تاريخ البابوية القبطية المبكر-ترجمة عبدالجواد سيد

عبدالجواد سيد
2017 / 2 / 5



تاريخ البابوية القبطية المبكر

الكنيسة القبطية وقيادتها فى أخريات العصور القديمة



ستيفن جى ديفيز


ترجمة : عبدالجواد سيد





















إهداء الترجمة

إلى : ستيفن جى ديفيز وجودت جبرا

































محتويات الكتاب :
-----------------
مقدمة الناشر :
مقدمة المؤلف :
مقدمة المترجم :
الفصل الأول : - القديس مرقس ونشأة الكنيسة المصرية –
- الروايات التاريخية الرسولية وأصول الكنيسة القبطية –
- من القديس مرقس إلى ديميتريوس –
- تاريخ القديس مرقس وتأسيس الكنيسة القبطية –
- خلفاء القديس مرقس المباشرون –
- السلالة الرسولية وتحديد الهوية الأرثوذكسية .
الفصل الثانى : - أساقفة ومعلمون وشهداء
- تشكيل السلطة الكنسية فى عصر من الإضطهاد-
( من ديميتريوس إلى بطرس الأول )-
- أسقف الإسكندرية ومدرسة الكاتدرائية السكندرية-
- كنيسة الشهداء – القيادة الكنسية فى عصر من الإضطهاد-
الفصل الثالث : - الخلاف اللاهوتى ومحاولة كسب تأييد الرهبان –
-البطريركية السكندرية من 312 إلى 451م –
( من أخيلاس إلى ديوسقورس الأول )
- الإسكندر وأثناسيوس والجدل الآريوسى فى مصر.
- ثيوفيلوس والحملة ضد الوثنية والمعركة على ميراث
أوريجن – كيرلس وديسقوروس والجدل حول طبيعة المسيح.
الفصل الرابع : - مناهضة بابوية الإسكندرية –
- الإستعمار الكنسى والكنيسة القبطية من سنة 451م حتى
ظهور الإسلام( من ديسقوروس الأول حتى بنيامين الأول)
-سياسات المقاومة والحلول الوسط – الصراعات الأولى مع
الكنيسة الإمبراطورية الخلقدونية - فترة من الإنشقاق
الداخلى والخارجى – منافسون إستعماريون جدد ونهاية الحكم
البيزنطى فى مصر .
ملحق1 : قائمة بآباء الكنيسة القبطية حتى ظهور الإسلام-نقلاً عن كتاب مصرالمسيحية مصر المسيحية-إدوارد هاردى.










مقدمة الناشر :

يمثل ألأقباط – أتباع الكنيسة المصرية الأرثوذكسية - أكبر أقلية مسيحية فى الشرق الأوسط الآن. وعلى مدى تاريخها الطويل إحتفلت الكنيسة القبطية فى مصر بسلالة وقيادة الأساقفة السكندريين الذين حملوا لقب البطريرك أو البابا. وقد إشتُقت كلمة البابا – أصلا – من الكلمة الإغريقية ( باباس) والتى تعنى الأب ، ومع ذلك ، ففى حوالى منتصف القرن الثالث الميلادى أصبحت كلمة البابا لقبا شرفيا رسميا للأسقف السكندرى قبل حوالى خمسين عاما على وجود أى دليل قوى على إستخدام الكلمة كلقب للأسقف الرومانى. فعلى مدى الألفى سنة الماضيين وعبر تعاقب الحكم الرومانى والبيزنطى والفارسى والعربى والعثمانى والفرنسى والإنجليزى وأخيرا الحكم المصرى ظل بابوات مصرٍ يمثلون رمزا لإستمرار الكنيسة الأرثوذكسية القبطية بحيث أثار هذا التمثيل العديد من الأسئلة الهامة عن الطريقة التى تكونت بها العقيدة والذات الثقافية القبطيين من خلال علاقتهما بقيادة الكنيسة. فكيف كان تاريخ بابوات مصر بمثابة الأثر القائم والعلم على الهوية المسيحية فى مصر ؟
لقد شهدت العقود الحالية إهتماما متزايدا بالموروث الثقافى القبطى والواقع أن النصف الثانى من القرن العشرين قد شهد تقدما متزايدا فى دراسة المسيحية المصرية وقد ساعد إكتشاف مكتبة نجع حمادى الغنوصية ( الغنوصية هى المذهب الفلسفى الروحانى الذى إنتشر فى مصر قبل دخول المسيحية إليها خلال القرنين الأولين الميلاديين/المترجم) بمخطوطاتها المكتوبة بالقبطية ، كثيرا من الباحثين على دراسة اللغة والأدب القبطيين كما زاد عرض الفن القبطى فى معارض المدن الكبرى مثل فيينا وباريس وميونيخ وجنيف وزيوريخ من إهتمام الرأى العام بالثقافة المادية لمصر القبطية. وبالإضافة إلى ذلك فقد تم إكتشاف وتوثيق كثيرا من المواد الأثرية فى مواقع هامة إرتبطت بالديرية والحج المصريين مثل أبو مينا وكيليا وأثريبيس ونكلون وأنطونيوس وإسنا كما أدى تطبيق وسائل الحفظ والترميم الحديثة فى عدد من الأديرة إلى إكتشافات جديدة لرسومات جدارية قبطية جميلة كان أحدثها الصور الجدارية المكتشفة فى دير القديس أنطونيوس على البحر االأحمر وفى ديرالسريان بوادى النطرون كما زاد تأسيس الجمعية الدولية للدراسات القبطية وظهور الموسوعة القبطية من المعرفة بالثقافة القبطية بين الباحثين المعنيين بهذا الموضوع .
ومع ذلك – وبشكل قد يبعث على الدهشة – فبرغم كل تلك العوامل الهامة فإن الدراسات المعنية بتاريخ الأقباط بشكل عام وبتاريخ البطريركية السكندرية بشكل خاص، قد ظلت محدودة نسبيا. إن أحدث معالجة تاريخية شاملة للقيادة الكنسية المصرية من القرون الأولى وحتى العصر الحديث هى دراسة جى إم نيل (بطريركية الإسكندرية) التى نشرت سنة 1847م ولكن منذ القرن والنصف اللذان مرا على عمل نيل هذا- والمكون من مجلدين - فقد تغير الكثير فى تطبيق وسائل البحث التاريخى كما ظهر إلى النور كثير من المصادر الجديدة القيمة.
إن المصدر التقليدى الأساسى لدراسة البابوية القبطية هو كتاب التاريخ العربى (تاريخ البطاركة لسايروس إبن المقفع) وهو عبارة عن تصنيف متسلسل متعاقب الأجيال من السير لكل بابا من بابوات الإسكندرية مع بعض المصادر والأحداث التاريخية. وحيث نُشر فى القرن الحادى عشرالميلادى فقد أضيف إليه على مر العصور وحتى القرن العشرين تنقيحات مستمرة بهدف جعله حديثا بشكل دائم. وبينما يُعتبر ذلك الكتاب مصدرا تاريخيا مفيدا للأجزاء الثلاثة فى هذه السلسلة – رغم ماينطوى عليه من صعوبات أحيانا - فإن الهدف هنا ليس هو أن نكرر محتواه أو نضاعف من حجمه لإننا إذا مافعلنا ذلك فسوف نضيع فرصة ذهبية لإنتاج قراءة نقدية جديدة لهذا التاريخ. لقد حان الوقت لإنتاج معالجة جديدة تعتمد على العديد من الرؤى الحديثة لعديد من فروع المعرفة بما فى ذلك علم اللاهوت والتاريخ الإجتماعى وعلم البرديات وعلم الاثار والفنون البصرية والدراسات الأدبية والنقد الأيدولوجى والثقافى.
ويُمثل تاريخ بابوات مصر - تاريخ الكنيسة القبطية وبطاركتها من القديس مرقس إلى البابا شنودة الثالث - مثل هذا الجهد . وتعتمد الأجزاء الثلاثة فى هذه السلسلة على خبرة باحثين كرسوا حياتهم العلمية لدراسة المسيحية المصرية وتعرفوا جيدا على الثقافة المادية والحياة المؤسسية للكنيسة القبطية من خلال سنوات من العمل والحياة فى مصر. وقد تم تأليف هذا الجزء الأول من هذه السلسلة وهو الخاص بتاريخ البابوية القبطية من بدايتها حتى ظهور الإسلام فى القرن السابع الميلادى بواسطة ستيفن ديفيز والذى يقوم حاليا بتدريس موضوع المسيحية فى أخريات العصور القديمة فى قسم الدراسات الدينية بجامعة يال أما الجزء الثانى من السلسلة والخاص بالفترة من ظهور الإسلام حتى الغزو العثمانى فسوف يقوم بتأليفه الأستاذ مارك سوانسون وهو خبير بالموروث الدينى المسيحى العربى ويدير برنامج للدراسات الإسلامية كما يقوم بتدريس موضوع تاريخ الكنيسة فى الفترة المبكرة وفى العصور الوسطى فى معهد لوثر فى مينوبوليس أما الجزء الثالث والخاص بالبابوية القبطية الحديثة منذ العصر العثمانى وحتى الوقت الحالى فسوف يتعاون فى تأليفه ثلاثة من الباحثين وهم الدكتور مجدى جرجس الأستاذ بجامعة القاهرة والمتخصص فى المصادر الوثائقية القبطية اثناء العصر العثمانى والأستاذ مايكل شيللى المدير السابق لدراسات التخرج فى معهد الدراسات اللاهوتية الإنجيلية بالقاهرة والمتخصص فى تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية والأستاذة نيللى فان دورن هاردر الأستاذ المساعد لموضوع الدراسات الدينية بجامعة فالباريسو والمتخصصة فى موضوع الدراسات الإسلامية والتاريخ الحديث للكنيسة القبطية. وتهدف الطبيعة الجماعية لتلك السلسة إلى الإعتماد على تخصص كل باحث فى فترة تاريخية معينة ولكنها تهدف أيضا إلى إطلاق حوار مفيد لجميع الأطراف المعنية بدراسة المسيحية المصرية. نأمل أن تكون هذه المجلدات الثلاثة – والمكتوبة بواسطة أكاديميين متخصصين ولكن فى أسلوب سهل أخاذ - مفيدة لقطاع كبير من القراء يشمل الباحثين والمدرسين والطلاب بالإضافة إلى الأشخاص العاديين المهتمين بالتعرف على تاريخ الجماعة القبطية فى مصر.
وأخيرا وكناشرين لهذه السلسة نود هنا أن نعبر عن شكرنا لمطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة وبصفة خاصة إلى السيد مارك لينز ونيل هيوسن لرؤيتهما وإيمانهما الثابت بهذا المشروع. إن نشر هذه السلسلة هو إلى حد كبير دليل على مقدرتهما وإيمانهما العميق بمهنتهما.

الناشران:

ستيفن جى ديفيز و جودت جبرا
6 نوفمبر 2003م













مقدمة المؤلف :

يمثل هذا الكتاب المجلد الأول فى سلسلسة من ثلاثة مجلدات عن بابوات مصر سوف تغطى موضوع تاريخ البابوية المصرية منذ بدايتها وحتى القيادة الحالية للبابا شنودة الثالث. وكما جاء فى مقدمة الناشر فإن مثل تلك الدراسة قد تأخرت كثيرا حيث أن أحدث معالجة شاملة للموضوع باللغة الإنجليزية هى دراسة جى إم نيل( بطريركية الإسكندرية) المنشورة قبل حوالى قرن ونصف من الزمان وبالتحديد فى سنة 1847م. أما فيما يخص الفترة موضوع هذا المجلد فنحن نواجه فجوة فى تاريخ المعرفة بالموضوع حيث قام إدوارد أر هاردى فى كتابه (مصر المسيحية – كنيسة وشعب – المسيحية والوطنية فى بطريركية الإسكندرية) المنشور سنة 1952م بتقديم رواية تفصيلية عن الكنيسة المصرية الأولى وآبائها مركزا بشكل خاص على الفترة مابين 325-641م . ومع ذلك فقد مر على دراسته تلك أكثر من خمسين سنة الآن وأصبحت بذلك قديمة فيما يخص وسائل البحث والمصادر المستخدمة. وقد إختار باحثون آخرون فى نفس المجال سواء تضييق مجال تركيزهم وحصره على قرن معين من التاريخ البطريركى أو الإضطلاع بالمهمة الأوسع برواية تاريخ المسيحية المصرية المبكرة دون التركيز بشكل أساسى على الدور القيادى للبابوات الأقباط.
وفى هذا الكتاب سوف أحاول ان أملأ تلك الفجوة وبالتحديد عن طريق تحليل عملية تطور البابوية المصرية منذ بدايتها وحتى ظهور الإسلام ، فكيف تطور مركز البابا فى مصر كمؤسسة دينية وإجتماعية خلال الستة قرون ونصف الأولى من الميلاد ؟ وكيف عكست التطورات فى بطريركية الإسكندرية تطورات أكبر فى الكنيسة المصرية ككل – فى أبنية سلطتها وخطوط إتصالاتها وفى هويتها الدينية والإجتماعية أيضا ؟
ومع ذلك فإن هدفى هنا ليس هو أن أخرج تأريخ نقدى لبعض الروايات التاريخية أو لبعض الأحداث والشخصيات ولكن – وبدلا من ذلك – فإن إهتمامى هنا هو أن أكتب مايمكن أن أسميه تاريخ إستطرادى للبابوية المصرية ، تاريخا يأخذ فى إعتباره كيف تشكلت البابوية المصرية إجتماعيا وخطابيا على مراحل وفترات مختلفة من تاريخها. وفى زماننا الحالى ، فقد توصل الباحثون فى موضوع تاريخ المسيحية فى أخريات العصور القديمة إلى تقدير أكبر للدور الذى تلعبه أساليب الكلام فى تشكيل إحساس الناس بذواتهم الدينية والإجتماعية ، فداخل الجماعات الإجتماعية يمكن لأساليب الكلام أن تعمل بطرق عديدة - فهى تفاوض علاقات القوة وأبنية السلطة وتصادق على القيم والممارسات المشتركة وتحدد حدود الجماعات الإجتماعية.
وهكذا فى حالة البطاركة السكندريون الأوائل فسوف اقوم بفحص المصادر ليس فقط لمعرفة ماذا فعل البطاركة كقادة ولكن أيضا لمعرفة كيف كانت أفعالهم وقيادتهم – وفى حالة كتاباتهم – تمثل أنفسهم ، فمثل تلك الإستراتيجيات التمثيلية تكون محملة بالقيم الثقافية فى العادة. وفى هذا السياق أيضا سوف نحاول إستكشاف كيف عكس التصوير الأدبى والفنى للبطاركةالإهتمامات الدينية والإجتماعية القائمة داخل الكنيسة القبطية ؟ ولكى نضع ذلك فى
إصطلاح أكثر ديناميكية ، يمكن أن نسأل كيف شكلت تلك الأساليب الخطابية – فى الواقع – فهم الكنيسة لنفسها ولقادتها وفى هذا الكتاب سوف أناقش فكرة أن الأساليب التى صور بها البطاركة أنفسهم والتى صوروا بها قيادتهم وصورتهم بها الأجيال التالية تحتوى على شئ هام يمكن أن يقال عن تكوين الذات المصرية المسيحية فى أخريات العصور القديمة.

ستيفن جى ديفيز




مقدمة المترجم :

شجعنى الفضول الذى أثارته ترجمتى لكتاب مصر المسيحية لإدوارد هاردى على الترجمة عن العصر المسيحى مرة أخرى. إن هذا الكتاب الذى أقوم بترجمته هنا هو محاولة لإلقاء مزيداً من الضوء على ذلك العصر الهام والغامض فى تاريخنا الوطنى الطويل. والكتاب هو الجزء الأول من سلسلة من ثلاثة أجزاء عن تاريخ آباء الكنيسة المصرية يغطى الجزء الأول منها فترة العصر الرومانى ، ويشمل تاريخ آباء الكنيسة المصرية منذ مؤسسها القديس مرقس وحتى غزوالعرب لمصر ويغطى الجزء الثانى فترة العصر الوسيط أو العصر الإسلامى أى منذ الغزوالعربى حتى الغزو العثمانى ويغطى الجزء الثالث فترة العصر الحديث أى منذ الغزوالعثمانى حتى الزمن الحالى.
وبالنسبة للجزء الأول الذى نقدم ترجمته هنا – وبرغم أن تركيزه الأساسى هو على دور القيادة البابوية فى تشكيل تاريخ الكنيسة المصرية فى ذلك العصر فالواقع أنه يلقى أيضا بكثير من الضوء على العصر كله ، بكل جوانبه السياسية والدينية والإجتماعية ويزيل عنه الغموض فى سهولة رغم طابعه الأكاديمى. فهنا يمكن لنا أن نرى كيف غلب المسيح والمسيحية على عقول وقلوب المصريين وغيرهم من شعوب الإمبراطورية الرومانية التى شملت كل إقليم البحر المتوسط فى العصور القديمة وكيف تحول ميلاده وحياته ومماته إلى مادة خصبة لجدل لاينتهى فى عصر غلب عليه الجدل وعلم الكلام وكيف حجب ذلك الجدل الدينى خلفه عناصر قومية وسياسية أعمق بحيث تفرق المسيح والمسيحية – فى نهاية الأمر - إلى فرق وطوائف لاحصر لها ، تعبر عن تلك العناصر، كان منها المونوفيزين المصريين والسوريين من أنصار مذهب الطبيعة الإلهية الواحدة للمسيح والخلقدونيين من الرومان والبيزنطيين الذين تبنوا مذهب الطبيعتين - الإلهية والبشرية - للمسيح وكيف تفرق المعسكر المونوفيزيتى نفسه – بعد ذلك - إلى فرق وطوائف عديدة ضربت بإنشقاقتها الوحدة الدينية والسياسية للجزء الشرقى من الإمبراطورية البيزنطية وكيف مثل ذلك عبأ على الدولة البيزنطية وعلى العقيدة المسيحية نفسها فى نهاية الأمر مما أعطى الفرصة لقيام دولة للعرب بعقيدتها الإسلامية الجديدة – كدولة ودين بديلين - وإنتزاع العرب السهل- نسبيا - لمنطقة شرق و جنوب البحر المتوسط من حوزة الإمبراطورية البيزنطية ، ومانتج عن ذلك من تغير ثقافى هائل فى العالم القديم ، وكيف تمسك الأقباط بهويتهم الدينية فى ظل ذلك التغير الكبير، من خلال الإلتفاف حول المركز البابوى وكنيسة الشهداء. إن الكتاب ، وفى النهاية ، هو رحلة شيقة ، فى حياة الناس، فى العصور القديمة.

عبدالجواد سيد
فبراير 2017











الفصل الأول

تاريخ القديس مرقس ونشأة الكنيسة القبطية

على مجسم عاجى يعود إلى بدايات القرن السابع الميلادى من الإسكندرية محفوظ الآن بمتحف اللوفر بباريس ، يظهر شكل القديس مرقس- أحد مؤلفى الأناجيل الأربعة - فى مقدمة المجسم جالسا على عرش يحيط به مجموعة من الأساقفة وقد تجمعوا حول بعضهم البعض تحت بوابة مدينة صغيرة وفى خلفية الشكل تبدو صور إنسانية صغيرة وهى تميل مطلة من نوافذ وشرفات مشهد مصغر لمدينة الإسكندرية القديمة وذلك كى تلقى نظرة على الجمع المقدس أسفل البوابة.
وينقل هذا المجسم السكندرى – والذى نُحت قبل الحكم العربى مباشرة فى الواقع – إحساس بصرى قوى بالذات المتنامية للكنيسة القبطية وبطريركيتها خلال ستة قرون ونصف من وجودها. وفى تاريخ الكنيسة المصرية فقد إعتبر هذا الشكل المبجل والمكبر للقديس مرقس بالنسبة لباقى الأشكال حوله وهو يجلس مبجلا على عرش أسقفى قابضا على إنجيله فى يده اليسرى بينما يرفع يده اليمنى مباركا على أنه المؤسس للكنيسة المصرية وأنه الأول فى خط طويل من الأساقفة يُعرفون أيضا بإسم بطاركة أو بابوات الإسكندرية و الذين خلفوه فى قيادة الكنيسة. وعلى ذلك فسوف يكون مناقشة تسجيل ومراجعة الروايات التاريخية المسيحية ألأولى للقديس مرقس كمؤسس للكنيسة فى الإسكندرية هو التركيز الأساسى لهذا الفصل.
قد تعنى أشكال الخمسة وثلاثين أسقفا الذين يلتفون فى شبه دائرة حول القديس مرقس فى مجسم اللوفر المذكور التدليل على أن هؤلاء هم الخلفاء المباشرون له كبطاركة أو بابوات للإسكندرية وقد ساعد عدد الأساقفة المصورين هنا الباحثين على تحديد تاريخ المجسم الذى يُحتمل أنه قد نُحت أثناء حكم الأسقف السادس والثلاثين للإسكندرية البابا أنسطاطيوس (607-619م) أو ربما فى مناسبة وفاته ورسم خليفته أندرونيكوس فى سنة 619م. وأنه من المهم أن نلاحظ أن فنان القرن السابع الميلادى الذى نحت ذلك المجسم العاجى قد صور خلفاء عرش القديس مرقس فى تقليد صامت له فهؤلاء الذين يقفون على يساره يحملون نسخا من إنجيله وهؤلاء الذين يقفون على يمينه يرفعون يدهم اليمنى عاكسين إيمائته الصامتة بمنح بركته المقدسة. وعبر تاريخ الكنيسة القبطية فقد فُهم أن سلطة البطاركة المصريين قد إشتقت من تقاليد القديس مرقس ومن سلالة مباشرة من الوراثة الرسولية. ويبدأ هذا الكتاب بالتنقيب عن الأيدولوجيات الكنسية الكامنة وراء هذا العمل الفنى ( المجسم العاجى ) من التاريخ المبكر للبابوية المصرية.
إن القصص عن تأسيس القديس مرقس لكنيسة فى الإسكندرية والكلام عن وراثة الولاية الكنسية والسلطة البابوية لايعكس فقط الإدراك الذاتى للكنيسة المصرية فى أخريات العصر القديم ولكنه أيضا قد ساعد على تكوين تلك الذات بطريقة محددة. فكيف ومتى تطورت تلك القصص والأحاديث وماذا تقول عن كيف كانت الكنيسة فى الإسكندرية وباقى أنحاء مصر ، ترى قيادتها.؟
وكما أشرنا فى المقدمة فإن هذا الكتاب ليس فقط عن بطاركة الإسكندرية أنفسهم ولكن - وبشكل أكثر تحديدا - عن العلاقة المتطورة بين البطاركة وكنيستهم ، فبماذا تخبرنا الروايات المحيطة بالبطاركة – التاريخية منها أو الخاصة أو الطقوسية – عن الذات المتطورة لقيادة الكنيسة المصرية وعلاقتها بمحيطها المحلى. وفى هذا السياق فإنه من المهم أن لانتجاهل الأشكال الصغيرة للناس التى تملأ خلفية مشهد المدينة فى مجسمنا العاجى المحفوظ باللوفر. والواقع أن مهمتنا فى هذا الفصل الأول وفى الفصول الباقية من الكتاب هو أن نضع أنفسنا كمؤرخين فى نسيج ذلك المشهد السكندرى كى يمكن لنا أن نتسلق إلى شرفاتهم ونطل معهم من أعلى محاولين أن نسمع همسات الجمع المحتشد أسفل تلك الشرفات. والواقع أن أحاديث الهمسات تلك والتى توجد فى الخطابات الخاصة والعامة وفى حياة الشهداء والقديسين وفى زخارف المخطوطات وأيضا فى الروايات التاريخية الرسمية للكنيسة سوف تخبرنا الكثير عن ظهور البابوية القبطية فى مصر فى أخريات العصر القديم وسوف تُخبرنا أكثر عن كيف تشكلت هوية الكنيسة القبطية من خلال علاقتها بقيادتها.

الروايات التاريخية عن القديس مرقس وتأسيس كنيسة فى مصر :

يُنظر إلى القديس مرقس من قبل الأقباط – تقليديا – على أنه المؤسس لكنيستهم وعلى أنه الأول فى سلسلة البطاركة السكندريين، فماذا نعرف عن القديس بطرس كشخصية تاريخية؟ وبماذا تشهد المصادر المسيحية المبكرة على تقليد ربطه بالكنيسة السكندرية المبكرة؟ وأخيرا بماذا يُخبرنا تطور ذلك التقليد عن الهوية القائمة للبطاركة السكندريين كخلفاء لمرقس ؟

البحث عن تاريخ القديس مرقس :

بينما تُعطينا كتابات العهد الجديد( الأناجيل القانونية الأربعة والكتابات الملحقة بها) بعض المعلومات عن القديس مرقس فإنها لاتربطه مباشرة بالبعثة التبشيرية المسيحية الأولى إلى الإسكندرية. والواقع أنه لايوجد اى ذكر للبعثة السكندرية فى العهد الجديد نفسه. لقد كان مرقس – والمعروف أيضا فى سفر الأعمال بإسم جون مرقس أو يوحنا مرقس - رفيقا للمبشرين بولس وبرناباس إذ يشار إليه على إنه إبن عم بارناباس الذى يبدو أنه كانت تجمعه به روابط عائلية قوية فعلا( سفر الكولوسيون من أسفار العهد الجديد الإصحاح 4 الآية 10). وفى نسخة الأحداث المسجلة فى سفر الأعمال يصاحب مرقس أولا بولس وبارناباس إلى سيليشيا وقبرص كمساعد (سفر الأعمال الإصحاح 13 الآية 5) ثم يسافر معهما إلى بامفيليا فى آسيا الصغرى( تركيا الحالية) حيث يتركهم هناك ويعود إلى القدس( الإصحاح 13 الآية 13) وتصبح مغادرة مرقس مصدرا للتوتر داخل الجماعة بعد ذلك. ويسجل مؤلف سفر الأعمال أنه عندما إقترح بولس على بارناباس القيام برحلة تبشيرية أخرى لزيارة الكنائس مرة أخرى أراد بارناباس إصطحاب مرقس معهم لكن بولس رفض بشدة إصطحاب الشخص الذى تركهم قبل ذلك فى بامفيليا ولم يصاحبهم فى أداء مهمتهم( سفر الأعمال الإصحاح 15 الآيات من 36 إلى 41 وبصفة خاصة الآية رقم 38). وكنتيجة لعدم إتفاقهما هذا فقد إفترق بولس وبارناباس وإصطحب بارناباس مرقس معه مرة أخرى إلى قبرص وسافر بولس عائدا إلى سوريا وسيليشيا ( سفر الأعمال – الإصحاح 15 الآيات 39-40).
ولاتمدنا رواية سفر الأعمال بأكثر من ذلك عن دور مرقس فى بعثات الكنيسة الأولى. ويرتبط مرقس أيضا بالحوارى بطرس فى العهد الجديد وفى مصادر مسيحية مبكرة أخرى. ففى التحية الختامية لسفر بطرس الأول( أحد أسفار العهد الجديد - الإصحاح 5 الآية 13) ينقل الكاتب تحيات إلى قرائه من مرقس. وقد ربطت الروايات التاريخية المسيحية الأولى المحيطة بكتابة إنجيل مرقس( أحد الأناجيل القانونية الأربعة) مرقس بشخص بطرس(أهم حوارى المسيح). ورغم أن إسم الكاتب لم يُذكرأبدا فى العمل نفسه فقد إعتمد مرقس كمؤلف للإنجيل الثانى فى حدود القرن الثانى الميلادى على الأقل. ويظهر تقليد التأليف هذا أولا فى كتابات بابياس أسقف مدينة هيروبوليس (120-130م) حيث يصف بابياس كيف أن مرقس والذى لم يكن شاهد عيان على حياة المسيح قد عمل كمفسر لبطرس فى كتابة الإنجيل. وتبعا لبابياس فقد كتب مرقس بدقة – ولو بغير نظام – ألأشياء التى قيلت وفعُلت من قبل السيد المسيح وأنه فى ذلك قد تبع بطرس الذى إعتاد أن يصنف تعاليمه تبعا لمقتضيات الإستخدام العملى وليس كترتيب منظم لأقوال السيد المسيح. وهنا قد يثور جدل إذا ماكان بابياس يمدنا بدليل يمكن التعويل عليه فيما يتعلق بالطريقة التى صُنف بها الإنجيل الثانى ، والواقع أن أحد الباحثين قد إقترح أن إهتمام بابياس الأساسى كان هو الدفاع عن مصداقية رواية مرقس ليس أكثر وذلك من خلال ربط دوره كمفسر وبأقرب مايمكن إلى بطرس كمصدر حوارى.
ومع ذلك فإن هذا التقليد عن دور مرقس كرفيق ومفسر لبطرس يظهر أيضا فى كتابات مسيحية من القرن الثانى الميلادى حيث إرتبطت كتابة مرقس للإنجيل برحلة بطرس التبشيرية إلى روما. ويصف إيرانيوس الليونى فى كتابه ( ضد الهرطقة - حوالى سنة 180-200م) كيف أنه بعد موت بطرس فى روما أن قام مرقس – تلميذ ومفسر بطرس - بنقل الأشياء التى كان يبشر بها بطرس فى روما. وقد إحتفظ كليمنت السكندرى( عاش بين حوالى160-215م) بتقليد مكتوب مختلف يُقال فيه أن مرقس قد كتب إنجيله فى روما عندما كان بطرس مازال حيا كسجل لتعاليم بطرس. والروايات المسجلة فى هذين المصدرين ربما إرتكزت على التقليد الأقدم الموجود عند بابياس وتُمثل التطورات اللاحقة له والتى تربط إنجيل مرقس بشكل أقرب بشهرة ومكانة كنيسة بطرس فى روما. وقد تبدو الإشارة الوارد ذكرها فى سفر بطرس الأول (الإصحاح 5 الآية 13) وكأنها تقوى ذلك الربط المبكر بين مرقس وبطرس وكنيسة روما. ففى هذا النص يُرسل الكاتب تحيات أخيرة إلى قرائه فى آسيا الصغرى ويقول لهم :

(هى التى فى بابل والتى إختيرت معكم ترسل لكم تحياتها وكذلك يفعل إبنى مرقس)

لقد كانت هذه الفقرة القصيرة بإشارتها الغامضة فى كلمة (هى التى فى بابل) محل جدل كبير بين الباحثين. لكن معظم الباحثين قد قبل أن مرقس المذكور هنا هو مرقس كاتب الإنجيل والذى يشار إليه فى هذه الآية كالإبن الروحى لبطرس وأن الضمير هى لايشير فى الواقع إلى أى شخص حقيقى ولكن إلى الكنيسة والتى هى إسم مؤنث فى الإغريقية. وعلى هذا فيجب قراءة النص على النحو التالى :

( إن الكنيسة التى فى بابل ترسل لكم تحياتها ).

