حتى نفهم: ما دلالات توقف العمل بنفق السكة الحديد أسفل القناة؟

السيد شبل
2017 / 2 / 11

التصريح الأخير لكامل الوزير "رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة" بتوقف العمل في مشروع حفر أنفاق للسكة الحديد أسفل قناة السويس (بالإسماعيلية).. يعني شيء واحد وصريح وهو أن احتمالية ربط غرب القناة بشرقها، عبر خط سكة حديد (تتآكل)، وأن مسارات كانت من المحتمل أن تربط سيناء المصرية بوادي النيل، آخذة في التراجع.
(بالمناسبة، أنفاق السيارات والسكة الحديد، هي أفضل ما بمشروع قناة السويس، إجمالا.. وكل من تخاصم معها -كمبدأ- أو شن حملات ضدها، هو إما غير عارف بجدواها، أو من المصابين بداء "القبلية السياسية" وهو الداء الذي يدفع صاحبه للمكايدة دومًا، والمعارضة بلا تمييز).

لماذا تتآكل؟، وما القصة؟

مسألة خطوط السكة الحديد التي تربط وادي النيل بسيناء (ما بعد قناة السويس) قديمة، وفي الماضي كان هناك خط -لخدمة جيش الاحتلال الإنجليزي- يعبر سيناء، ويربط القاهرة بفلسطين ذاتها، ثم يواصل في سيره، ليلتحم بخطوط أخرى قديمة وحديثة.
لعبور قناة السويس، تم تأسيس كباري القطارات (في منطقة الفردان، بالإسماعيلة) على قناة السويس، تم إنشاء هذه الخطوط والكباري بأيادي عمال مصريين، وسالت فيها دماء بالسخرة، تحديدا بفترة الحرب "العالمية" الأولى، لتسهيل مهمات نقل الجيش والبضائع والمهمات (مصر ثم فلسطين -بعد الحرب- كانتا تحت سلطة الاحتلال)، وكانت الكباري يتم فتحها لعبور السفن ثم تعود فيتم إغلاقها.. كما الكباري على النيل حتى وقت قريب مع المراكب الشراعية. لكن الكوبري تم ضربه أكثر من مرة، أهمها مع الهجمة العدوانية الثلاثية في 1956، لكن الحكومة المصرية، بعد انسحاب القوات المعادية، أعادت إنشاءه، وكان فعال في الوصال مع شمال سيناء وحتى غزة ذاتها، لكن تم ضربه من جديد وبواسطة الطائرات الصهيونية في يونيو 67، وتم تفكيك خط السكة الحديدية نفسه (قضبانه، والمعدات، و..)، ويُقال انه استخدم في خط بارليف..

بالقفز للحاضر..

في نوفمبر 2001، تم إعادة تدشين كوبري الفردان، ككوبري حديث وعصري (وهو كوبري فوق سطح قناة السويس، عرضه 10 متر، في المنتصف خط سكة حديد، وعلى الجانبين تمر السيارات -مشابه لكوبري إمبابة-، والكوبري منقسم لجزئين، يتم تحريكهما لصنع زاوية قائمة نحو الداخل، فيحدث الاتصال، أو إبعادهما، فيتم تحرير ممر القناة لعبور السفن، طول الكوبري الإجمالي عند اتصال شقيه 4 كم. وعلى سطح الماء، فإن طوله من عرض سطح القناة البالغ أكثر من 300 متر).
كان هناك مخطط وقتها لتدشين خط سكة حديد بين الإسماعيلية ورفح المصرية (3 مراحل). وتم تدشين الجزء الأول، فقط، حتى بئر العبد (وهي أقرب مدن شمالي سيناء لمحافظات القناة)، بينما رفح (التي كان من المفترض أن ينتهي عندها الخط، وهو ما لم يتم) فهي أبعد مدن شمال سيناء، وكان -من المفترض- أن يبلغ طول الخط وصولا إليها أكثر من 200 كم.

المشروع تعطل، إذن، والجزء الذي تم تدشينه بقي محدودًا.

(هذا الخط لو كان قد تم من الإسماعيلية -غرب القناة- إلى رفح، لكان قد أحدث نقلة نوعية في تنمية شمال سيناء وتطويرها وتعميرها، وجذبها إلى حضن الوطن -بمثل هذا تتم محاربة التطرف، بالمناسبة-).

المشروع، كان في واقع الأمر، بذرة شديدة الجودة، لكنها لم تلق أي نوع من الرعاية أو التطوير، فالمحطات كانت بعيدة عن المساكن، والرحلات قليلة جدًا (في 2008 كانت رحلة واحدة تنطلق من غرب القناة إلى بئر العبد طوال اليوم، وغالبا بلا ركاب).. وتوقفه عند بئر العبد، وعدم استكمال باقي مراحله، جعله منزوع الأثر، معدوم الفائدة.
ومع شيوع الإهمال، والتكاسل عن تطوير خط السكة الحديد، وغياب التفاعل اليومي، صارت القضبان ذاتها عرضة للسرقة، والتخريب، وهناك أكثر من استحواب من نواب برلمانيين قبل 2011، بسبب التقاعس الأمني عن حماية هذا الخط.

العدو الإسرائيلي، بخطابه -الصريح- والرافض لتمنية سيناء، وبث الروح فيها، ليس بعيدًا عن توقف المشروع عند بئر العبد، ثم انتكاسته، وندرة العناية به (تم سرقة 70٪ من معدات خط سيناء: بحسب تصريح وزير النقل في 2013).

