مشاهد شوهت الذاكرة في 8 شباط 63 الأسود

نبيل تومي
2017 / 2 / 9

مشهد 1
الساعة الخامسة والنصف صباحـا
صوت الرصاص وأزيز عجلات الموت في كل مكان أشباح سوداء تجوب شوارع بغداد ، الحياة تنكمش وتختبئ النفوس بين حشرجات الخوف من القادم المجهول ، عربة توقفت ليرتجل منهـا بعض من تلك الاشباح المدججين بالسلاح ،في نظراتهم رغبة جامحة للأنتقام والقتل ، مرت أمامي مسرعة مدرعة آخرى جعلتني أركض لأختبئ وراء جذع شجرة هناك في ملتقى شارعين بجانب أفران كروبي للصمون الأوتوماتيكي الفرن الكهربائي الأول في بغداد تقاطع شاحة الشواف ... نهرني صاحب الفرن بأن أسرع بالدخول لتجنب الأصابة ، قفزت كالأرنب إلى جانبه وأنا أرتعش ، سألته ما هذا سيدي قال أسكت يظهر أنه أنقلاب ... أبتعت منه بعض الباكيت الفرنسي ، خرجت ملتفا بخوفي مهرولاً بأتجاه البيت ، لم يسرني منظر خلو الشوارع إلا من بعض المدرعات والدبابات ذاهبة بأتجاه الأذاعة والتلفزيون ، كدت أنسى دراجتي الهوائية عدت لهـا ركبتهـا وأنطلقت ، بين الأزقة تفاديـا من رؤية الشياطين السود كانت طريقي لا بد أن تمر بمزل العم جلال الأوقاتي ، وتمنيت أن كانت لا تمر هناك ، لكن الجيب العسكري والملثمين لم يهتموا لوجودي فهم مشغولين في أطلاق الرصاص علية وهو يترنح أمامهم محاولا الصمود ويقف بشموخ ولكنهم أمطروه بالمزيد من ما تحتوية بنادقهم البورسعيدية القادمة من دولة الوحدة العربية الناصرية ، أفرغوا مخزنهم في ذلك الجسد المتهاوي نحو الأرض كان العم جلال الأوقاتي داخل بركة من الدم النازف يلفظ أنفاسه الاخيرة وهم يهمون بصعود عرباتهم لأستكمال البرنامج الذي وضع لهم . وصلت البيت مرتعبـا لا أقوى على الكلام أتجهت نحو أبي مسرعـا أحاول أن أكلمه ، ولكن أزيز الطائرة جعلني أهرب إلى غرفتي لحين قدوم أبي وهو يلعن المجرمين والقتلة الأنقلابيين ، رأيته هناك يرتدي ملابسه ثم يختفي .
مشهد 2
صبت أمي المزيد من النفط الأبيض في علبة سخان الماء ، وأمرتنـا بأن نجلب كل كتاب وكل ورقة نراهـا في المنزل ونفتش عنهـا جيدا ، لأنهـا ستسبب الفواجع للعائلة أن بقت ، أعلنت حالة الطوارئ في البيت أعطيت المهمة لنـا نحن الثلاثة أكبرنـا 12 عام ، نبحث عن كل شيى متكون من الورق ، تذهب أختي لتسئل أمي مـامـا الجرايد همينة ؟ تجيبهـا أمي نعم هي بالأول جيبوه كلهـا .... مـامـا شنو كله هية كلش هواية .... تصرخ أمي مرتبكة كلشي أسمة ورقة لازم يحترق
لم ينطفئ الموقد لعدة أيام والماء يغلي ليل نهار ، أرضية الحمام مشتعلة ، أرواحنـا متيقضة ، أمي مرتبكة لا رجال في البيت بعد اليوم ... مشغولة البال عن مصير أخوتهـا وأبي وبقية الرفاق ،تملئ الخزان بالماء البارد ثانية ، تبقي على الماء المغلي لينساب خارجا ، مرت أيام والمحرقة مستمرة أعدام الكتب والمجلات والجرائد والمنشورات ، أراقبهـا وهي تبكي مع كل كتاب تضعه في النار يدهـا ترتعش ، كانت أغلب الكتب تحمل رأس لينين ، وماركس وأنجلس ، كانت كراريس فهد الخالد ، وكتب كتب... كتب في كل مكان ، جرايد بالألاف مجلات بالعربي وبالأنكليزي تموع أمي تختلط بهـا تجف بحرارة النيران وثم تنساب ثانية حين تضع مؤلفات غوركي وتولستوي وأباذر الغفاري والحلاج حتى الروايات العالمية أحرقتهـا أمي خوفـاً من زوار الليل المرعبين ... كانت تتسابق مع الزمن عله تنجح قبل أقتحامهم للمنزل ، لم تكف من البكاء ودمدمات وكلمات لا تسمع منهـا أراقبهـا وأنـا الموجوع على دموع أمي وهي تزيد النار سعيرا رغمـا عنهـا ....
أمي حبيبتي لا تنقهرين راح نجيب غيره
مشهد 3
الساعة كانت الواحد بعد منتصف الليل ، دقات الباب لم تطول ، كسرت بأخماص بنادقهم وفتحوهـا على مصراعيهـا ، موجهين فوهات بنادقهم بوجه طفلين لم يتجاوزا 12 عام ، دخل القطيع وأنتشر كأنه في أرض المعركة ، حاول الكبير منعهمـا بالسؤال من أنتم وماذا تريدون ، عالجه أحدهم برفسة أنتقلت به بأتجاه الأرض ، ولكنه قام منتفضـاً متأفـئفـاً غاضبا ، وصرخ الصغير بهم قفوا لا تضربوا شقيقي ، مـاذا تريدون منـا ... لا يوجد أحد في البيت غيرنـا ... دخلوا الغرف الاربعة واحدة واحدة نتفوهـا وأحالوهـا خرابـاً ، خرجت عليهم كالملكة الشامخة سيدة المنزل أم الولدين نظرت نحوهم زاجرة أياهم أتقبلون أن يفعل أحدا في بيت أمكم هكذا .... أين هي غيرة العراقيين ؟ أم أنتم لستم عراقيون أن لم تكونوا فأخرجوا من منزلي ، فبيوت الناس لهـا حرمة ، أمـا أن كنتم عراقيين فأحترموا شرف العراقيات وأخجلوا من نفسكم ..... أمرتهم وهي ترتجف حنقـا ورعبـا :-
قفوا مكانكم أين هو قائدكم أنبهر الطفلان حين كانت أمهمـا تلقي بتلك الكلمات كأنهـا تصفعهم ، جذبت الولدين لحضنها وبقت كالجدار واقفة بشموخ تنتظر قائد مجموعة الكلاب السائبة ، تقدم وهو خارج من أحدى الغرف ، غزرته بنظرة ثاقبة هوه أنت القائد قالتهـا بسخرية ... طأطئ رأسه أيجابـاً .... ثم أستدار نحوا تلك المجموعة وأمرهم بالأنصراف .... قان البلاغ كاذب ، قالهـا وهو مـا زال مطأطئ الرأس كأي خائن .
المرأة كانت أمي والولدين كانا انـا وأخي والبيت مـا زال بيتنـا والزيارات تكررت كل أسبوع أو أقل لثمانية أشهر ....