ومع ذلك فإن التساؤلات عن تلك الإشارة إلى بابل تظل قائمة فهل يُشير ذلك إلى أن الكاتب سواء أكان بطرس أو أى من أتباعه اللاحقين كان يرسل هذا الخطاب من بابل فى العراق القديم؟ ولكن قد يكون ذلك محل شك كبير لإنه لايوجد أى روايات تاريخية مبكرة من هذه الفترة تربط بطرس أو مرقس ببابل أو بالعراق القديم. وقد حاول بعض الباحثين أن يجادل بأن هذه الإشارة فى سفر بطرس الأول تقدم لنا فى الواقع أول دليل على إرتباط مرقس بالكنيسة فى مصر ففى الزمن القديم كانت بابل أيضا إسما لأحد مدن الحصون الرومانية الواقعة على النيل إلى الجنوب من مدينة القاهرة الحالية ( المقصود بذلك حصن بابليون الشهير الذى أسقطه العرب سنة 641م). وعلى هذا و على ضوء الروايات التاريخية اللاحقة عن تأسيس مرقس لكنيسة الإسكندرية – والتى ناقشناها فيما سبق هنا - فإنه قد يكون من المقبول أن نقرأ ماجاء فى الإصحاح 5 والآية 13 من سفر أعمال بطرس الأول على أنه دليل متكامل على إرتباط مرقس بكنيسة الإسكندرية، ومع ذلك فإن هناك مشكلتان تجعلان من ذلك التفسير أمراً غير محتمل. والأول هو أنه وبرغم شهرة مرقس كمؤسس لكنيسة الإسكندرية فإن القصص التى رويت عنه فى الكنيسة المبكرة لاتذكر أى شئ عن رحلته إلى حصن بابليون أو أى أماكن اخرى فى مصر عدا الإسكندرية وثانيا فليس هناك دليل من المصادر المسيحية المبكرة على أن ذلك الموقع العسكرى كان قد اصبح مركزا مسيحيا فى القرون المسيحية الأولى وكما علق أحد الباحثين فإن معسكر حربى صغير على فرع النيل لايبدو أنه المكان الأكثر إحتمالا لتحديد مكان كتابة ذلك الخطاب الموجه إلى جموع من الناس فى آسيا الصغرى وثالثا وأخيرا فقد أظهرت الدراسات الأثرية الحديثة أن الحامية التى كانت تقع فى موقع مدينة بابليون فى القاهرة القديمة لم تكن قد بُنيت حتى العقد الأخير من القرن الثالث الميلادى خلال حكم الإمبراطور الرومانى دقلديانوس (284-305م).
وعلى ضوء هذه المشاكل فإنه من الحكمة أن نبحث عن الحل فى مكان آخر. وجميع الباحثين الآن يميل إل ترجمة كلمة بابل بمعنى مجازى على أنها إشارة إلى روما فمع نهاية القرن الأول الميلادى بدأ الكتاب الرؤويون اليهود والمسيحيون فى إستخدام كلمة بابل كإسم رمزى للمدينة الإمبراطورية روما. وقد جُسد هذا الإستخدام الرمزى فى الكنيسة الأولى من قبل الكاتب الرؤى فى الإصحاح 14 الآية 8 والإصحاح 16 الآية 19 والإصحاح17 الآية 5 والإصحاح 18 الآية 2 و 10 و 21 ) والذى يتخيل سقوط روما (بابل) كنتيجة لحكم إلهى. وفى التفسيرات اليهودية والمسيحية القديمة كانت بابل تُذكر دائما كمكان للمنفى وعلى ذلك وفى سياق ماجاء فى سفر بطرس الأول فربما يكون الكاتب قد ذكر بابل فى نهاية خطابه كى ينقل إلى قرائه إحساسه بالتضامن معهم كمنفيين فى الشتات.( قارن تحيته الإفتتاحية فى الإصحاح الأول - الآية الأولى). وفى كل الأحوال فإن كل من الإستخدام المعاصر لكلمة بابل على إنها إشارة رمزية إلى مدينة روما وسياق سفر بطرس الأول نفسه قد يبدو أنه يؤيد المكان الرومانى للخطاب – أى روما – وإرتباط مرقس بالحوارى بطرس فى ذلك المكان. ولذلك ولكى نقدم أقدم الدلائل على إرتباط مرقس بالكنيسة المصرية يجب أن نبحث فى مكان آخر.

أقدم المصادر والروايات التاريخية عن القديس مرقس كمؤسس للكنيسة القبطية

جاء أقدم دليل موثق عن دور القديس مرقس كمؤسس للكنيسة المصرية عند مؤرخ القرن الرابع الميلادى يوسيبيوس القيصرى( نسبة إلى قيصرية بفلسطين) ففى عمله الكبير تاريخ الكنيسة والذى إكتمل سنة 325م ذكر يوسيبيوس مايلى :

(الآن يقولون أن مرقس هذا هو الأول الذى رحل إلى مصر من أجل التبشير بالإنجيل الذى كتبه بنفسه وأنه الأول الذى أنشأ كنائس فى الإسكندرية نفسها).

تنطوى رواية يوسيبيوس تلك على كثير من الملاحظات التى يجب أخذها فى الإعتبار فأولا يربط يوسيبيوس التاريخ الخاص بتأسيس مرقس لكنيسة الإسكندرية بأقدم الروايات التاريخية عن كتابة مرقس لإنجيله فى روما ويحاول تأسيس تأريخ أساسى عن رسالة مرقس. وفى الفقرة التى سبقت روايته عن بعثة مرقس إلى الإسكندرية يروى يوسيبيوس كيف كتب مرقس إنجيله فى روما إستجابة لطلبات شخصية من الجماعة المسيحية فى تلك المدينة بأن يقوم بتسجيل تعاليم الحوارى بطرس. والواقع أن يوسيبيوس قد أخذ عن كليمنت السكندرى ثم أشار إلى كتابات بابياس الهيروبوليسى كى يؤيد الرواية التاريخية الشائعة بأن روما كانت هى المكان الذى كتب فيه مرقس إنجيله – وفى حالة الأخير – يلاحظ يوسيبيوس كيف فهم بابياس الإشارة إلى مرقس وإلى الكنيسة فى بابل فى سفر بطرس الأول على ضوء هذا الأصل الرومانى.
وبعد ذلك يدخل يوسيبيوس مباشرة فى روايته عن كيف بدأ مرقس أثناء وجوده فى مصر يبشر من الإنجيل الذى كتبه بنفسه . وهكذا فإن يوسيبيوس فى روايته يجمع بين روايتين تاريخيتين إقليميتين منفصلتين وينسجهما فى رواية واحدة مختصرة. وهنا نرى مثالا على كيف جُمعت الروايات التاريخية الرسولية وكيف فُحصت ورُوجعت من قبل الكنيسة الأولى.
ولقد كان هدف يوسيبيوس بتأسيس تاريخ رسولى واضحا أيضا فى عمله المعنون (التاريخ) والذى حدد فيه تاريخ وصول مرقس إلى الإسكندرية فى السنة الثالثة من حكم الإمبراطور الرومانى كلوديوس حوالى سنة 43م. وسوف يصبح تاريخ وصول مرقس إلى الإسكندرية مسألة محل نزاع فى تاريخ الكنيسة المصرية. فهناك مصادر مختلفة من الكنيسة الأولى ومن العصور الوسطى قدمت تواريخ تتراوح بين السنوات من 39 إلى 49 أو 50 م. وأخيرا حدد التاريخ الكنسى المصرى الرسمى ( تاريخ البطاركة) فى العصور الوسطى تاريخ وصول مرقس إلى مصر بالسنة الخامسة عشرة بعد صعود المسيح إلى السماء أى حوالى سنة 48م. وتعكس هذه التواريخ المختلفة مدى صعوبة المهمة التأريخية فى الكنيسة الأولى وفقط مع يوسيبيوس بدأ كتاب الكنيسة يحاولون تحديد تاريخ بعثة مرقس إلى الإسكندرية رغم النقص الشديد فى المعلومات المتاحة.
وثانيا فماذا نعرف فى الواقع عن المصادر التى إستقى منها يوسيبيوس معلوماته عن تلك الرواية التاريخية ؟ فنجد أنه بينما يحاول تأسيس تاريخ لعمل مرقس فى روما ومصر فإنه لم يحدد كيف عرف قصة تأسيس مرقس لكنيسة الإسكندرية. وبعكس أماكن أخرى فى تاريخه حيث يسجل كتاب آخرين على أنهم مصادر معلوماته – كما هى الحالة فى أخبار بعثة مرقس إلى روما - فإن يوسيبيوس لم يذكر بأى شكل واضح أى مصدر مكتوب إعتمد عليه فيما يخص نشاط مرقس فى الإسكندرية واللغة التى يستخدمها مثل الكلمات الإغريقية ( يقال ويقولون ) لربما تشير إلى أنه إعتمد على بعض الإشاعات أو شكل من اشكال الروايات التاريخية المنقولة شفويا أو ربما يشير ايضا إلى مصدر مكتوب ولكن غير محدد. وفى أى الأحوال وبالنظر إلى سياق الفقرة فإنه من المحتمل أن يوسيبيوس كان يشير إلى رواية تاريخية شائعة فى الكنيسة المصرية فى ذلك الوقت.
وثالثا وأخيرا.فإن يوسيبيوس يعطينا فى الواقع معلومات قليلة جدا عن بعثة مرقس إلى الإسكندرية. والواقع أننا نعرف فقط أن مرقس قد بشر بالإنجيل الذى كان قد سجله بنفسه وهى تفصيلة ربما إشتقت من محاولة يوسيبيوس ربط الرواية التاريخية الرومانية بالرواية السكندرية عن مرقس فى رواية تاريخية واحدة مشتركة وأكثر من ذلك فإن روايته تبدو كأنها مختصر مكرر عن تقرير تأسيس مرقس لكنائس وتعظيم النجاح الكبير لرسالته. وحتى فى إضافة الفقرة التالية ( إن مثل هذا الجمع العظيم من الذين جاءوا للإيمان فى ذلك المكان – رجالا ونساءا - قد جاءوا معا نتيجة لأولى مجهوداته) حيث إعتبر فيلو تسليتهم وتجمعهم وطعامهم وكل وجه آخر من أوجه حيانهم جديرا بالتسجيل كتابة فإن يوسيبيوس يضلل فى حدود معرفته لإنه قد حدد خطأ هنا الكنيسة السكندرية الأولى بجماعة من النساك اليهود الذين كتب عنهم الكاتب السكندرى فيلو فى القرن الأول الميلادى.
إن التاريخ المتأخر نسبيا لتسجيل يوسيبيوس لهذه الرواية التاريخية عن مرقس وقلة المعلومات التى يمدنا بها وقابلية الخطأ التاريخى فى تسجيل تلك الرواية قد أدت بكثير من الباحثين الغربيين إلى الشك فى تاريخية شهرة مرقس كأب للكنيسة المصرية. فبالنسبة لمثل هؤلاء الباحثين فإن قصة تأسيس مرقس لكنائس فى الإسكندرية يمكن أن تُفهم بسهولة أكبر كمحاولة متأخرة من قبل الكنيسة لغرس تاريخها فى حياة شخصية رسولية مبجلة. فهل كانت تلك الرواية التاريخية عن القديس مرقس هى ببساطة مجرد نتاج للوعى التاريخى لكنيسة الإسكندرية فى القرن الرابع الميلادى؟ وبينما يسود ذلك الرأى بين العديد من الباحثين الغربيين فقد أصبح الموقف فى النصف قرن ألأخير حتى أكثر تعقيدا وذلك بإكتشاف خطاب لم يكن معروفا من قبل لأحد كتاب القرن الثانى الميلادى هو كليمنت السكندرى يشير فيه إلى بعثة القديس مرقس إلى الإسكندرية. ومحتوى الخطاب مختلف عليه حيث يخبر الكاتب المرسل إليه – وهو رجل يدعى تيودور - عن إنجيل سرى كتبه القديس مرقس عندما كان فى الإسكندرية ويحتوى الخطاب على جزء من ذلك الإنجيل والذى يُحيى فيه المسيح شابا من بين الأموات ثم يستقبله فى طقس إهتداء غامض يستغرق ليلة كاملة. وهذه الرواية عن إنجيل سرى كتبه مرقس فى الإسكندرية مثيرة للإهتمام خاصة فى ضوء شهادة اللاهوتى جون كريسوستوم الذى عاش فى اخريات القرن الرابع الميلادى بأن القديس مرقس قد كتب إنجيله فى الإسكندرية.
ولسوء الحظ مع ذلك فإن أصالة ذلك الإكتشاف مازلت محل جدل شديد فبينما أيد بعض الباحثين الإدعاء بأن كليمنت كان الكاتب الأصلى للخطاب فإن مسألة تأليفه قد أثارت أيضا معارضة شديدة. والواقع أنه وعلى أساس من الدليل النصى المتاح فقد أثار بعض النقاد إمكانية أن يكون العمل مجرد تزوير حديث. ومع ذلك وإذا ماثبت أن هذا الخطاب حقيقيا فسوف يمدنا ذلك بأول دليل يؤرخ للرواية التاريخية التى تحدد رسالة مرقس فى الإسكندرية. ومثل يوسيبيوس فإن كاتب الخطاب يربط هذه الرواية التاريخية السكندرية بالرواية المحيطة بكتابة مرقس لإنجيله القانونى فى روما. وتقول بعض فقرات الخطاب :

( وبالنسبة لمرقس ، عندئذ ، وأثناء إقامة بطرس فى روما ، فقد كتب تقريرا عن أعمال السيد المسيح ومع ذلك فلم يعلن عنها كلها ولم يشر إلى السرية منها ولكنه إختار تلك التى يعتقد أنها ألأكثر فائدة لتقوية إيمان هؤلاء الذين كانوا يتلقون التعاليم ، ولكن عندما مات بطرس كشهيد رحل مرقس إلى الإسكندرية حاملا معه مذكراته ومذكرات بطرس والتى نقل منها إلى كتابه السابق الأشياء المناسبة للحصول على مزيد من المعرفة وعلى هذا فقد ألف إنجيل أكثر روحانية من أجل إستخدام هؤلاء الذين آمنوا ومع ذلك فإنه لم يكشف الأشياء التى لايمكن النطق بها كما أنه لم يسجل التعاليم التفسيرية للسيد المسيح ولكنه أضاف للروايات المكتوبة بعض الروايات الأخرى كما أنه – وكعالم بأسرار الدين – قد أضاف بعض الأقوال التى يعرف أن تفسيرها سوف يؤدى بالمستمعين إليها إلى أعمق مقام لهذه الحقيقة المختفية خلف سبعة أحجبة. وهكذا وبإختصار فقد رتب الأمور سلفا ، وبلا مضض وبلا إستهتار - فى رأيى - وعندما مات فقد ترك ماألفه للكنيسة فى الإسكندرية حيث حُفظت بأفضل شكل ممكن ولم يقرأها سوى هؤلاء الذين هُيأوا لإستقبال الأسرار العظيمة فقط ).

ومن الغريب أنه لايوجد ذكر فى هذا النص عن تأسيس مرقس لكنيسة فى مصر. والواقع أن كلمات الكاتب تتضمن معنى أنه قد كان هناك مسيحيون فى الإسكندرية بالفعل فقد كان التركيز فى الفقرة على دور( هؤلاء الذين آمنوا ) عندما وصل مرقس إلى الإسكندرية كناشر للإنجيل الذى كتبه فى روما ثم قيامه بكتابة إنجيل آخر أكثر روحانية أضاف إليه بعض تعاليم القديس بطرس السرية عن المسيح. لقد كان ذلك هو الإنجيل السرى الذى يُفترض أن مرقس قد تركه للكنيسة السكندرية عند وفاته. وحتى إذا كان حقيقيا فإن هذا الخطاب المنسوب إلى كليمنت السكندرى يعطينا القليل فقط من المعلومات الهامة عن رسالة مرقس فى مصر وبالإضافة إلى ذلك فإنه عند مقارنته برواية يوسيبيوس فإن النص يقدم شهادة متناقضة فيما يتعلق بنشاط القديس مرقس هناك ، فعلى سبيل المثال - وتبعا ليوسيبيوس - فقد أسس مرقس الكنيسة فى الإسكندرية بينما يبدو الخطاب المنسوب إلى كليمنت وكأنه يتضمن معنى وجود المسيحيين بها قبل وصول مرقس - وأكثر من ذلك - فإن الخطاب يسجل أن مرقس قد كتب إنجيلا سريا فى مصر بينما يذكر يوسيبيوس أنه فقط قد بشر بالإنجيل. إن هذه المتناقضات الواضحة والتساؤلات المثارة حول حقيقة الخطاب تترك مؤرخى الكنيسة المصرية بمزيد من التساؤلات فقط ؟ فهل كان القديس مرقس هو فعلا مؤسس الكنيسة المصرية ؟ فإذا ماكان ذلك حقيقيا فماذا فعل بالضبط عندما كان هناك ؟ ولسوء الحظ فإن أقدم المصادر التاريخية لاتسمح لنا بالإجابة على هذه الأسئلة بأى قدر من اليقين . وفى النهاية فربما يكون أفضل مايمكن لنا أن نفعله – بهذا الخصوص - هو أن نلتفت إلى ماقاله احد الباحثين الأقباط المحدثين – عندما واجه نفس تلك الصعوبات فى تقييم ذلك الدليل – عندما علق بأن تاريخية إرتباط القديس مرقس بكنيسة الإسكندرية ورغم أنه لايمكن إثباتها فلا يجب نفيها.

التطورات اللاحقة عن الروايات التاريخية المحيطة بعلاقة القديس مرقس بالكنيسة القبطية فى أخريات العصور القديمة وبدايات العصور الوسطى.

سرعان ماأدى نقص المعلومات فى أقدم المصادر المكتوبة عن نشاطات القديس مرقس فى الإسكندرية إلى ظهور روايات شفوية لمحاولة سد الفجوات التاريخية وهى الروايات التى حاولت الإجابة عن السؤال ماذا يمكن أن يكون القديس مرقس قد فعل؟ وأين يمكن أن يكون قد ذهب عندما كان فى الإسكندرية ؟ وفى النهاية كُتبت تلك الروايات وسُجلت من أجل الأجيال القادمة فى الكنيسة. كانت هذه العملية مستمرة خلال أخريات العصور القديمة وبدايات العصور الوسطى بينما إستمرت الكنيسة المصرية فى جمع روايات جديدة زادت من شهرة مرقس وضخمت من أسطورته. ويعتبر سفر أعمال مرقس مثالا على أحد المصادر التى جمعت مثل تلك الروايات الشفوية ورتبتها داخل رواية أكبر تصف تفاصيل بعثة مرقس وإستشهاده فى الإسكندرية. والواقع أن سفر الأعمال هذا يحتوى على خطين من الروايات التاريخية تداخلا فى رواية واحدة. ويعتنى الخط الأول من تلك الرواية بتأسيس مرقس لكنيسة فى الإسكندرية ولقائه بصانع احذية يدعى أنيانوس أو أنانياس والذى سيصبح خليفته كقائد لكنيسة الإسكندرية. أما الخط الثانى من الرواية فيعتنى بإستشهاد مرقس نفسه ويمدنا بشرح عن تأسيس كنيسته – كنيسة الشهيد – على أطراف مدينة الإسكندرية. وبينما نجد أن تاريخ تصنيف سفر أعمال مرقس لايمكن تحديده بشكل قاطع فإنه يمكن تحديد تاريخ هذه الروايات التاريخية بأخريات القرن الرابع وبدايات القرن الخامس الميلاديين.
يصف النصف الأول من سفر أعمال مرقس بالتفصيل ( من الإصحاح 1 إلى الإصحاح 15) كيف حضر مرقس إلى مصر وأسس الكنيسة هناك وتبعا لتلك الرواية فقد أُختير مرقس بالقرعة من بين الرسل ليبشر بالإنجيل فى مصر والمناطق المحيطة بها ( الإصحاح 1 الآية 1 ).
ذهب مرقس إلى سيرينا فى بينتابوليس أولا ( سيرينا هى مدينة برقة القديمة وبينتابوليس هى كل المنطقة الواقعة إلى الغرب من مصر) حيث بشر بالإنجيل وأتى بكثير من المعجزات من إشفاء المرضى وطرد الأرواح الشريرة وتعميد كثيرا من المهتدين (الإصحاح 2 الآية 1 ) . ومع ذلك وبينما كان هناك فقد إستقبل رؤيا بوجوب رحيله إلى الإسكندرية(الإصحاح 2 الآية 2) وفى اليوم التالى أبحر مرقس إلى الإسكندرية على ظهر سفينة ووصل إلى مكان فى المدينة يسمى مينديون (الإصحاح 3 الآية 1 ) وبينما كان يدخل إلى المدينة إنكسر رباط صندله وإضطر للبحث عن إسكافى لتصليحه ( الإصحاح 3 الآية من1 إلى 4 ) وبينما كان الإسكافى يحاول إصلاح الصندل ضرب يده فجأة وصرخ فى ألم (الله أحد - الإصحاح 3 الآية 5 ) إستولت تلك الصرخة على مرقس ورآها كعلامة على أنه قد جاء إلى المكان المناسب وبسرعة قام بإشفاء يد الإسكافى ( الإصحاح 3 الآية 8 ) وكتعبير عن شكره قام الإسكافى بدعوة مرقس إلى منزله لتناول الطعام (الإصحاح 3 الآية 9 – الإصحاح 4 الآية 2) وهناك سأله الإسكافى عن مصدر قدرته على الإشفاء فبدأ مرقس يبشره بالمسيح المخلص والذى دعاه ( إبن الله وإبن إبراهيم ) كما أخبره عن الأنبياء الذين بشروا به ( الإصحاح 4 الآيات من 3 إلى 7). وكنتيجة لذلك آمن الإسكافى الذى كان يدعى أنيانوس أو أنانياس بالمسيح وتحول إلى المسيحية مع كل أفراد عائلته وكثير من جيرانه ( الإصحاح 4 الآيات 10-11). وقد أغضبت أنباء ذلك التحول بعض الرجال الوثنيين فى المدينة فبدأوا فى التآمر على قتل مرقس (الإصحاح 5 الآية 1) وعندما سمع مرقس أن حياته كانت فى خطر خطط للعودة إلى بينتابوليس ولكن قبل أن يفعل ذلك قام بتعيين أنيانوس أسقفا مع ثلاثة كهنة هم ميليوس وسابينوس وسيردو وسبعة شمامسة وإحدى عشر شخصا آخرين من أجل الخدمة الدينية فى كنيسة الإسكندرية(الإصحاح 5 الآية 2(
أما النصف الثانى من السفر فهى تصف سلسلة الأحداث التى أدت إلى إستشهاد مرقس ( من الإصحاح 6 إلى الإصحاح 10). فبعد قضاء سنتين فى بينتابوليس (حيث شُغل هناك بتعيين الأساقفة ورجال الدين لتلك المنطقة ) رجع مرقس إلى الإسكندرية ووجد أن الجماعة المسيحية قد إزدادت بفضل الله ونعمته وأنهم قد بنوا لأنفسهم كنيسة فى مكان يسمى بوكولو بالقرب من البحر(الإصحاح 5 الآيات 3-4)
لكن تلك الحالة وأنباء عودة مرقس ظلت تثير غضب أهالى المدينة الوثنيين (الإصحاح 6 الآيات 1-2) وحدث ذلك اليوم أن تصادف عيد الإله سيرابيس مع إحتفال الكنيسة بعيد الفصح – عيد قيامة المسيح - (الإصحاح 7 الآية 1) . (الإله سيرابيس هوالإله الرسمى لمصر فى العصر البطلمى اليونانى السابق على العصر الرومانى المسيحى الذى تجرى فيه الأحداث الجارى ذكرها هنا)
ونتيجة للتحريض إقتحم جمع من الوثنيين الكنيسة وأمسك بمرقس أثناء أدائه شعائر الإحتفال وجروه فى شوارع الإسكندرية حتى تمزق لحمه على الأرض وإصطبغت الصخور بدمائه (الإصحاح 7 الآيات من 2 إلى 4 ). وعندما هبط المساء قام الجمع أخيرا بسحب مرقس إلى السجن – وكان مازال حيا يشكر ربه (الإصحاح 8 الآية 1 ) – وفى تلك الليلة وعندما كان مرقس يصلى حدث زلزال عظيم وظهر له ملك وخاطبه بتلك الكلمات ( إنظر يامرقس ياخادم الله وإمام القديسين فى مصر لقد أصبحت تُعد من بين الرسل المقدسين ولن تمحى ذكراك إلى الأبد – الإصحاح 8 الآية 3 ). ثم بعد إختفاء الملك ظهر المسيح نفسه لمرقس وخاطبه بوصف ( المبشر بإنجيلى – الإصحاح 8 الآية 6 ). وفى الصباح رجع الغوغاء الوثنيون مرة أخرى وجروا مرقس فى شوارع الإسكندرية حتى مات (الإصحاح 9 الآيات من 1 إلى 3). ومع ذلك وعندما حاول الجمع حرق جثة مرقس فوق محرقة – وبعد أن تنبأ المسيح بعملهم هذا – أرسل عليهم عاصفة قوية فرقتهم فى رعب( الإصحاح 9 الآيات من 4 إلى 6). وأخيرا جاء جماعة من المؤمنين وأخذوا جثة مرقس ورجعوا بها إلى الكنيسة وجهزوها للدفن وأسجوها فى مقبرة صخرية فى الضواحى الشرقية من المدينة ( الإصحاح 10 الآية 1).وتبعا لهذه الرواية فقد حدثت وفاة مرقس فى الثلاثين من شهر برمودا المصرى الموافق 25 إبريل وهو يوم الإحتفال التقليدى بعيد القديس مرقس فى الكنيسة القبطية ( الإصحاح 10 الآية 2).
لقد لخصت هنا سفر أعمال مرقس بالتفصيل وذلك من أجل إبداء بعض ملاحظات على الروايات التاريخية التى يحفظها. فأولا وقبل أى شئ فقد أصبح من المعروف أن سفر أعمال مرقس – وبرغم تاريخه المتأخر نسبيا- ربما يحتوى على عناصر هى فى الواقع تذكرة بأقدم سياق إجتماعى للمسيحية فى مصر. فإن صيحة التوحيد ( الله أحد ) وإسم أول مهتدى أنيانوس وإشارة مرقس إلى نبوءة العهد القديم فى تبشيره بالمسيح (العهد القديم هو كتاب اليهود المقدس والذى يسمى مجازاً بالتوراة ، ويشكل مع الأناجيل والكتابات الملحقة بها ، الكتاب المقدس المسيحى كما وضعه المسيحيون الأوائل) وأسماء الأماكن المذكورة فى السفر قد تسترجع كلها آثار الهوية الإجتماعية لأقدم كنيسة فى الإسكندرية والتى كانت عبارة عن جماعة مكونة إلى حد كبير من مهتدين من اليهودية الهيلينية.( الهيلينية صفة تاريخية وحضارية تطلق على الفترة الأخيرة من العصر اليونانى ).
وثانيا وربما هو الأكثر أهمية فإن الروايات التاريخية المحفوظة فى سفر أعمال مرقس تكشف للقارئ شيئا عن بداية ظهور إدراك الكنيسة المصرية لهويتها فى أخريات العصور القديمة (أى حوالى القرن الخامس الميلادى). ويعمل سفر أعمال مرقس نفسه كمفسر لوجود الكنيسة المصرية إذ أنه يمثل بالتحديد محاولة لشرح أصول البطريركية نفسها وهوية الكنيسة كجماعة أُسست على دماء الشهداء. وعن هوية الكنيسة المصرية – كنيسة الشهداء - سوف يكون موضوع الفصل التالى وهناك سوف أناقش رواية إستشهاد مرقس بتفصيل أكبر أما هنا فأنا أريد التركيز على لقاء مرقس بأنيانوس حتى نحاول أن نعرف بماذا تخبرنا تلك القصة عن طبيعة الإدراك المصرى لمركز البابا فى أخريات العصور القديمة؟
لقد عُرف أنانيوس فى ( تاريخ الكنيسة ) ليوسيبيوس فى القرن الرابع الميلادى بأنه الأول بعد مرقس الإنجيلى الذى إضطلع بمسئولية الخدمة الدينية فى أقاليم الإسكندرية. ومع ذلك فلا يقدم يوسيبيوس أى معلومات أخرى عن أنانيوس وعن كيف عُين خلفا لمرقس وعلى هذا فإن القصة الواردة فى سفر أعمال مرقس عن تعيين مرقس لأنيانوس كأسقف وتعيينه للثلاثة كهنة هو محاولة لإظهار وإعادة تأكيد الصلة المباشرة بين القديس مرقس وبين خلفائه كأساقفة للإسكندرية. وفى الواقع فإن أحد الكهنة الثلاثة المعينيين من قبل مرقس فى تلك القصة – وهو سيردو – يُعرف ايضا عند يوسيبيوس على أنه الخليفة الثالث لمرقس كأسقف للإسكندرية وبهذه الطريقة فإن لقاء مرقس بأنيانوس فى سفر أعمال مرقس قد خدم كأسطورة أساسية ساعدت الكنيسة المصرية فى أخريات العصر القديم على تبرير تاريخها وقيادتها الرسولية.
لقد كان لتلك الأسطورة الأساسية تاثير قوى على آداب وفنون الكنيسة المصرية فى بدايات العصور الوسطى. ويعتبر( تاريخ البطاركة ) المنسوب إلى سايروس إبن المقفع أحد النصوص التى تعكس هذا التأثير مباشرة. والعمل هو فى الواقع تجميع مختصر متعاقب الأجيال لتاريخ الكنيسة المصرية ويعتمد على العديد من المصادر القبطية المبكرة ولكنه نُقح وتُرجم إلى العربية فى القرن الحادى عشر الميلادى وهو يحتفظ بقصص لقاء مرقس بأنيانوس وبإستشهاد مرقس الواردة فى سفر الأعمال بشكل حرفى. ومع ذلك فهو حتى يُضخم من أسطورة مرقس أكثر بإضافة مواد أخرى من مصدر آخر غير محدد الإسم عن حياة مرقس كشاب قبل بعثته إلى مصر ويؤكد بصفة خاصة على إرتباط مرقس السابق بالحوارى بطرس وعلى قدرته على تحقيق المعجزات فى وجه المعارضة الوثنية. ومرة اخرى ففى هذا النص اللاحق فى سفر أعمال مرقس فإن إرتباط مرقس بالحوارى بطرس وقوته الروحية يُفهم على أنه مسألة أساسية لهوية الكنيسة المصرية التى أسسها.
وهناك مثال آخر عن تأثير تلك الأسطورة عن مرقس يوجد فى سلسلة من المجسمات العاجية التى تعود إلى القرن الثامن الميلادى والمحفوظة فى ميلان وهذه المجسمات - والتى ربما أُمر بصناعتها من مصر لكنها صُنعت بواسطة فنانيين سوريين محترفين - ترسم صورا عن لقاء مرقس بأنيانوس فى سفر الأعمال. ويبدو المجسم الأول من هذه السلسلة وكأنه يُمثل مشهد عن عمل مرقس التبشيرى فى الإسكندرية حيث يبدو مرقس فى المجسم وهو يمسك إنجيله بيده ويعظ جمع صغير يقف أمام واجهة معمارية بينما يبدو المشهد العام للمدينة فى خلفية المشهد. وفى المجسم الثانى من هذه المجموعة يقوم مرقس بإشفاء يد أنانيوس الذى يجلس على مقعد الإسكافى بينما تبدو مبانى مدينة الإسكندرية خلفه. وفى المجسم الثالث يقوم مرقس بتعميد أنيانوس وشخصيتين أخرتين غير معروفتين- رسما بشكل أصغر – ويبدو الجميع واقفين عند نهر وتبدو أسوار مدينة الإسكندرية خلفهم. ويُظهر المجسم الرابع مرقس واضعا يديه على أنيانوس أمام قنطرة صخرية ومعه أربعة شخصيات أخرى تراقب مشهد تعيين أنيانوس أسقفا. ويتبع المجسم الخامس نفس المجموعة ولكنه لم يُحفظ تماما و قد بقيت أجزاء منه فقط يبدو فيها مرقس وهو يتقدم إلى الأمام حاملا كتاب أسفل ذراعه وخلفه من اليسار يبدو جزءا من رأس رجل ومن اليمين يبدو أحد الأبواب. ومع الأسف فلا توجد تفاصيل كافية لتحديد دقيق لطبيعة ذلك المشهد.
وتذكرنا الطبيعة المهشمة لهذا المشهد الخامس بحقيقة أن مجموعة الخمسة مجسمات العاجية تلك ربما تعود أصلا إلى مجموعة أكبر كانت تتضمن مشاهد أخرى عن حياة مرقس وإستشهاده. ويدل حجم وشكل المجسمات على أنها ربما كانت قد وضعت اصلا فى حشوات باب خشبى من أبواب أحد الكنائس. وهناك مثال مماثل فى مجسم باب محفور من الخشب يعود إلى القرن السادس بقى من كنيسة القديسة باربارا فى القاهرة القديمة. أما بالنسبة لمجسمات ميلان المذكورة وحيث أنها قد وضعت داخل حشوات باب يؤدى إلى داخل أحد الكنائس المصرية القديمة فإن تلك المجسمات التى تصور عمل مرقس التبشيرى فى الإسكندرية وتعيينه لأنيانوس كانت تتضمن وظيفة إجتماعية هامة. فلم يكن هدفها أن تذكر المسيحيين بقصص أصول كنيستهم فقط ولكن أيضا بالهوية المستمرة للكنيسة وقادتها كخلفاء للقديس مرقس.



