعهم من العمالة اليدوية الماهرة والعادية حتى بلغ عدة ملايين منتسب إلى المجال الطبي, منهم حوالي نصف مليون موظف رسمي في وزارة الصحة وحدها ونصف مليون آخرين موزعين على وزارات التعليم العالي والدفاع والداخلية والعدل وغيرها من الجهات الحكومية، وهؤلاء يمارسون أعمالاً وظيفية وأنشطة مهنية بالغة الخطورة لوقوعها بين ثنائية الحياة والموت أو على الأقل بين ثنائية الصحة والمرض, دون أن يخضعوا إلى أية منظومة رقابية أو قانونية جادة للحقوق والواجبات تجاه مجتمعهم المصري الذي أنفق رغم فقره على تعليمهم وتدريبهم منتظراً منهم رد الجميل, فإذا بهم يشكلون تحالفاً إجرامياً معادياً للمجتمع يضم الأطباء وتوابعهم مرتكبي جرائم الإهمال والإتجار والانحياز والامتناع والتبعية وغيرها من الجرائم الطبية مع شركائهم الأصليين داخل وزارة الصحة والمؤسسات والهيئات ذات الصلة, مثل المجالس الطبية المتخصصة وهيئة التأمين الصحي والمؤسسة العلاجية وأمانة المراكز العلاجية المتخصصة وأمانة الصحة النفسية وهيئة المستشفيات التعليمية والمعاهد العلاجية ومصلحة الطب الشرعي واتحاد النقابات الطبية والنقابة العامة للعاملين في المهن الطبية وغيرها, إلى جانب الأجهزة الرقابية المشاركة في ذلك التحالف الإجرامي بغيابها العمدي بالإضافة إلى القانونيين الذين يتعمدون مواصلة وصف الأنواع المختلفة من الجرائم الطبية باعتبارها تندرج جميعها تحت بند الإهمال الطبي رغم علمهم باختلاف مستويات النوايا والأخطاء والأضرار, كما يقصرون سلطة تحريك الدعاوى الجنائية ضد الجرائم الطبية وبالتالي إحالة مرتكبيها إلى المحاكمات على النائب العام حصرياً دون غيره من المحامين العموم ورؤساء ووكلاء وأعضاء النيابات المختصة، وإزاء تنامي القوة النسبية للتحالف الإجرامي المذكور بالمقارنة مع الجماعات المدافعة عن حياة وحقوق ومصالح المرضى والمصابين المصريين فإن مرتكبي الجرائم الطبية سيواصلون جرائمهم وهم يخرجون ألسنتهم الساخرة في وجه المجتمع كله، لاسيما وأن الإحصائيات الرسمية تفيد بتردد حوالي 35 مليون مصري سنوياً على مختلف وحدات المجال الطبي بحثاً عن علاج مستعصي لأحوالهم الصحية المستعصية!!.
(6)
خلق الغياب شبه التام لقواعد الحقوق والواجبات ولجداول الثواب والعقاب ولجهات المراقبة والمحاسبة حالة من الفوضى العارمة على كافة المستويات الوظيفية والمهنية والفنية والإدارية والمالية في المجال الطبي برمته والمجالات الأخرى ذات الصلة, الأمر الذي استثمرته جيداً الأجهزة السيادية طوال العمر الزمني لجمهورية الخوف الأولى الممتد بين عامي 1952 و2011 بهدف إحكام سيطرتها الأمنية على القيادات والكوادر والقواعد الطبية وشركائهم والعاملين معهم ليصبحوا من توابعها, حتى يمكنها استخدامهم كأذرع وأدوات وسواتر في التعامل مع الأشخاص العاديين الذين تستهدفهم تلك الأجهزة, وهي سيطرة تم إحكامها على المجال الطبي من أعلاه بواسطة المستشفيات العسكرية المستخدمة كقطعة حلوى تجذب الفئران الكبيرة نحو المصيدة, بينما تم إحكامها من أوسط المجال الطبي وأسفله عبر ندب بعض التوابع الأصليين للأجهزة إلى المواقع التنظيمية الداخلية المؤثرة, لذلك فإنه لم تكن من باب المصادفة العضوية الدائمة لوزير الصحة في جميع المجالس السيادية ذات التخصصات الأمنية مثل مجلس الدفاع الوطني ومجلس الأمن القومي طوال عمر جمهورية الخوف الأولى الممتد لستين عاماً رغم الطابع الخدمي لوزارته, كما أنه لم يكن من باب المصادفة أيضاً اشتراط اجتياز نفس الدورات التدريبية التي تقيمها الأجهزة السيادية لكوادرها الأمنية, قبل أن يتولى الأطباء أية مواقع قيادية داخل مصر أو يحصلوا على أية واحدة من الفرص القليلة المتاحة للانتداب كمستشارين طبيين بالسفارات المصرية في الخارج, ولم يكن من باب المصادفة تجنيد خريجي كليات الطب بالخدمة العسكرية الإجبارية كضباط احتياط في القوات المسلحة لمدة ثلاثة أعوام وليس كجنود لمدة عام واحد مثل أقرانهم من المجندين خريجي الكليات الأخرى, مع فتح باب وحيد أمامهم للحصول على فرصة أفضل في الحياة والعمل بانتقالهم إلى فئة الضباط المتخصصين سواء داخل القوات المسلحة أو في الشرطة أو المخابرات العامة, وتمكينهم من الاستمرار في الترقي لصعود السلم الوظيفي حتى رتبة لواء مقابل رتبة مقدم التي غالباً تكون الحد الأقصى المسموح به للراغبين في الاستمرار من ضباط الاحتياط الآخرين غير الأطباء, ورتبة عقيد التي غالباً تكون الحد الأقصى المسموح به للراغبين في الاستمرار من الضباط المتخصصين الآخرين غير الأطباء, ناهيك عن منع خريجي كليات الطب من مزاولة مهنتهم في الدوائر المدنية إلا بعد انتهاء تنفيذهم لأمر التكليف الذي تصدره وزارة الصحة بتأدية الخدمة الوظيفية الإجبارية على نحو يشبه السخرة العسكرية, رغم تكرار المطالبات بتشغيل خريجي كليات الطب فور تخرجهم كمساعدين للأطباء الأصليين في المستشفيات المجانية المجاورة لمنازلهم بأجر مناسب لفترة زمنية تساوي فترتي تجنيدهم وتكليفهم معاً من أجل مصلحة المرضى والمصابين المصريين, وفي عام 2014 تم إنشاء الكلية الطبية العسكرية لتكون إلى جانب عشرات المعاهد العليا والفنية للتمريض العسكري والشرطي تابعة بشكل مباشر للأجهزة السيادية، مما يعني سريان قانون الأحكام العسكرية رقم 25 لعام 1966 على طلابها وخريجيها من الأطباء والممرضين، وبإحكام سيطرة الأجهزة على المجال الطبي والمجالات الأخرى ذات الصلة فقد ضمنت إخضاع غالبية الأطباء وشركائهم والعاملين معهم, إلى درجة التزامهم بتلبية الاحتياجات المتعددة والمتنوعة لتلك الأجهزة حتى لو خالفت القوانين وخرقت اللوائح وانتهكت أخلاقيات المهنة, مقابل حماية الأجهزة السيادية التي تكفل استمرار إفلاتهم من العقاب على ما يرتكبونه من جرائم الإهمال والإتجار والانحياز والامتناع والتبعية وغيرها ليواصلوا ارتكابها باطمئنان تحت أغطية تلك الأجهزة, وعند الضرورة يستخدم الأطباء عتاة الإجرام قاعدة أن الهجوم أهم الوسائل الاحترافية للدفاع فيصدرون تقارير طبية كاذبة لإلقاء المسئولية الجنائية على ضحاياهم, عبر ادعاء إصاباتهم المسبقة في أجسادهم بفيروسات قاتلة أو في أذهانهم بالوسواس القهري أو الاكتئاب الانتحاري أو حتى اتهامهم بإدمان المخدرات أو الكحوليات أو ما شابه, ورغم إدراك الأجهزة لمدى بطلان تلك التقارير بما تحويه من ادعاءات كاذبة إلا أنها تستند عليها في تبرئة توابعها الأطباء وإغلاق ملفات جرائمهم الطبية بشكل رسمي, أما الأطباء الحريصين على خدمة المجتمع المصري بشرف وأمانة ونزاهة دون الخضوع المهين للأجهزة السيادية أو غيرها, فإنهم سرعان ما يجدون أنفسهم تحت نيران البلاغات الكيدية المحبكة في المحاكم المختلفة والنيابات العامة والإدارية وأقسام الشرطة والكسب غير المشروع والتهرب الضريبي والجمركي وما شابه!!.