ما علاقة كل ما سبق بالوقت الحالي؟

العلاقة أن هذه البذرة شديدة الجودة (والمتمثلة في كوبري الفردان، والمرحلة الأولى من الخط)، والتي تم إهدارها، يتم اقتلاعها هي نفسها من التربة، ووأد أي محاولة لإحيائها، كيف؟، المجرى الملاحي الجديد (الذي تم حفره بطول 35 كم، وافتتاحه في أغسطس 2015)، صنع ازدواجًا في القناة بمنطقة الفردان (المنطقة، التي فيها كوبري عبور القطارات)، وعليه صار الكوبري معدوم القيمة، تمامًا، لأن القطار الذي سيعبر القناة الأصلية، لن يتمكن من عبور القناة الموازية.

كان الحل، الذي تم طرحه في وقت اقتراح حفر القناة الموازية (بالمناسبة تكلفتها نحو 30 مليار جنيه، وليس 60 كما هو شائع، لأن المبلغ مُقسّم إلى نصفين، نصف لحفر المجري الملاحي وتوسعة تفريعات أخرى، ونصف لحفر وتشييد الأنفاق)، نقول، كان الحل البديل، لعلاج المشكلة (المتمثلة في انتهاء فعالية كوبري الفردان)، هو تشييد نفق السكة الحديد، ليربط بين غرب القناة وشرقها، وها هو مشروع النفق، يتم شطبه تمامًا، والذريعة، ارتفاع التكلفة!.

هل تم اكتشاف ارتفاع التكاليف اليوم، فقط؟، وأين دراسات الجدوى؟، الأدهي أن هناك مبادرة من المسؤولين لنفي تأثير تحرير سعر الصرف، وانخفاض قيمة الجنيه، على المشروع، بدعوى أن التعاقدات على المعدات قد جرت قبيل صدور القرار، لو جارينا هذه التصريحات الحكومية (وهي غير منطقية، فلا شك أن انخفاض قيمة الجنية، رفعت كلفة المشروع)، فلماذا إذن -فجأة- تم اكتشاف ارتفاع تكلفة نفق السكة الحديد.. وطرح مسألة العودة لكوبري الفردان، مع نقله، إلى منطقة القنطرة (بذات المحافظة الإسماعيلية) جنوب كوبري السلام (حيث لا ازدواج في المجرى الملاحي).

ما الخيارات المستقبلية؟

ما يهمنا هو الدفع بأي مشروع يربط سيناء بوادي النيل، وانطلاقا من هذا، يتم تشجيع أنفاق السيارات المستمر العمل فيها إلى اليوم (وقد أنجز فيها 30%، ونرجو أن تكتمل!).

مصدر القلق يأتي، من أننا في هذه اللحظة، أمام نفق سكة حديد، قد تم التوقف عن العمل فيه، بمبررات غير مفهومة، وأقل ما تعكسه تراخيًا في دراسات الجدوى (إذ يقول، كامل الوزير: طول نفق السكك الحديدية المتوقع تنفيذه، يبلغ حوالى 8 كيلو، وسيتم تنفيذه بحوالى 8 مليارات جنيه، وبما أن هناك كوبرى سكك حديدية موجود، ففكرنا فى نقل كوبرى السكك الحديدية من الفردان ويتم تركيبه فى مكان فيه قناة واحدة لتوفير 8 مليارات جنيه، ولو تم تكلفته مليار مثلًا، وبذلك نكون وفرنا 7 مليارات، وتم عبور القطارات من الغرب للشرق والعكس).. هذا الكلام، ليس فيه مفاجأة، كوبري الفردان موجود منذ 2001، وكان هناك حديث عن إعادة أحياء مشروع خط (الإسماعيلية - رفح) بعد يناير، ومن المنطقي أن تكلفة نقل الكوبري، أوفر من حفر نفق جديد، فلماذا كان اقتراح حفر النفق، أصلا، ثم التراجع عنه (هذا مع لفت النظر إلى أن النفق -قطعًا- يسهّل عبور القطار لسيناء من أسفل القناة، بالمقارنة بالاعتمادية على كوبري، يتم فتحه وغلقه، ومرتبط -بشكل مباشر- بحركة السفن في القناة!).

الخطر، تحديدًا، في أن يكون الحديث عن نقل الكوبري هو محاولة لتسكين الرأي العام (خاصة أن مسألة وقف الحفر في النفق نهائية، لكن نقل الكوبري إلى القنطرة -حيث لا ازدواج ملاحي-، غير نهائية، وستتطلب وقت للدراسة و.. و..).

لا شك، أن ما جرى يمثل انتكاسة كبيرة، والآن، ما هو بين أيدينا، توقف عن العمل في نفق السكة الحديد، مما يعني، أن أي حديث عن محاولة ربط شبه الجزيرة السيناوية ببقية مصر، عبر قطار سكة حديد، قد صار في تآكل (بالنظر إلى أن كوبري الفردان، قد صار معطلا بعد القناة الجديدة)، ومسألة نقله لا تزال في سياق الدراسة والأخذ والرد، وسياق التعامل مع المشروع، كلية لا يترك مساحة كبيرة للتفاؤل.

مصادر:
goo.gl/4COKw3
goo.gl/BqfiYC
goo.gl/h74wF4
goo.gl/4chkLo
goo.gl/6IL6Bh
goo.gl/T7hZIb
goo.gl/06nR7Y