انفلاب 63 وسلام عادل: مازخية-سادية وفاشية!

طلال الربيعي
2017 / 2 / 9

تمر علينا هذه الايام ذكرى انقلاب 8 شباط 1963 الدموي في العراق. وبهذه المناسبة اعادت الحوار المتمدن نشر بعض المواد من السيرة الذاتية للراحل ثابت حبيب العاني, بعنوان "ردة 8 شباط الدموية في عام 1963" (1, 2).

والمسيرة تثير الكثير من الشجون والاحزان, قدر اثارتها للاسئلة والاستفسارات. الشجون والاحزان عادة امر شخصي, ولكن الاسئلة والاستفسارات قد تكون امرا يستدعي الحوار الجماعي, وخصوصا اذا كانت بخصوص حدث شامل وكارثي كحدث الانقلاب.

لذلك ستعني هذه المقالة باسئلة واستفسارات وتفسيرات, اكثر من عنايتها بالشجون, وان كانت الشجون والاسئلة والتفسيرات متداخلة مع بعضها البعض. ولكن ما العمل؟ العلم, على الاقل العلم الرسمي السائد في عموم الجامعات والمدارس, يستدعي منا ان نعالج الامور بدون عاطفة وان نتحلى بما يسمى بالموضوعية والحياد والتجرد, او, بعبارة اخرى, علينا ان نصبح بمثابة روبوتات عديمة الاحاسيس والمشاعر. لذا ساحاول جهدي ان اتجلبب بجلباب العلم واتكلم بلغة الروباتات. وارجو تقبل المعذرة مقدما اذا صدر مني ما يشي بانسانيتي. فقواعد العلم متشددة وصارمة؟ ونحن لا نريد ان نغضب العلم او اتباعه, او ان نخلق لنا عداوات معهم اذا كنا نستطيع تجنب ذلك ما امكن.

تثير سيرة الراحل ثابت حبيب العاني العديد من الاستفسارات. احدى هذه الاستفسارات هي فعلا من عجائب الامور وغرائبها, وتتعلق بالراحل جورج تلو مسؤول الخط العسكري للحزب الشيوعي العراقي في 1963. وحتى سكرتير الحزب السابق, عزيز محمد, يستغرب ويستعجب, فهو يقول:
"كان الحزب الشيوعي منتبها جدا (ارجو التركير على كلمة "جدا". ط.ا) الى مخاطر حدوث انقلاب على عبدالكريم قاسم، ولكن عندما وقع الانقلاب فعلا كان من المفروض (المفروض .ط.ا) ابلاغ القيادات العسكرية الشيوعية في الجيش بامر الانقلاب ولو حصل ذلك قبل ساعة او ساعتين (فقط لا غير. ط.ا!؟) لما وقع او نجح على الاكثر هذا الانقلاب، لان احتلالهم لوزارة الدفاع لم يستغرق من الانقلابيين وقتا طويلا، كان من الضروري ان يصل الخبر الى الرفيق جلال الاوقاتي قائد القوة الجوية، وعندما استفسرنا فيما بعد عن سبب هذا التلكؤ قالوا حدث عطلا ما في سيارة!، وهل يعقل أن حدثا خطيرا على هذا المستوى يعطله تاخير سيارة. وبدأ الانقلابيون فعلا صباحهم الانقلابي بتصفية قائد القوة الجوية جلال الاوقاتي." (3).