(7)
نجحت الأجهزة السيادية بمكوناتها العسكرية والأمنية والرقابية والعقابية والمعلوماتية والدبلوماسية في إحكام سيطرتها على المجتمع المصري برمته طوال العمر الزمني لجمهورية الخوف الأولى الممتد بين عامي 1952 و2011, عبر تعطيلها للوعي الفردي والجماعي بواسطة حظائر السيطرة المقامة على بوابات التفكير والتعبير والتمكين, وعبر استخدامها التصاعدي لخليط من المحاور الأمنية الثلاثة التي تبدأ بمحور احتواء الشخص المستهدف وتطويقه فإذا فشل في تحقيق السيطرة المطلوبة يتم الصعود إلى المحور الأمني التالي بتشتيت الشخص المستهدف وإنهاكه, والذي لو فشل بدوره يتم اللجوء إلى المحور الأمني الأعلى والأخير المتمثل في الإزالة النظيفة للشخص المستهدف, سواء عبر تصفيته جسدياً أو عبر إلحاق إحدى الإعاقات المستديمة بجسده أو عقله أو عبر تقييد حركته بالحبس أو تحديد الإقامة أو منع السفر على أية خلفيات مفبركة, أو عبر تضييق الخناق حول تحركاته الطبيعية لشلها بواسطة حزمة من الشرور المستترة الماكرة التي تختلف باختلاف الظروف الذاتية والموضوعية للأشخاص المستهدفين, وإذا كان التدخل الدوائي المبرمج لتعطيل وعي بعض الأشخاص المستهدفين لا يتم إلا بواسطة الأطباء أو تحت الإشراف الطبي, فإن العلاج الفوري الشافي والمجاني داخل أحد المستشفيات المميزة كفيل باحتواء بعض الأشخاص المستهدفين, كما إن الاستدراج المخادع لإجراء مناظرات طبية وفحوص وتحاليل وآشعات متعددة ومتنوعة ومرهقة ومكلفة دون مبرر صحي كفيل بإنهاك بعض الأشخاص المستهدفين, وكذلك فإن الامتناع عن تقديم العلاج الضروري في الوقت المناسب أو تعمد ارتكاب خطأ طبي مستتر بما يؤدي إلى الوفاة أو الإعاقة المستديمة يكفلان الإزالة النظيفة لبعض الأشخاص المستهدفين, وقد شهدت جمهورية الخوف الأولى عدة جرائم طبية شهيرة تمت لصالح الأجهزة السيادية ضمن برامج السيطرة على خصومها من الأشخاص المستهدفين, لعل أبرزها ما حدث لصديقي الدكتور "أنس مصطفى كامل" الذي قاد النضال النقابي حول مطالبنا المهنية كخريجي أقسام العلوم السياسية خلال سبعينيات القرن العشرين, ثم حصل لاحقاً على حكم قضائي بأحقيته في استلام عمله الدبلوماسي رغم رفض الأجهزة آنذاك على خلفية نضاله النقابي المزعج لها, فتم الإعلان في منتصف الثمانينيات عن وفاته بجلطة دماغية أثناء خضوعه للفحوصات الطبية اللازمة من أجل استكمال إجراءات تعيينه في وزارة الخارجية تنفيذاً للحكم القضائي رغم أن عمره كان خمسة وثلاثين عاماً فقط, إلى جانب ما حدث لصديقي الكاتب الصحفي "بدوي محمود" الذي أعلنت الأجهزة السيادية في منتصف تسعينيات القرن العشرين عثورها على جثته ملقاة أسفل السور الخارجي لمستشفى عام يقع في وسط القاهرة, ملاصقاً لمحل عمله المهني كمدير تحرير جريدة الجمهورية الرسمية ومجاوراً لورش ومحلات عائلته المتخصصة في تصنيع وتجارة وصيانة الخزائن الحديدية, فيما تم تفسيره آنذاك بادعاء غير منطقي مفاده امتناع المستشفى عن علاجه لعدم توافر سيولة مالية معه في حينه, وكان "بدوي" قد انتبه مبكراً لوجود تحالف سري بين تلك الأجهزة وجماعة "الإخوان المسلمين" على حساب الحياة السياسية المدنية في مصر, كما كان قد حصل لتوه على حكم قضائي باسترداد بعض العقارات المورثة عن أجداده في منطقة وسط القاهرة من أيدي توابع الأجهزة الذين سبق لهم الاستيلاء عليها بالقوة, فيما يشبه حالات الوفاة الغامضة لعشرات الأصدقاء اليساريين الشباب من الموهوبين في مختلف الفنون والآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية تباعاً, مثل "عاطف الطيب" و"رضوان الكاشف" و"خالد صالح" و"أحمد شرف الدين" و"إبراهيم فهمي" و"أحمد عبدالله" و"محمَّد السيد سعيد" و"تيمور الملواني" و"شهاب سعدالدين" و"منصور عطية" و"أسامة خليل" و"بيومي قنديل" و"نادين شمس" و"سناء المصري" و"أروى صالح" وغيرهم ممن قتلتهم الجرائم الطبية المختلفة، بالإضافة إلى ما ارتكبه الأطباء من جرائم تعويق في جسد صديقتي الفنانة الاستعراضية "شيريهان" عقب إصابتها في حادث غامض مع بداية تسعينيات القرن العشرين وبعد شهور قليلة من تصفية شقيقها الفنان "عمر خورشيد" في حادث أكثر غموضاً, ليس فقط بسبب ما نشرته أمهما "اعتماد خورشيد" حول بعض ممارسات الأجهزة السيادية خلال الستينيات, ولكن أيضاً بسبب إغضاب "شيريهان" لتلك الأجهزة مرتين الأولى عندما جذبت قلوب المراهقين من أبناء قادة الدولة والمجتمع والثانية عندما انتزعت حكماً قضائياً يثبت نسبها إلى أبيها رغم كونه مستشاراً قانونياً لهؤلاء القادة, وأخيراً فقد أعلنت الأجهزة السيادية قبيل إسدال ستائر جمهورية الخوف الأولى بأيام عن وفاة صديقي اللواء "عمر سليمان" أثناء خضوعه لفحوصات طبية دورية اعتيادية في عام 2012, عقب شطب المجلس العسكري الحاكم آنذاك اسمه من قائمة مرشحي رئاسة الجمهورية لصالح مرشح الإخوان المسلمين, وكان "سليمان" بعد قيادته الممتدة إلى ثلاثة عقود زمنية للاستخبارات العسكرية ثم للمخابرات العامة ومجلس الدفاع الوطني هو الصندوق الأسود لكل ملفات وكوابيس مصر المعاصرة, بما فيها ملف المجلس العسكري وملف الإخوان المسلمين وملفي أنا الشخصي وكابوس الجرائم الطبية!!.