خلفاء القديس مرقس المباشرون :

خلال الجزء الأول من هذا الفصل تتبعت تطور بعض أهم الروايات التاريخية المحيطة بالقديس مرقس فى الكنيسة المصرية فى العصر القديم وبدايات العصور الوسطى. والآن أريد أن أعود مرة أخرى إلى القرنين الأولين وإلى خلفاء القديس مرقس المباشرين فى أسقفية الإسكندرية. وكما ذكرت من قبل لايوجد مصدر أقدم من كليمنت السكندرى – عاش فى أخريات القرن الثانى وبدايات القرن الثالث الميلاديين - قد ذكر حتى إرتباط مرقس بالكنيسة المصرية وعلى ذلك فقد ظل تصديق شهادة كليمنت محل خلاف. وفى حالة خلفاء مرقس فمصادرنا هى أكثر تأخراً وأقل إقترابا فلا يُعرف شيئا عن أنيانوس قبل رواية يوسيبيوس فى القرن الرابع الميلادى وهناك يسجل يوسيبيوس فقط إسم أنيانوس كأول خلف لمرقس ولايمدنا بأى معلومات أخرى. فإذا ماكان يوسيبيوس قد عرف شيئا عن قصة لقاء مرقس بأنيانوس كما وردت فى سفر أعمال مرقس فمن الغريب أنه لم يذكر عنها شيئا فى كتابه ( التاريخ ) . ولسوء الحظ فإن تلك هى نفس الحال بالنسبة لكل من خلفاء مرقس العشرة على أسقفية الإسكندرية حيث يسجلهم يوسيبيوس بالترتيب وببساطة دون أن يذكر أية تعليقات هامة عن حياتهم وأعمالهم. ولاتظهر تعليقات يوسيبيوس – فى حالة مقارنتها ببعضها البعض – أى فرق أو إختلاف فقط مجرد تكرار لتسلسلهم فى رئاسة الكنيسة وقد جاء ذكرهم فى كتابه كالاتى :

1. (الفصل 2 – الفقرة24) عندما كان الإمبراطور الرومانى نيرون يحتفل بالسنة الثامنة من حكمه إستلم أنيانوس – بصفته الأول بعد مرقس الإنجيلى – مسئولية خدمة مناطق الإسكندرية.

2. ( الفصل 3 – الفقرة 4 ) فى السنة الرابعة من حكم الإمبراطور الرومانى دميتيان مات أنيانوس – أول أسقف للإسكندرية – بعد أن خدم لفترة إثنين وعشرين سنة وخلفه الأسقف الثانى أبيليوس .

3. (الفصل 3 – الفقرة 21 ) خلف تراجان نيرفا الذى لم يحكم لأكثر من سنة وأثناء السنة الأولى من حكم هذا الإمبراطور الرومانى تراجان خلف الأسقف سيردو الأسقف أبيليوس - الذى ترأس على مناطق الإسكندرية لثلاثة عشر سنة - وترأس سيردو كالأسقف الثالث على هذه المناطق بعده.

4. ( الفصل 4 – الفقرة 1 ) وحوالى السنة الثانية عشرة من حكم تراجان توفى أسقف مناطق الإسكندرية المذكور سابقا وأختير بريموس ليخدم هناك كالرابع من الرسل .

5. ( الفصل 4 – الفقرة 4 ) وحوالى نفس الوقت وفى السنة الثالثة من حكم الإمبراطور الرومانى هادريان خلف جيستوس بريموس الذى توفى فى السنة الثانية عشرة من رئاسته.
6
. ( الفصل 4 – الفقرة 5) وبعد أن مرت سنة وبضعة اشهر إضطلع إيمينيس برئاسة المناطق التابعة للإسكندرية فى الإنتخاب السادس بعد أن ظل سلفه فى منصبه لفترةأحد عشر سنة.

7. ( الفصل 4 – الفقرة 11 ) ثم أُُُُعلن مارسيانوس أسقفا فى الإسكندرية بعد أن أتم إيمينيس ثلاثة عشر سنة من الخدمة.

8. ( الفصل 4 – الفقرة 11 ) وبعد أن إستراح مارسيانوس من الخدمة بعد عشر سنوات ، إستلم سيلاديون مسئولية خدمة كنيسة الإسكندرية.

9. ( الفصل 4 – الفقرة 19) ولكن بعدما ترأس سيلاديون مناطق الإسكندرية لأربعة عشر سنة إضطلع أجريبينوس بالرئاسة.

10. ( الفصل 5 – الفقرة 9 ) وفى السنة الأولى من حكم الإمبراطور الرومانى كومودوس عُهد إلى جوليان بأسقفية كنائس الإسكندرية بعد أن أتم أجريبينوس خدمته فى إثنى عشر سنة.

11. ( الفصل 5 – الفقرة 22 ( وفى نفس الوقت وفى السنة الثانية عشرة من حكم كومودوس وبعد أن أتم جوليان عشرة سنوات من الخدمة عُهد إلى ديميتريوس بمسئولية خدمة مناطق الإسكندرية.

وإنه فقط مع ديميتريوس الأسقف الحادى عشر بعد القديس مرقس أن بدأنا اخيرا نحصل على شئ أكثر من مجرد تلك التقارير النمطية إذ يمضى يوسيبيوس بعد ذلك فى كتابه ( التاريخ ) فى تقديم معلومات أكثر تفصيلا عن فترة رئاسة ديميتريوس بما فى ذلك مراسلاته ومجهوداته الأبعد فى تنظيم الكنيسة( إنظر الفصل الثانى).
ومع ذلك وفيما يخص معظم فترة القرنين الميلاديين الأولين فنحن لانعرف شيئا عن هؤلاء الذين خدموا كأساقفة للإسكندرية - تقريبا. وبالنظر إلى أهمية مصر كمركز دينى فى الكنيسة الأولى وكمستودع لإكتشاف الوثائق المسيحية الأولى فإن نقص المعلومات عن الكنيسة المصرية فى القرنين الأولين للميلاد قد سبب كثيرا من الضيق للمؤرخين. وفى هذا السياق كتب ولتر بوير كلماته المشهورة بأن العشرة أساقفة السكندرين الأوائل سوف يظلون مجرد صدى وسحابة دخان. أما سى إتش روبرت - وهو باحث آخر متخصص فى المسيحية المصرية الأولى – فقد تأسف أيضا على ذلك الغموض المحيط بالتاريخ المبكر للكنيسة فى مصر. فما هو السبب لهذا الصمت الأصم لمصادرنا أثناء هذه الفترة ؟ وكيف يُمكن لنا أن نفهم قائمة ترتيب رئاسة الأساقفة التى أمدنا بها يوسيبيوس فى ضوء هذا الصمت ؟
وفى دراسته الخلافية المميزة (الأرثوذكسية والهرطقة فى الكنيسة الأولى ) جادل ولتر بوير بأن سبب الصمت فى المصادر الأولى عن رئاسة الكنيسة المصرية فى هذين القرنين الأولين ينبع من حقيقة أن هذه الرئاسة لم تكن قد حُددت بعد تماما خلال هذه الفترة وأن الشكل السائد للمسيحية الأولى فى مصر كان ذا طابع أغنوسطى ( إشارة إلى المذهب الفلسفى الروحانى الذى ساد فى مصر قبل دخول المسيحية إليها فى القرنين الميلاديين الأولين) والذى سوف يُعتبر هرطقة من قبل الكنيسة الأكبر بعد ذلك. وكدليل على وجود هذا الشكل من المسيحية اللا أرثوذكسية يشير بوير إلى إنجيل غنوصى قديم من مصر خاصة إنجيل المصريين وإنجيل اليهود والذى يُمثل نسخة من المسيحية التى سبقت ظهور الأشكال الكنسية الأرثوذكسية . وفى رأيه ، أن العقيدة والممارسة الأرثوذكسية قد فُرضت بنجاح على الكنيسة المصرية نحو نهاية القرن الثانى الميلادى خلال رئاسة الأسقف ديميتريوس ( من 189 إلى 231م ) ففى ذلك الوقت بدأ قمع الآداب الغنوصية ومعها أقدم سجلات تاريخية عن المسيحية المصرية. وهكذا يبدو السبب فى أن يوسيبيوس يعطينا معلومات قليلة جدا عن الأساقفة الأرثوذكس العشرة الأوائل هو أنه ببساطة لم يكن يملك فى الواقع أى معلومات موثقة يمكن الإعتماد عليها. وبالنسبة لبوير فالأساقفة فى قائمته هم مجرد صدى وسحابة دخان وإنه من الصعب أن يكونوا شيئا آخر سوى هذا .
لقد أمدتنا دراسة بوير برؤى قيمة عن الطرق التى شُكلت بها الأرثوذكسية فى أخريات القرن الثانى الميلادى والتى قمعت بها القيادة الأرثوذكسية الصاعدة الأشكال البديلة الأخرى من العقيدة فى اخريات القرن الثانى الميلادى. ومع ذلك فإن جدله بأن الهرطقة التى سبقت الأرثوذكسية فى الكنيسة المصرية الأولى قد سببت قدرا كبير من الخلاف فى الدوائر الكنسية قد حفزت أيضا النقد من قبل بعض الباحثين الذين يعتقدون أنه قد ذهب بعيدا جدا فى إفتراضاته وقد قدم سى إتش روبرت أحد الإنتقادات المفحمة فقال أن بوير قد فشل فى تقديم رواية دقيقة عن العدد الكبير المتنوع من المصادر المتاحة إلينا بالفعل من القرنين الأولين فى مصر فى كتابه( مخطوطة عن المجتمع والدين فى مصر) وقد أعاد روبرت فحص الدليل التى توفره أوراق البردى المسيحية فى القرن الثانى الميلادى فى مصر( المسيحية المبكرة ) ووصل إلى إستنتاج بأن هذا الدليل لايؤيد نظرية بوير عن الهيمنة الهرطقية أو الغنوصية ، فمن أربعة عشر ورقة بردى إغريقية مسيحية هناك ورقة واحدة فقط باقية - والتى ربما ترجع إلى تاريخ قبل سنة 200م – يُحتمل أن تكون غنوصية ( وهى عبارة عن قطعة من إنجيل توماس ) ومن الأوراق الباقية هناك عشرة هى عبارة عن نصوص من الكتاب المقدس بينما تحتوى الأخرى على إنجيل غير معروف ليس له شخصية غنوصية وأخرى بعنوان راعى هرمس والأخيرة هى أطروحة أريانوس ضد الغنوصية بعنوان ( ضد الهرطقة ). ومن المؤكد أن القطعة التى تحتوى على إنجيل توماس والبردية التى تحتوى على رسالة أريانوس تقدم الدليل على الوجود المبكر لأشكال هرطقية من المسيحية فى مصر - ولو من منظور مختلف تماما. ومع ذلك فمن الواضح أن الغنوصية لايمكن أن تكون أبدا هى الرؤية العالمية المسيحية الوحيدة التى تقدمها أوراق البردى تلك. ومن هذا الدليل ومن أدلة أخرى من تلك الفترة بما فى ذلك الكتابات القبطية المبكرة يخلص روبرت إلى أن موقف المسيحة المبكرة فى مصر من الأفضل أن يوصف بالموقف السائل والتى تعايشت فيه أشكال متعددة من المسيحية فى جماعة لم تكن قد بعد قد قُسمت - بشكل حاد - بالتقسيمات اللاهوتية. ومثل هذا الموقف – والتى كانت أدوار قيادة الكنيسة فيه مازلت فى طور الحوار والتكوين - كان هو الموقف الذى ساد فى الواقع فى خلال القرنين الأولين من تاريخ الكنيسة المصرية.

تحديد الهوية الأرثوذكسية فى أخرات القرن الثانى الميلادى :

كانت أخريات القرن الثانى الميلادى فترة حاسمة بالنسبة للكنيسة المصرية وعملية تحديد هويتها اللاهوتية والدينية ويشهد وجود قطعة من رسالة أريانوس( ضد الهرطقة ) والتى تعود إلى أخريات القرن الثانى الميلادى أو بدايات القرن الثالث فى سجلات البردى المصرية على هذه الحقيقة بقوة. وحيث كُتبت حوالى سنة 180م فى مدينة لوجدونوم ( ليون الحالية فى فرنسا ) فقد كانت تلك الرسالة واحدة من أولى المحاولات فى الكنيسة المسيحية لتحديد حدود العقيدة الأرثوذكسية ووصف المعتقدات الأخرى خارج هذه الحدود بالهرطقة. وقد إستخدمت الكنيسة الرومانية عمل أريانوس فى حربها الوليدة ضد الهرطقة وتخمينا من الدليل البردى فقد كانت تلك الرسالة قد وزعت سريعا فى شرق البحر المتوسط حيث وصلت إلى مصر وإستخدمت لنفس الهدف.
مثلت الأحاديث الرسولية وإصدار قوائم تتابعية لرئاسة الكنيسة الإستراتيجيات الأساسية فى عملية التحديد الذاتى للهوية الأرثوذكسية. ففى العصر القديم كان تصور الوراثة أو تواصل الذرية يوظف بشكل نموذجى كوسيلة لتأسيس الشرعية والقوة فى مواجهة المزاعم المنافسة على السلطة. وقد سبق إستخدام التواصل كتصور أيدولوجى وجدلى ظهور المسيحية وإتخذ شكلين رئيسيين ، الأول هو السلالات الثقافية أى السلالات التعليمية والثانى هو السلالات المؤسسية أى سلالات الملكيات الحاكمة وقد تم إستخدام كلا الشكلين فى المسيحية القديمة. وفى القرن الثانى لجأ العديد من المعلمين المسيحيين إلى تصور السلالات الرسولية من أجل الدفاع عن شرعية تعاليمهم الدينية بينما بدأ الأساقفة فى الإستشهاد بمبدأ الوراثة من أجل تقوية حقهم فى حكم الكنيسة.
وفى كنائس الإسكندرية وروما كان المعلمون المسيحيون المستقلون يدعون شرعية رسولية لتعاليمهم منذ العقود الأولى للقرن الثانى الميلادى. إن أقدم دليل على مثل هذه الممارسة يرتبط بفيلسوف مسيحى يدعى باسيليديس كان نشطا أثناء السنوات الأخيرة من حكم الإمبراطور هادريان بين السنوات 132-153م. وعلى وجه التحديد فقد عرف باسيليدس نفسه كتلميذ لرجل يُدعى جلوكاس كان مفسرا للقديس بطرس. وحوالى نفس الوقت كان هناك مسيحى غنوصى يدعى فالنتينوس يصرح بنفس المزاعم الرسولية. كان فالنتينوس معاصرا لباسيليدس وكان يصغره سنا وقد عاش وقام بالتدريس فى الإسكندرية مثله أثناء العقود الأولى من القرن الثانى الميلادى بين الأعوام 138-177م تقريبا. وقد هاجر إلى روما سنة 140م حيث أصبح معلما بارزا للمسيحية هناك وجذب إليه عددا كبيرا من التلاميذ. وفى حالته تلك ، فقد تتبع فالنتينوس إرتباطاته الرسولية من خلال معلمه ثيوداس حتى القديس بولس. ويشير بطليموس – تلميذ فالنتينوس والذى كان نشطا فى روما حوالى سنة 150م - إلى هذه السلالة الثقافية فى خطابه إلى الفيلسوفة فلورا عندما كان يتحدث عن الروايات الرسولية والتى قد وصلتنا بالتتابع الوراثى أيضا.
وبالنسبة لأول دليل لسلالة رسولية تم تصورها على أسس مؤسسية فلابد أن نعود إلى أريانوس مرة أخرى حيث يمدنا بأول قائمة تسلسلية للأساقفة الرومان بعد أن بدأ باسيليدس وفالنتينوس سيرتهم التعليمية بحوالى خمسين عاما تقريبا فى الإسكندرية. ففى رسالته(ضد الهرطقة) التى نُشرت حوالى سنة 180م يرتب أريانوس الإثنى عشر أسقفا الأول لروما بين بطرس وإليثريوس ويؤسس تلك القائمة على إدعاء رسولى ويقول فيها ( إنه من المتاح لكل من يرغب حقا فى أن يرى أن كل كنيسة تراعى تقاليد الرسل الواضحة فى كل العالم إذ أننا قادرون على أن نحصى هؤلاء الذين قد عينوا أساقفة للكنائس من قبل الرسل وخلفائهم حتى زمننا الحالى ). وهكذا وبتحديد خط سلالى رسولى حصرى للأسلقفة الرومان فقد أراد ريانوس أن يستثنى من الكنيسة أى قادة أو معلمين يدعون ميراثا مختلفا.
وفى مصر كان الدافع المماثل بإتجاه تحديد هوية ذاتية وتأسيس مقاييس أكثر صلابة لولاية مؤسسية يبدو أنه قد إستحوذ على إهتمام الكنيسة فى العقود الأخيرة من القرن الثانى الميلادى وهى عملية قد حُفزت بلا شك من خلال تداول رسالة أريانوس ضد الهرطقة الغنوصية وبقيادة ديميتريوس أول أسقف سكندرى نعرف بعض المعلومات عن سيرته الذاتية. إن قائمة ولاية الأساقفة المصريين الأوائل التى وصلت إلى يوسيبيوس فى النهاية يمكن أن تكون قد جُمعت اصلا ونُشرت اثناء تلك الفترة وربما حتى بواسطة الأسقف ديميتريوس نفسه.
وهكذا فقد يعكس ذلك محاولة واعية من قيادة الكنيسة المصرية فى أخريات القرن الثانى الميلادى لتحديد سلالتها الرسولية فى مفردات وراثة الرسل لمواجهة ودحرالمعلمين المستقلين أمثال باسيليدس وفالنتينس من الذين إدعوا شكلا مختلفا من الشرعية الرسولية لتعاليمهم.
وهكذ شهد القرن الثانى الميلادى صراعا حادا بين نموذجين من الشرعية فى كنيسة الإسكندرية. ففى هذه الفترة بدأ الأساقفة المسيحيون أمثال ديميتريوس يدعون شرعية رسولية لقيادتهم الإدارية للكنيسة فمن خلال نشر قوائم الوراثة الأسقفية بدأت القيادة الكنسية تتحرك بشكل متزايد بإتجاه قمع المصادر الأكاديمية الثقافية البديلة للشرعية فى الكنيسة. كان ألأشهر فى تلك الحالة هى المزاعم الرسولية لبعض دوائر الفلاسفة المسيحيين وبعض الغنوصيين الفالنتيين – من أتباع فالنتينيس – والذين قاموا من قبل وفى ظل غياب أساقفة اقوياء- بممارسة تأثير إجتماعى قوى على الكنيسة المصرية.
وبشكل ملفت للنظر، فبينما أثبتت السلطة الوراثية الأسقفية نجاحا فى إبعاد الورثة الثقافيين لباسيليدس وفالنتينوس وأنزلتهم إلى مرتبة طائفية فقد عاشت نماذج أكاديمية أخرى غير دينية داخل حدود الكنيسة مثل الشخصيتين المسيحيتين الشهرتين كليمنت السكندرى(160-215م) وأوريجن (185-253م) الذين إحتملهما الأسقف ديميتريوس بحيث تمكنا من نيل الإعتراف العام بهما كممثلين لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية.
وبشكل مقصود ، فقد وظف كل من هذين الرجلين خطاب الوراثة الرسولية كختم أو ضمانة لإستقامتهم اللاهوتية. ويصف كليمنت السكندرى أصل تعاليمه الرسولية فى مصطلحات بيولوجية تقريبا. ويتكلم كليمنت عن أستاذه بانتينوس – مؤسس المدرسة التعليمية فى كنيسة الإسكندرية - فيقول ( أما تلاميذ بانتينوس الآخرون فإن هؤلاء الرجال الآن وقد حفظوا التقاليد الحقيقية للتعاليم المباركة من الرسل المقدسين مباشرة - بطرس وجيمس ويوحنا وبولس وإستلموها كما يستلم الإبن من ابيه - فقد جاءوا مع الله غارسين تلك البذور الرسولية من الأجداد حتى زماننا الحالى ) وبعد جيل من ذلك التاريخ أكد أوريجن على نفس النقطة فقال (إن تعاليم الكنيسة قد حُفظت بدون تغيير ووصلت إلينا من الرسل فى تتابع لاينقطع وظلت قائمة فى الكنائس حتى الآن).
وفى النهاية - ومع ذلك - فإن مثل ذلك الخطاب لم يستطع منع التقاليد التعليمية المدرسية لكليمنت وأوريجن من أن تضطر فى النهاية إلى الدخول فى صراع مع القوة ألأسقفية الصاعدة لكنيسة الإسكندرية. وفى الفصل الثانى سوف أناقش علاقة أوريجن المعقدة مع الأسقف ديميتريوس والخطوات المدبرة التى إتخذها ديميتريوس وخلفائه للتنظيم والإشراف على المركز التعليمى لكنيسة الإسكندرية فى عصر من الإضطهاد.
