وحسب علمي فان المسؤول عن التبليغ وقتها هو جورج تلو الذي عطلت سيارته. ولا استطيع, مهما حلّق بي الخيال, ان افهم كيف ان مسؤولا للخط العسكري يُعلّق مستقبل حزبه ووطنه على عطل سيارته (بسبب البرد الشديد يومها)! الم يمكنه الاتصال برفاقه او معارفه لتوفير سيارة له؟ الم يمكنه ان يستقل تاكسيا؟ الم يمكنه ان يمتطي دراجة هوائية او نارية؟ الم يمكنه ان ينقل الخبر مشيا على الاقدام, ان لم يكن زحفا على الركب؟

ولكن كلام عزير محمد نفسه بدوره يثير اشد الاستغراب ويناقض نفسه. فهو يقول "كان الحزب الشيوعي متنبها جدا الى مخاطر حدوث انقلاب على عبدالكريم قاسم." ولا بد انه كان يقصد لا محالة ان الحزب كان متنبها الى مخاطر حدوث الانقلاب قبل وقوعه, وكما تشير اليه ايضا كتابات اخرى. اذن اليس من حقنا هنا ان نستفسر من عزيز محمد او من رفاقه ما هو المقصود بان الحزب الشيوعي كان متنبها جدا؟ ما هي علامات هذا الانتباه الشديد (المزعوم)؟ وكيف تجلى هذا الانتباه كتحضيرات او اجراءات عكسرية او مدنية مسبقة, اتخذها الحزب لللحيلولة دون وقوع الانقلاب او لمقاومته حال وقوعه والتصدي له واجهاضه؟ وكيف يتفق هذا الانتباه الشديد من قبل الحزب مع اخفاق جورج تلو بالتبليغ بسبب عطل سيارته بسبب البرد !؟ ان المعلومات المتوفرة تشير الى حدوث بعض المقاومة العسكرية من قبل الاهالي في مناطق من بغداد, ولكن سرعان ما انطفأت جذوتها حال عرض التلفزيون العراقي مشاهد تؤكد مقتل عبد الكريم قاسم ورفاقه. المشكلة ليست هنا. المشكلة, وهي واحدة من العديد, هي بخصوص سلام عادل, سكرتير الحزب الشيوعي وقتها. تقول الرواية الرسمية, وليس هنالك من رواية اخرى غيرها حسب علمي, ان الانقلابيين قبضوا على سلام عادل ورفاقه في القيادة (بعد وشاية من عضو المكتب السياسي وقتها هادي هاشم الاعظمي). فقاموا بتعذيبهم عذابا لم تشبه البشرية مثيلا له من قبل. ولكن الرواية لا تذكر حتى كلمة واحدة عن مقاومة سلام عادل للانفلايين اثناء قبضهم عليه! الم يكن هو منتبها هو الآخر بدوره كسكرتير للحزب, وانسجاما مع ما يزعم عزيز محمد ان الحزب كان منتبها جدا وله خطة طوارئ مسبقة؟ وهو نفس الانقلاب الذي علق عليه سلام عادل حال وقوعه قائلا "لقد بدأ الانقلاب في منتصف تموز 1959 وسهلت الكتلة مروره (يقصد الكتلة اليمينية في قيادة الحزب الشيوعي العراقي. ط.ا)" (ثمينة ناجي يوسف، ص337) (4). الم يمتلك سلام عادل قطعة من السلاح الناري او مسدسا بسيطا ليتصدى به للانقلابيين, وذلك دفاعا عن نفسه وعن الحزب؟ اليس الدفاع عن النفس بحد ذاتها, عند الضرورة, امرا مشروعا, بل ومطلوبا, في كل الشرائع السماوية او الدنيوية؟ الم ينبغي عليه التصدي للانقلابيين ومقاموتهم؟ كيف قبل سلام عادل ان يُقتاد من قبل الانقلابيين الى مسلخ بشري بدون مقاومة مسلحة؟ اذا لم يكن هو مهيئا للدفاع عن نفسه, فكيف اذن كان سيمكنه الدفاع عن حزبه ووطنه؟ لماذا لم يفعل ما فعله, مثلا, الرئيس الاشتراكي الشيلي سلفادور الليندي في مقاومته لفاشيي بينوشت في انقلاب مشابه لانقلاب العراق, مُدبر من قبل المخابرات المركزية الامريكية؟ لقد رفض الليندي القبض عليه من قبل الانقلابيين مفضلا القتال حتى النفس الاخير مما ادى الى مصرعه مضرجا بدمائه في القصر الجمهوري في سانتياغو (عبد الكريم قاسم لم يفعل هذا ايضا!). الم يعلم سلام عادل بماهية الانقلابيين وتعشطهم لسفك الدماء؟ هل اعتقد هو ان الانقلابيين سيخضعوه لمحاكمة عادلة (كما طلب قاسم من الانقلابيين), تراعي المواصفات الدولية؟ هل تصور سلام عادل ان الانقلابيين سيوفرون له محاميا للدفاع عنه؟ اذا لم يتصور سلام عادل هذا كله وعَلم عِلم اليقين ان الانقلابيين سيخضعونه للتعذيب ويجهزون عليه, كما فعلوا فعلا لاحقا, الم يكن الاولى به ان يقاوم ويستخدم السلاح كما فعل سلفادورالليندي, فيموت موتا مُشرفا, بدل ان يسمح, مُكرها, للانقلابيين باعتفاله وتعرضه على اياديهم لاهانات واذلالات نفسية, فضلا عن تعذيب جسدي كان سيسبب له عاهات مستديمة تعيقه عن العمل كناشط سياسي او كسكرتير للحزب, هذا طبعا اذا افترصنا ان الانقلابيين كانوا سيقومون باطلاق سراحه, وهو افتراض يبدو مستحيلا بمقاييس اليوم او بمقاييس فترة الانقلاب.