(8)
رغم خوضي عدة معارك ومشاجرات وخصومات مبكرة دفاعاً عنه بسبب احترامي لذكائه العقلي وإشفاقي على إعاقاته الجسدية إلا أنه لم يخرجني من دائرة كراهيته السوداء لجميع زملاء الدراسة الابتدائية, لكونهم أطلقوا عليه اسم "أحدب نوتردام" ساخرين من اسمه الأصلي الذي يشبه أسماء البنات ومن إصاباته الخلقية التي تعددت وتنوعت لتشمل انحناء الظهر وسقوط الشعر وتعثر الخطوات وتلعثم النطق وضعف البصر والتبول اللاإرادي, وهي إصابات نجح الأطباء في علاجه منها تباعاً باستثناء أخطرها المتمثلة في كراهيته السوداء لأقرانه, لاسيما وأن الطبيب النفسي الوحيد الذي انتبه لخطورة تلك الكراهية قرر الإبقاء عليها وتنميتها لاستغلالها في تجنيده لصالح الأجهزة السيادية الكارهة للمواطنين والتي كان ذلك الطبيب أحد توابعها, حيث أقنعه الطبيب النفسي كذباً بأن علاجه لم يكن ممكناً إتمامه لولا تدخل الأجهزة بالرعاية والإنفاق والمتابعة ليقرر "الأحدب" رد الجميل الوهمي لتلك الأجهزة عبر التحاقه بها بمجرد حصوله في شهادة الثانوية العامة على ترتيب متقدم فتح له أبواب كلية الطب, وقاده تفوقه الدراسي ثم المهني مع استمرار ولائه للأجهزة السيادية وكراهيته لأقرانه تدريجياً إلى الموقع الوظيفي المسئول عن العمليات الطبية السلبية التي تشنها الأجهزة ضد الأشخاص المدرجين على قوائم أهدافها, وهي تلك القوائم التي ضمتني في ذيلها مبكراً باعتباري من الأشواك المحتملة وتحديداً منذ مولدي لأبوين كانا يتصدران صفوف المعارضة الشيوعية في أواخر خمسينيات القرن العشرين, ليتم تصعيدي إلى منتصف القوائم عقب مشاركتي الشخصية مع أبناء جيلي من الشيوعيين في قيادة انتفاضة يناير عام 1977 الجماهيرية الاحتجاجية ذات الأبعاد الاجتماعية, لأجدني عند بداية الثمانينيات في مقدمة القوائم بعد إصدار الحزب الشيوعي السري كراسة تضم بحثي السياسي الخاص بالبدائل المتاحة لمواجهة العدو الصهيوني المدعوم أمريكياً تحت عنوان "حرب التحرير الشعبية هي طريق الشعب المصري للتحرر الوطني", رغم تعمد الحزب إخفاء كل الإشارات الدالة على الاسم الحقيقي أو الحركي للباحث بهدف حمايته وتأمينه, وقد كان من الطبيعي أن كل صعود إلى درجة وعي أعلى يواكبه تصاعد لمركزي داخل قوائم أهداف تلك الأجهزة بما يواكبه من تصاعد لنصيبي في خطط وعمليات الاستهداف, التي تنوعت لتشمل فيما شملته عدة استهدافات طبية ليس فقط على محور تعطيل الوعي ولكن أيضاً على محاور الاحتواء والتشتيت والإزالة، كما كشفت محتويات ملفي الأمني بشقيه المعلوماتي والعملياتي وبشقيه الداخلي والخارجي والتي أوضحت أن "الأحدب" هو الذي تولى إدارة عمليات الاستهداف الطبي السلبي تجاهي, منذ اللحظات الأولى لعملي الدبلوماسي كمستشار إعلامي في السفارة المصرية بالسودان مع بداية تسعينيات القرن العشرين رغم حرصه على صعود سلم الطائرة لاستقبالي أو توديعي وكأنه أحد أصدقائي المقربين!!.
(9)
أمرت المحكمة العسكرية العليا في مدينة "الإسكندرية" الساحلية عام 1924 بحل الحزب الشيوعي المصري وحظر عودته للعمل السياسي مرة أخرى تحت طائلة قانون الأحكام العسكرية, مع مصادرة كافة مقاره وأملاكه وأمواله النقدية والعينية على امتداد الأراضي المصرية, إلى جانب حبس كل قياداته وكوادره وأعضائه المعروفين الذين سبق لهم الإعلان عن أنفسهم بهذه الصفة وملاحقة جميع أفراد عائلاتهم وأصدقائهم, بالإضافة إلى ترحيل أبناء الجاليات وذوي الأصول الأجنبية وحاملي الجنسيات المزدوجة منهم خارج مصر وإدراج أسمائهم ضمن قوائم الممنوعين من الدخول, على أن يتم تنفيذ ومتابعة ذلك كله بمعرفة مكتب مكافحة الشيوعية الذي كان قد نشأ لتوه كإدارة مشتركة بين القلم السياسي التابع لجهاز الأمن العام المصري وقلم الأمن الحربي التابع لقوات الاحتلال البريطاني, مما ترتب عليه انتهاء الوجود العلني للمرحلة الأولى من الحركة الشيوعية المصرية بعد ميلادها بربع قرن زمني, ورغم أن قادة وكوادر الشيوعيين الذين أفلتوا من الحبس والترحيل قد اتخذوا وضع الخلايا النائمة بما صاحبه من استمرارهم في التداول والنقل السري الواعي لمختلف الأفكار والتحليلات السياسية وفنون العمل التنظيمي والجماهيري, فإن بعض أعضاء المرحلة الشيوعية الأولى الطلقاء استمروا في العمل السياسي العلني ولكن داخل صفوف الأحزاب والتنظيمات والجماعات الأخرى سواء كانت موجودة في حينه مثل حزب "الوفد", أو تم استحداثها فيما بعد مثل جماعة "الإخوان المسلمين" التي ظهرت إلى الوجود عام 1928 بمدينة "الإسماعيلية" الساحلية كامتداد سياسي مدعوم من قوات الاحتلال البريطاني لجماعة "المنار" الدينية, واستفاد الإخوان المسلمون كثيراً من فنون العمل التنظيمي والجماهيري التي حفظوها عن ظهر قلب بعد أن لقنهم إياها الشيوعيون الوافدون إلى صفوفهم لدرجة تفاخرهم بها أحياناً وكأنها إبداعاتهم الخاصة, متناسين أن الخزانة الرئيسية للوعي الشيوعي بما تحويه من أفكار وتحليلات سياسية وفنون العمل التنظيمي والجماهيري استمرت محفوظة ومحمية في قلب الجسد الرئيسي للحركة الشيوعية, التي انتقلت خلال أربعينيات القرن العشرين إلى مرحلتها الثانية ذات الطابع شبه العلني, لتنتقل مرة أخرى عام 1965 إلى وضع الخلايا النائمة بعد الحل القهري للحزب تحت وطأة قانون الأحكام العسكرية الذي طبقه الرئيس "جمال عبدالناصر" بحذافيره على الشيوعيين, ومع انتصاف سبعينيات القرن العشرين بدأت المرحلة الثالثة من الحركة الشيوعية المصرية والتي اتسمت بالسرية، وبتعاقب أجيال الحائزين على الخزانة الرئيسية للوعي الشيوعي أصبحت في حوزتي لتمنحني قدرة إضافية على اكتشاف وكشف المناورات التنظيمية والألاعيب الجماهيرية التي تمارسها مختلف القوى السياسية بما فيها جماعة الإخوان المسلمين, حتى أن أول أبحاثي المنشورة باسمي كان ذلك الذي أصدرته لي جامعة القاهرة قبل نهاية السبعينيات تحت عنوان "الإخوان المسلمون على مذبح المناورة", وقد أعادت إحدى المؤسسات الثقافية اللبنانية الكبرى في منتصف الثمانينيات طباعته ونشره وتوزيعه باللغة العربية مع طرحه على مترجمي اللغات الأجنبية الحية لترجمته, حيث ترجمه إلى اللغة الروسية أحد كوادر الأمن السياسي السوفيتي المسئولين عن مكافحة جماعات التطرف الإسلامي النشطة داخل جمهوريات الاتحاد السوفيتي الإسلامية والذي كان يعمل في حينه مستتراً تحت غطاء أكاديمي بجامعة بيروت, بعد أن كان الإخوان المسلمون قد أدركوا أنني أراهم على حقيقتهم العارية بوعي مكتمل فسارعوا إلى محاولة خطفي ذهنياً عبر سعيهم الدءوب لاحتوائي بين صفوفهم على أي وضع يرضيني, ومع انتفاء تلك الإمكانية لانعدام ثقتي فيهم لم يكن أمامهم لإطفاء الأضواء المسلطة من جانبي على انحرافاتهم السياسية سوى السعي إلى تشتيتي وإنهاكي أو تصفيتي جسدياً بواسطة شعبة العمليات الدموية المعروفة باسم "النظام الخاص", لاسيما وقد واتتهم الفرصة الذهبية للانفراد بي مع انتقالي عند بداية تسعينيات القرن العشرين للعمل والإقامة في دولة السودان, التي كان يحكمها آنذاك تحالف ثنائي بين الفرع السوداني لجماعة الإخوان المسلمين المصرية المعروف باسم "الجبهة الإسلامية" والفرع السوداني للأجهزة السيادية المصرية المعروف باسم "جبهة الإنقاذ الوطني"!!.