الفصل الثانى

أساقفة ومعلمون وشهداء

( من ديميتريوس إلى بطرس الأول ) .

دخل تاريخ الكنيسة المصرية بإنتخاب ديميتريوس أسقفا للإسكندرية فى سنة 189م حقبة جديدة. وأثناء تلك الحقبة بدأ ديميتريوس وخلفائه فى بذل مجهودات كبيرة لتقوية سلطتهم على الكنيسة. ولم يكن ذلك واضحا بأكثر مما كان فى حالة مركز الكنيسة التعليمى. وسوف يركز الجزء الأول من الفصل الثانى - وبشكل خاص – على العلاقة بين القيادة الأسقفية ومدرسة الكنيسة اللاهوتية فى الإسكندرية.
إن هناك القليل من المعلومات التاريخية التى بقيت عن نشاطات أساقفة الإسكندرية الأوائل قبل سنة 189م. ومع ذلك ففى العقد الأخير من القرن الثانى الميلادى والذى يبدأ بأسقفية ديميتريوس تصبح المصادر فجأة أكثر وفرة وتمدنا بأدلة يمكن لنا من خلالها أن نبدأ – وبشكل دقيق – فى إعادة بناء صورة الدور الإجتماعى لقيادة الكنيسة فى ألإسكندرية.
إن تلك المحاولات المبكرة لأساقفة الإسكندرية لتقوية سلطتهم ولكى يبدأوا فى وضع الحدود اللاهوتية للأرثوذكسية قد أصبحت أكثر إلحاحا بسبب خطر خارجى جديد هو خطر الإضطهاد. فبينما كان المسيحيون خلال القرنين الأولين نادرا مايتعرضون لموجات الإعتداءات المحلية فقد كان فقط فى القرن الثالث أن بدأت الكنائس فى مصر تعرف أشكالا أكثر إنتشارا وتنظيما من أشكال الإضطهاد. والواقع أنه منذ بداية القرن الثالث الميلادى وإلى العقد الأول من القرن الرابع قد تعرضت الكنيسة المصرية للدمار خلال ثلاثة فترات مميزة من الإضطهاد الشديد تفصلها عن بعضها البعض بعض فترات من الهدوء المشوب بالحذر. وهذه الموجات الثلاث هى إضطهاد السفيران ( نسبة إلى الإمبراطور سبتميوس سفيروس) بين الأعوام 202 - 206م والإضطهاد الدقيوسى ( نسبة إلى الإمبراطور دقيوس) بين الأعوام249-251م والإضطهاد الكبير فى عهد الإمبراطور دقلديانوس بين الأعوام 303-311م. وسوف يعتنى الجزء الثانى من هذا الفصل بالمسائل التى سببها الإضطهادان الأخيران لقيادة الكنيسة ، فكيف إستمر أساقفة الإسكندرية فى الحفاظ على سلطتهم فى وجه مثل ذلك الخطر ؟ وأخيرا كيف كانت هوية الكنيسة المصرية وقيادتها تتشكل من خلال تجارب الإضطهاد والإستشهاد ؟

أسقف الإسكندرية ومدرسة الإسكندرية التعليمية :

إكتسبت الإسكندرية شهرة عالمية فى العصر القديم كمركز للتعليم وأصبح متحف الإسكندرية (مقام إلاهات الفنون والعلوم) الذى تأسس مبكرا فى بدايات العصر البطلمى ( بدأ العصر البطلمى فى مصر بعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة 323ق.م وإنتهى بإحتلال الإمبراطور الرومانى أكتافيوس أغسطس قيصر مصر سنة 31ق م ) مركزا للفكر والبحث ونادى إجتماعى للنخبة المثقفة. وإلى هناك حضر حتى الأباطرة الرومان أمثال كلوديوس وهادريان لإلقاء محاضرات وللمشاركة فى المناقشات. وحيث تأسست حوالى نفس الوقت وبالقرب من المتحف فقد خدمت مكتبة الإسكندرية العظيمة زوار المتحف. وفى حدود المقاييس القديمة فإن حجم محفوظات المكتبة فى ذروة عصرها كان ضخما بشكل مذهل. وقد جادل بعض الكتاب القدامى أن المكتبة كانت تحتوى على مابين أربعمائة إلى سبعمائة ألف لفة بردى ولكن البحوث الإحصائية الحديثة قد أثبتت أن تلك ألأرقام قد بولغ فيها – بشكل كبير – وأن التقدير ببضعة عشرات الآلاف من اللفائف قد يبدو أكثر دقة. ومع ذلك فليس من شأن ذلك أن يقلل من حقيقة أن محفوظات مكتبة الإسكندرية كانت شاملة بالنسبة لزمانها. وعلى أية حال فإن حجم المكتبة قد أدى فى النهاية إلى خلق فرع آخر لها فى مكان آخر بمعبد السيرابيوم - وهو مجمع المعابد المكرسة لخدمة الإله المصرى سيرابيس – وحتى اليوم مازال زوار بقايا معبد السيرابيوم يستطيعون رؤية كوات الجدران القديمة والتى ربما كانت تُستخدم أصلا لحفظ تلك الكتب.
وبينما إستمتعت الإسكندرية لزمن طويل بسمعتها كمركز للثقافة والبحث العلمى مفتخرة بالأضواء التى أشرقت منها مثل كليماخوس وأبولونيوس الروديسيين فى مجال الشعر وإقليدس وأرشميدس وإراتو سثينيس وهيروفيلوس فى مجال الرياضيات والميكانيكا الطبيعية والجغرافيا والطب فإنها و بنهاية العصر البطلمى أصبحت الفلسفة هى أشهر المجالات الثقافية القائمة بها. وأثناء الفترة الأولى من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الثانى الميلادى أصبحت الفلسفة الأفلاطونية الوسطى – وهى شكل مختار من الأفلا طونية التى أخذت كثيرا من الرواقية ومدارس أخرى من مدارس الفكر – معروفة كثيرا فى الدوائر المثقفة والشعبية على السواء. ولقد كان من شأن تلك الروح الفلسفية أن تكون ذا تأثير قوى على المفكرين اللاهوتيين المسيحيين الأوائل من الذين عاشوا وعملوا فى الإسكندرية.
ولهذا فلا يجب أن يكون مدعاة للدهشة أن المسيحين السكندريين الذين نشأوا تحت ظلال مدرسة الإسكندرية والأكاديمية الفلسفية سرعان ماطوروا مؤسساتهم التعليمية الخاصة. والواقع أنه فى العصور القديمة كانت كنيسة الإسكندرية قد أصبحت معروفة فى أنحاء عالم البحر المتوسط بأكاديميتها الثيولوجية( والتى غالبا مايشار إليها بإسم مدرسة الإسكندرية التعليمية) وبالمعرفة الفلسفية والإنجيلية لأساتذتها. ومع ذلك فإنه من الصعب تتبع جذور مدرسة الإسكندرية التعليمية – بشكل مؤكد . وقد حاول المؤرخ يوسيبيوس – وكما فعل مع قائمته لولاية الأساقفةالسكندريين – أيضا تتبع سلالة القيادة الأكاديمية لتلك المدرسة محددا ثلاثة رجال هم بانتينوس الذى يعتبر أول شخص يرتبط إسمه بقيادة تلك المدرسة التعليمية رغم أنه من الواضح أن يوسيبيوس يشير إلى وجود المدرسة التعليمية حتى قبل أن يصبح بانتينوس رئيسا لها. ففيما يخص المدرسة ، يقول يوسيبيوس ، ( فمنذ العصور القديمة قد كان هناك عادة مؤسسة بينهم لملكية أكاديمية للتعليم المقدس). وعن بانتينوس نفسه فنحن لانعرف سوى القليل جدا فى الواقع ويصفه يوسيبيوس بأنه كفيلسوف لاهوتى تأثر بالفكر الرواقى ويتضمن ميراثه كرئيس للمدرسة التعليمية – بشكل واضح – مجموعة كاملة من الكتابات. ويأتى كليمنت السكندرى بين تلاميذ بانتينوس – وتبعا ليوسيبيوس - والذى يعترف بدينه له فى كتاباته فقد أصبح كليمنت الرئيس التالى للمدرسة التعليمية بعد وفاة بانتينوس وأخيرا وفى سنة 202م يأتى أوريجن الذى يعرفه يوسيبيوس بأنه أحد تلاميذ كليمنت ليصبح الثالث فى هذا الخط من الرؤساء الأكاديميين بعدما ترك كليمنت الإسكندرية اثناء إضطهاد السفيران.
ولسوء الحظ فإن العلاقة التاريخية بين بانتينوس وكليمنت وأوريجن ليس من السهل وصفها كما أراد يوسيبيوس أن يصفها . وأنه من الغريب بشكل خاص أن أوريجن نفسه لم يذكر كليمنت بالإسم أبدا فى أى من كتاباته الباقية. وقد قُدمت تفسيرات كثيرة مختلفة لصمت أوريجن هذا فيما يتعلق بكليمنت والذى ربما يكون خلاف عقائدى على إستخدام كليمنت للإصطلاح غنوصى أو ربما يكون نفور من جانب أوريجن فى أن يربط نفسه بوجهات نظر كليمنت المغضوب عليه من قبل ديميتريوس أسقف الإسكندرية أو حتى ربما يكون خلافا قويا فى الرأى فيما يتعلق بالرد المناسب على حركة الإضطهاد ، وفى كل الأحوال فإن الصمت فى كتابات أوريجن فيما يتعلق بسلفه المفترض قد أدى بالبعض لإثارة تساؤلات عن مدى صحة رواية يوسيبيوس عن التتابع الرئاسى المنظم الذى يقدمه لمدرسة الإسكندرية التعليمية.
ولقد إقُترح بعض الباحثين – وبشكل مقنع تماما – أنه لم يوجد فى الإسكندرية مدرسة لاهوتية رسمية قبل أوريجن ، فلم يكن يوجد فى الواقع أكثر من مدرسة للفكر العام وأنه فقط بعدما عهد الأسقف ديميتريوس إلى أوريجن بمسئولية التعليم الأساسى للكنيسة أن تأسست مثل تلك المؤسسة التعليمية وقبل ذلك ربما كان التعليم الدينى فى الكنيسة يتم على أسس أكثر إستقلالية مع أساتذة مثل بانتينوس وكليمنت ، وباسيليدس وفالنتينوس قبلهما ، جاذبين إليهم جماعات صغيرة من المسيحيين من ذوى الميول الفلسفية كتلاميذ. وفى هذا السياق ربما يعكس تضمين يوسيبيوس لبانتينوس وكليمنت فى لائحته إهتمامه العام بتأسيس الرواية التاريخية عن التعليم فى الكنيسة فى العصور القديمة أكثر من إهتمامه بأى واقع مؤسسى منظم رسمى كان قائما فى أخريات القرن الثانى الميلادى.
وفى أى الأحوال ، وبصرف النظر عما إذا كانت المدرسة التعليمية قد تأسست فى زمن أوريجن أو فى مرحلة أكثر تبكيرا فإنه من الواضح أن تعيين ديميتريوس لأوريجن كرئيس للمدرسة يُمثل منعطفا هاما فى محاولات أسقفية الإسكندرية لتنظيم وترتيب القسم التعليمى للكنيسة. ويلاحظ يوسيبيوس أنه قبل أوريجن لم يكن هناك أحد منقطعا للتعليم الأساسى فى نظام التعليم المسيحى السكندرى لإن الجميع كانوا قد غادروا تحت وطأة الإضطهاد. ومن الواضح أن أوريجن قد أعاد تنظيم هذه الحاجة حتى قبل تعيينه الرسمى من قبل ديميتريوس . ويُخبرنا يوسيبيوس أن بعض الوثنيين ممن سمعوا كلمة الله قد جاءوا إلى أوريجن وأنه قد بدأ على الفور بتعليمهم منفردين. وفى هذا السياق فإن تعيين ديميتريوس لأوريجن – وسواء كان يُمثل تأسيس مدرسة رسمية أو إصلاح ممارسة سابقة - فإنه يأخذ هنا معنى جديدا. فمما لاشك فيه فإن تصرف ديميتريوس هذا كان مصمما لمواجهة إحتياجات جديدة للكنيسة التى كانت تفتقد إلى مصادر مناسبة لتعليم المهتدين الجدد فى وجه الإضطهاد ولكنها كانت أيضا محاولة لوضع التعليم المدرسى السكندرى تحت سيطرة الأسقف بشكل اكثر مناسبة. إن مجهودات ديميتريوس لممارسة سلطته على القسم التعليمى للكنيسة أصبح فى النهاية مصدرا للتوتر بينه وبين مرشحه أوريجن. فقبل أن يصبح رئيسا للمدرسة التعليمية كان أوريجن يعمل مدرسا للآداب اليونانية وكان قد تعلم أيضا على يد أمونيوس ساكا وهو أحد كبار الأساتذة فى مدرسة الإسكندرية الفلسفية. وعندما أصبح أوريجن رئيسا لمدرسة الإسكندرية من سنة 202 إلى سنة 234م إستخدم أوريجن هذه الخبرات اللغوية والفلسفية خير إستخدام فأنتج مجموعة كتابات رائعة تشمل عمل فى النقد النصى المقارن لمخطوطات مختلفة من العهد القديم (الهكسابالا) وكذلك عمل عدد من التعليقات على الكتاب المقدس(على الإصحاح من 1 إلى 25 من سفر المزامير وعلى سفر الآلام وسفر التكوين وإنجيل يوحنا) ثم فى إنتاج عمله الكبير فى اللاهوت التأملى المنهجى المعنون بإسم ( فى المبادئ الأساسية).
وبالنظر إلى إهتمامه الفكرى بإستكشاف مسائل اللاهوت الأكثر عمقا فسرعان ماأدرك أوريجن أن تحديد مهمته بتقديم التعليم الأساسى فقط هى مهمة ضيقة للغاية. وربما فاقمت الرحلة القصيرة التى قام بها لزيارة الكنيسة فى روما من ذلك الشعور. ويسجل يوسيبيوس أنه بالرغم من أن أوريجن كان متحمسا بشكل واضح لإستئناف التدريس بمجرد عودته من روما فإن ديميتريوس كان مازال يتوسل إليه أن يستمر فى مساعدته للإخوة بدون تردد. ولقد ذهبت محاولات ديميتريوس لكبح جماح طاقات أوريجن الفكرية عبثا فبعد عودته من روما بفترة قصيرة و بعد أن أدرك أنه لن يستطيع أن يتنفس إذا لم ينغمس فى مناقشات أكثر عمقا وعلمية عن اللاهوت أو فى فحص وتفسير الكتابات المقدسة – فيما يتجاوز التعليم الأساسى - مع هؤلاء الذين كانوا يأتون لمقابلته فقد قرر أن يصلح من تنظيم المدرسة التعليمية. فقام بتقسيم المدرسة إلى قسمين ، الأول للتعليم الأساسى وعهد به إلى تلميذ له يدعى هيراقليس و الثانى والخاص بالطلبة الذين بلغوا مرحلة النضج الفكرى وقد أشرف عليه بنفسه. ولاتقدم لغة يوسيبيوس أى إشارات عن أن ديميتريوس كان مشتركا فى عملية إعادة التنظيم تلك وربما كان ذلك سببا من أسباب التوتر الذى نشأ بينه وبين أوريجن فيما بعد. وفى أى ألأحوال فإن الإصلاحات التى أسسها أوريجن والتى صمُمت بحيث تجعل تعليمه وبحثه قريبين من بعضهما البعض ولكى تعطى تلاميذه فرصة للعمل المتقدم ربما كانت قد رؤيت من قبل ديميتريوس كأنها محاولة خداع ماكر للرؤية الأساسية للمدرسة أى التى تقدم تعليم أساسى لهؤلاء المستفسرين عن الإهتداء إلى الدين المسيحى.. وقد أدى التوتر بين ديميتريوس وأوريجن فى النهاية إلى مغادرة أوريجن للإسكندرية. ويكتب يوسيبيوس فى كتابه ( تاريخ الكنيسة) أن أوريجن قد غادر الإسكندرية سرا( عندما كانت هناك حرب صغيرة جديدة فى الإسكندرية) وإستقر لبعض الوقت فى قيصرية بفلسطين حيث دُعى لإلقاء بعض المحاضرات العامة فى تفسير الإنجيل. ولفترة طويلة ظل الباحثون يعتقدون أن فقرة( كانت هناك حرب صغيرة جديدة ) كانت تشير إلى مذبحة المواطنين السكندريين التى أمر بها الإمبراطور كاراكالا فى سنة 215م ومع ذلك فليس هناك مايشير إلى أن تصرف كاراكالا كان ضد المسيحيين أو أن أوريجن قد شعر أنه كان مهددا شخصيا بما أصبح يُعرف بإسم غضب كاراكالا( إشتهر الإمبراطور كاراكالا فى التاريخ بقراره منح حق المواطنة الرومانية لجميع الأحرار فى الإمبراطورية وقد صب كاراكالا غضبه على السكندريين بشكل عام لإستقبالهم السئ له عند زيارته للإسكندرية سنة 215م ولم يعرف عنه أى ميول عدائية تجاه المسيحيين بشكل خاص). و قد أشار الباحث الفرنسى بيير نوتن - أخيرا - إلى أن يوسيبيوس بإشارته إلى تلك الحرب المحلية كان فى الواقع يشير إلى النزاع الكنسى الذى نشب بين ديميتريوس وأوريجن والذى ربما قد إضطر أوريجن إلى ترك منصبه فى الإسكندرية مؤقتا. وكما ذكرنا من قبل ، فإن إهتمام ديميتريوس الأساسى خلال رئاسته الأسقفية كان هو إعادة تأكيد سلطة الأسقف الرسمية ووضع قواعد لتنظيم الكنيسة. وقد إتضح ذلك فى رد فعله على مغادرة أوريجن. فقد كتب الأسقف السكندرى خطابا إلى نظيريه فى أورشليم وقيصرية منتقدا إياهما على سماحهما لأوريجن - وهو رجل علمانى - أن يحاضر فى حضرة الأساقفة مجادلاَ بأن ذلك شئ لم يُسمع عنه أو يحدث فى الكنيسة من قبل. وقد رد الأساقفة الفلسطينيون مستشهدين بأمثلة مماثلة فى أماكن أخرى دُعى فيها العلمانيون لمساعدة رجال الدين فى الوعظ . وأخيرا ومن خلال كتابة خطاب تصالحى وإرسال بعثة من الشمامسة إلى فلسطين ، نجح ديميتريوس فى إقناع أوريجن بالعودة إلى الإسكندرية. ومع ذلك فإن الوفاق بين الرجلين ماكان ليدوم. فبحلول سنة 231م قرر أوريجن مغادرة الإسكندرية بشكل نهائى فسافر إلى قيصرية حيث تم إقناعه هناك بأن يُرسم كاهنا وأن ينشأ مدرسته الخاصة.
ويُلقى رد فعل ديميتريوس على رحيل أوريجن النهائى عن الإسكندرية ورسمه كاهنا مزيدا من الضوء على التركيب الإجتماعى للسلطة الأسقفية فى مصر المسيحية المبكرة. فنتيجة لغضبه على ماإعتبره إعتداءا على سلطته التشريعية كأسقف فقد قام ديميتريوس بكتابة سلسلة من الخطابات إلى أساقفة الأسقفيات الأخرى فى عالم البحر المتوسط معترضا على عدم نظامية تعيين أوريجن كاهنا. إن مغزى مراسلات ديميتريوس بالإضافة إلى خطاباته السابقة إلى أسقفى أورشليم وقيصرية لايجب أن يُبخس تقديره حيث أنها تُمثل أولى المحاولات الموثقة التى قام بها أسقف سكندرى من أجل تنظيم سياسة قانونية وللحصول عل تأييد عالمى لسلطته الأسقفية. وفى هذه الحالة فإن حملة كتابة الخطابات التى قام بها ديميتريوس قد كان لها تأثير ملحوظ . فقد وافق مجلس الكنيسة الرومانية وعدد من المراكز الكنسية الأخرى على طرده لأوريجن من الكنيسة ، وذلك بإستثناء أسقفيات فلسطين والجزيرة العربية وفينيقيا وأتشايا . وسوف يتمسك هيراقليس - خليفة ديميتريوس – بنفس حكم حرمان أوريجن من الكنيسة رغم حقيقة أنه نفسه قد كان تلميذا وزميلا لأوريجن فى مدرسة الإسكندرية التعليمية.
لقد كان التغيير فى تنظيم وقيادة المدرسة التعليمية هو أحد النتائج الهامة الأخرى التى نتجت عن مغادرة أوريجن للإسكندرية. فعندما رحل أوريجن إلى فلسطين فقد أخذ معه عمليا قسم الدراسات المتقدمة الذى كان قد أنشأه بمدرسة الإسكندرية التعليمية مع مكتبته الشخصية الضخمة. وفى قيصرية إستأنف أوريجن تدريسه جاذبا إليه مجموعات جديدة من الطلاب ومؤسسا مجموعة مكتبية ضخمة من أجل البحث اللاهوتى – وهى تلك المكتبة التى سوف يستفيد منها يوسييبيوس المؤرخ بعد خمسة وسبعين سنة فى كتابة كتابه ( تاريخ الكنيسة ). أما فى الإسكندرية فلم يبقى سوى قسم التعليم الإبتدائى فقط وعلى رأسه هيراقليس ، تلميذ أوريجن السابق . و بعدما غادر أوريجن لم يبد أنه كان هناك أى محاولة لإعادة تأسيس مركز للتعليم اللاهوتى المتقدم فى المدينة.
وبإختفاء أوريجن عن مسرح الأحداث أصبحت مدرسة الإسكندرية التعليمية أكثر إرتباطا بسلطة الأسقف. ويتضح ذلك من خلال حقيقة أنه بعد وفاة ديميتريوس فى سنة 233م - بعد رحيل أوريجن بسنتين فقط - فقد كان هيراقليس الذى كان قد عُين كرئيس للمدرسة التعليمية هو الذى خلفه كأسقف للإسكندرية. وقد أسست أسقفية هيراقليس (231-247م) سابقة جديدة هامة فى إنتخاب وترقية المرشحين الأسقفيين. فعلى مدى الفترة الباقية من القرن الثالث الميلادى سوف يتولى أسقفية الإسكندرية وبشكل حصرى المرشحون الذين كانوا قد عملوا سابقا كرؤساء للمدرسة التعليمية . وقد خدم خلفاءء هيراقليس المباشرون ، ديونيسيوس (247-264م) ومكسيموس (264-282م) وثيونانس (282-300م) كلهم فى ذلك الموقع قبل ترقيتهم إلى مركز الأسقف. وتعكس طريقة الترقية تلك وبشكل آخر أن المدرسة التعليمية قد اصبحت تخضع بشكل متزايد لرعاية وسلطة الأسقفية السكندرية. وكنتيجة لذلك فإن هيراقليس وهؤلاء الذين جاءوا بعده كانوا فى النهاية قادرين على ممارسة مزيدا من الإشراف على المركز التعليمى فى الكنيسة.
وقد تأكد دور هيراقليس فى محاولة تحديد التعاليم الأرثوذكسية والدفاع عنها من قبل خليفته ديونيسيوس فى أحد خطاباته. فقد كتب ديونيسيوس ( لقد ورثت هذه القاعدة والمثال من أبينا المبارك هيراقليس) ثم يمضى ليصف كيف أدب هيراقليس بعض الطلاب الذين كانوا قد إرتبطوا بأحد الأساتذة الهراطقة . وهنا نجد ولأول مرة فى مصادرنا أن أسقف الإسكندرية قد أصبح يحمل لقب البابا ( باباس فى الإغريقية) وذلك بخمسين سنة قبل أن يُطلق نفس اللقب على أسقف روما. ويعنى إصطلاح باباس أصلا فى اللغة الإغريقية معنى الوالد ولكنه أصبح بعد ذلك لقبا شرفيا رسميا يُطلق على أسقف الإسكندرية وأسقف روما. وإنه لذو مغزى أن ديونيسيوس قد إستخدم هذا اللقب أولا فى وصف مجهودات هيراقليس فى توفير القاعدة والمثال الذى يقود تنظيم التعليم بالكنيسة. وهكذا حفز إستخدام لقب البابا ومنذ بدايته العملية التى قويت وإمتدت بها السلطة الأسقفية السكندرية أثناء النصف الأول من القرن الثالث الميلادى.

القيادة الكنسية فى عصر من الإضطهاد ( الإضطهاد الديقيوسى) .

وفقط بعد سنة واحدة من إنتخاب ديونيسيوس أسقفا فى سنة 247م أُلقى بعالم كنيسة الإسكندرية فى أتون من الإضطراب عندما ثار جمع جامح من الغوغاء ضد المسيحيين فى المدينة. وفى خطاب كُتب فيما بعد إلى فابيوس أسقف أنطاكية وصف ديونيسيوس كيف أن زعيم الغوغاء - وهو نبى وثنى - قد حرض الجمع على مهاجمة المسيحيين المحليين بإعادة إثارة خرافتهم المحلية. يقول ديونيسيوس:

( وفى البداية أحضروا رجلا عجوزا يدعى ميتراس وأمروه بالنطق ببعض الكلمات الوثنية وعندما رفض أخذوا يضربون جسده بالعصى ويطعنون وجهه وعينيه بأعواد الجريد الحادة ثم قادوه إلى الضواحى ورجموه حتى الموت. وقد عانى آخرون من مصير مماثل فقد سُحبت إمرأة مهتدية تدعى كوينتا فى شوارع المدينة وضُربت ورُجمت حتى الموت. كما كُسرت أسنان إمرأة أخرى تدعى أبولونيا ثم حُرقت حتى الموت. وأخيرا عُذب رجل يُدعى سيرابيوم وكُسرت اضلاعه ثم أُلقى به من الطابق العلوى لأحد المبانى).

ويسجل ديونيسيوس أن هذه الإضطرابات العنيفة ضد المسيحيين فى الإسكندرية سرعان ما إشتعلت بقوة بحيث تحولت إلى صراعات حزبية وحرب أهلية وتحول بذلك إتجاه العنف عن المسيحيين مؤقتا. ويعلق ديونيسيوس قائلا ( لقد تمتعنا بفترة راحة مؤقتة ) لكن تلك الإستراحة لم تستمر طويلا فبعدما تولى الإمبراطور الجديد – ديقيوس – فى سنة 249م إشتعلت موجة إضطهاد أكبر وأعنف. وبعكس موجات العنف السابقة ضد المسيحيين – مثل أحداث صيف 248م التى سببتها إضطرابات محلية - فإن الإضهاد الذى نُفذ بناء على أوامر ديقيوس كان منظما وشاملا – رغم أنه تنوع فى شدته - و كان يُنفذ برعاية الحكومة ولم يؤثر فى المسيحيين فى مصر فقط ولكن فى كل أنحاء عالم البحر المتوسط.
وفى ذلك الخطاب إلى فابيوس أسقف أنطاكية ، وصف ديونيسيوس بداية الإضطهاد الديقيوسى بوصول الأمر التنفيذى الحكومى . ففى بدايات سنة 250م أصدر الإمبراطور ديقيوس أمرا تنفيذيا يطلب من المواطنين فى الإمبراطورية أن يقدموا القرابين للآلهة الرومانية. وربما مثل ذلك الأمر - أصلا - محاولة من قبل ديقيوس لإسترجاع النظام الرومانى فى الجيش والعادات الرومانية التقليدية فى المجتمع الأكبر. وأشرف موظفو الحكومة على تنفيذ ذلك الأمر وتقرر إصدار شهادات رسمية( لابيلى) لكل من إلتزم بتنفيذ الأمر وقام بالتضحية. كانت تلك الشهادات ذات صيغ محددة وقد حُفظ منها أكثر من أربعين نموذجا على أوراق البردى المصرية. وكلها مؤرخة من منتصف يونيو إلى منتصف يوليو سنة 250م. وقد إستجاب المسيحيون فى مصر إلى هذا الأمر التنفيذى بأشكال عديدة. وقد وصف ديونيسيوس كيف تراجع الكثيرون وأنكروا عقيدتهم. يقول ديونيسيوس :

( لقد جبُن الجميع من جراء الخوف من الإضطهاد ، ولقد كانت أيضا تلك هى حالة كثير من المواطنين البارزين. وقد بدأ بعضهم على الفور بتقديم نفسه للقاضى لإنهم كانواخائفين ، والبعض الآخر ممن كان من موظفى الدولة قد قاموا بتقديم القرابين خوفا على وظائفهم بينما سُحب الآخرون مع جيرانهم سحبا وأتى البعض الآخر شاحبا مرتعدا ولكن البعض الآخر قد أسرع نحو المذابح بإستعداد كامل مُصرا بقوة على إنه لم يكن مسيحيا فى يوم من الأيام.).