اذن السؤال الاهم هو: هل ان سلوكيات سلام عادل ورفاقه تتسم بالمازوخية؟ لقد كان لديه خيار المقاومة والموت اثناء المقاومة وليس الموت تحت التعذيب. لقد كان في استطاعته ان يختار طريقة موته, كما اختار طريقة حياته. ولكنه, كما يبدو, اختار عدم المقاومة وتعرضه بالتالي الى عذابات نفسية وجسدية, فضلا عن اهانات واذلال, معروفة نهاياتها. ولكن "طريقة" تحقق الموت المُحتم كان ممكنا ان تكون هي خيار سلام عادل وليس خيار الانقلابيين. لقد كان بامكان سلام ان يهتف موحد الاوصال وخارج قصر النهاية, وليس مقطع الاوصال داخل قصر النهاية, باسم الحق والوطن.

وما لم يفعله سلام عادل يكاد ان بنطبق على كل او اغلب الشيوعيين الآخرين ايضا الذين تم اعتقالهم من قبل الانقلايين واخضاعهم الى تعذيب نفسي وجسمي, او الذين تمت تصفيتهم عند, او بعد فترة قصيرة من, القبض عليهم مثل جلال الاوقاتي, الذي لا تذكر الروايات انه هو الآخر استخدم السلاح لمقاومة الانقلابيين اثناء اعتقالهم اياه, كما يُفترض بكل ثوري وعسكري اذا سنحت له الفرصة. فليس معقولا ان ضابطا رفيعا بمرتبة قائد القوة الجوية, كما في حالة جلال الاوقاتي, لم يكن يمتلك اي سلاح للدفاع عن نفسه ومقاومة معتقليه. لربما امتلك السلاح ولكنه لم يستخدمه, والنتيجة سيان. فهو وشيوعيون آخرون لم يقاوموا ولم يستخدموا سلاحم ضد معتقليهم. والمازوخية تأخذ بذلك ابعادا كارثية. وينبغي التذكير هنا إن تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي العسكرية ونفوذه في القوات المسلحة في عهد قاسم، وصلت إلى الذروة، وحسب المعطيات التي أوردها حنا بطاطو كانت كالتالي: «رتبة زعيم 3، رتبة عقيد 18، رتبة مقدم 27، رتبة رئيس أول 37، رتبة ملازم أول 52، رتبة ملازم ثان 64» (حنا بطاطو، الكتاب الثالث، ص210). هذا إضافة إلى قوة المقاومة الشعبية التي وصلت إلى 25 ألف شخص في عام 1959, اضافة الى عشرات الآلاف من الجنود وضباط الصف الذين تنحدر غالبيتهم من أصول عمالية كادحة. ولا بد هنا من التذكير ايضا بأن التظاهرة المليونية في بغداد في الاول من ايار عام 1959 خرجت في وقت كان فيه تعداد الشعب العراقي لا يتجاوز الـ 8 مليون نسمة (4). والتقديرات المتواضعة وقتها تشير إلى جماهيرية وقوة الحزب الشيوعي كالتالي: «وصل توزيع صحيفتهم المركزية "اتحاد الشعب" إلى 23 ألف نسخة يومياً، مع أنه لم تكن هناك في العراق صحيفة تبيع أكثر من ألفي نسخة يومياً قبل ذلك بسنة واحدة, وتضاعفت خلاياهم كذلك مرات عديدة. واستناداً إلى شيوعي مخضرم ورفيق