(10)
بلغ زميل دراستي "الأحدب" مرحلة المراهقة قبل أقرانه لذلك فقد سبقنا جميعاً من حيث النواحي الذكورية بفترة زمنية قصيرة ميزته علينا ومنحته الفرصة للتباهي أمامنا تعويضاً عن عيوبه الخلقية العديدة, ورغم تفوقه الدراسي فقد ظل فخوراً بالسبق الذكوري حتى التحق بالأجهزة السيادية التي أخضعته كغيره من توابعها لبرنامج "الثبات الانفعالي", مما أسفر عن تعطيل وعيه كما أسفر في الوقت ذاته عن ردم كافة مشاعره الإنسانية الإيجابية وعلى رأسها ميوله العاطفية والغرامية نحو الجنس الآخر, لتصبح المرأة بالنسبة له مجرد أداة لامتصاص شحنة من الإفرازات الفيزيائية المتراكمة داخل جسده منعاً للاحتباس الناجم عن عدم تفريغها, ونظراً لإخلاصه المفرط وطاعته العمياء فقد حصل "الأحدب" على حصص إضافية وبالتالي جرعات زائدة من الثبات الانفعالي ترتب عليها انهيار الجانب الذكوري في جهازه العصبي بدرجة أدت إلى إفشال كل مساعيه لإقامة أية علاقة نسائية حميمية مكتملة, حتى دفعه تكرار الفشل نحو ممارسة الشذوذ الجنسي السلبي الذي يتعارض مع طبيعة عمله الأمني فأخذ يتخبط بين عدة محاولات متتالية وفاشلة للانتحار, وبحلول النصف الثاني لعام 2014 قررت الأجهزة السيادية إنهاء خدمته وإحالته إلى التقاعد لعدم صلاحيته "الصحية" مع إيداعه قسراً دار رعاية معاقي الإصابات الجسمانية والعجزة والمسنين الكائنة بضاحية "التجمع الخامس" في محافظة "القاهرة", حيث التقاني عقب اضطراري للإقامة هناك تحت ضغط إصابتي بعدة إعاقات جسدية ناجمة عن محاولة فاشلة لاغتيالي خلال عملي الدبلوماسي في السودان بما أسفرت عنه من كسر عمودي الفقري وما أعقبها من عمليات استهداف طبي متعددة تجاهي, كانت قد فشلت بدورها في تصفيتي ربما لأن المسئول الأمني الذي تولى الإشراف على تخطيطها وتنفيذها كان هو ذاته "الأحدب" الفاشل, وقد حاول استثمار هذا الأمر لخداعي بادعاء كاذب مفاده أن الأجهزة قد أنهت خدمته على خلفية اتهامه بتعمد الفشل في تصفيتي لإبقائي حياً بالمخالفة لتعليمات تلك الأجهزة, رغم أن إصابتي بعدة إعاقات جسدية مستديمة على يديه تعني حسب بروتوكولات جداول الاستهداف نجاحه في تنفيذ مهمته ولو بشكل نسبي, ومع اتساع نطاق كراهيته السوداء المزمنة ليشمل الأجهزة السيادية التي تجاهلت سوابق "خدماته الجليلة العديدة" وغدرت به دون منحه "فرصة أخرى" لإصلاح أحواله الشخصية, فقد روى لي "الأحدب" ما لديه من تفصيلات تتعلق بمحاولات الاستهداف الطبي التي مورست ضدي سواء ارتكبتها المحطات الطبية في قطاعات العمليات الميدانية بتلك الأجهزة أو ارتكبتها الأسرة الطبية في شعبة النظام الخاص بجماعة الإخوان المسلمين, ليكشف لي أنني كنت أسيراً محاصراً بين مطرقة "الدكاترة الأمنجية" وسندان "الدكاترة الإخوانجية" في مصر والسودان على مدى ربع قرن زمني, حيث اتفق هؤلاء وأولئك على السعي لكتمان شهاداتي الحية حول تجاربي المؤلمة سواء مع الأجهزة أو مع الجماعة أو كليهما معاً, لاسيما وأن الفريقين كانا قد تحالفا سوياً منذ عام 1979 في مصر ومنذ عام 1989 في السودان, بموجب تقسيم عمل سري أبقى على الأجهزة السيادية في الصف الأول لتتولى القيادة الرسمية للدولة بينما أبقى على الإخوان المسلمين في الصف الثاني ليتولوا القيادة الموازية للمجتمع, وكما حارب الفريقان معاً على الساحتين المصرية والسودانية ضد الشيوعيين والليبراليين المحليين, فقد حاربا معاً على الساحات الخارجية المختلفة تحت القيادة العسكرية الأمريكية المباشرة ضد العديد من حركات التحرر الوطني والديمقراطي والاجتماعي في المستعمرات السابقة المعروفة حالياً باسم دول العالم الثالث!!.