ويمضى ديونيسيوس ليصف مصير المسيحيين الآخرين الذين خضعوا للسجن والتعذيب فقط لكى يضعفوا ويقدموا القرابين فى النهاية فيقول : وحاول البعض الآخر أن يجعلوا عبيدهم يضحون نيابة عنهم أو حاولوا رشوة موظفى الدولة للحصول على شهادات ( لابيلى) مزيفة
ومع ذلك فلم يستسلم كل المسيحيين وظل البعض على إيمانه حتى فى وجه السجن والتعذيب والموت. ويذكر ديونيسيوس نفسه إسم خمسة عشر مسيحى مصرى من الذين قضوا أثناء موجة الإضطهاد تلك ويصف الفظائع التى لحقت بهم. فقد تم إذابة أجساد أربعة منهم بواسطة الجير الحى وقُطعت رأس واحد منهم وأُحرق أحدهم حيا وقُتل أربعة منهم بالسيف – وكانوا من النساء - ومُزق أربعة منهم إربا ثم أحرقوا ونُزعت أحشاء أحدهم بعصا حادة. وهؤلاء الذين سجنوا لإنهم جهروا بعقيدتهم علنا أطلق عليهم إسم المجاهرين بالإيمان (هومولوجيتس). وأصبحت شجاعة هؤلاء المجاهرين المصريين وهم فى إنتظار الموت رمزا تلتف حوله الجماعة المسيحية. وأصبح هؤلاء بين الجموع وكأنهم يملكون كاريزما خاصة أو سلطانا روحيا جعل منهم مؤهلين لغفران الذنوب فى كنيسة كانت قيادتها الرسمية قد أهلكت أو شُتت.
والواقع أن المرحلة الأولى من الإضطهاد الديقيوسى يبدو أنها كانت قد وجهت نحو قيادة الكنيسة بشكل خاص أى الأساقفة ورجال الكنيسة. ، ففى خلال يناير من سنة 250م قُُبض على فابيان - أسقف الكنيسة فى روما - وكذلك على الإسكندر أسقف أورشليم ومعه أوريجن حيث سجنا وعُذبا فى فلسطين وماتا بعد ذلك كنتيجة لجروحهما كما إسُتشهد الأسقف بابيلاس ، أسقف أنطاكية. ولكن ديونيسيوس أسقف الإسكندرية وسبريان أسقف قرطاج قد إستطاعا الهرب من ألإضطهاد بمغادرة المدن الرئيسية فى بلديهما : ومن مخبأيهما حاول كلاهما توجيه أمورالكنيسة وتقديم التوجيه الرعاوى عن طريق الخطابات. ومع ذلك ، فبعد سنتين على ذلك التاريخ تقريبا وعندما توقف الإضطهاد فجأة بعد وفاة الإمبراطور ديقيوس فقد أثار قرارهما بالإختفاء مشاكل فيما يتعلق بقيادتهما للكنيسة ، و إضطر كل من ديونيسيوس وسبريان للدفاع عن أنفسهما ضد الإتهام بأن فرارهما كان علامة جبن وأنهما قد تخليا عن الكنيسة فى ساعة الشدة. وثار السؤال عن لماذا تُشرف الكنيسة قائدا أخفى نفسه بعيدا بينما كان المؤمنيين من المسيحيين يساقون إلى حتفهم ؟
وفى حالة سبريان فقد جادل فى دفاعه بأن قراره بالإختفاء كان من أجل سلامة الإخوة ولكى لاتصبح الكنيسة هدفا مرئيا سهلا وأن خطاباته الرعاوية الكثيرة قد سمحت له - وبينما كان غائبا ببدنه – أن يظل حاضرا بروحه. وبالنسبة لديونيسيوس ، فقد مثل نفسه كشخص كان يتوقع الإستشهاد تماما وأنه قد إستقبل ذلك التوقع بشجاعة ولكن خططه أُحبطت بواسطة العناية الإلهية. و قد كتب فى خطاب لاحق :

( وإننى أتحدث حتى كأننى فى حضرة الله وأنه يعرف إذا ماكنت أكذب أم لا ؟ فأنا لم أفكر فى نفسى ولا تصورت هربى بعيدا عن الله. ولكن عندما بدأ الإضطهاد بأمر ديقيوس أرسل سابينوس فى تلك الساعة مندوبا من البوليس ليبحث عنى وظللت فى المنزل لأربعة أيام أنتظر وصوله. ومع ذلك فقد ذهب يبحث فى كل مكان لكنه ضُرب بالعمى ولم يجد المنزل لإنه لم يعتقد - أننى وكهدف للإضطهاد - سوف أنتظر فى المنزل. وكان فقط بعد أربعة ايام وبعد أن أمرنى الله بتغير موضعى ومهد لى الطريق – بشكل معجز – أننى قد خرجت مع الشباب وكثير من الإخوة. أما الأحداث التى وقعت بعد ذلك – والتى ربما أصبحت خلالها مفيدا للبعض – فقد أظهرت أن ذلك كان بفعل الرعاية الإلهية).

وبينما يشير ديونيسيوس هنا إلى فائدة إستمرار دوره الرعاوى خلال منفاه الإختيارى فإنه يقيم دفاعه عن هربه فى لغة يفهمها ناقدوه جيدا – أى فى أسلوب من التوجيه الإلهى والتدخل المُعجز- مختلطا بلون من التضحية من أجل العقيدة ، حيث يصور نفسه فى خطابه على أنه كان هدفا للإضطهاد.
ويصبح هذا الأسلوب أكثر وضوحا عندما يصف ديونيسيوس كيف قُُُبض عليه بعد ذلك وأُُلقى به إلى السجن ثم كيف أُُنقذ بعد ذلك – وبشكل مُعجز – بواسطة جماعة من القرويين الوثنيين المحليين الذين عرفوا بمحنته. وهنا يصور ديونيسيوس نفسه وكأنه كان المشارك الأكثر رفضا فى عملية إنقاذه هو شخصيا. يقول ديونيسيوس :

( ثم وبعدما أدركت لماذا جاءوا ، صحت متوسلا ومستعطفا إياهم أن يرحلوا ويتركوننى وحيدا ، و أنهم إذا ماكانوا يريدون أن يفعلوا شيئا طيبا فإن عليهم أن يتربصوا بالذين خطفونى ليقطعوا رأسى بأنفسهم. وبينما كنت أصيح بمثل هذه الكلمات - كما يعرف الذين كانوا رفقائى وشركائى فى كل هذه الأشياء - فقد رفعونى بالقوة. وبدأت أمدد نفسى على الأرض ولكنهم وبعد أن أمسكوا بيديى وجروا قدميى ، حملونى إلى الخارج ، وتبعنى الشهداء الذين شهدوا تلك الأحداث ، جايوس وفوستوس وبطرس وبولس. وبعدأن إلتقطنى هؤلاء الشهود فى عجلة شديدة فقد أخذونى خارج القرية وقادونى بعيدا بعد أن وضعونى على ظهر حمار غير مسرج).

ويبدو المشهد الذى يصفه ديونيسيوس كأنه مشهد كوميدى ولكن عرضه الماهر المتأنى فى هذا الخطاب يحتوى على تضمينات شديدة الأهمية عن دوره وسلطته كأسقف. فبإظهار نفسه أنه أسقف قد جُر بعيدا عن مذبح الشهداء يرفس ويصيح وأن لديه شهود على ذلك فقد كان ديونيسيوس يبحث عن الشرعية فى أعين هؤلاء فى الكنيسة الذين كانوا قد عانوا والذين ماكانوا ليطيعوا قائدا لم يعانى فى الواقع تضامنا معهم. إن حاجته لإن يدافع عن تصرفه فى أعقاب الإضطهاد يلقى مزيدا من الضوء على خطابه إلى فابيوس أسقف أنطاكية حيث يُمجد الشهداء المقدسين بيننا معددا عذاباتهم وواصفا كم وكيف كانت المحن التى حلت بهم. ومثل وصفه لفترة سجنه القصيرة هو نفسه فإن تأريخ ديونيسيوس لقصص الشهداء كان من شأنه أن يتضمن وظيفة خطابية لتأكيد تضامنه مع هؤلاء الذين عانوا وماتوامن أجل العقيدة. وهكذا ففى مراسلات ديونيسيوس أسقف الإسكندرية يمكن لنا أن نرى للمرة ألأولى كيف بدأ أسقف سكندرى فى توظيف الخطاب المسيحى المبكر عن المعاناة المقدسة من أجل تشكيل هوية الكنيسة المصرية على أنها كنيسة الشهداء الأبطال وأن يشكل التصورات عن قيادتة الكنسية نفسها فى خضم الإضطهاد.
وفى أعقاب الإضطهاد سوف يواجه ديونيسيوس تحديا أخطر لسلطته كأسقف وسوف يظهر ذلك التحدى على جبهتين منفصلتين ولكنهما مترابطتنين مع ذلك . والأول هو أن الكنيسة المصرية مثلها مثل الكنيسة القبرصية فى شمال إفريقيا قد وُجهت بمعضلة السؤال عن ماذا تفعل مع هؤلاء الذين إرتدوا عن العقيدة أثناء موجة الإضطهاد. فبإنتهاء الإضطهاد فى سنة 251م قام كثيرمن هؤلاء المسيحيين المرتدين بتقديم إلتماسات من أجل إعادة قبولهم فى الكنيسة. وثانيا فقد وُجهت الكنيسة أيضا بتحدى عن ماذا تفعل مع المجاهرين الذين أُطلق سراحهم من السجون. وكما ذكرنا سابقا ، فبينما كانوافى السجون فقد نال هؤلاء المجاهرون السلطة الروحية لغفران الذنوب وكانت تلك السلطة مقصورة سابقا على الأساقفة وحدهم. فماهى الدرجة التى أصبح يستحقها هؤلاء المجاهرون الآن فى الكنيسة وبعد إنتهاء الإضطهاد؟
ومما زاد الأمور تعقيدا ، فإن بعض هؤلاء المجاهرين بالإيمان المستقلين عن الأسقف بدأوا فى الترحيب بهؤلاء الذين كانوا قد إرتدوا اثناء الإضطهاد ، إلى الكنيسة مرة أخرى. وهكذا وفى خطابه إلى أسقف روما فلم يكن ديونيسيوس مهتما فقط بوصف المعاناة السكندرية ولكنه كان يبحث أيضا عن النصيحة وعن كيف يمكن له أن يعالج موقف هؤلاء الذين سامحهم المجاهرون. يقول ديونيسيوس :

(هل يجب أن نؤيد المجاهرين كأننا نشاركهم الرأى ، هل يجب أن ندافع عن قرارهم وتوجههم وهل يجب أن نكون رحماء مع هؤلاء الذين أظهروا لهم الرحمة ؟ أم هل يجب أن ندين قرارهم ونقيم من أنفسنا رقباءا على ضمائرهم و نؤذى مشاعرهم الطيبة ونحط من قدرهم؟)

ويمكن لنا أن نرى هنا كيف أن أسقفا مثل ديونيسيوس السكندرى وسبريان القرطاجى قد وجدا أنفسهما محاصرين بين صخرة ومكان صلب. فمن جهة فإذا ماأيدوا عفو المجاهرين( عن المرتدين) فإنهم سوف يضفوا الشرعية على إدعائهم للسلطة فى الكنيسة بإستقلال عن الأسقف ، ومن جهة أخرى فإذا ماأدان الأسقف أفعالهم فإنهم سوف يخاطرون بخسارة تأييدهم المحلى الهام فاسحين المجال لمزيد من النقد بشأن تصرفهم هم أنفسهم أثناء الإضطهاد ؟
وفى حالة سبريان ، فقد تفاوض بحكمة من أجل إيجاد حل وسط لهذه المشكلة المعقدة وقرر أن يعين إثنين من المجاهرين كقراء( ليكتورز) لجماعة الكنيسة فى قرطاج وبينما لم يقم برسمهما كهنة فى الحال فقد قدم لهما راتبا تبعا لمرتبة رجال الكنيسة. كان حل سبريان الرائع مغروسا فى العادات الإجتماعية فى علاقات الحماية والتبعية القديمة. فقد كان تعيينه لإثنين من المجاهرين كقراء مدفوعى الأجر يعنى رفع مرتبة أتباعه الجدد وفى نفس الوقت - وبصفته راعى الكنيسة الأكبر- إمكانية أن يكسب لنفسه ولاء الناس الذين كان هؤلاء المجاهرون بالإيمان قد عفوا عنهم؟.
أما عن ديونيسيوس فلانعرف إلا القليل عن كيف إستجاب لنفس هذه المشكلة. ومثل سبريان يبدو أنه قد حاول التوصل إلى حل وسط بين لين المجاهرين وتصلب المتشددين فى الكنيسة والذين كانوا قد رأوا قبول تقديم القرابين أثناء موجة اًَلإضطهاد على أنه يساوى خطيئة غير قابلة للغفران. وفى خطاب ديونيسيوس إلى أسقف أنطاكية – على سبيل المثال - يمكن لنا أن نلاحظ كيف أنه حاول فرض معايير توبة أكثر تحديدا من أجل إعادة قبول المرتدين – مُرجئا إعادة قبولهم فى العادة إلى ماقبل وقت وفاتهم مباشرة – وذلك بينما أنه وفى نفس الوقت يُمثل نفسه هو والمجاهرون كمدافع عن إبراءهم النهائى. وفى هذا الخطاب يروى ديونيسيوس قصة رجل يسمى سيرابيون وهو رجل مسيحى عجوز كان قد قدم القرابين أثناء فترة الإضطهاد. فيصف كيف تناول سيرابيون فى النهاية العشاء الأخير وهو على فراش الموت بعد أن كان قد قدم العديد من طلبات الغفران دون جدوى. لم تكن إدارة الطقس المقدس صحيحة وإضطر حفيده الصغير أن يحضر إليه عناصرها من الكاهن المحلى والذى كان يرقد فى فراش المرض أيضا . ومع ذلك فإن ديونيسيوس يؤكد صحة الطقس قائلا بأنه قد أمر بأن يُغفرلهؤلاء الراحلين عن هذه الحياة- إذا ماأرادوا ذلك - وخاصة إذا ماكانوا قد تقدموا بإلتماس من قبل .
وعندما يكتب يوسيبيوس عن الخطابات الكثيرة التى كتبها ديونيسيوس عن موضوع التوبة فربما يعطينا دليل أبعد عن كيف مارس الأسقف مهارته فى المراسلات كطريقة يخاطب بها إهتمامات القطاعات المختلفة داخل الكنيسة. وبناء على رواية يوسيبيوس يبدو أن ديونيسيوس قد كتب سبعة خطابات على الأقل فيما يتعلق بموضوع التوبة بما فى ذلك مراسلات مع كنائس أنطاكية ولادوشيا وأرمينيا وروما وذلك بالإضافة إلى ثلاثة خطابات أخرى وُجهت إلى كنيسة الإسكندرية وكنيسة الوجه القبلى ( الصعيد). وهكذا وفى نفس الوقت الذى كان يفاوض فيه للبحث عن حل لمشكلة المجاهرين بالإيمان داخل الوطن ، كان ديونيسيوس يعمل أيضا على تقوية الروابط بين أسقفية الإسكندرية والأسقفيات الأخرى فى أنحاء المتوسط.
وقبل وفاته فى سنة 264م عانى ديونيسيوس من تجربة الإضطهاد مرة أخرى سنة 257م فى عهد الإمبراطور فاليريان. وفى بعض مراسلاته التالية يقدم روايات تفصيلية عن سجنه ومحاكمته ونفيه إلى ليبيا وهى الروايات التى تمنى أن توضح أكثر مدى تضامنه مع المجاهرين بالإيمان. وقد كتب من المنفى يصف كيف سُحب بعيدا بالقوة ليحبس فى مكان جاف منعزل فى ليبيا. وهناك إستترت مجموعة صغيرة من الكهنة وأخذوا فى تدبير زيارات رعاوية سرية إلى سكان المدينة المسيحين المقاتلين. وبين هؤلاء الكهنة كان هناك الرجل الذى سيخلفه فى النهاية كأسقف للإسكندرية وهو مكسيموس.
لقد صُهرت فترة رئاسة ديونيسيوس للكنيسة فى نار الإضطهاد مع ذلك فسوف تشهد السنوات الأخيرة من حكمه للكنيسة رجوعه من المنفى وتدشين فترة من السلام الطويل للكنيسة. فبعد أن وقع الإمبراطور فاليريان فى أسر الفرس سنة 260م أصدر خليفته الإمبراطور جالينوس مرسومين فى سنة 260م وسنة 262م مؤكدا على حقوق الكنيسة معيدا لها أملاكها. وعلى مدى الأربعين سنة التالية الواقعة بين أسقفية مكسيموس (264-282م) وخلفه ثيوناس (282-300م) لم تكن الكنيسة المصرية مهددة بأى إضطهاد حكومى. ومع ذلك ففى سنة 300م إنتهى هذا الهدوء وتراجع مفسحا الطريق لعاصفة الإضطهاد الكبرى الأخيرة فى تاريخ الكنيسة.

بطرس السكندرى( الإضطهاد والتوبة وصناعة أب شهيد).

(لقد كانت السنة التاسعة عشرة من حكم الإمبراطور دقليديانوس عندما وُزعت المراسيم الإمبراطورية فى كل مكان آمرة بهدم الكنائس وبحرق نسخ الكتاب المقدس معلنة على الملأ أن هؤلاء الذين شُرفوا سوف يوصموا بالعار وأن هؤلاء الواقعين تحت العبودية المنزلية – وإذا ماإستمروا على إيمانهم المسيحى – سوف يجردوا من حرياتهم. لقد كان هذا هو أول مرسوم ضدنا.)

بهذه الكلمات يصف يوسيبيوس القيصرى بداية الإضطهاد الكبير الذى بدأ فى سنة 303م أثناء حكم الإمبراطو دقلديانوس. وقبل ثلاث سنوات من ذلك التاريخ وعند إنتخاب بطرس السكندرى كأسقف لكنيسة الإسكندرية ربما بدا مثل تطور الأحداث الكئيب هذا مستحيلا بالنسبة لكثير من المصريين. فأثناء الفترة المبكرة من حكم دقلديانوس تمتع المسيحيون فى مصر بفترة من الرخاء الإقتصادى بعيدا عن التدخل الحكومى إلى حد كبير. وكإمبراطور فقد وجه دقلديانوس معظم إهتمامه إلى مجال الإصلاح الإدارى والعسكرى والإقتصادى والقانونى للإمبراطورية الرومانية. وبين أهم إنجازاته كان تقسيم الإمبراطورية إلى أربعة أقاليم إدارية يحكم كل منها إمبراطور خاص ويأتى دقلديانوس نفسه على رأس هذه الحكومة الإمبراطورية الرباعية. فمن خلال مثل هذه الإصلاحات كان دقلديانوس يأمل فى تقوية حدود الإمبراطورية الرومانية وإرجاع الإمبراطورية إلى مجدها السابق.
ومع ذلك فعندما تولى بطرس كرسى أسقفية الإسكندرية سنة 303م كان هناك إشارات شؤم توحى بأن هذه الظروف الإيجابية كانت على وشك أن تتغير. ففى سنة 297م إشتعلت ثورة فى ألإسكندرية ضد سياسات دقلديانوس الضريبية الجديدة مماإضطر الإمبراطور وجيشه للتدخل وقضاء سنة ونصف فى مصر لقمع تلك الثورة وإسترجاع الهدوء فى الريف. ثم وفى سنة 299م ونتيجه لشكوكه فى أن محاولة تقديسه كانت تُخمد بسبب وجود المسيحيين حاملين علامة الصليب قام الإمبراطور بإصدار أمرا محليا - حينما كان فى سوريا - مهددا بتطهير الجيش من الجنود الذين يرفضون تقديم القرابين للآلهة الوثنية. وأخيرا وبعد سنتين من تولى بطرس كأسقف أصدر دقلديانوس - عندما حضر إلى الإسكندرية مرة أخرى- مرسوما قرر فيه الحكم بالإعدام على أتباع الطائفة المنوية ( ديانة فارسية قديمة تنسب إلى مانى وتقول بثنائية الصراع بين النور والظلام أو بين الخير والشر). كانت لغة المرسوم – والتى كانت تتهم المنويين بإرتكاب جرائم ضد الآلهة وضد ماتقرر وجرى عليه القدماء – تُظهركيف أن هدف دقلديانوس فى إسترجاع مجد الإمبراطورية القديم كان يتقاطع مع أجندة لتشجيع الولاء الدينى والوحدة فى الإمبراطورية. وفى السنة التالية مباشرة أدخلت تلك الأجندة دقلديانوس فى نزاع مباشر مع الكنيسة المسيحية.
وفى 23 فبرايرمن سنة 303م أصدر دقلديانوس – وبناء على تحريض الإمبراطورالوكيل فى الشرق - جاليروس - المرسوم السابق ذكره والذى فوضه فيه بحرق نسخ الكتاب المقدس وهدم الكنائس وتجريد المسيحيين من مراتبهم الإجتماعية. وعلى مدى الإثنى عشرشهرا التالية أُعلنت سلسلة من المراسيم الأخرى مُصعدة لعمليات الإضطهاد الحكومى. وتم تقنيين التعذيب كنوع من العقاب وقُبض على رجال الدين المسيحيين وأكرهواعلى تقديم القرابين الوثنية وأخيرا - وفى تصرف مذكر بحكم الإمبراطور ديقيوس قبل خمسين سنة من ذلك التاريح – أصدرالإمبراطور أمرا عاما طالبا من الجميع تقديم القرابين للآلهة الوثنية. وعلى مدى العشرة سنوات التالية - وتحت حكم دقلديانوس ثم تحت حكم خليفتيه جاليروس ومكسيموس – ضُُربت الكنيسة المصرية بموجات متتابعة من الإضصطهاد العنيف. ومرة أخرى وفى مواجهة الإضطهاد إستخدمت قيادة الكنيسة السكندرية رأس المال الإجتماعى - القائم رهن تصرفها - بما فى ذلك المراسلات الشخصية والتشريعات الكنسية وإنتاج سير القديسين لتعلن عن هوية الكنيسة المصرية ككنيسة الشهداء.
وضع تجدد الإضطهاد أثناء حكم كل من دقلديانوس وجاليروس تحديات قديمة وجديدة أمام سلطة بطرس كأسقف للإسكندرية. وقد وجُه المرسوم الثانى ضد المسيحيين – والذى صدر فى ربيع أو صيف سنة 303م – ضد القيادة الكنسية بوجه خاص. وإضطر بطرس – مثل ديونيسيوس قبله – إلى الفرار. كما عُزل كثير من رجال الكنيسة المصريين عن أسقفياتهم بما فى ذلك أربعة من الأساقفة وهم هيسكيوس وباخوميوس وثيودوروس وفيلياس – وأُلقى بهم فى السجن.
ومن منفاه – فى العراق وسوريا وفلسطين - حاول بطرس أن يقدم التشجيع والتوجيه المستمر للكنيسة المصرية ، مستعينا فى تبرير هربه بتعليمات المسيح إلى حوارييه و الواردة فى الإصحاح العاشر – الآية 23 من سفر متى ( وعندما يضطهدونك فى هذه المدينة إهرب إلى المدينة التالية ). وبتقديم ذلك الإعتذار المستند إلى الكتاب المقدس عن تصرفه الشخصى فقد كان بطرس يرد وبلاشك على نفس نوع الإنتقادات التى وجُهت إلى ديونيسيوس قبل عدة أجيال أثناء الإضطهاد الديقيوسى. ومع ذلك وبينما لجأ ديونيسيوس إلى التدبير الإلهى والتدخل المُعجز للآخرين فى شرح هربه من السجن فقد إرتكز دفاع بطرس فى النهاية على حديث الكتاب المقدس والذى صور نفسه فيه فى توافق مع الحواريين ومع طاعة تعاليم المسيح.
لم يكن الجميع راضيا بدفاع بطرس عن هربه. وبرغم مجهوداته فى المراسلات المستمرة وبعودته القصيرة إلى الإسكندرية بين سنتى 303-306م فقد شعرالبعض أن غياب بطرس الطويل- ومع سجن الأساقفة المصريين الآخرين - قد ترك فراغا قياديا خطيرا فى الكنيسة المصرية. وفى سنة 304م حاول أسقف ليكوبوليس( أسيوط) فى الوجه القبلى المدعو ميليتوس بأن يفعل شيئا ليملأ ذلك الفراغ. وربما بدافع الحفاظ على إستمرار ممارسة طقوس الكنيسة فقد قام برسم أساقفة جدد ليأخذوا أماكن الأربعة الذين منع سجنهم من تولى أماكنهم فى أسقفياتهم وهم هيسكيوس وباخوميوس وثويودورس وفيلياس. ومع ذلك فإن تدخل ميليتوس فى أعمال الأسقيات الأخرى كان مناقضا تماما للممارسة القانونية التقليدية فى الكنيسة فبعد أن عرف الأساقفة الأربعة المسجونين بتصرفه هبوا ثائرين فى عاصفة من الإحتجاج. وفى خطاب كُتب من سجنهم بالإسكندرية وموجها إلى ميليتوس أدان الأساقفةالأربعة تعيينه لأساقفة فى أبرشيات أخرى على أنه (غريب عن النظام المقدس وقواعد الكنيسة) وعلى أنه إهانة بشكل خاص إلى مبدأ الوراثة الرسولية وشرف أسقفنا وأبينا العظيم ، بطرس. إن خطاب الأساقفة هو مصدر عظيم الأهمية لإعادة بناء وتوضيح دافع ميليتوس حيث إعترضوا بشكل خاص على إدعائه بأن القطيع كان معوزا مهجورا ، وجادلوا بإن ألإحتياطات المناسبة كانت قد إتُخذت فى الواقع لتدبير زيارة أعضاء الكنيسة أثناء فترة الإضطهاد. ويقدم الخطاب أيضا شهادة على الولاء الذى ظل بطرس يتمتع به أثناء فترة وجوده فى المنفى. وفى عقاب ميليتوس أعاد الأساقفة تأكيد سلطة البطريرك السكندرى فى مسائل التشريع الكنسى.

يقول الأساقفة :

( إنك يا ميليتوس كان يجب أن تنتظر قرار الأب الأكبر وتصريحه لك بأن تفعل ذلك)

ولكن ميلتوس لم يتراجع بخطاب الأساقفة. وخلال سنة كان الأساقفة الأربعة قد إستشهدوا وحضر ميليتوس عبر النيل من ليكوبوليس فى الوجه القبلى ودخل الإسكندرية وعين أسقفين آخرين لملء الأبرشيات الفارغة فى المدينة العاصمة. وقد سبب هذا التصرف الأخير من ميليتوس رد فعل من بطرس نفسه. فمن منفاه كتب بطرس خطابا إلى رعاياه فى الإسكندرية طاردا ميليتوس بشكل رسمى من الكنيسة ومحذرا إياهم من الإرتباط به. وقد حُفظ ذلك الخطاب وهو يُظهر صراعا من أجل السلطة فى كنيسة قد ألقى بها إلى الفوضى والإضطراب بسبب الإضطهاد الحكومى.

يقول بطرس :

( من بطرس إلى إخوته الأحباء فى الله ، تحياتى . وحيث إننى وجدت أن تصرف ميليتوس لايخدم المصلحة العامة بأى حال وأنه لم يقتنع بخطاب الأساقفة المقدسين الشهداء بل قام بغزو أبرشيتى مفترضا الكثير لنفسه محاولا أن يفصل من سلطتى ، الكهنة وهؤلاء الذين عُهد إليهم بزيارة المحتاجين ، مقدما الدليل على رغبته فى التفوق بتعيينه الكثيرين بنفسه ممن فى السجن والآن إحذروا ذلك ولاتقوموا بأى إتصال به حتى إلتقى به مع بعض الرجال الحكماء ونعرف ماهى خططه. الوداع.).