لفهد، فإن الحزب ضم في ذروة الموجة 20 ألف عضو مسجل ومرشح. وهذا ما يتفق مع تقديرات البعثيين على العموم. وتنامت المنظمات المساعدة للحزب أو الجمعيات التي كانت تتحرك في مداره بإيقاع أسرع من ذلك. وكانت "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة" تضم في 8 آذار، وباعترافها 25 ألف عضو. واستناداً إلى إحدى قياداتها فقد وصل العدد إلى 40 ألف عضو في منتصف عام 1959. وفي منتصف حزيران ادعى "اتحاد الشباب الديمقراطي العراقي" الذي رخص له في 29 آذار، قوة تصل إلى 84 ألف عضو. وقيل إن "المؤتمر الوطني للجمعيات الفلاحية" الذي عقد في يوم 16 نيسان في بغداد كان يمثل حوالي 2000 جمعية تضم أعضاء مجموعهم 250 ألفاً. وأعلن "الاتحاد العام للنقابات" في 8 تموز أنه يتحدث باسم 51 منظمة نقابية تضم 275 ألف عامل وحرفي من الأنواع كافة. إن الذين عاشوا تلك الفترة ما زالوا يتذكرون بشيء من الرهبة البحر اللامتناهي من الرجال الذين كان باستطاعة الحزب أن يجمعه خلال لحظات» حنا بطاطو، الكتاب الثالث ص208، العراق "ثورة تموز في سنيها الأول" ص254، حديث مع سليم عبيد النعمان، شباط 1964، حديث أجري مع هاني الفكيكي، عضو القيادة البعثية عام 1963، حديث مع الدكتورة روز خدوري شباط 1964، تصريح زكي خيري عضو المكتب السياسي في 11 تموز 1959، اتحاد الطلاب العالمي) (4).

يقول السيد سليم عيسى في معرض تعليقه على الحلقة الاولى من سيرة ثابت حبيب العاني, قائلا (1):
"في كل عام وفي مثل هذه الايام نستذكر المجازر الرهيبة التي حدثت في ذلك الانقلاب المشؤوم والذي انهى الدولة المدنية ووضعها على طريق الانهيار . الحزب توقع الانقلاب وشخص الوحدات التي ستشارك فيه واصدر بيانه الشهير قبل اسبوعين من قيامه بل ووضع الخفارات على مقتربات المعسكرات لتحذير الحزب في حالة تحرك الانقلابيين. السؤال, ماهو رد الفعل الذي كان سيتخذه الحزب لو وصله خبر تحرك الانقلابيين؟ هل جرى تخزين وتوزيع الاسلحة ,المتوفرة في السوق السوداء, وتهيئة العناصر لمقاومة الانقلاب؟ وهل وضعت خطة للاستيلاء على بعض مشاجب الجيش والشرطة؟ بضع قاذفات بازوكا وبضع عشرات من البنادق والغدارات والمسدسات كانت كافية لسحق الانقلاب وفرض الامر الواقع على عبد الكريم. من المسؤول عن انهيار الحزب وكيف استطاعت شلة من الشباب المنحرف يقودهم مأبون ان يطيحوا باقوى حزب في العراق والمنطقة؟ مئات الضباط الشيوعيين والاف الاعضاء جلسوا في بيوتهم ينتظرون ان يقتلهم او يلقي القبض عليهم مجموعة مراهقين, انها لمأساة".