(11)
أصدر مجلس الدولة يوم 3/5/2014 حكماً تاريخياً في الدعوى المقيدة تحت رقم 3556 للسنة القضائية رقم 67 حيث نص على إلزام الدولة المصرية بكل وزاراتها وهيئاتها وأجهزتها المعنية بوقف كافة الجرائم الطبية الموجهة ضدي وإزالة الآثار المترتبة عليها, مع تأكيد القاضي لأن الحكم المذكور ينطق بالحق في وجه الباطل بعد فحص دقيق وعميق لجميع وقائع القضية المثبتة بالأدلة والبراهين والمستندات وأقوال الشهود العدول, ورغم ما نص عليه منطوق الحكم بشكل واضح وصريح من وجوب تنفيذه فوراً ولو بالقوة الجبرية استناداً لمسودته ودون حاجة إلى الإعلان القانوني المسبق للمسئولين المحكوم عليهم, إلا أنهم امتنعوا عمداً عن تنفيذه وهم يخرجون ألسنتهم الساخرة في وجهي لاسيما وقد منحهم القانون المصري حصانة من المثول أمام القضاء وحصانة من الخضوع للرقابة على أفعالهم ذات الصلة المباشرة بموضوع القضية المشار إليها, ليبقى ملف الدعوى القضائية مجرد سجل رسمي يوثق للباحثين عدة وقائع استهداف طبي تجاوزت في غرابتها الدرجة القابلة للتصديق, وهي الوقائع التي بدأت منذ التحاقي بالعمل الدبلوماسي كمستشار إعلامي للسفارة المصرية في السودان مع بداية تسعينيات القرن العشرين بعمليتي استهداف طبي متقاطعتين ومتزامنتين إحداهما للأجهزة السيادية والأخرى لجماعة الإخوان المسلمين, حيث دفعت الأجهزة بمجموعات متتالية من النساء المحترفات المصابات بفيروس الإيدز القاتل إلى حياتي, بعد تعطيلها العمدي لكل محاولات تحصيني بالزواج من أية عروس مناسبة سواء كانت مصرية أو سودانية أو حتى أجنبية وفق التفاصيل التي لا يتسع المجال هنا لذكرها, بينما دفع النظام الإخواني الخاص بمجموعات متتالية من النساء المحترفات المصابات بطفيل الملاريا القاتل إلى حياتي, بعد تعطيله العمدي لكافة محاولات تحصيني بالأمصال واللقاحات الوقائية اللازمة وفق التفاصيل التي لا يتسع المجال هنا أيضاً لذكرها, فكانت النتيجة المفاجئة لتوابع العصابتين "الأمنجية والإخوانجية" ولي أنا قبلهم باعتباري المجني عليه هي أن كل واحدة من عمليتي الاستهداف الطبي قد أفسدت الأخرى وأبطلت مفعولها, كحقيقة علمية مفادها أن وجود فيروس الإيدز مع طفيل الملاريا داخل نفس الجسد البشري في الوقت ذاته يؤدي إلى استمرار تصارعهما حتى يفنيان معاً فكلاهما يعتبر القاتل الحيوي الوحيد للآخر, الأمر الكفيل بالحفاظ على حياة الشخص المستهدف وسلامته كأنه لم يتعرض أصلاً لأية إصابة سواء بالإيدز أو بالملاريا, وهي حقيقة علمية لم تكن معروفة عند بداية استهدافي بل توصلت إليها منظمة أطباء بلا حدود العالمية التي اكتشفتها على الأراضي السودانية في حينه واكتفت بإعلانها لاحقاً على نطاق علمي ضيق, وهكذا شاهدني ملايين المصريين والسودانيين في أعقاب تلك العملية الطبية المزدوجة الفاشلة على كل شاشات التليفزيون الأرضية والفضائية, خلال تأديتي لأحد مقتضيات عملي المهني بهمة ملحوظة ونشاط ظاهر أثناء إشرافي على المركز الإعلامي الخاص بمباراة كرة القدم المقامة آنذاك بين فريقي مصر والسودان ضمن تصفيات كأس الأمم الأفريقية, بينما كان توابع الأجهزة السيادية يعلنون في صحفهم الصفراء خبر وفاتي متأثراً بالإيدز وتوابع الإخوان المسلمين يعلنون في صحفهم الصفراء خبر وفاتي متأثراً بالملاريا, دون أي تعليق من جانب المكتب الإقليمي لمنظمة أطباء بلا حدود العالمية الذي استمر في إرسال طواقمه بانتظام إلى منزلي لسحب عينات الدم وتحليلها أولاً بأول ثم طمأنتي على سلامتي بخلو تلك العينات من أية فيروسات أو طفيليات!!.
(12)
لضمان حصولهم على مساهمة هيئة التأمين الصحي في سداد فواتير العلاج خصماً من رصيدهم المالي لديها ولضمان احتساب فترة علاجهم كإجازة مرضية مدفوعة الأجر وليس انقطاعاً عن العمل يستوجب الخصم من الأجر, فإن موظفي الدولة يضطرون إلى التعامل مع مستشفيات وزارة الصحة عندما يتعرضون لمرض أو إصابة باستثناء الحالات الخاصة التي يرغبون في عدم إدراجها داخل ملفات خدمتهم الوظيفية لسبب أو آخر, مثلما حدث معي عند اكتشاف إصابتي بالتهاب بواسير حاد عقب عودتي إلى "القاهرة" بعد خمسة أعوام متتالية من ممارستي للعادات الغذائية السودانية المليئة بالشطة والبهارات الحارقة, فكان ذهابي شبه السري إلى أقرب عيادة خاصة لطبيب جراح اتضح لاحقاً أنه ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين بما يعنيه ذلك من حيازته لمعلومات تفصيلية عني أنا وغيري من سكان الحي, وقد قادني الطبيب الإخواني إلى أحد المستشفيات الخاصة بجماعته حيث أجرى لي جراحة يوم واحد لإصلاح البواسير الملتهبة دون إخطاري بما أعطاني إياه من عقاقير كيميائية قبل وأثناء وبعد الجراحة, إلا أن آلاماً مبرحة لمغص معوي متواصل داهمتني في اليوم التالي لعودتي إلى منزلي فما كان مني سوى الاتصال هاتفياً بجهة عملي لمنحي إجازة مع إبلاغهم حسب اللوائح بنيتي التوجه نحو المستشفى العمومي المجاور, وهناك طلب مني أطباء قسم استقبال الطوارئ الرحيل والعودة في الصباح الباكر لمناظرتي بمعرفة رئيس قسم الجراحة شخصياً, رغم إدراكهم لحقيقة حالتي الصحية المتمثلة في انفجار الزائدة الدودية نظراً لحقني بعقاقير خاطئة أثناء جراحة البواسير مع إدراكهم لحقيقة أن مثل هذه الحالة الطارئة لا تنتظر حتى حلول الصباح, وخلال مغادرتي انشق طبيب شاب أسمر اللون عن زملائه وهرول خلفي ليكشف لي الحقائق التي أخفوها عني وينصحني بالعودة فوراً إلى المستشفى التابع للجماعة موضحاً أنه يناوب فيه ليلاً من أجل تحسين دخله المالي, فلم يكن أمامي سوى تسليم نفسي إلى الطبيب الإخواني مرة أخرى لإصلاح ما سبق أن أتلفه داخل جسدي, وهكذا أخضعني مجدداً لجراحة جديدة استأصل فيها الزائدة الدودية ثم أغلق فتحة الجراحة بإحكام شديد دون ترك مخارج أو تركيب مضخات وعند سؤاله أفادني بأن جراحته نظيفة لدرجة عدم احتياجها إلى المخارج والمضخات, وهي كذبة قاتلة مقصودة لإخفاء جريمة طبية بشطارة أبناء الكار حيث ظل الجرح الداخلي ينزف دماً ملوثاً وصديداً كما هو متوقع سلفاً دون أية إمكانية لضخ هذه السموم وطردها خارج جسدي, مما أدى إلى انتشارها وتغلغلها واقترابها من القلب والأعضاء الحيوية الأخرى الأمر الذي أدخلني في غيبوبة تسمم دموي مؤدية نحو موت مؤكد, ولكن زائراً سرياً تسلل قبيل الفجر وانفرد بجسدي المسجى بلا حراك عقب إغلاقه الغرفة من الداخل ليحشر في فمي وسادة قطنية ويخرج مشرطاً طبياً كان يخفيه داخل ملابسه, طعنني نفس الطبيب الشاب الأسمر طعنة واحدة قوية وغائرة بمشرطه الحاد في فتحة الجراحة الخارجية المغلقة, فأطلق جسدي نافورة سوداء من الدم الملوث والصديد طالت سقف الغرفة وجدرانها متخلصاً بذلك من السموم القاتلة ليعاودني الوعي بطيئاً فأجد صاحب المشرط يُذَكِرُني بنفسه, مؤكداً أنه يحاول رد جميل سابق بمنحي إياه تأشيرة دخول مجانية وتذكرة سفر مخفضة إلى "القاهرة" عقب فشله في الحصول على عمل كطبيب بالسودان نظراً لنشاطه السياسي خلال دراسته الجامعية, مع استضافتي له داخل صالون مكتبي في "الخرطوم" إلى حين حلول موعد إقلاع طائرته حيث لم يكن بمقدوره مالياً العودة لمنزله الكائن في إحدى القرى النائية البعيدة, أخذ الطبيب يربت على كتفي وهو يطمئنني باللهجة العامية السودانية قائلاً "هاسي – دي - كفارة – يا ابن النيل" فوجدتُني أرد عليه شاكراً باللهجة العامية السودانية قائلاً "حبابك - هناي - كبشة – يا زول"!!.