وفى تصرف ميليتوس بإقناع بعض كهنة بطرس بتحويل ولائهم إليه وبتعيينه للعديد من المجاهرين بالإيمان المسجونين لمنصب الكاهن ، يمكن لنا أن نرى جذور إنشقاق كبير فى الكنيسة المصرية. وهكذا يمكن إرجاع بدايات فتنة ميليتوس إلى الخلاف حول شخصية وشكل قيادة الكنيسة أثناء فترة الإضطهاد. ومع ذلك فإن هذا الخلاف سرعان ماتوسع ليشمل نوعا آخر من الخلاف – وبالتحديد – حول السؤال المعروف عن كيف يمكن للكنيسة أن تقبل إعادة قبول هؤلاء الذين ضعفوا وقدموا القرابين أثناء فترة الإضطهاد. لم يكن صلب المشكلة – وإلى حد كبير – هو قبول أو عدم قبول هؤلاء ولكن عن الفترة التى يجب أن تمر قبل أن يُسمح لهم بالعودة إلى الكنيسة وعن الدرجة التى يجب أن يستحقوها بعد ذلك . إتخذ ميليتوس وأتباعه موقفا متشددا من هذه المسألة وضد موقف بطرس اللين مطالبا بفترات توبة أطول قبل السماح بإعادة قبول المرتدين. وربما يكون موقف ميليتوس هذا قد زُيف أثناء سيرته الأسقفية فى صعيد مصر فقد وجد دليل غير قاطع فى قصاصتين قبطيتين بأن سلف ميليتوس كأسقف لليكوبوليس كان قد وُجد مذنبا بالردة أثناء فترة الإضطهاد. و ربما كانت جريمته – فى أعين رفاقه المسيحيين – هى تسليم نسخ الكتاب المقدس كى تحرق كما أمرت الحكومة الرومانية فى مرحلة مبكرة من الإضطهاد. وفى هذا السياق ، ربما كان إنتخاب ميليتوس فى الواقع رد فعل متصلب ضد أى تفاهم مع السلطات الرومانية. لقد صورت قصة الخلاف بين بطرس وميليتوس بشكل حى فى القصة التى رواها إبيفانيوس ، كاتب الكنيسة فى القرن الرابع الميلادى. ففى قصة يحتمل أنها مختلقة إلى حد كبير ، وجد بطرس وميليتوس نفسيهما مسجونين فى نفس السجن ونفس الزنزانة وبدأً فى الجدل حول إعادة قبول المرتدين. وتبعا لإبيفيانوس فقد حميت المناقشة بين الإثنين فى النهاية لدرجة جعلت بطرس يعلق عبائته فى منتصف الزنزانة كحاجز مادى يفصل بينه وبين منافسه. وقد أخذ عدد من الباحثين هذه القصة بشكلها الظاهرى معتبرين هذا الحدث كأنه سبب الصراع الأساسى بين بطرس وميليتوس. ومع ذلك فليس هناك دليل مؤيد لمثل هذه المواجهة فى السجن بين هذين الشخصين ولايوجد حتى دليل على أن أى منهما قد سجن بالفعل فى المراحل المبكرة من الإضطهاد. إن الخطابات المبكرة التى كتبهاالأساقفة الأربعة والأسقف بطرس والتى ذكرناها سابقا لم تكن تركز على مسألة المرتدين ولكن على تصرف ميليتوس الغير قانونى بتعيين أساقفة خارج حدود دائرته الأسقفية. وهكذا فمن المحتمل أن رواية إبيفيانوس هى ذات طابع أسطورى وأنه كان يقرأ فى الماضى فى الأيام الأولى للإنشقاق حيث تحددت الخلافات بعد ذلك وبعد ان إنفجر الخلاف تماما. وفى أى الأحوال فإن تأسيس ميليتوس لكهنوت أسقفى منافس وموقفه المتشدد بخصوص إعادة قبول المرتدين قد حفز بطرس فى النهاية على العودة إلى الإسكندرية من منفاه حوالى سنة(305-306م). لكن إقامته هناك كانت مؤقتة ولم تستمر لأكثر من سنة تقريبا حيث أُجبر بعد ذلك على الهرب مرة أخرى. ولكنه وأثناء فترة عودته تلك فقد كتب بطرس واحدا من أعظم أعماله تأثيرا وهو خطابه القانونى فى مسألة المرتدين. وفى ذلك الخطاب حاول تبديد تحدى ميليتوس لسلطته عن طريق وضع مجموعة من السياسات المنظمة فيما يخص ممارسة التوبة فى الكنيسة.
وبينما يوجد دليل على وجود خطوط عريضة مبدأية لنظام توبة مُعترف به فى مصر فى منتصف القرن الثالث الميلادى فإنه يمكن لنا أن نرى وللمرة الأولى فى خطاب بطرس القانونى محاولة تفصيلية يقوم بها الأسقف المصرى لتحديد مدة التوبة بالعلاقة مع أشكال الردة المختلفة. فحول إصرار ميليتوس الشديد على عدم منح الغفران للمرتد حتى ينتهى الإضطهاد ، فقد وضع بطرس نظاما من التوبة مُصصما للإستجابة بشكل أكثر فورية لإلتماسات هؤلاء الباحثين عن العودة إلى الكنيسة مرة أخرى. وعلى سبيل المثال ، فإن هؤلاء الذين قدموا القرابين ثم ندموا بعد ذلك وجهروا بإيمانهم وعرضوا أنفسهم للسجن أو التعذيب فقد قُبلوا فورا فى الجماعة المسيحية.( القانون 8 ). وينطبق نفس الشئ حتى على هؤلاء الذين دفعوا مالا أو تنازلوا عن ممتلكاتهم وهربوا لتجنب تقديم القرابين.( القانون 12-13). وبالإضافة إلى ذلك فقد أخذ بطرس موقفا معتدلا فيما يخص هؤلاء الذين قدموا القرابين تحت وطأة العذاب أو السجن ثم ندموا بعد ذلك. وفى وقت هذا الخطاب القانونى ، كان قد مضى ثلاثة سنوات على بداية الإضطهاد وكان بطرس مستعدا لإن يحسب لهم الوقت الذى خدمه المرتدون فى السجن فعلا مع إضافة أربعين يوما أو سنة واحدة و تبعا لكل حالة – كشرط لتوبتهم ( القانون 1-2).
ومع ذلك ففى نفس الوقت الذى تعكس فيه قوانين بطرس حساسيته الرعاوية لإحتياجات هؤلاء الذين تعثروا أثناء الإضطهاد فإنها أيضا توضح إهتمامه بإظهار تضامنه مع المجاهرين بالإيمان وبأن يحصل على تأييد عناصرقوية فى الكنيسة بأخذ موقفا حازما ضد تجاوزات أخرى أكثر خطورة. وهكذا فقد أسبغ الثناء على المجاهرين لشجاعتهم وأعلن تأييده لتوسلاتهم التشفعية بشأن المرتدين (القانون 11). وأيضا منح بطرس مرتبة المجاهر بالإيمان لهؤلاء الذين أُجبروا- تحت وطأة التعذيب - على تقديم القرابين ضد رغباتهم بشرط أن يستطيعوا تقديم شهود يؤكدون معاناتهم ( القانون 14). وعندما فرض بطرس فترات توبة أطول لأشكال مختلفة من الردة فربما كان يبحث عن إيجاد أرضية مشتركة مع منتقديه وخاصة هؤلاء فى الكنيسة الذين تأثروابمعايير ميليتوس الصارمة بخصوص هذه المسألة. وعلى هذا فهؤلاء الذين إرتدوا بدون أن يتعرضوا لأى سجن أو تعذيب وهؤلاء الذين إضطروا لجعل عبيدهم المسيحيين يقدمون القرابين نيابة عنهم فقد فرض بطرس عليهم على الأقل ثلاثة سنوات أكثر كشرط للتوبة.( القوانين من 3 إلى 7). وبطبيعة الحال فإن هؤلاء الذين ظلوا غير نادمين بعد قيامهم بتقديم القرابين فقد لُعنوا وحرموا من العودة إلى الكنيسة تماما.( القانون 4). وأخيرا حكم بطرس بأن رجل الكنيسة المرتد والذى ندم بعد ذلك وعانى من أجل العقيدة ربما يُعاد قبوله إلى الجماعة المسيحية ولكنه يُمنع من شغل أى مركز كنسى فى المستقبل. وهذا الموقف يدل بشكل آخر أنه كان يحاول مخاطبة هؤلاء فى الكنيسة من الذين كانوا – مع ميليتوس - يشعرون بخيبة أمل شديدة من تقلب قيادتهم الدينية. وهكذا فلم يكن خطاب بطرس القانونى يعكس فقط إهتمامه الرعاوى بمعالجة الجروح التى سببها ألإضطهاد ولكنه كان أيضا منافسة كنسية أوسع حول ميراث الشهداء. وفى إتخاذ موقفهم الأكثر تشددا حدد ميليتوس وأتباعه أنفسهم بشكل خاص على أنهم كنيسة الشهداء الحقيقية. (إكليسيا مارتورن). ومن جانبه – وبينما مضى فى نهج الإعتدال الذى سنه سلفه ديونيسيوس - فقد حاول بطرس بمهارة أن يغرس إدعاء مماثل للكنيسة التى يمثلها بتمجيد المجاهرين بالإيمان والوقوف بحزم فى وجه هؤلاء الذين إرتكبوا جريمة الردة وقدموا القرابين للآلهة الرومانية.
لقد أصبح الخطاب القانونى أساسيا للقانون الكنسى بعد ذلك فى الكنائس الشرقية ولكن فى وقت كتابته فما كان ليفعل شيئا لإيقاف نمو الكنيسة الميليتية ( نسبة إلى ميليتوس). ومع إضطرار بطرس للرحيل إلى المنفى فى سنة 306م مرة أخرى أصبحت الجماعات الميليتية أكثر قوة خاصة فى المدن وأرياف صعيد مصر. وبعد ذلك وفى القرن الرابع الميلادى سوف يتورط أتباع ميليتوس فى السياسات اللاهوتية المعقدة للخلاف الآريوسى وسوف يرتبطون بشكل متزايد بتقليد الرهبنة المصرية ( إنظر الفصل الثالث). والواقع أن هناك دليل على أن الجماعة الميليتية قد إستمرت كحركة ديرية ( حركة رهبنة) حتى القرن الثامن الميلادى.
وفيمايخص المنافسة الكنسية بين بطرس وميليتوس فسوف ينتزع موت بطرس فى أيام الإضطهاد الأخيرة ميراث الشهداء من منافسه ويعيده إلى كنيسة الإسكندرية. وفى 30-31 إبريل أصدر الإمبراطور جاليروس قراره الشهير بالتراجع عن الإضطهاد ملغيا أمر وجوب تقديم القرابين للآلهة الرومانية ومصدرا عفوا عاما عن المسيحيين. وأصبح بطرس حرا فى أن يعود إلى الإسكندرية. ومع ذلك فبعد ستة أشهرأخرى إشتعل ألإضطهاد مرة أخرى فى الشرق أثناء حكم الإمبراطور مكسيموس وقُبض على بطرس. ثم ٌقثل بطرس على يد معذبيه الرومان وشكلت تلك الواقعة التى سجلها يوسيبيوس فى تاريخه وأعاد روايتها فى أسطورة عن سير القديسين – وبشكل نهائى - هوية البطريرك السكندرى كرئيس للكنيسة المصرية (كنيسة الشهداء).
وبينما يقدم يوسيبيوس تفاصيل قليلة جدا عن إعدام بطرس بضرب رأسه فإن كتاب( إستشهاد القديس بطرس) وسع القصة بحشد من التفاصيل التى لم ترد فى رواية يوسيبيوس. والواقع أن قصة إستشهاد بطرس قد عاشت فى ثلاثة آثار أدبية مختلفة تنتهى أقصرها ( رقم إس) بقصة موت بطرس فى زنزانته وهى تصف كيف - ومع تهديد المسيحيين السكندريين بالثورة لسجن أسقفهم - سمح بطرس لآسريه بالدخول إلى زنزانته سرا من خلال فتحة فى الجدار الخلفى للزنزانة كى يتجنب لفت نظر العامة ثم قدم نفسه طائعا لجلاده كى يحمى السكان من مزيد من الإنتقام. وفى النسختين ألأكثر طولا ( رقم إل ورقم إل إل ) عُدلت القصة بشكل كبير. فهناك يُقاد بطرس من فتحة فى جدار الزنزانة الخلفى ثم يؤخذ بناء على طلبه إلى كنيسة القديس مرقس فى بوكاليس (بوكولو) فى الضواحى الشرقية للإسكندرية ، وهناك ، وبعد أن سُمح له بالصلاة فى مقام القديس مرقس ، نال بطرس موت الشهيد. وتضيف النسخة الأطول للإستنشهاد وهى رقم(إل إل) العديد من التفاصيل الإضافية الأخرى عن الأحداث التى وقعت بعد إستشهاده منها الخلاف المحلى الذى نشب حول المكان الذى يجب أن يدفن فيه ثم عن التتويج الإحتفالى لجثته وتسليم ردائه الكنسى إلى خليفته أخيلاس - و أخيرا - عن دفنه فى مقابر تقع إلى الغرب من الإسكندرية.
وليس لمعظم هذه التفاصيل الإضافية فى الروايات الموسعة أى أساس تاريخى ولكنها تخبرنا بالكثيرعن كيف مُثل بطرس كنموذج مثالى للشهيد فى الأجيال التالية وكيث تشكلت البطريركية السكندرية بأسلوب الشهادة ذلك. وبشكل خاص فإن النسخة الأطول من (إستشهاد القديس بطرس) تُعيد بشكل واعى الربط بين الشهيد بطرس وسلفه الرسولى ، القديس مرقس. فإن نقل الرواية لمكان موت بطرس إلى موقع مقام مدفن القديس مرقس فى بوكاليس يربط إستشهاد بطرس مكانيا بالممارسات الإجتماعية للحج وتقديس القديسين المرتبطة بعبادة مرقس. ففى قصة الإستشهاد فإن تصرف بطرس بتقبيل مقبرة مرقس وصلاته أمام المقام يجعل هذا الإرتباط الإستطرادى حتى أكثر وضوحا. ففى الصلاة يخاطب بطرس القديس مرقس بصفته أول شهيد وأول أسقف لهذه الأسقفية. وبعد ذلك وبنفس المعنى ترى عذراء تقف بالقرب من ذلك المشهد رؤية تسمع فيها صوت سماوى يقول ( بطرس كان أول الرسل والآن بطرس هو آخر الشهداء)( المقصود ببطرس فى أول الفقرة هو بطرس حوارى وصديق المسيح أما بطرس فى آخر الفقرة فهو بطرس أسقف الإسكندرية موضوع الحديث هنا). وهنا نرى كيف أصبح بطرس بطريرك الإسكندرية يُمثل الأسقف الشهيد النموذجى والجدير بأن يكون وريث معاناة القديس مرقس وسلطة القديس بطرس الرسولية.
وقد ساعد هذا التمثيل لبطرس كالأسقف الشهيد النموذجى فى النهاية فى بناء الهوية الإجتماعية للبطريركية السكندرية والكنيسة المصرية فى العصر القديم. لم تربط صلاة بطرس عند مقام القديس مرقس هويته مع مرقس الإنجيلى نفسه فقط ولكن أيضا بالسلالة البطريركية بعد مرقس. وفى صلاة يبتهل فيها إلى المسيح ، يقول بطرس ( لقد إخترت أنانيوس المبارك لإنه كان جديرا بذلك وبعده فقد إخترت إبيليوس وهؤلاء الذين خلفا هذين الإثنين ، ديميتريوس و هيراقليس وديونيسيوس ومكسيموس والمبارك ثيوناس- أبى - الذى ربانى حتى توليت رئاسة تلك الأسقفية بعده). وفى النسخة الأطول من الإستشهاد يربط موت بطرس أيضا بين بطرس وبين هؤلاء الذين سيأتون بعده فى رئاسة أسقفية الإسكندرية . ففى نهاية القصة وقبل دفنه - يأخذ الأساقفة ومعهم أكبر رجال المدينة وحشد من الجمهور، جسد بطرس ، ويضعونه على العرش الأسقفى ثم يرسمون خليفته أخيلاس فى طقس يتضمن الإنتقال المادى لرداء الأسقف المتوفى. وخلال هذه القصة من رواية الإستشهاد ، يشار إلى بطرس على أنه الأسقف الأكثر قداسة وشهرة وشهيد الله المقدس. وفى رواية تلك الأحداث تحولت شهرة بطرس- عمليا - بصفته الأسقف الشهيد النموذجى إلى المركز البابوى نفسه.
وهكذا ففى التاريخ وفى الأسطورة اللاحقة ، يمكن لنا أن نرى كيف كان للإضطهاد الكبير أثرا عميقا على البناء الإجتماعى للبطريركية السكندرية فى أخريات العصور الوسطى وكذلك على التصور الذاتى للكنيسة المصرية. وفى فترة العصور الوسطى سوف يبدو هذا التأثير بشكل أكثر وضوحا فى نظام التأريخ الذى إختاره الأقباط لأنفسهم . فمع القرن الرابع الميلادى بدأ المصريون يحددون ولاية دقلديانوس الإمبراطورية فى سنة 284م كبداية لحقبة جديدة فى تاريخهم ( عصر دقلديانوس). وسرعان ما إحتضنت الجماعات المسيحية فى مصر تلك النظرة إلى التواريخ كعلامة إدراك ذاتى لهويتهم التاريخية على أنهم الشعب الذى عانى من الإضطهاد. وفيما بعد أصبح هذا التحديد الزمنى للهوية المذهبية حتى أكثر وضوحا عندما بدأ عصر دقلديانوس يسمى بعصر الشهداء. وفى الواقع فبحلول القرن الثانى عشر الميلادى فقد أخذت العبارة الأخيرة ( أى عصر الشهداء) وبشكل كبير تحل محل العبارة الأولى ( أى عصر دقلديانوس) بين الأقباط كأفضل وسيلة لتأريخ الأحداث التاريخية ، وحتى اليوم ، فمازال المسيحيون المصريون مستمرين فى إحصاء سنواتهم تبعا لعصر الشهداء.


































الفصل الثالث

الخلاف اللاهوتى ومحاولة كسب تأييد الرهبان
( البطريركية السكندرية من 312 إلى 451م)
من أخيلاس إلى ديسقوروس الأول

ومع نهاية الإضطهاد الكبير ومع صعود الإمبراطور قسطنطين إلى الحكم (312-337م) سرعان مابدأت حظوظ الكنيسة االمسيحية فى مصر وفى باقى الإمبراطورية الرومانية فى التغير. فمع إنتصار قسطنطين الحاسم على منافسه الإمبراطورى - مكسنتيوس - فى موقعة جسر ميلفيان خارج روما سنة 312م ، يُقال أنه قد رأى المسيح فى رؤية وأنه وبناء على ذلك فقد أمر جنوده برفع علامة المسيح ( اللابروم) فوق دروعهم .( بالمصادفة البحتة تتشابه علامة اللابروم تلك – أى علامة رابطة الأباطرة - مع علامة الصليب ومع ذلك فقد إعتبرت الأجيال التالية أن المقصود برفعها ذلك اليوم كان هو رفع علامة صليب المسيح). وبعد إنتصاره والإعتراف به كحاكم أعلى من قبل مجلس السناتو(مجلس الشيوخ الرومانى) أصبحت الكنيسة فجأة هى المستفيد الغير متوقع من الحماية الإمبراطورية وذلك رغم حقيقة أن قسطنطين نفسه إستمر فى إظهار التبجيل العلنى للإله سو إله الشمس الرومانى.
كانت رعاية قسطنطين للكنيسة واسعة النطاق. فقد أيد إسترداد الكنيسة لممتلكاتها والتى كانت قد ُصودرت اثناء فترة الإضطهاد كما أمر بهبات من الخزانة الإمبراطورية من أجل بناء وترميم وزخرفة الكنائس بالإضافة إلى نشر مخطوطات الكتاب المقدس. وبالإضافة إلى ذلك فقد أسبغ على رجال الدين المسيحيين حقوقا ومميزات خاصة وقد حصلوا – بشكل خاص – على إعفاءات من الخدمات الحكومية العامة ومن الضرائب. وأُدخل كثير من الأساقفة المسيحيين إلى دائرة المقربين من قسطنطين فى البلاط الإمبراطورى ومُنحوا سلطة ترأس إدارة المنازعات القانونية التى تحتوى على أطراف مسيحية. وأخيرا فقد قام قسطنطين أيضا بإصلاحات قانونية عكست حمايته للقضايا المسيحية ، فألغى الصلب كشكل من أشكال العقاب وإعترف بيوم الأحد كيوم مقدس فى الإمبراطورية يُمنح فيه الجنود فى الجيش أجازة رسمية لأجل العبادة.
وحيث لم يعدوا يشعرون بتهديد خطر الإضطهاد مرة أخرى فقد بدأ كثير من المسيحين يحتفلون بحكم قسطنطين على أنه عصر ذهبى أخروى نزلت فيه مملكة الله إلى الأرض. ويكتب المؤرخ المسيحى يوسيبيوس( إن إمبراطورنا - صديق الله والذى يحمل صورة الملكية المقدسة - وعندما يدير دفة الحكومة ، فإنه يحكم تبعا لمشيئة الواحد فوق جميع الأشياء على الأرض). ومن جانبه فقد دعى قسطنطين نفسه( الأسقف الذى عينه الله على جميع الأشياء الخارجة عن نطاق الكنيسة). وبالنسبة لكتاب مثل يوسيبيوس وبالنسبة لقسطنطين أيضا فإن وحدة الكنيسة ووحدة الإمبراطورية مضت جنبا إلى جنب ، علامات مؤكدة على نعمة الله وعلى مجد روما المتجدد.
ومع ذلك ، ففى بعض الأماكن ، فإن هذه الرؤية الخيالية عن كنيسة وإمبراطورية موحدة قد بدأت تُظهر علامات خلل مُقلقة. ففى كنيسة شمال إفريقيا بدأت الأخبار عن الإنشقاق الدوناستى تصل إلى مسامع قسطنطين فى سنة 313م . وسوف تشتعل تلك الحرب الأهلية الكنسية برغم محاولات الإمبراطور المتكررة لفرض إرادته على الكنيسة الدوناستية المنشقة. وبعد نصف عقد من الزمان سوف يُضطر قسطنطين إلى التدخل فى نزاع لاهوتى نشأ فى الإسكندرية حول تعاليم كاهن يسمى آريوس. وسوف يمتد ذلك الخلاف الذى إستغرق ستين عاما وسمى - فتنة آريوس – إلى خارج حدود الإسكندرية وسوف يدوم لفترة طويلة بعد حكم قسطنطين.
كانت فتنة آريوس هى الأولى فقط فى سلسلة من النزاعات اللاهوتية التى ضربت الكنيسة المصرية وحوض المتوسط خلال الفترة الباقية من القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس. وحيث لم يعدوا يواجهون أى تهديد بخطر الإضطهاد بدأت الكنيسة الأكبر – وبشكل متزايد – تجد نفسها تُشغل وتُقسم بسبب إنقسامات داخلية حول مسائل عقائدية. وكما سوف نرى ، فقد وجدت القيادة الكنسية المصرية نفسها – وبشكل قوى - فى مركز ذلك الإضطراب اللاهوتى والسياسى.
وفى هذا الفصل سوف أركز – بشكل خاص – على ثلاثة عواصف من النزاعات اللاهوتية أثناء تلك الفترة وهى الخلاف الآريوسى بين السنوات 318-381م و الخلاف الأوريجينى بين السنوات 390-410م. و الخلاف النسطورى بين السنوات 428-451م. ففى كل من هذه البدع أو الخلافات اللاهوتية وضع البطاركة السكندريون أنفسهم فى موقف المدافعين المخلصين عن الأرثوذكسية اللاهوتية( يُقصد بالأرثوذكسية المواقف والمفاهيم الدينية التقليدية التى إصطلح على العمل بها فى الكنيسة المسيحية الأولى) والتى غالبا ماأصبحت كمانعة الصواعق ضد نقد خصومهم. وكثير من الأدب الذى أنتجه البطاركة أثناء تلك الفترة كان أدبا جدليا وهو كتابات سجلت حروب الكلام التى كانت تُشن بين الجماعات الدينية المتصارعة. وعلى هذا فأثناء الخلاف الآريوسى قام البطريرك إسكندر( 312-328م) بتوزيع سلسلة من الخطابات ضد تعاليم آريوس. وسوف يقوم خلفه أثناسيوس( 328-373م) بكتابة إعتذار فى شكل (تاريخ وثلاثة مقالات رسمية ) ضد أتباع آريوس بالإضافة إلى العديد من الخطابات والمقالات الأخرى. وحتى الترجمة التنسكية الشهيرة لأثنايوس (حياة القديس أنطونيوس) تحتوى على أجندة ضمنية ضد آريوس. وأثناء الخلاف حول لاهوت أوريجن فى نهاية القرن الرابع إستخدم كبير أساقفة الإسكندرية الأسقف ثيوفيلوس (385-412م) نفس أسلوب الخطابات العامة والعظات لمواجهة هؤلاء الذين تبنوا آراء أوريجن. وأخيرا وأثناء الخلاف حول طبيعة المسيح فى القرن الخامس وُظفت تكتيكات مماثلة من قبل كيرلس ، أسقف الإسكندرية ( 412-444م) وخلفه ديوسقوروس ( 444-454م). وبين الإنتاج الأدبى الكبير لكيرلس – على سبيل المثال - يمكن لنا أن نجد العديد من المقالات الكاملة ضد النسطورية بما فى ذلك قائمة من إثنى عشر لعنة تدين نقاط معينة من عقيدته عن المسيح.
ومع ذلك ، فلم تكن أهمية البطاركة السكندريين قاصرة ببساطة على إنتاجهم الأدبى ولا فى الدور الذى لعبوه فى التحديد والدفاع عن عقيدة الكنيسة المصرية فقد كان لهم أيضا دورا إجتماعيا وسياسيا متداخلا – بشكل لايمكن فصله - مع بعض المبادئ والأفكار اللاهوتية. فعلى مستوى دولى ، كان بطاركة القرن الرابع والخامس لاعبين أساسيين فى أولى المجامع المسكونية ( العالمية) التى بحثت عن حل للنزاعات اللاهوتية ولكنها فى الواقع وعلى العكس من ذلك فقد زادت من تلك الخلافات اللاهوتية الشائكة التى كانت تقع فى أساس تلك النزاعات. وفى الواقع ، فقد كان فى تلك الفترة أن بدأ البطاركة المصريون يفترضون لأنفسهم صورة عالمية حقا ، ممارسين لتأثير قوى فى المجامع المسكونية ومتابعين لمنافسة ساخنة مع بطاركة روما والقسطنطينية من أجل التفوق والسلطة داخل الكنيسة العالمية.
وعلى الجبهة الداخلية حيث كانت الخلافات اللاهوتية تتحرك فى الغالب على نطاق أضيق بين الجماعات المتصارعة فى الكنيسة المصرية كان البطاركة السكندريون يواجهون المهمة المعقدة فى كسب التأييد للمواقف اللاهوتية التى يؤيدونها. كانت تلك العملية تحدث على عدة مستويات – بين الطبقات الإجتماعية الحضرية المختلفة الممثلة فى مدينة الإسكندرية وأيضا عبر الحدود الإقتصادية والجغرافيا واللغوية فى المدن والقرى فى صعيد مصر. كانت الوسائل التى إستخدمها البطاركة للحصول على مثل ذلك التأييد اللاهوتى مرتبطة بشدة بالعادات الإجتماعية لتقاليد الرعاية الرومانية القديمة والتى كان يتوقع فيها من الطرف الراعى توفير الدعم المالى أو الحماية مقابل الولاء والخدمات التى يقدمها الطرف التابع. وفى حالة بطريرك سكندرى فإن التأييد الذى كان يقدمه لتابعيه كان يمكن أن يأخذ شكل منافع إقتصادية ومدنية – مثل منح الناس دخولا أكثر حرية إلى صدقات القمح أو تمويل بناء كنائس أحدث وأكبر بالإضافة إلى منافع أكثر تقليدية لاهوتية وروحية كتعيين الكهنة الجدد وضمان الدخول المنتظم إلى طقس (القربان المقدس). ومقابل مثل هذه الأشكال من الرعاية كان على تابعى الأسقف أن يقدموا ولائهم المستمر أحيانا فى شكل تجمعات عامة أو مظاهرات ضد خصوم الأسقف اللاهوتيين.
وبين أهم أماكن ممارسة مثل هذه الرعاية البطريركية كانت جماعات الرهبان التى كانت قد بدأت فى الإنتشار مثل الزهور البرية فى المشهد الإجتماعى المصرى فى بدايات القرن الرابع . ظهرت الديرية ( حركة الرهبنة) أخيرا – وبشكل جزئى على الأقل – كرد فعل أو إعتراض على التوافق الإجتماعى للكنيسة فى حقبة السلام التى أطلقها قسطنطين . فعلى أطراف المجتمع ، وأحيانا فى المراكز الحضرية ، أسس الرهبان المصريون نوعا بديلا من الحياة ، بإدارة كهنوتية مستقلة مثلت تحديا واضحا للحياة العامة للكنيسة ولحكم الأسقف. إجتهدت القيادة الكنسية والرهبان أنفسهم لتحديد كيف يجب أن ترتبط الأديرة – بشكل مناسب – بالمجتمع من جهة وبالكهنوت الكنسى من جهة أخرى. ومن جانبهم فغالبا ما حاول البطاركة والأساقفة المحليون أن يمارسوا تأثيرا على الرهبان كى يتم رسمهم ككهنة وذلك لإحضارهم بشكل أكثر مباشرة تحت السلطة الأسقفية. وقد رفض العديد من الرهبان – بإصرار- هذا الضغط الكنسى لتعيينهم ضد مشيئتهم. أصبح الموقف أكثر تعقيدا بوجود رجال دين معينيين بين الرهبان والذين وجدوا أنفسهم مدينيين لكل من رؤسائهم الديريين ولأساقفتهم على السواء . وهكذا وفى منتصف النزاعات اللاهوتية للقرنين الرابع والخامس وجد البطاركة السكندريون أنفسهم فى مواجة مهمة شديدة الحساسية – مهمة محاولة إخضاع الحركة الديرية شديدة الإستقلال إلى توافق أقرب لسياساتهم الدينية والسياسية.
وفى هذا الفصل سوف نستكشف كيف بدأ بطاركة هذه الفترة – وفى خضم ذلك الخلاف الدينى - فى تشكيل روابط هامة مع جماعات الرهبان المصريين ، تلك الروابط التى مازلت مستمرة حتى اليوم. وكما سوف نرى ، فإن محاولة البطاركة لكسب تأييد الرهبان خلال القرنين الرابع والخامس قد شكل – وبشكل يتعذر محوه – الهوية التاريخية للبطريركية المصرية ولعب دورا حاسما فى تأسيس العقيدة الأرثوذكسية القبطية.

