هدير مكاوى ، ورياح التغيير

عبدالجواد سيد
2017 / 2 / 10

هدير مكاوى ، ورياح التغيير
هدير مكاوى، فتاة مصرية بسيطة، أثارت خلال الشهر الماضى إنتباه الرأى العام، برغبتها فى الإحتفاظ بإبنها، غير الشرعى، ونسبته إلى أمه فقط ، فبدت وكأنها فجرت زلزالاً ، فى مجتمع محافظ ، لم يعرف بعد أن ذلك أمراً عادياً فى جميع دول العالم ، بإستثناء حزام الشرق الأوسط . لكن الواقع أن هدير قد فجرت أكثر من زلزال فى وقت واحد ، فبإستقلالها عن أهلها ، وبخلعها للحجاب ، وبإختيارها لشريكها ، بدون مهر ولاشبكة وإحتفالات ، وبتمسكها بطفلها الذى أنجبته منه رغم تخليه عنها ، تكون قد وضعت المجتمع المصرى ، أمام لحظة مواجهة عسيرة مع الذات، ففى التاريخ ، عندما تصل المجتمعات الإنسانية إلى درجة الأزمة، فإنها تلجأ إلى التغيير الراديكالى العنيف، لكن صعوبة التغيير تكمن فى أن الموروثات الثقافية والإجتماعية غالباً ماتستند إلى السلطة المقدسة للدين ، ومع ذلك فحين تشتد الأزمة ، تسقط كل الخطوط الحمراء أمام رغبة الإنسان فى أن يعيش. وبإتخاذ المجتمع المصرى نموذجاً ، يمكننا أن نرى بوضوح إلى أى حد من الخطورة قد وصلت هذه الأزمة ، ففى مجتمع مزدحم تجاوز تعداده التسعين مليون ، يعيش نحو الربع منهم فى العاصمة الصاخبة المزدحمة ، يعانى من أزمة إقتصادية حادة ، جعلت من الزواج حلماً مستحيلاً ، وبدت أعراضها جلية فى حوادث التحرش والعنف وحالات الإكتئاب المتزايدة ، فمن الطبيعى أن يدق جرس الإنذار، معلنا عن ساعة التغيير المنشود ، بتحرير ثقافة المدينة من سلطة المال والدين ، وجعل الحب ، كحق الماء والهواء ، حقاً للجميع.
قضية هدير فى الواقع ليست قضية المرأة المصرية وحدها، ولا قضية المجتمع المصرى وحده ، إنها قضية المجتمع الشرق أوسطى الكبير، بكل أبنيته الثقافية والإجتماعية المستندة إلى تحالف المال والدين، ذلك المجتمع التقليدى الذى مازال مصراً على مخالفة منطق العقل وحركة التاريخ ، المجتمع الذى قسم الأرزاق بين الأقوياء وجعل المرأة رزق من هذه الأرزاق ، يذبحها كالدجاجة دفاعاً عن الشرف المزعوم، ذلك المجمتع الذى يستند فى عاداته وتقاليده إلى الموروثات الدينية القديمة ، وليس الى الميراث الحضارى للإنسان، حيث العقل والمعرفة هما صناع العادات والتقاليد، وليس الدين ، كما هو الحال فى ذلك العالم الحديث الذى نحيا حوله الآن ، المجتمع الشرق أوسطى العجوز الذى لم يدرك بعد أن الحب والحرية فى حياة المدينة الصاخبة المزدحمة، أهم من الطعام ، وأن مشاركة الزواج إختيار، وليس صفقة بين عائلات ، وأنه لافرق أن يكتب الطفل بإسم أمه أو بإسم أبيه.
إن الأفكار الكبرى التى تنبثق فى ساعة التغيير لايكون لها قيمة بدون أناس مثل هدير مكاوى ، تتقدم الصفوف ، ببساطة ويقين ، لتحطيم المقدسات القديمة ، ووضع الجديد منها موضع التنفيذ ، تحطيم سجون وأسوار العادات والتقاليد ، وتحرير الإنسان من قيدها العنيف ، إن ماتفعله هدير اليوم ، ويبدو أمراً مستحيل ، سوف يصبح فى المستقبل القريب ، أمراً عادياً مألوفاً، فلاشئ يمكن أن يقف أمام سنة التطور والتغيير!!!