(13)
كان إصراري على تأدية عملي المعلوماتي كمستشار إعلامي للسفارة المصرية في السودان بموضوعية مهنية وأمانة سياسية قد أزعج بعض الأجهزة المحلية والإقليمية والعالمية المتخصصة في مجال المعلومات, لإصرارها على تضليل الشعوب والحكومات والمؤسسات الدولية بشأن أخطار غير قائمة من أجل ضمان استمرار حصولها على تمويل ونفوذ غير مستحقان, فدبرت تلك الأجهزة معاً محاولة لاغتيالي عبر تهشيم سيارتي بواسطة عدة مركبات شبه عسكرية ذات دفع رباعي ثم "دحرجة" سيارتي بعد تهشيمها للسقوط في النيل الأزرق وأنا بداخلها, الأمر الذي لم يسفر عن التخلص مني ولكنه أدى إلى كسور مضاعفة في عمودي الفقري بسبب العنف المستخدم في عملية التهشيم ثم اصطدامي العنيف بالصخور عند قفزي خارج السيارة وهي تتدحرج للأسفل سقوطاً نحو النيل, وبمجرد عودتي إلى "القاهرة" عقب انتهاء عملي في السودان خلال النصف الثاني لتسعينيات القرن العشرين استدعاني أحد الأجهزة السيادية المصرية المتورطة في محاولة الاغتيال الفاشلة لمقره القريب من مطار"القاهرة", حيث طالبني قائد الجهاز بعدم البوح أو الإفصاح عما جرى لي أثناء محاولة اغتيالي لأي شخص حتى لو كان رئيس الجمهورية نفسه, مقابل وعده بإعادة إلحاقي على وجه السرعة كمستشار إعلامي للبعثة الدبلوماسية المصرية في "نيويورك" التي تضم أبرع أطباء العمود الفقري, كما تضم أيضاً القيادة الأمريكية العليا لمختلف الأجهزة السيادية في كافة دول العالم باستثناء روسيا والصين وكوبا وفيتنام وكوريا الشمالية, ومع مرور أعوام من مماطلة قائد الجهاز في تنفيذ وعده بإعادة الإلحاق العلاجي تفاقمت إصابتي إلى حد الإعاقة الحركية فكان قراري بدخول المستشفى العمومي المتخصص الأكبر في مصر عام 2002, لتتدخل الأجهزة فوراً بعرقلة إجراء الجراحة إلى حين نقل بعض توابعها المدربين المتخصصين في جراحات العمود الفقري للمستشفى حتى يشرفوا بأنفسهم على تنفيذ خطط استهدافي الطبي, ورغم أن مدير عام المستشفى الذي طالما زاملني داخل النادي الشهير قد وافق من حيث المبدأ على التجاوب مع تلك الأجهزة فيما يخصني تحاشياً لأذاها إلا أنه عاد وتحفظ إزاء ما وصفه لي لاحقاً بالتجاوزات الصارخة في مدى ونوعية خطط الاستهداف, فصدر قرار مشترك لوزيري الصحة والخارجية بانتدابه إلى وظيفة مستشار طبي في إحدى السفارات المصرية بالخارج مع النص على ضرورة إسراعه في التنفيذ لخلو الموقع الوظيفي بانتظار وصوله, ولكنه أرسل للوزيرين تهديداً ضمنياً ناعماً بكشف مستور الأجهزة السيادية لو أصابني مكروه داخل المستشفى أثناء إدارته لها ثم تلكأ عمداً في تنفيذ قرار الندب حتى عودتي إلى منزلي, الأمر الذي اضطر معه توابع الأجهزة من الأطباء إلى تنفيذ الخطة البديلة تجاهي, حيث قاموا بفتح وإغلاق منطقة أسفل الظهر وتركيب بعض الشرائح والمسامير الطبية عشوائياً دون العلاج الحقيقي لعمودي الفقري المكسور بما كان يقتضيه من إعادة تقويمه واستعداله قبل تثبيته, مع عبث كيميائي في الغدد الليمفاوية أصابني بخلل هرموني أدى إلى تضخم هائل لحجم المعدة مما زاد كثيراً من الضغط المؤلم على العمود الفقري المكسور, رغم أن أولئك التوابع كانوا قد نجحوا في استنطاقي معلوماتياً تحت جرعات تخدير مبرمجة خلال وجودي داخل غرفتي العمليات والعناية المركزة تباعاً, وهو الاستنطاق الذي كشف لهم ولرؤسائهم أن بحوزتي وفرة من المعلومات السرية النادرة التي تهم الأجهزة السيادية, وأن استخدامي لهذه المعلومات كان ومازال يتم في إطار الحرص على حماية حقوق ومصالح الوطن ودرء المخاطر عنه حتى لو كان الخطر صادراً عن تلك الأجهزة ذاتها!!.
(14)
في 30 يونيو 2012 تولى الإخوان المسلمون رسمياً حكم مصر بتسلم مرشحهم الاحتياطي "محمَّد مرسي" رئاسة الجمهورية عقب أسابيع من حصول نوابهم على الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة, وسارع الإخوان بمحاولة التمكين لأنفسهم على مظنة اعتلائهم للاتجاه الإسلامي بشقيه الآخرين السلفي والجهادي وشرعوا في مناوراتهم السياسية الغبية, والتي تمثلت إحداها آنذاك في النفاق الفج للأجهزة السيادية والاحتضان الدافئ لامتدادها المدني داخل الاتجاه القومي باعتبارهم من "المؤلفة قلوبهم" مع الإقصاء الخشن لشركائهم السابقين في انتفاضة يناير 2011 المنتمين إلى الاتجاهين الشيوعي والليبرالي باعتبارهم من "الكفار والضالين", وفي ظل تلك المناورة الغبية أطلقت وسائل إعلام الاتجاه الإسلامي بمكوناته الإخوانية والسلفية والجهادية هوجة من الفتاوى الفقهية الشاذة, استوقفتني إحداها في تلميحها بعدم جواز علاج "الكفار والضالين" من أمراضهم وإصاباتهم الجسدية لأن الأولوية هي لعلاج عقولهم "المنحرفة" فإذا استعصى ذلك يكون الأصلح للدعوة الإسلامية تركهم دون علاج حتى يموتون "بإذن الله", ولأنني أنتمي فكرياً إلى المنطقة الحدودية المشتركة بين الاتجاهين الشيوعي والليبرالي بما يعنيه ذلك من إدراجي ضمن جداول "الكفار والضالين" الذين كان حكام تلك الأيام يدعون لعدم علاجهم, فقد دفعني الخوف إلى إقامة الدعوى المقيدة تحت رقم 3556 للسنة القضائية رقم 67 في مجلس الدولة والخاصة بوقف وإزالة آثار الجرائم الطبية المرتكبة ضدي, ليتصل بي وزير الصحة الإخواني طالباً مني سحب الدعوى القضائية مقابل التزامه بعلاجي الفوري تحت إشرافه الشخصي وهو ما نصحني القانونيون بقبوله من خلال تعليق الدعوى فقط بحيث يمكن إعادتها لو أخل الوزير بوعده, وهكذا تقرر في نوفمبر 2012 البدء باستئصال جزء من معدتي المتضخمة الضاغطة على العمود الفقري كإجراء تحفظي مسبق وضروري تمهيداً لإصلاح كسور عمودي الفقري, وذلك داخل مستشفى عمومي متخصص يقع على أطراف العاصمة كان أطباء الاتجاه الإسلامي قد أحكموا سيطرتهم عليه بمجرد توليهم إدارة الدولة, وهناك قام فريق "الدكاترة الإخوانجية" بفتح جسدي من الرقبة لما بين الفخذين وتركه دون إغلاق بأي خياطة نهائية بعد أن كانوا قد شقوا معدتي إلى نصفين, ثم أوصلوني بعشرات الأجهزة والمضخات والخراطيم والأنابيب لمختلف أنواع الصادر والوارد من وإلى جسدي الممزق والممدد على فراش محاط بقضبان حديدية جرى تقييد أشلائي المكومة فيها بحجة منعي من الحركة الضارة, وخلال إحدى مرات الانقطاع الدوري التكراري للتيار الكهربائي العمومي تم إطفاء كل توصيلات الصادر والوارد المذكورة وفصل سلوك الهاتف الداخلي وزر الاستغاثة عن المولد الكهربائي الاحتياطي, مع إغلاق باب الغرفة من الخارج في الوقت ذاته بالمفتاح الموجود حصرياً لدى مدير عام المستشفى الملتحي الأمر الذي يؤدي إلى موت مؤكد خلال ساعات قليلة, لاسيما في ظل عجزي الكامل عن الحركة الجسدية وعدم وجود مرافق معي ومنع الزيارات عني وسحب هاتفي المحمول, بل وحظر متابعتي من قبل أفراد الطواقم التمريضية إلا في وجود المدير العام شخصياً استناداً إلى فتوى فقهية شاذة حول انكشاف عورتي لعدم ارتدائي ملابس داخلية, ولما كان دخولي المستشفى الإخواني في العهد الإخواني متزامناً مع إجراء انتخابات مجلس نقابة التجاريين المؤجلة منذ ثلاثة عقود, فقد اتفق ممثلو الاتجاهات الإسلامية والقومية والشيوعية والليبرالية بالنقابة على تزكيتي للاستمرار في نفس موقعي الذي أشغله منذ ثلاثين عاماً كممثل لخريجي أقسام العلوم السياسية بالمجلس, وشكلوا وفداً يضم الاتجاهات الأربعة لزيارتي بهدف استيفاء توقيعي على أوراق الترشيح للانتخابات, حيث فوجئ أعضاء الوفد النقابي بحالتي المتردية داخل المستشفى فصبوا جام غضبهم على زميلهم ممثل الاتجاه الإسلامي والذي تصادف كونه عضواً في مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة آنذاك, وهم يتوعدونه بوقف كافة أشكال التنسيق النقابي مع أعضاء جماعته بل والسعي لإسقاطهم في انتخابات مجلس النقابة الوشيكة, فانفعل القيادي الإخواني تحت الضغط المهني المكثف لزملائه النقابيين وقام باستدعاء مدير عام المستشفى الملتحي لتهديده بإقالته الفورية لو استمرت حالتي على ما هي عليه, وهكذا أسرع مدير عام المستشفى من جانبه بالتراجع عن خطة استهدافي الطبي التي بدأ تنفيذها فعلياً مع إخوانه ليحاولوا لملمة أشلائي قدر استطاعتهم, بعد أن كانوا قد حقنوني بعقار كيميائي خاص أسفر عن ارتفاع شديد في ضغط العين أوشك أن يصيبني لاحقاً بالعمى!!.