الإسكندر وأثناسيوس وفتنة آريوس فى مصر.

فى زمن قريب من سنة 318م بدأت تعاليم كاهن يسمى آريوس تجذب الإهتمام العام فى كنيسة الإسكندرية. كان آريوس – وهو من أصل ليبى - قد عُين كاهن أبرشية فى منطقة بوكولو بالضاحية الشرقية للإسكندرية ربما أثناء فترة الولاية القصيرة ذات الستة أشهر للبابا أخيلاس خلف البابا بطرس سنة 312م أو ربما خلال السنوات الأولى من حكم البابا الإسكندر(312-326م). كان آريوس واعظا بليغا وقد جذبت عظاته كثيرا من الأتباع ولكن تعاليمه المميزة قد أثارت أيضا - فى النهاية - رد فعل إنتقادى من البابا الإسكندر والكهنوت الكنسى. ورغم أن الإسكندر كان فى فترة ما يكن لآريوس تقديرا كبيرا فإن الخلاف اللاهوتى المتنامى بينهما سرعان ماآذى هذه العلاقة وهدد بدفع الكنيسة السكندرية إلى الإنشقاق.
كانت نقطة الخلاف فى ذلك النزاع اللاهوتى المتنامى هى طبيعة المسيح ككلمة مقدسة أو – وبمعنى آخر - هى طبيعة المسيح الإبن فى علاقته بالإله الأب . ولسوء الحظ فقد فُقدت معظم كتابات آريوس الأصلية أو دُمرت وكنتيجة لذلك فإن كتاباته فى ذلك الموضوع كان يجب أن يعاد بنائها من قطع ومقتطفات متناثرة عاشت من كتاباته فى مقالات ورسائل كتبت ضده من قبل خصومه. وفى أحد خطاباته الباقية وهى عبارة عن دفاع موجه إلى متهمه - البابا المبارك الإسكندر- يوضح آريوس وجهة نظره عن طبيعة المسيح فيقول :

( إن عقيدتنا ، التى أخذناها عن أجدادنا ، وتعلمناها منك أيضا ، هى هكذا. نحن نعرف إله واحد أحد غير مولود ، دائم أبدا وحده ، ليس له بداية وحده ، حقيقيا وحده ، خالدا وحده ، حكيما وحده ، خيرا وحده ، سيدا وحده ، والذى أنجب إبنا وحيدا قبل الأبدية والذى من خلاله صنع العصور وصنع كل شئ . لقد خُلق الإبن بمشيئة الله قبل الزمان وقبل العصور وقد إستقبل الحياة والكينونة والأمجاد من الله لإن الله قد أشركه فيها معه. وكون الله كان سبب كل ذلك بدون بداية ، واحدا أحد ، و كان الإبن وقد أنجب من قبل الله ، وخلق ووجد قبل العصور، فإنه لم يكن موجودا قبل أن يُخلق. ولكن الله كان موجودا قبل كل شئ كسبب وجوهر ، ولهذا ، فهو أيضا قبل الإبن ، كما تعلمنا منك عندما كنت تعظ فى كل أنحاء الكنيسة).

كان تأكيد آريوس على أن الإبن قد خُلق قبل الزمن وأنه يأتى فى مرتبة تالية للأب قد تأسس على تفسيره لبعض نصوص الكتاب المقدس ثم حُفز ببعض الإهتمامات اللاهوتية واللاهوتية الخلاصية. فمن جهة وفى وصفه للإله الأب على أنه الواحد الأعلى وأنه بلا بداية يبدو آريوس وكأنه كان معنيا بتأمين الكمال الفردى وتفرد الإله الأعظم – والذى يُعرف هنا بالأب. كان ذلك إهتماما لاهوتيا وجد منذ زمن طويل فى مصر بين اللاهوتيين المسيحيين من ذوى التقاليد الأفلاطونية والذين يتشاركون فى إلإفتراض القائل بأنه يمكن أن يكون هناك ذات واحدة كاملة عليا فقط. وتبعا لتطبيق آريوس لذلك المنطق فإذا ماكان الأب قد عُرف على أنه الإله الأعلى فكل الكائنات الأخرى– بما فى ذلك الإبن- يجب أن تأتى - وبالضرورة - فى مرتبة تالية له.
ومن جهة أخرى، فإن عقيدة آريوس يبدو أنها قد تأسست أيضا على إهتمام لاهوتى خلاصى خاص ، أى إهتمام بطبيعة الخلاص الإنسانى. فبالنسبة لآريوس ولأتباعه الأوائل فإن قداسة الإبن قد مُنحت له من قبل الأب – وذلك كنوع من الترقية المسبقة أو التبنى الإلهى و بتوقع تطوره فى الفضيلة والكمال . وهذا التصور بأن الإبن كان يمكن أن يتغير – ولو إلى الخير - كان نقطة الخلاف الأساسية بالنسبة للأسقف الإسكندر وخصوم آريوس اللاحقين والذى لعب ثبات طبيعة المسيح دورا أساسيا بالنسبة إليهم فى دراما الخلاص الإنسانى. ومع ذلك ، فبالنسبة لآريوس وأتباعه الأوائل فإن التقدم الناجح للإبن نحو الكمال فى هذه الحياة - بالإضافة إلى ملكيته لبنوة مقدسة بموجب التبنى – قد قدم نموذج للفهم الآريوسى للخلاص الإنسانى من خلال تقليد فضائل المسيح.
وقد حدد رد الإسكندر على تعاليم آريوس ظروف المرحلة التالية من الصراع اللاهوتى. ففى خطاب كُتب إلى سميه الإسكندر السالونيكى ، رفض الأسقف المصرى كل من موقفى آريوس اللاهوتى واللاهوتى الخلاصى . فبالنسبة للإسكندر فإن الأب والإبن كلاهما مماثل للآخر ، كلاهما كامل ومتساو فى المشاركة فى الإلوهية. وفى الواقع ، فقد تساءل – فى ذلك الخطاب - كيف كان يُمكن للإله كأب أن يوجد أبدا بدون الإبن ؟ ( أنه من الضرورى أن الأب كان دائما أبا، ولكنه أبا للإبن الموجود دائما ، والذى وبناء على وجوده فقد دُعى بالأب ).

ومن الواضح أن صياغة الإسكندر لهذه الفكرة تعتمد على التقليد الثيولوجى السكندرى ، وخاصة على أوريجن ، والذى كان قد قدم فكرة (جيل الإبن الأبدى) قبل قرن من ذلك التاريخ.
وبالإضافة إلى رفض فكرة آريوس عن مرتبة الإبن التالية للأب ، فقد عارض الإسكندر أيضا فهم آريوس للخلاص الإنسانى كأنه إختيارنا المشترك مع المسيح كأبناء لله. وبدلا من ذلك فقد أصر الإسكندرعلى أن بنوة المسيح كانت من طبيعة مختلفة تماما عن طبيعة بنوتنا. فبينما مانزال نحن أبناء وبنات لله بالتبنى فإن المسيح هو إبن الله تبعا لطبيعته الغير متغيرة.

( وهكذ فإن سيدنا المسيح ولكونه إبن الله بالطبيعة ، فإنه يُعبد. وأن هؤلاء الذين وضعوا روح العبودية جانبا ، بدافع الفضيلة والإرتقاء، والذين إستقبلوا روح التبنى كأبناء ، فقد أصبحوا أبناء بتبنى يوضح فضل الإبن ، الذى هو إبن بالطبيعة ).

إن التمييز الذى كان الإسكندر يقوم به هنا كان يحتوى على العديد من التضمينات عن فهمه للخلاص الإنسانى ، فقد كان فقط من خلال فضل الواحد الذى هو إبن الله بالطبيعة أن يمكن للبشر أن يصبحوا أبناء الله بالتبنى ويحصلون على الخلاص. إن خط الدفاع هذا هو الذى أصبح شعارا لأثنانسيوس وآخرين من الذين سيتبعون الإسكندر فى معارضة تعاليم آريوس .
لقد أصبح ذلك الجدل الثيولوجى العنيف المشار لخطوطه العريضة هنا حافزا لسلسلة من الإحداث هددت وحدة الكنيسة المصرية وفى النهاية هددت حتى وحدة الإمبراطورية الرومانية نفسها. وبفترة قصيرة بعد إدراك تضمينات تعاليم آريوس عقد الإسكندر مجلسا محليا من الأساقفة فى الإسكندرية لمعالجة تلك المسألة حوالى سنة 318م. وعندما رفض آريوس التوقيع على ( إقرار بالأرثوذكسية ) صاغه الإسكندر فى المجلس فقد إتخذ البطريرك إجراءات حرمانه من الكنيسة مع عدد من أتباعه. ومن هذه النقطة فقد تصاعد الخلاف بين الجانبين ووصل إلى مرحلة عالمية.
ومن جانبهم ، فقد بدأ آريوس وأتباعه فى كتابة الرسائل والسفر إلى أسقفيات مختلفة فى أنحاء الجزء الشرقى من الإمبراطورية آملين فى الحصول على التأييد لوجهات نظرهم تلك. (أصبحت مصر تتبع الجزء الشرقى من الإمبراطورية الرومانية بعد إصلاحات الإمبراطور دقلديانوس الإدارية فى أخريات القرن الثالث والذى قسم فيها الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين إداريين كبيرين ، شرقى وغربى ، ثم أكد قسطنين الكبير ذلك التقسيم بنقل عاصمته من روما إلى بيزنطة الواقعة على شاطئ خليج البسفور فى الجزء الشرقى من الإمبراطورية سنة 325م والتى ظلت مصر تابعة له حتى غزو العرب لها سنة 641م). وبدا أن مجهوداتهم قد لاقت بعض النجاح. فقد أعلن آريوس فى خطاب مبكر كُتب إلى يوسيبيوس النيقوميدى( نسبة إلى نيقوميديا بآسيا الصغرى) عن عدد من ألأساقفة الشرقيين الآخرين على أنهم من مؤيديه بما فى ذلك أساقفة لادوشيا ( اللاذقية) وصور وأنازاربوس وليديا وأيضا المؤرخ الشهير يوسيبيوس القيصرى فى فلسطين. وقد كان يوسيبيوس النيقوميدى نفسه - الموجه إليه الخطاب - والذى إعُتبر نصير آريوس الرئيسى ، أسقفا ذا تأثير قوى فى البلاط الإمبراطورى ويبدوأنه قد إستضاف آريوس لفترة من الوقت أثناء أسفاره. وتمدنا قرارات مجمعين مختلفين عُقدا أثناء تلك فى الفترة ، مجمع بيثينيا فى آسيا الصغرى حوالى سنة 320-321م ومجمع قيصرية فى فلسطين حوالى سنة 321-322م بالدليل على التأييد القوى التى نالته آراء آريوس فى بعض الأماكن . فقد أيد كلا المجمعين أرثوذكسية لاهوت آريوس وطالبا البطريرك المصرى(الإسكندر) بإعادته إلى الكنيسة. ومتشجعا بتلك القرارات فقد قرر آريوس العودة إلى الإسكندرية فى نهاية الأمرعازما على تأسيس كنيسته الخاصة هناك .
وفى نفس الوقت كان الإسكندر نفسه يبحث عن التأييد من قادة الكنائس الآخرين من خلال حملة من كتابة الخطابات قام بها بنفسه. وفى معارضة آريوس ويوسيبيوس النيقوميدى فقد كتب منشورا حوالى سنة 319م موجها إلى العديد من الأساقفة فى أنحاء إقليم البحر المتوسط وخاصة إلى هؤلاء فى سوريا وفلسطين حيث كان آريوس وأتباعه نشيطين. وقد أرسل نسخا أيضا من ذلك المنشور العام إلى رجال الكنيسة بالإسكندرية وضواحيها مرفقا بخطاب إفتتاحى محذرا إياهم من الخطر الآريوسى الجديد وحاثا إياهم على إضافة توقيعاتهم كعلامة على تأييدهم له فى حملته على آريوس. أصبح كتابة مثل تلك المنشورات العامة أسلوبا تقليديا كان البطاركة المصريون – من خلاله – يقوون من روابطهم مع المراكز الكنسية الأخرى ويؤكدون قيادتهم الرعاوية على دائرتهم فى مصر.
وفى النهاية سبب النزاع المستمر بين آريوس والإسكندر رد فعل من الإمبراطور قسطنطين الذى كتب خطابا رسميا إلى الإسكندر وآريوس حوالى سنة 324م حاثا كل منهما على البحث عن تفاهم. وعندما أصبح من الواضح أن ذلك الخطاب لم يأت بالنتيجة المرجوة منه ، دعى قسطنطين إلى عقد مجمع كنسى عام فى نيقية بآسيا الصغرى لحل ذلك الخلاف مرة وإلى الأبد. وفى النهاية أدان تجمع الأساقفة هذا فى نيقية سنة 325م موقف آريوس صراحة وأيد موقف الإسكندر اللاهوتى بالتأكيد على أن الإبن كان من نفس جوهر أو من نفس ذات الأب. وتحت وطأة الضغط الإمبراطورى ، إنشق عدد قليل فقط. ومع ذلك فإن كلمة جوهر أو ذات (هوموسيوس) والتى ربما يكون قسطنطين قد إقترحها بنفسه ، كانت - إلى حدا ما - إصطلاحا جديد مفتوحا للعديد من التفسيرات والتى لم تكن تضميناته بالنسبة للاهوت تعليل طبيعة المسيح قد إتضحت بعد للمشاركين بشكل تام. وقد خرج كثير من الذين وقعوا على هذه العقيدة وهم غير متأكدين عن ماذا تعنى أو كانوا غير راضين عنه كتعبير فلسفى ليس له سابقة فى الكتاب المقدس.
وهكذا وبدلا من وضع حد لفتنة آريوس فقد أعلن مجمع نيقية عن فتنة أخرى - فى الواقع - وسعت من مرحلة الجدل الذى إختلفت خلاله الجماعات اللاهوتية المتعددة حول إمكانية تطبيق تلك الكلمة فى ذلك السياق. وسوف يُعرف مجمع نيقية الأول بعد ذلك على أنه المجمع المسكونى الأول فى تاريخ الكنيسة القديمة كما ستعتبر قرارته بمثابة الأساس للتقليد اللاهوتى الأرثوذكسى فى مصر وفى أماكن أخرى ولكن ذلك سيستغرق أكثر من خمسة وخمسين سنة قبل أن تصل كل من الكنيسة الشرقية والغربية إلى أى نوع من أنواع الإجماع الحقيقى على القرارات التى تم التوصل إليها هناك. ولايجب أن يحجب تصاعد فتنة آريوس إلى مستوى عالمى خلال السنوات التى أدت إلى مجمع نيقية سنة 325م ، حقيقة أن تلك الفتنة قد ظلت مشتعلة على مستوى محلى فى الإسكندرية خلال نفس الفترة. وبعد أن أشرنا إلى الأساس اللاهوتى لذلك النزاع وإلى مجرى الأحداث التى أوصلته إلى مرحلة عالمية فإننى أرغب فى أن أعود إلى نقطة بدايته السكندرية لأُطرح بعض التساؤلات عن العوامل الإجتماعية التى حركت ذلك الخلاف اللاهوتى هناك. فكيف تفاعل الخلاف حول تعاليم آريوس فى المشهد الحضرى للعاصمة المصرية ، وبمعنى آخر ، كيف تفاعل فى المسرح العام للحياة الإجتماعية السكندرية. وماهى التحديات القديمة والجديدة التى أثارها ذلك الخلاف لسلطة البطريرك المصرى ؟
فعلى مستوى محلى ، فقد كانت الأزمة الآريوسية بوتقة لعملية تخمر طويل لتوترات إجتماعية ترتبط بحياة الكنيسة وقيادة بطركها. ومثل سلفه البعيد - ديمتريوس - الذى تصارع مع أوريجن من أجل السيطرة على المركز التعليمى فى الكنيسة ، فقد وجد الإسكندر نموذجه الأسقفى للسلطة التعليمية فى تعارض متزايد مع النموذج السكندرى الأكاديمى القائم منذ زمن طويل و الذى إحتلة آريوس آنذاك. ففى أخريات القرن الثالث كانت مدرسة الإسكندرية التعليمية قد اصبحت – عمليا – مرتبطة بمركز الأسقف ، ومع ذلك فقد إستمر عدد من الحلقات الدراسية المسيحية فى العمل ، مسترشدة بتقليد أكاديمى قائم منذ زمن بعيد ، جذب فيه عدد من المعلمين الفرديين جماعات من الأتباع من ذوى الفضول الثقافى. وفى زمن الأسقف الإسكندر كان كثير من هذه الحلقات الدراسية قد إسُتوعبت – فعليا - فى النظام الوليد لكنائس الأبرشية فى الإسكندرية الحضرية والتى غالبا ماكانت تتكون حول سلطة الكهنة المحليين المعروفين الذين كانوا يقدمون لأعضاء الكنيسة المعرفة المتخصصة بالكتاب المقدس. وككاهن من كنيسة الأبرشية فى بوكاليس يبدو أن آريوس قد فهم نفسه على أنه مدرس فى ذلك التقليد الأكاديمى. والواقع ، وفى عمله اللاهوتى المسمى ( ثاليا ) المكتوب شعرا ، فقد وضع نفسه فى سلسلة طويلة من المعلمين الحكماء. يقول آريوس :

( إنه تبعا لعقيدة هؤلاء المختارين من قبل الله ، أصحاب المعرفة من أبناء الله ، الأرثوذكسيون المقدسون الذين إستقبلوا روح الله المقدسة ، فقد تعلمت هذه الأشياء من هؤلاء الذين يتشاركون الحكمة ، أذكياء الناس ، الذين يعرفون الله والحكماء فى كل طريق ، وعلى خطى هؤلاء قد مشيت ، وسوف أمضى معهم فأنا ، المعروف ، والذى قاسيت الكثير من أجل مجد الله ، والذى تعلمت الحكمة من الله ، فأنا أعرف عن داخل المعرفة ).

إن مثل هذه الإدعاءات عن المعرفة المقدسة المميزة قد أدخلت آريوس – وبشكل حتمى - ليس فقط فى صراع مع السلطة المؤسسية للإسكندر ولكن أيضا مع كهنة محليين آخرين كان لديهم مثل تلك الإدعاءات. والواقع أن كاتب الكنيسة – أبيفانيوس - قد قدم الدليل على منافسة قد تطورت أثناء تلك الفترة بين العديد من الكهنة السكندريين على دورهم كمعلمين ، وأشار إلى أن مثل تلك المنافسة داخل طبقة الكهنة قد أصبحت مصدرا للخلاف الإجتماعى واللاهوتى فى الكنيسة. فيقول :

( إن هناك العديد من الكنائس فى الإسكندرية ، وقد خدم كاهن يسمى كولوثوس فى واحدة من تلك الكنائس ، وخدم كاربونس فى أخرى وخدم سارماتس فى أخرى كما كان آريوس مسئولا عن واحدة منها. وكل من هؤلاء قد سبب بعض الخلاف بين العامة بسبب تفسيراته عندما كان يُدرس للناس المعهود بهم إليه فى الخدمات الرهبانية. فالبعض كان يميل إلى آريوس ولكن آخرين كانوا يميلون إلى كولوثوس وآخرين إلى كاربونس وآخرين إلى سارماتاس . ولإن كل منهم كان يترجم الكتاب المقدس بشكل مختلف فى كنيسته ، وبسبب تفضيلهم وتقديرهم لكاهنهم الخاص فقد دعى بعض الناس أنفسهم الكولوثيون والبعض الآخر دعى نفسه بالآريوسيين).

وفى مواجهة مثل ذلك الموقف ، كان الإسكندر متحمسا لإعادة تأكيد سلطته المؤسسية كبطريرك ضد المزاعم الأكاديمية المنافسة للكهنة المحليين شبه المستقلين. وفى معارضة عقيدة آريوس كان البطريرك يهدف أيضا إلى قمع روح أكاديمية عميقة الجذور فى الإسكندرية مثلت تهديدا واضحا للأرثوذكسية الأسقفية التى كان يرعاها. كان الخلاف حول نماذج التعليم الأكاديمى خلافا قديما فى كنيسة الإسكندرية ولكن الأزمة ألآريوسية قد أثارت أيضا تحديات إجتماعية جديدة للقيادة البطريركية فى الكنيسة المصرية. فلم يتفاعل الخلاف الثيولوجى ببساطة فى قاعات المحاضرات فى الكنيسة أو فى الحجرات الخاصة فى مقر الإقامة الأسقفية فقط ولكنه تفاعل أيضا فى الشوارع العامة وأزقة الإسكندرية. وقد كشفت الخطابات التى كتبها آريوس والإسكندر عن البعد الشعبى للخلاف – وبشكل خاص - فقد كشفت عن الوسائل التى كان الطرفان يحاولان من خلالها كسب التأييد لوجهات نظرهما بين الطبقات الإجتماعية الحضرية المختلفة وذلك من خلال إستعمال شعارات لاهوتية قوية. ففى كتاباتهم إشتكى كل من آريوس والإسكندر بدوره عن كيف كان الآخر يستخدم مثل هذه الشعارات كى يستميل العامة. وقد كتب آريوس عن كيف كان الإسكندر يحاول إثارة العامة ضده قائلا :

( لإننا لانتفق معه عندما يصرح علانية ، دائما الله دائما الإبن ، فى نفس الوقت الأب وفى نفس الوقت إلإبن ، يتواجد الإبن مع الأب بشكل لابد منه ، فدائما الله دائما الإبن ، لإن الإبن هو من الله نفسه).

ومن جانبه ، فقد عبر الإسكندر عن شكوى مماثلة عن كيف كان آريوس يحاول صرف الناس فى الكنيسة عن قيادته الأسقفية من خلال عظات شديدة الإقناع رديئة النوعية. ويمضى الإسكندر ليذكر عدد من الشعارات اللاهوتية التى إستخدمها آريوس و أتباعه فى تدريسهم العام فيقول :

( ولهذا السبب ، وبدون تأخير ، فقد أقمت نفسى أيها الأحباء ، كى أوضح لكم عدم إيمان هؤلاء الذين يقولون ، لقد كان هناك زمنا لم يكن إبن الله موجودا فيه ، وأن ذلك الذى لم يكن موجودا من قبل قد جاء إلى الوجود بعد ذلك ، وكما يقولون ، فقد خلق الله كل الأشياء من لاشئ ، ثم يقررهؤلاء التعساء ، أننا أيضا قادرين على أن نصبح أبناء الله ، مثله تماما ).

وفى حالة آريوس فقد سُجل أيضا أنه قد نظم شعرا دينيا جعله على وزن الأغانى الشعبية التى كانت تغنى فى مواقع العمل من قبل البحارة وعمال الطواحين. فمع الشعارات الدينية كان من شأن مثل هذه الأغانى أن تعمل كشكل فعال من الدعاية لوجهات نظر آريوس بين الطبقات العاملة فى الإسكندرية. وربما كان آريوس ماهرا فى توصيل رسالته بين الطبقات العاملة الحضرية كما كان بين النخبة المثقفة وكان الإسكندر – وكبطريرك – مُجبرا على التنافس من أجل كسب الولاء الدينى لنفس تلك المجموعات. وفى خضم ذلك التحزب الإجتماعى والدينى فى الإسكندرية أثناء أزمة آريوس ، برزت مجموعة واحدة بسبب الدور الحاسم الذى لعبته فى هذا التنافس على كسب التأييد وأقصد بذلك المسيحيين النساك أو الرهبان .
كان هناك أعضاء من حركة الرهبنة بين كل من أنصار آريوس و أنصار الإسكندر. كانت جاذبية آريوس بالنسبة لهؤلاء الذين إختاروا نمط حياة تنسكى – ربما وجزئيا على الأقل – من عمل الجغرافية الحضرية. فقد كانت كنيسته الأبرشية فى ضاحية بوكولو تقع فى منطقة إلى الشرق من المدينة لاتبعد كثيرا عن شبكة من المقابر حيث إختار عدد من الرهبان المسيحيين الأوائل مسكنهم. ولربما كان قرب أبرشية آريوس من موقع إستشهاد القديس مرقس – وكان موقعا شهيرا للحج – أيضا عاملا فى قدرته على توظيف الرهبان الذين كانوا يزورون ذلك المقام. ومن الواضح أن الراهبات قد شكلت نسبة كبيرة من أتباع آريوس بحيث إدعى الكاتب إبيفانيوس أن آريوس قد كسب ولاء مالايقل عن سبعين عذراء( راهبة). وبينما لايمكن تأكيد ذلك العدد فإن الوضوح العام لجماعة الراهبات تلك قد ألقى عليه الضوء من قبل الإسكندر نفسه عندما كان يشكو فى أحد خطاباته عن نشاط الشابات التخريبى الواضح فى معسكر آريوس والذين كانوا يتحركون فى كل شارع . وربما كان بعض من هؤلاء النساء قد جُذب بإمكانية المشاركة فى أحد حلقات آريوس الدراسية والإختلاط بإعضاء آخرين من أصحاب نفس الميول التنسكية فى مناقشة فلسفية مفتوحة.
لم تكن أهمية تأييد الرهبان غائبة عند الإسكندر أيضا والذى جذب كادره الخاص من الراهبات المرسومات كمؤيدين وكطلاب. وفى الواقع فإن خلفه المباشر - أثناسيوس - قد أعاد ذكر مناسبة كانت قد حضرت فيها بعض من هؤلاء الراهبات إلى الإسكندر للبحث عن التوجيه. وتبعا لرواية اثناسيوس فقد إستجاب الإسكندر إلى سؤالهن بعظة طويلة عن أرثوذكسية طبيعة المسيح والتى حذر فيها هؤلاء الراهبات ضد دعاية آريوس الدينية بشكل خاص والتى كانت تهدد بإبعادهم عن عريسهم المسيح وأيضا عن نعمة أسقفهم.
وهكذا وخلال العقد الأخير من بطريركيته أصبح الإسكندر منهمكا فى صراع ضد آريوس على كسب تأييد الرهبان لمواقفه الثيولوجية . والواقع أنه قد كان ذلك الصراع هو الذى ورثه أثناسيوس عندما اصبح بطريركا بعد موت الإسكندر فى سنة 328م ، بثلاثة سنوات فقط بعد مجمع نيقية. ومثل سلفه فسوف ينشط أثناسيوس فى مداعبة جماعات الرهبان الحضريين فى الإسكندرية منافسا أتباع آريوس على كسب ولائهم الدينى وتأييدهم السياسى. وفى النهاية فإن نجاح أثناسيوس فى الحصول على تأييد الرهبان سوف يميز ميراثه - بشكل قاطع - ويعيد تشكيل المعالم الإجتماعية للسلطة البابوية المصرية.