و عبد الغني الراوي، أحد اقطاب الرجعية ومن جلادي قصر النهاية في 1963, قال للمعتقلين الشيوعيين: "لم أتوقع أنتم الشيوعيون بهذا العدد، فلو تفلتم علينا كل واحد تفلة لأغرقتمونا وإنتهينا" (4). ويبدو ان الشيوعبين المعتقلين لم يتفلوا (يبصقوا), وفضلوا عدم استخدام حتى بصاقهم , فضلا عن عدم استخدام اسلحتهم, وذلك لربما اعتفادا منهم انهم في حاجة لاستخدام بصاقهم وسلاحهم لاحقا في يوم اسود, وكأن 8 شباط 63 لم يكن يوما اسودا او لاعتقادهم ان اغراق العدو ببصاقهم لم يكن من وسائل النضال الثوري المعهودة ولم تحتويها كلاسيكيات الثورة والمقاومة! وقد ذكرت, في تعليق سابق (2), ما مفاده انه يبدو ان (قيادات) الحزب الشيوعي العراقي قد ادمنت على ان تلعب دور الضحية وان تكون في موقع انكسار, وكأنها مصابة بملازمة ستوكهولم التي تحمل الضحية على التضامن مع من يضظهدها او يعذبها.

يعلّمنا المحلل النفسي الماركسي الشهير اريك فروم ان المازوخية هي وجه المرآة الآخر للسادية, وهي آليات للهروب من الحرية (5). فهل كانت مازوخية الشيوعيين هي الوجه الآخر لسادية الانقلاييين؟ ويؤكد فروم ايضا ان المازوخية-السادية تمهد الارض الخصبة لنشوء الفاشية. ونحن نعلم ان الفاشية في العراق تذهب وتجئ وكانها افعى تسلخ جلدها بين الحين والآخر. والحزب الشيوعي, بنفس المازوخية, تحالف مع البعثيين الساديين بعد سنوات قلائل من انفلاب 63, والنتبجة هي فاشية اخرى او فاشية العراق الثانية, والفاشية الثالثة هي الفاشية الحالية او ما يسمى العملية السياسية, صنيعة الاحتلال الامريكي.