(15)
أدى انشطار معدتي إلى نصفين مع تضخمها لإتلاف جدارها الخارجي وتمزق الحجاب الحاجز فبرز جهازي الهضمي كله بشكل واضح إلى الأمام وتدلى في الوقت ذاته نحو الأسفل, الأمر الذي زاد من إعاقاتي الحركية ودفعني لإعادة إحياء الدعوى القضائية الخاصة بوقف الجرائم الطبية المرتكبة ضدي وإزالة آثارها, حيث تم تداولها أمام مجلس الدولة على مدى عدة جلسات مغطاة بصخب إعلامي كبير ابتداءً من يناير حتى ديسمبر 2013 عندما قرر القاضي حجز الدعوى إلى جلسة 3/5/2014 لإصدار الحكم فيها, مما أثار مخاوف الأجهزة السيادية التي كانت قد استعادت لتوها السيطرة على الدولة عقب انقلاب عسكري ناجح لوزير الدفاع "عبدالفتاح السيسي" الذي أطاح بحكم الإخوان المسلمين يوم 3/7/2013 مستفيداً من تنامي الغضب الشعبي تجاه الغباء الإخواني, فاستدعاني القائد الحالي لأحد تلك الأجهزة إلى مقره القريب من مطار "القاهرة" حتى يقوم بتنفيذ ما سبق أن وعدني به القائد السابق للجهاز ذاته قبل عدة أعوام, وسلمني قراراً جمهورياً يحمل رقم 644 بإعادة إلحاقي كمستشار إعلامي للبعثة الدبلوماسية المصرية في "نيويورك" التي تضم أبرع أطباء العمود الفقري, كما تضم أيضاً القيادة الأمريكية العليا لمختلف الأجهزة السيادية في كافة دول العالم باستثناء روسيا والصين وكوبا وفيتنام وكوريا الشمالية, كما سلمني قائد الجهاز أيضاً جواز سفري الدبلوماسي الجديد مؤشراً عليه بدخول الأراضي الأمريكية والإقامة فيها لمدة خمسة أعوام مع تذاكر السفر والعودة بالدرجة الممتازة, إلى جانب قرار صادر من خدمة التأمين الصحي الأمريكي بدخولي أحد أكبر مستشفيات "نيويورك" لعلاج عمودي الفقري وجهازي الهضمي معاً, وطالبني قائد الجهاز بمقابل فوري لكل تلك "الخدمات" يتمثل في تنازلي النهائي عن الدعوى القضائية الخاصة بعلاجي, بالإضافة إلى إعلان تأييدي السياسي الواضح للإطاحة العنيفة بالحكم الإخواني باعتبارها ثورة شعبية وليست انقلاباً عسكرياً شعبوياً فيما كانت وسائل الإعلام تنشره لي آنذاك بانتظام من مقالات وتعليقات, واستمع القائد بمكر شديد وهو صامت لمساوماتي القائمة على بديلين آخرين يحفظان كرامتي وهما تقديم محامي الدولة دون اعتراض مني ما يفيد شروع الدولة في علاجي لإقناع القاضي بوقف الدعوى تعليقياً استناداً إلى إمكانية تصحيح الخطأ من قبل المخطئ قبل صدور الحكم, مع التزامي بالامتناع عن نشر تحفظاتي السياسية سواء تجاه الطبيعة الغبية لمرحلة حكم الإخوان أو تجاه الطبيعة الغاشمة لمرحلة الحكم العسكري التالي عليهم كنوع من الوقف التعليقي المؤقت لتلك التحفظات تجاه الفريقين, اللذين يتفقان سوياً على كراهيتي أنا وأمثالي بنفس قدر كراهيتهما للمطالب الشعبية بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية, وترجم القائد رفضه العملي لحرصي على حقي وكرامتي معاً بجبروت نموذجي في اقتداره خلال أيام قليلة حيث تم إنزالي عن سلم الطائرة المتجهة إلى "نيويورك" ومنعي من مغادرة أرض المطار لأية دولة أخرى رغم وضوح صفتي الوظيفية السيادية, مع احتجازي داخل صالة كبار الزوار والمغادرين لحين تسليمي قرار جمهوري آخر يسحب إلحاقي ويلغيه دون ذكر الأسباب, وبدلاً من العودة لمنزلي نقلتني سيارة الإسعاف في يناير 2014 إلى المستشفى العمومي المتخصص المجاور لمطار "القاهرة" والواقع تحت سيطرة الأجهزة السيادية, بعد اضطراري لتكبد مخاطر العلاج في المستشفيات المصرية مجدداً تحت ضغط تدهور حالتي الصحية ومنع علاجي بالخارج, وكان الهدف الطبي المعلن لدخولي المستشفى هو تركيب شبكة صناعية تحل محل حجابي الحاجز الممزق وتحمي جدار معدتي التالف ومع ذلك فقد شرع فريق "الدكاترة الأمنجية" في تنفيذ هدف آخر فور دخولي غرفة العمليات, حيث حقنوني بعقاقير كيميائية أسفرت عن تضخم وانتفاخ هائلين أخذا يتصاعدان بسرعة صاروخية حتى انفجر بطني كله, لتتدلى أعضاء الجهاز الهضمي خارج جسدي وتتناثر في كافة الاتجاهات مع نزيف دموي متواصل وغيبوبة دماغية مطبقة متجهة نحو موت مؤكد وشيك, وأصدر قائد الجهاز السيادي تعليماته الشفهية لمرءوسيه بفتح مقبرة الهايكستب العسكرية استعداداً لدفني هناك سراً مع الجنود المجهولين عندما يحل الظلام, ولكن السياسي الروسي الذي كان قد سبق أن ترجم قبل ربع قرن زمني كتابي "الإخوان المسلمون على مذبح المناورة" والذي أصبح في بلاده مسئولاً كبيراً عن الأمن الخارجي لدرجة علمه بما يحدث تجاهي أولاً بأول, أرسل إلى قائد الجهاز برقية مشفرة تقول "كما حقنتموه بالداء عليكم أن تمنحوه الدواء ونعدكم بتكتم الأمر من جانبنا"، ونظراً للأهمية القصوى التي توليها الأجهزة السيادية المصرية حالياً للرضا الروسي فقد تراجعت مرة أخرى عن خطة استهدافي الطبي الأخيرة بعد قطع عدة أشواط في تنفيذها لصالح الخطة البديلة بإهدائي فيروس سي الكبدي الذي يوشك أن يقتلني الآن ليس فقط بدافع المرض، ولكن أيضاً تحت شعوري بالعجز أمام الإفلات الفاجر من العقاب المستحق لمرتكبي كل تلك الجرائم الطبية ضدي ومحرضيهم على مرأى ومسمع سلطات قضائية استمر تخاذلها حتى أزفت الآزفة التي ليس لها من دون الله كاشفة!!.
(16)
رغم أن قيام وزير الدفاع "عبدالفتاح السيسي" بانقلابه العسكري ضد حكم الإخوان المسلمين في 3/7/2013 كان بحجة تنامي الغضب الشعبي من الفشل الناجم عن غباء الإخوان، فقد استمر الفشل يلاحق نظام الحكم العسكري الانقلابي على كافة المحاور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لاسيما مع استيعابه لفاشلين آخرين داخل صفوفه بحجة عدم انتمائهم إلى الإخوان، فاستمر الغضب الشعبي تجاهه يتنامى حتى اضطرت بعض النخب الليبرالية والماركسية والقومية والدينية بشقيها الإسلامي والمسيحي إلى سحب تأييدها السابق له، فلجأ العسكريون الانقلابيون إلى خداع عوام الشعب عبر بعض الألاعيب الاحتيالية كان أبرزها ادعائهم الكاذب باختراع دواء جديد يعالج فيروس "سي" الكبدي الذي يصيب خمسة عشر مليون مصري أنا من ضمنهم، ومع استمرار الأحوال المتردية لأكباد المصريين المصابين بالفيروس ثبت كذب هذا الادعاء فانتقل العسكريون إلى أسلوب البلطجة العالمية هروباً من مأزقهم، حيث سرقوا الملكية الفكرية لدواء أمريكي – هندي جديد يعالج فيروس "سي" وأنتجوه في مصانعهم بمصر دون مراعاة قواعد القانون الدولي ثم شرعوا دون التأكد المسبق من نجاحه في تجربته على قوائم المصريين منتظري العلاج، والتي ضمت اسمي في كشفها الأول بالنظر إلى أن الفيروس كان قد أصابني أثناء علاجي داخل أحد المستشفيات العمومية، وحاول العسكريون تفويت فرصة علاجي عبر سرقة ملفي الطبي عدة مرات لكن الأطباء الشرفاء أصروا على الالتزام بقوائم منتظري العلاج حسب ترتيب كشوفها فأعادوا لي فرصتي العلاجية التي تكللت بالشفاء لتعيدني مجدداً إلى الحياة خلال النصف الثاني من عام 2016، لولا أن سيارة "ميكروباص" موجهة نحوي ومتربصة بي أطاحتني عالياً في الهواء ثم أسقطتني أرضاً على رأسي لأجد نفسي مصاباً بانفصال شبكي كلي حاد في عيني اليمنى مع انفصال شبكي جزئي في عيني اليسرى، وتحت حجج واهية تهربت المستشفيات من علاجي باستثناء مستشفى العيون التابع إلى أحد الأجهزة السيادية وقسم العيون في أحد مستشفيات التأمين الصحي فكان اختياري للأخير باعتباره أهون الشرين، ومع ذلك ارتكب فريق "الدكاترة الأمنجية" هناك عدة أخطاء جسيمة ترتب عليها فشل كافة العمليات الجراحية التي أخضعوني لها لأغادر المستشفى مع بدايات عام 2017 بضمور في العصب البصري وهو الاسم الطبي للعمى!!.
(17)
طوال عامين استمر إصرار جميع الوزارات والهيئات والأجهزة المعنية في الدولة المصرية على عدم التنفيذ الفعلي للحكم القضائي السابق صدوره لصالحي عن مجلس الدولة يوم 3/5/2014 في الدعوى رقم 3556/67ق، وهو الحكم الذي كان قد قضى بوجوب علاجي على نفقة الدولة من الإصابات السابق تعرضي لها خلال وبسبب عملي في خدمة الدولة، فكان لابد من عودتي مرة أخرى إلى مجلس الدولة لاستصدار حكم قضائي جديد بالاستمرار في تنفيذ الحكم القضائي السابق مع معاقبة جميع المسؤولين الرسميين الممتنعين عن تنفيذه حسب القانون، ولكنني فوجئتُ بسرقة ملف الدعوى كله من داخل مجلس الدولة مما دفعني لتقديم شكوى إلى الأمين العام الذي أصدر مجموعة قرارات إدارية أسفرت عملياً عن تغطية واقعة السرقة وليس مواجهتها، حيث تم حل الدائرة القضائية الخامسة عشرة قضاء إداري التي سبق أن نظرت قضيتي وحكمت فيها لصالحي وبالتالي تمت إحالة قضيتي كرقم دون ملف إلى دائرة قضائية جديدة مع نقل سكرتير الدائرة المحلولة مرتكب واقعة السرقة للأرشيف، فقام سكرتير الدائرة الجديدة بفبركة ملف جديد يشبه من حيث غلافه الخارجي ملف قضيتي المسروق لكنه يخلو تماماً من أية محتويات داخلية ودفع به لقضاة الدائرة الجديدة، على أمل أن يضطرهم خلو الملف من أية وثائق أو مستندات إلى إلغاء الحكم السابق صدوره لصالحي تحت مبرر غياب الأسانيد الثبوتية عنه مما دفعني إلى تقديم شكوى جديدة للتفتيش القضائي مع نشرها في بعض وسائل الإعلام، فحقق المفتشون وأثبتوا واقعة السرقة ثم أصدروا توصياتهم إلى الأمين العام بضرورة استرداد الملف المسروق على أي وجه يراه مع معاقبة السارقين إدارياً وجنائياً، وهي التوصيات التي اضطر الأمين العام لترجمتها عبر إعادة إصدارها في قراره القضائي رقم 2072 لسنة 2016 الأمر الذي أغضب الأجهزة السيادية منه فبدأت تضغط عليه، حيث طالبته تلك الأجهزة بإلغاء قراره القضائي وإجبار المفتشين القضائيين على سحب توصياتهم الأصلية حوله فرفض طلبهم لاستحالة تنفيذه، لاسيما مع اتساع نطاق توزيع القرار على كافة الأطراف المعنية ليصلني ويصل إلى أعضاء الدائرة القضائية الجديدة ومسؤولي الأرشيف والتفتيش القضائي ويتسرب لوسائل الإعلام التي نشرته على الملأ، وفي المقابل حاول الأمين العام الذي هو مستشار قضائي بدرجة وزير ممارسة بعض الضغوط المضادة على الأجهزة السيادية مطالباً إياها برد ملف قضيتي المسروق استناداً لاعترافات سكرتير الدائرة مرتكب الواقعة، ولم يكد يمر أسبوع واحد على تلك الضغوط المتبادلة بين الأجهزة والأمين العام حتى تم العثور عليه مقتولاً داخل أحد المقار التابعة لأحد الأجهزة السيادية بعد أن احتمى في إحدى المنشآت التابعة لجهاز سيادي آخر هرباً من تهديدات بعض قادة جهاز سيادي ثالث، رغم سابق إخطاري له عدة مرات خلال لقاءاتنا المتكررة بأن جميع تلك الأجهزة في شرورها هي على قلب رجل واحد كالبنيان المرصوص!!.
طارق المهدوي