وقد عقبت على تعليق السيد سليم عيسى حول الحلقة الاولى من السيرة بقولي (1): "ولكن حالي هو نفس حالك, حيث اني استغرب شديد الاستغراب, كما تقول, كيف ان شلة من الشباب المنحرف استطاعوا ان يطيحوا باقوى حزب في العراق والمنطقة؟ او كيف ان مئات الضباط الشيوعيين والاف الاعضاء جلسوا في بيوتهم ينتظرون ان يقتلهم او يلقي القبض عليهم مجموعة من المراهقين. فهل هي مازوخية وعشق للموت من اجل تزويد الحزب بوقود اضافي لترديد مقولته بكونه حزب الشهداء. والشهادة هنا هي موت مجاني لا غير, بل وحتى انها موت مخزي. ولكننا ايضا نستطيع ان نتسائل هل كان آلاف الاعضاء او مئات الصباط فعلا شيوعيين ام هم ركبوا الموجة فقط, كما في حالة شيوعيي الاتحاد السوفيتي عند انهياره, حيث لم نسمع باية مقاومة, حتى بحدها الادنى, من قبل اعضاء الحزب, وكانوا بالملايين, ضد قرار حظر الحزب الشيوعي او ضد قرار الغاء الاتحاد السوفيتي. وما اريد ان اخلص اليه هو ان عضوية الحزب الشيوعي لا تعني ابدا اعتناق الشيوعية او انها ترياق ضد الانتهازية والذيلية الخ. القضية هي قضية تنظيمية وفكرية في نفس الوقت. واني اعتقد ان الحركة الشيوعية في العراق, وحتى في مناطق اخرى, قد تضررت كل الضر وستستمر في التضرر الى ابد الدهر اذ ما لم تحضّر ترياقا مضادا, حتى لربما جزئيا, للوصولية والانتهازية والشعبوية في تنظيماتها, وهي كلها امراض خظرة لا تزال الحركة الشيوعية, الرسمية على الاقل في العراق, تعاني منها وتحيل الاحياء فيها الى اموات او اشبه. لذا اني لا استطيع ان اتفق كليا مع كلام الراحل جلال الاوقاتي -إن كريم سوف يدمرنا ويدمر نفسه- فهو يبدو للاسف وكأنه تبرير لاخطاء الحزب وتعليقها على شماعة الآخرين, وان كان هذا لا ينفي بطبيعة الحال ارتكاب قاسم هو الآخر الاخطاء القاتلة. فالحزب هو الذي يقتل نفسه, بدلالة, مثلا,انه تحالف مع نفس الفاشيين بعد القليل من السنوات. لماذا يقتل الحزب نفسه؟ لا ادري. ولا احد غيري يبدو انه يدري ايضا. وانعدام الجواب هو امر كارثي بحد ذاته ويضاف الى كارثة 63. اي ان هنالك كارثتان. الاولى تخص الماضي والثانية لا زاات حية تُرزق وتزداد ضراوة على الدوام وتنهش بجسد الحركة الحركة الشيوعية كالسرطان."

العديد من الشيوعيين, اما ركوبا للموجة او لقناعات خاصة, يعتقدون ان الامام الحسين بن علي قام بثورة ضد ظلم وطغيان الدولة الاموية وضحى بذلك بنفسه وبعائلته. لا ادري هنا ما المقصود بالثورة. فالثورة مصطلح يعني تغيير يُحل طبقة محل طبقة اخرى؟ وليس هنالك من دليل على ان الحسين واتباعه كانوا يهدفون التغيير الطبقي. والشيوعيون هؤلاء انفسهم اعتبروا انقلاب البعث في عام 1968 ثورة هي الاخرى. ولكن عدم ثورية الحسين لا تنفي باية حال شجاعته وجرأته او اقدامه على التضحية بالغالي والنفيس من اجل مبادئه وتفضيله الموت في ساحة القتال. الشيوعيون في 63 لم يقتدوا بالحسين ولم يستشهدوا في ساحات القتال.

بالطبع ان سلوك سلام عادل ورفاقة لا يدلل ابدا على اضطراب في الشخصية او انهم كانوا كافراد يعانون من مازوخية كوجه آخر للسادية. المازوخية-السادية لم تمكن اضطرابا نفسيا, بقدر كونها ثقافة اجتماعية تثّبط من روح المقاومة والبطولة الفعالة ومناقضة لثقافة المقاومة كما في حالة سلفادور الليندي والحسين بن علي, وتشجع ثقافة الشهادة (السلبية) وتقمص دور الضحية. انها احتلال لموقع العبد في ديالكتك هيغل العبد-السيد. انها ثقافة العبيد ولا علاقة لها بالشيوعية, بل انها نقيضها.

ان قوانين علم النفس تنطبق على كل الناس, الشيوعيين وغير الشيوعيين. وهي لن تغيّر من نفسها قيد شعرة لارضاء خاطر الشيوعيين او غيرهم. لذا على شيوعيي العملية السياسية في العراق ان يتخلوا عن مازوخيتهم كوجه آخر لسادية السلطة, ان كانوا هم فعلا معادين للديكتاتوريات وفاشيتها.
............
المصادر ذات الصلة
1. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=344573
2. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=399122
3. http://www.altaakhipress.com/viewart.php?art=86360
4. http://www.alyasaraliraqi.org/?p=1119
5. https://www.panarchy.org/fromm/escapefreedom.html