من الإسكندرية إلى الصحراء / أثناسيوس ومحاولة كسب تأييد الرهبان :

فى حرم الكنيسة القديمة لدير القديس أنطونيوس على البحر الأحمر يصور رسما جداريا من القرن الثالث عشر هيئة ملتحية للأب أثناسيوس - البطريرك الرسولى للإسكندرية- جالسا على عرش ومرتديا لردائه الكنسى – وكلاهما علامتان على مركزه كبطريرك - حيث يبتسم أثناسيوس برقة لمشاهده وهو يحتضن إنجيلا بين ذراعيه. وحوله تمتلىء جدران وكوات الحرم بصور أساقفة مصريين آخرين بما ذلك القديس مرقس. وعلى بعد عدة مئات من الكيلومترات فى جزء آخر من مصر ، يقدم لنا تصوير من القرن العاشر من منطقة تيبتونيس فى الفيوم لمحة أخرى عن كيف كان أثناسيوس يُُّذكر ويُبجل من قبل الأقباط اللاحقين . ففى هذا التصوير الثانى – المؤرخ فى سنة 953م - يأتى أثناسيوس مباشرة تحت الرسم المركزى للمسيح ، وهو مكان بارز كانت تحتله فى العادة مريم العذراء فى التصوير الأيقونى القبطى . وتماما كما هو الحال فى التصوير الجدارى فى دير القديس أنطونيوس ، تبدو هيئة اثناسيوس فى الرداء الأسقفى جالسة على عرش ، محدقة فى المشاهد بوجه هادئ. ومع ذلك ، فبعكس تصوير البحر الأحمر فإنه فى تصوير تيبتونيس لايبدو محاطا ببطاركة آخرين ولكن بالرائدين الرهبانيين الشهيرين فى التاريخ المصرى ، القديس أنطونيوس والقديس باخوميوس .
إن هذين التصويرين – واحد من البحر الأحمر والآخر من الواحة الأرضية للفيوم – تصادق نظريا على المكانة المتميزة التى نالها أثناسيوس العظيم فى التاريخ القبطى اللاحق كبطريرك وكراعى للحياة الديرية. ففى كلا التصويرين يصور أثناسيوس كأب مؤسس للكنيسة المصرية وكان يُقصد بهيئته المسالمة أن توحى للمشاهد بالتأمل الربانى. ومع ذلك فإن مؤرخ أخريات العصور القديمة لايمكنه سوى أن يرى هذين التصويرين بعينين مختلفتين لإن هذه الأشكال الهادئة لأثناسيوس تحجب فى الواقع تاريخ صراعات عنيفة وخلافات أحاطت به خلال حكمه الطويل كبطريرك للإسكندرية والبالغ خمسة وأربعين سنة ( 328-373م).
والواقع أن حكم أثناسيوس قد أحاطت به الصراعات منذ بدايته الأولى . ففى السنوات القليلة الأولى من ولايته بدأ خصوم أثناسيوس – أولا أتباع ميليتوس ثم أتباع آريوس بعدهم – فى تحدى سلطته كبطريرك. وقد وجهت مثل تلك التحديات ضد أثناسيوس على جبهتين ، فأولا قام بعض من خصومه بتحدى شرعية إنتخابه كخلف شرعى للأسقف الإسكندر. وكثير من المراجع القديمة- بما فى ذلك كتاب الإعتذار الثانى لأثناسيوس نفسه - يصادق على حقيقة أن الأساقفة الميليتيين (أتباع ميليتوس ) قد ألقوا بإتهامات ضد ماتصوروا أنه عدم نظامية فى إنتخاب أثناسيوس ، حيث إتهموه – بشكل خاص – أنه قد أُنتخب سرا بواسطة جماعة مرتدة من الأساقفة. وتبعا لأحد المصادر القديمة ، فقد قام الميليتيون - نتيجة لعدم رضاهم – بإتخاذ خطوة إنتخاب أسقف منافس ليكون أسقفا للإسكندرية وكان رجلا يسمى ( ثيوناس ). وقد نشأ مجرى الأحداث ذلك - وبالإضافة إلى إتهاماتهم ضد أثناسيوس – من حقيقة أن أثناسيوس وأتباعه قد حاولوا إقصاء الأساقفة الميليتيين من التصويت فى الإنتخاب . وفى أى الأحوال فإن فهرس لمجموعة كتابات أثناسيوس المعروفة بإسم (خطابات العيد) يكشف أنه قد كان هناك فترة تأخير حوالى شهرين تقريبا بين موت الأسقف الإسكندر فى 17 إبريل 328م وإنتخاب أثناسيوس فى 8 يونيو 328م. وبينما تعزو إحدى الروايات ذلك التأخير إلى حقيقة أن أثناسيوس كان بعيدا فى عمل خاص بالكنيسة فى وقت موت الإسكندر فإنه ليس مما يثير الدهشة إذا كان خلافا حول إجراءات الإنتخاب قد لعب دورا أيضا فى هذا التأخير.
وثانيا وبالإضافة إلى عدم رضاهم عن إنتخاب أثناسيوس فقد إتهم الآريوسيون أيضا - والذين سرعان ماإنضموا إلى الميليتيين - الأسقف الجديد بإتباع تكتيكات قيادية قهرية فى تعامله مع الجماعات الصغيرة داخل الكنيسة. وفى السنوات الأولى من أسقفية أثناسيوس – ربما فى صيف سنة 330م – تجمع الميليتيون والآريوسيون حول معارضتهم لأثناسيوس كقضية مشتركة وكونوا تحالف بقيادة يوسيبيوس النيقوميدى. وقاموا معا بتقديم سلسلة من الإتهامات ضد الأسقف المصرى إلى الإمبراطور قسطنطين. وفى النهاية أدى إصرارهم على دفع هذه الإتهامات إلى محاكمة كنسية لأثناسيوس فى مجمع صور سنة 335م.
وتبعا لسوزومن – مؤرخ القرن الخامس – فقد إدعى متهمو أثناسيوس أنه قد عاقب الميليتيين بالضرب وسجن قادتهم وحرق كنائسهم. وبينما ثبت أن بعض من هذه التهم كان ملفقا – بما فى ذلك تهمة لاحقة ملفقة بالقتل – فإن إكتشاف أدلة وثائقية جديدة فى القرن الأخير قد أعطى المصداقية لحقيقة أن أثناسيوس لم يكن ضد تكتيك إستعمال القوة فى مجهوداته لمنع الإنشقاق الكنسى. ويتكون الدليل الجديد الذى تم إكتشافه سنة 1922م من خطاب خاص على ورق البردى كُتب بالإغريقية بواسطة مسيحى ميليتى يسمى كاليستوس. وفى ذلك الخطاب يحكى كاليستوس لصديقه أن أثناسيوس قد سجن أو نفى إحدى عشر قائد ميليتى على الأقل – وأن رجل منهم يسمى هيراسكوس - قد جُلد عندما كان مسجونا. وقد أخذ عدد من الباحثين إكتشاف هذا الخطاب على أنه مناسبة لإعادة تقييم شخصية أثناسيوس كقائد كنسى . وفى تلك العملية غالبا ما كان يصور فى مفردات سلبية للغاية.وقد حاول آخرون إعادة تحسين صورة أثناسيوس بتقديم قراءات أكثر إيجابية للمصادر المتاحة عنه وذلك بإعادة تركيز الإنتباه على إنتاجه الدينى والرعاوى أو من خلال إدراك كيف أظهرت وسائله وسائل خصومه ومن ثم فقد عكست ببساطة الروح الجدلية لذلك العصر. وليس هذا هو المكان المناسب للدخول فى ذلك الجدل حول أثناسيوس وإنه يكفى أن نقول أن شخصية أثناسيوس لايمكن أن تُفسر فى مفردات بسيطة. إن الأكثر أهمية فى دراستنا للإتجاهات الأكبر فى تطور البابوية القبطية هى حقيقة أن وسائل أثناسيوس فى ذلك الصراع – وكذلك وسائل خصومه – تعكس تطورات أساسية فى الطريقة التى كان قادة الكنيسة- فى مصر و فى أماكن أخرى – ينظرون بها إلى العلاقة بين السلطة الكنسية والسلطة العلمانية. فبتوظيف أدوات القانون المدنى الرومانى- وخاصة السجن والنفى – فى محاولة لتعطيل قيادة وتنظيم الكنيسة المحلية بين المنشقين الميليتيين ، كان أثناسيوس يوسع – علانية - حدود السلطة البطريركية إلى المجال المدنى . وبفعله هذا فقد أرسى سابقة سوف يعمل بها خلفائه ، وبحماس شديد فى الغالب .
ومن جانبهم فإن الأحزاب الآريوسية والميليتية المتحالفة قد حاولت بشكل متزايد ربط قضيتهم المشتركة بآليات القانون والسلطة الإمبراطوريين مقدمة تصرفات أثناسيوس على أنها خيانية متوسلة إلى الإمبراطور قسطنطين بالتدخل إلى جانبهم. وعلى المدى القصير ، فقد لقيت إتهاماتهم وتوسلاتهم نجاحا. وفى مجمع صور الذى سيطر عليه الآريوسيون سنة 335م أُدين أثناسيوس وأُرسل إلى المنفى بأمر الإمبراطور قسطنطين. وقدر لأثناسيوس أن يقضى 23 سنة من السنوات التالية منفيا أو مختبأً بينما كانت القضية الآريوسية تزداد قوة مستفيدة من الدعم الإمبراطورى. وعلى العموم ، فقد أدى أثناسيوس خمسة فترات عقاب منفصلة ، كانت الأولى فى غالة بفرنسا (335-337م) والثانية فى روما و شبه الجزيرة الإيطالية (339-346م) والثلاث الأخيرة فى صعيد مصر بين السنوات (356- 362) ثم (362-364) ثم (3665-366م).
وسوف يكون من الصعب أن نبالغ فى تقدير المدى الذى أثرت به تجربة أثناسيوس فى المنفى على الدور الإجتماعى للكنيسة القبطية وعلى هويتها.؟ ففى شكل أثناسيوس المنفى ، أُعيد رسم صورة البابوية القبطية كأيقونة للمقاومة و قد إكتمل إعادة رسم الهوية البابوية القبطية هذا - وإلى حد كبير – من خلال تمثيل أثناسيوس الشخصى لنفسه فى علاقته مع السلطة الإمبراطورية. ففى كتاباته يصور أثناسيوس نفسه كنموذج لهذه المقاومة ، مقدما نفسه أُحيانا فى دورالشخصيات الإنجيلية التى واجهت الحكم الظالم للسلطات الزمنية. ويظهر أحد النماذج على ذلك فى رسالة أثناسيوس ( تاريخ الآريوسيين) والتى هى عبارة عن هجوم مرير ضد الإمبراطور الآريوسى قسطنطين الثانى (2337-361م) إبن قسطنطين الكبير وخليفته. وأثناء فترة نفيه الثالثة( حوالى سنة 357م) كتب أثناسيوس مصورا قسطنطين كأنه فرعون عصرى والذى نكث بعهوده لحلفاء أثناسيوس - أى للشعب . وفى إشارته النصية الضمنية إلى سفر الخروج يُمثل أثناسيوس نفسه كأنه موسى الجديد ، القائد المؤمن لشعب منفى . كان لإستراتيجية أثناسيوس فى التصوير الذاتى تأثيرا عميقا على الأجيال التالية من البطاركة ، وسوف يبرر البابوات المصريين فى أخريات القرن الخامس والقرن السادس وبدايات القرن السابع – بشكل دائم - مقاومتهم المبادئية لمشيئة الإمبراطور على أساس من نماذج الكتاب المقدس وعلى أساس من سابقة أثناسيوس (أنظر الفصل الرابع).
وبنفس الأهمية فقد وفرت تجربة النفى لأثناسيوس الفرصة لتعميق وتقوية روابطه مع الجماعات الرهبانية المحلية فى وادى النيل وفى الصحروات الشرقية والغربية. ولقد كان أثناسيوس قد بدأ بالفعل فى خلال السنوات الأولى من بطركيته يضع نفسه كحامى لحركة الرهبنة المصرية. وفى سنة 329-330م كان قد قام بزيارات للكنائس والأديرة فى صعيد مصر وفى العقود التالية وجه العديد من الخطابات والرسائل إلى جماعات النساك من الرجال والنساء الذين كانوا يعيشون فى الإسكندرية وضواحيها ، بالإضافة إلى القادة الديرين البارزين من الرجال فى الوجه القبلى. ومن تاريخ مبكر فصاعدا كانت حماية اثناسيوس للشئون الديرية مرتبطة إلى حد كبير بأجندته الأكبر ضد الآريوسية. ففى مراسالاته مع إمرأة من الراهبات – على سبيل المثال – إجتهد فى محاولة إظهار كيف أن عقيدة طبيعة المسيح المتمخضة عن مجمع نيقية قد أرضت الإنشغالات الديرية – بشكل فريد - عن الإمكانية الإنسانية فى الحياة البتولة – وفى نفس الوقت – كيف أن التعليم الآريوسى المنافس قد أحبط هذه الإنشغالات بشكل تام . ويتضح ذلك بشكل حى للغاية فى أولى كتاباته ( رسالة إلى العذارى) المكتوبة تقريبا بين السنوات ( 337-339م) حيث يقتبس بشكل كبير من تعاليم سلفه البابا الإسكندر ويقدم نفسه على أنه خلف الإسكندر الشرعى سواء فى الدفاع عن أرثوذكسية طبيعة المسيح أو عن حماية الرهبنة النسائية.
وقد دشنت فترة نفى أثناسيوس الثالثة فى سنة 356-362م مرحلة مكثفة جديدة فى محاولاته لتأمين مزيد من الولاء الرهبانى الأوسع لقضية مجمع نيقية. وبعد إدانته من قبل مجمع ميلان الذى سيطر عليه الآريوسيون فى سنة 355م إضطر أثناسيوس إلى الإختفاء بعد أن هاجمت قوة عسكرية كنيسته فى الإسكندرية وقضى معظم السنوات العشر التالية يعيش مستترا بين جماعات الرهبان فى الوجه القبلى وهى الفترة التى شغلت فترات نفيه الثلاث الأخيرة والتى بدأت سنة 356 وإنتهت سنة 366م. كانت الحماية التى قدمها هؤلاء الرهبان – بما فى ذلك نجاحهم فى تسهيل هربه المبدأى – تقدم الدليل على نجاح محاولاته المبكرة لكسب ولاء ثابت بينهم. ورغم أن نشاطات أثناسيوس وأماكن تواجده خلال هذه الفترة ظلت غير معروفة فمن الواضح أنه قد إستخدم وقته فى المنفى كفرصة لتقوية الولاء الرهبانى للبطريركية السكندرية ولعقيدة نيقية. ويأتى الدليل من كتابات أثناسيوس نفسه ، فإن عددا من أعماله خلال تلك الفترة - وتشمل العديد من الخطابات والرسائل التاريخية وسيرة تنسكية عن حياة القديس أنطونيسوس – كانت إما موجهة إلى الرهبان أو مكرسة للقضايا الديرية. وخلال هذه الأشكال الأدبية المتنوعة ، شن أثناسيوس حملة دعائية ضد الآريوسية بين مضيفيه الرهبان.
وفى أحد خطاباته الموجه إلى الرهبان المصريين خلال هذه الفترة يكشف أثناسيوس عن أحد أسباب إهتمامه المفرط بالتأثير الآريوسى فى الأديرة. وهو يحذر قرائه من (بعض أشخاص محددين يتضامنون مع آريوس ويتحركون فى الأديرة بلاهدف سوى حجة زيارتكم) ويتأسف على حقيقة أن هناك رهبان لاتؤنبهم ضمائرهم من العبادة مع نظرائهم الآريوسيين. ويستجيب أثناسيوس إلى هذا الخطر المتصور بحث أتباعه على عدم إستضافة زوارهم الآريوسيين وأيضا عدم إستضافة زملائهم الرهبان ممن يسمحون لأنفسهم بالإختلاط مع الآريوسيين فى العبادة. لقد كان التأثير الإجتماعى لتوجيهات أثناسيوس تلك كبيرا جدا ، فهنا كان الأسقف السكندرى يطلب من الرهبان ترك أحد أهم فضائل الحياة الديرية – وهى إستقبال الضيوف - وذلك من أجل أن يحدد قداسة بعض الحدود الدينية.
وقد حاول أثناسيوس أيضا تقوية تماسك أتباعه الديريين ضد المتعاطفين مع الآريوسية من خلال وسائل خطابية أخرى. كان أحد تلك الوسائل هو نشر بيانات - - مع تسليط الضوء عليها - عن الفظائع المنسوب إرتكابها إلى الآريوسيين ضد مؤمنى الرهبان من أتباع أثناسيوس . وعلى سبيل المثال ، يصف أثناسيوس فى كتابه (تاريخ الآريوسيين ) وفى تفصيل رهيب ، كيف إقتحم الآريوسيون الظالمون الأديرة وقيدوا وعذبوا الرهبان وأذلوا العذارى(الراهبات) بالسب القبيح والرجم والجلد والضرب بأعواد الجريد التى تركت أشواكها فى أطرافهن. وفى مكان آخر من نفس العمل ، يروى أثناسيوس كيف قام مسئول آريوسى بالبصق حتى على خطاب أُرسل إليه من قبل الناسك الشهير القديس أنطونيوس . ولم يتردد الأسقف المنفى أن يسجل أن هذا الرجل قد إستحق عقاب الله بعد ذلك بفترة قصيرة عندما مات بعد أن َعضه حصانه ورماه عن ظهره. ويبدو أن هذه الروايات المثيرة عن البربرية الآريوسية كانت موجهة إلى الرهبان المتعاطفين مع المؤلف ، وأنها على هذا النحو قد كانت مصممة كى تثير غضب الرهبان ضد القيادة الآريوسية فى الإسكندرية والتى كانت قد نجحت فى إقصاء أثناسيوس عن السلطة مؤقتا.
وفى القصة المذكورة عن القديس أنطونيوس هنا يستخدم أثناسيوس تفصيلة أسطورية من حياة الناسك الشهير كى يروج حملته ضد الآريوسية بين الرهبان المصريين. ويُمثل كتابه (حياة القديس أنطونيوس ) والذى كتبه أيضا أثناء فترة منفاه الثالثة نفس تلك الأجندة ولكن على نطاق أوسع. وقد أصبحت تلك السيرة التنسكية الكتاب ألأكثر رواجا فى أخريات العصور القديمة. وكانت قد كُتبت بعد فترة قصيرة من وفاة أنطونيوس سنة 356م وفى خلال خمسين سنة من تاريخ وفاته اصبحت قصته معروفة للقراء الرهبان والعلمانيين على السواء فى كل أنحاء عالم البحر المتوسط. والواقع أن عددا من قادة الكنيسة البارزين فى القرن الرابع والخامس قد قدموا روايات عن إعتمادهم على ( حياة القديس أنطونيوس ) سواء فى كتاباتهم أو فى ممارستهم التنسكية بما فى ذلك جريجورى النازيانزومى فى آسيا الصغرى وجيروم فى روما وفلسطين وأغسطين فى إيطاليا وشمال إفريقيا. وهذا العمل ليس سيرة حياة تقليدية بالمصطلح الحديث فلم يكن إهتمام أثناسيوس منصبا على تأريخ تفاصيل حياة أنطونيوس بقدر ماكان منصبا على ربط رسالة أنطونيوس الديرية بأرثوذكسية عقيدة نيقية.( أى القرارات التى خرج بها مجمع نيقية المسكونى الأول من أن الأب والإبن من نفس الجوهر زمن الإمبراطور قسطنطين الكبير سنة 335م).
ومن الواضح أنه قد قام بتصوير الراهب أنطونيوس كأنه نشطا من أجل قضية نيقية . وفى الفصل رقم 68 – على سبيل المثال - وعندما قدم المدعو أريومانيكس لزيارته فى صومعته فى الصحراء يقال أن الرجل التقى قد طردهم من الجبل قائلا أن كلماتهم كانت أسوء من سم الأفعى. وبالنسبة للقراء المصريين القدامى فقد نقلت تلك الحركة المكانية رسالة إجتماعية ودينية حية. ففى مصر كان الجبل يُفهم على أنه تضاريس الصحراء العالية التى ترتفع عن مستوى وادى النيل والواحات المحيطة به. إنها المكان الذى اصبح مرتبطا – بشكل متزايد - بمستوطنات الرهبان المتناثرة والذين إنسحبوا من حياة القرية من أجل متابعة حياة العزلة. وهكذا فإن أثناسيوس وفى التأكيد على تصرف أنطونيوس فى مطاردة زواره الآريوسيين إلى خارج الجبل كان فى الواقع ينكر المزاعم الآريوسية المنافسة حول الحماية الديرية وحول الفضاء الديرى. وهكذا فقد كان من شأن القصة أن تقوى من عتاب أثناسيوس فى رسائله إلى الرهبان عن الضيافة الذين يقدمونها للزوار الآريوسيين .
أما الفصل التالى مباشرة من حياة القديس أنطونيوس ( رقم 69) فإنه يستخدم الفضاء الجغرافى مرة أخرى ليؤكد على معارضة أنطونيوس للعقيدة الآريوسية (التى كانت ترى أن مرتبة الأب أعلى من الإبن). فهى تروى تفاصيل قصة كيف أن أنطونيوس نزل من أعلى الجبل ودخل إلى الإسكندرية من أجل أن يدحض المزاعم الآريوسية فى أنه كان يشاركهم آراءهم الدينية. وتظهر رواية أثناسيوس لهذه الأحداث كيف كان الراهب أنطونيوس شخصية خلافية إلى حد كبير فى الجدل الآريوسى الأثناسيوسى حتى أثناء حياته نفسها. فمن جهة فإن القصة تقدم الدليل على أن الآريوسيين كانوا يدعون أن أنطونيوس كان واحدا منهم. ومن جهة أخرى يظهر كيف إستخدم أثناسيوس نفسه أنطونيوس كمتحدث رسمى بإسم عقيدة نيقية إذ يصور أنطونيوس وكأنه يقوم – وعلى وجه التخصيص - بشجب الشعارات الدينية الآريوسية ومدافعا – بشكل واضح – عن عقيدة أثناسيوس ومجمع نيقية فى الشخصية الغير مخلوقة والخالدة للإبن ككلمة الله. وفى مكان آخر من ( حياة القديس أنطونيوس ) يعارض تشخيص أثناسيوس لأنطونيوس المزاعم الآريوسية فى طريقة أكثر براعة. فبالإضافة إلى تصوير الراهب كأنه مؤيد صريح عالى الصوت لعقيدة نيقية فإن أثناسيوس أيضا يفسر تصرفات أنطونيوس – وخاصة مواجهته للشياطين - بطرق كان المقصود منها أن تظهر كيف أن التقوى الرهبانية كانت منسجمة فى نهاية الأمر مع معتقدات أثناسيوس – وليس آريوس – عن الخلاص الإنسانى. فبعكس الفهم الآريوسى للخلاص كعملية يتقدم فيها المؤمن – مقلدا للمسيح - فى نعمة الله ويحصل على بنوته بالطاعة لمشيئته ، فإن أثناسيوس يصور إنتصار أنطونيوس على الشياطين كعلامات على نعمة الله الذى يمكن للمسيح وحده ان ينالها بالطبيعة وهى نعمة يمكن للمسيح فقط أن يسبغها على المؤمن . وهكذا فعندما هاجم الشيطان أنطونيوس أولا بالأفكار الكريهة كى يصرفه عن نظامه التنسكى ، يعلق أثناسيوس ( أنه قد كان السيد المسيح هو الذى كان يعمل مع أنطونيوس – السيد المسيح الذى إكتسى باللحم لأجلنا وأعطى للجسد القدرة على هزيمة الشيطان – بحيث يمكن لأى من هؤلاء الذين يجاهدون حقا أن يقول ( ليس أنا ولكنها نعمة الله التى بداخلى ( سفر الكورونثيين الإصحاح 15 الآية 10). وكمؤلف (لحياة القديس أنطونيوس) يبدو أثناسيوس وكأنه كان مهتما بشكل خاص بمقاومة المفاهيم الآريوسية بأن نجاحات أنطونيوس الروحية كانت تعود إلى تقدمه الشخصى فى الفضيلة . وهكذا وبملاحظة أن تجربة الغواية تلك كانت ذكرى أول إنتصار لأنطونيوس فى صراعه مع الشيطان ، فإن أثناسيوس يصحح نفسه ليتجنب سوء الفهم ويضيف (ولكن ذلك –وبالأحرى - كان نجاح المخلص فى أنطونيوس ( أى نجاح المسيح فى أنطونيوس). وبهذه الطريقة فإن ترجمة أثناسيوس لسيرة حياة أنطونيوس تقف فى تمييز مضاد للآراء القديمة الأخرى عن الراهب الشهير والتى رأت فيه أساسا راعيا روحيا ذا قدرات شفائية وكمعلم للحكمة أو كمؤسس لحياة العزلة الرهبانية.
وبالنسبة لأثناسيوس فإن الأحداث فى حياة أنطونيوس قد أُعيد صياغتها – وبدلا من ذلك - فى مفردات رواية دينية أكبر- وبشكل خاص - فى قصة كلمة التجسيد التى شكلت الأساس بالنسبة لتفسير أثناسيوس لعقيدة مجمع نيقية.
كانت الفترة الطويلة التى قضاها أثناسيوس مع الرهبان المصريين أثناء فترة نفيه الثالثة ومراسالاته معهم عن الخطر الآريوسى المتصور وتأليفه ( لحياة القديس أنطونيوس ) كبيان ديرى ورواية دفاع عن عقيدة نيقية ، وحتى أيضا محاولاته التالية لتحديد – وبشكل أكثرعناية – حدود قانون الكتاب المقدس وتطوير أسلوب متشابه بين الرهبان في إستخدام الكتاب المقدس ، كان كل ذلك عوامل رئيسية فى محاولاته لربط الرعاية الديرية بالمواقف الدينية لبطركية الإسكندرية.
وقد نجحت مجهودات أثناسيوس فى هذه الميادين إلى حد كبير. ورغم حقيقة أن بعض الجماعات الديرية فى مصر إستمرت فى الإحتفاظ بشكل من أشكال ألإستقلال تجاه القيادة الأسقفية فإن زيارات أثناسيوس ومراسالاته قد أحضرت كثير من الأديرة – بما فى ذلك إتحاد الأديرة الباخومى المؤثر- (نسبة إلى باخوميوس مؤسس ذلك النظام الديرى ) - إلى توافق مع السلطة البطريركية السكندرية. وبمثل ذلك الدعم الرهبانى المحلى عاد أثناسيوس إلى الإسكندرية فى سنة 366م من منفاه الخامس والأخير كسياسى عجوز إشتهر بدفاعه البطولى عن أرثوذكسية عقيدة نيقية. لم يشهد أثناسيوس نهاية الصراع الآريوسى ولم يغرق نفسه مرة أخرى فى مناقشات دينية عالمية ومع ذلك فخلال السنوات السبع الأخيرة من حياته حتى وفاته فى سنة 373م فقد ظل أثناسيوس الرهيب وبشكل تام- غير منازع فى الأسقفية المصرية. وبعد أن أنقضت سنوات المنفى وأصبحت خلفه فقد أصبح حرا فى قضاء سنواته الأخيرة فى نشر أعماله الخاصة آمرا بإخراج تاريخ رسمى للكنيسة السكندرية يؤيد روايته للأحداث ومشرفا على بناء كاتدرائية تحمل إسمه. إن مثل هذه الرعاية لأعمال أدبية ومعمارية كانت مصممة لكى تضمن أن فترة ولايته العاصفة فى قيادة الكنيسة لن تنسى.
حصد خلفاء أثناسيوس المباشرون - بطرس الثانى وتيموثى - بركات ولعنات ميراثه المثير للجدل. فعند خلافتة لأثناسيوس سنة (373-380م) واجه بطرس الثانى إعتداءا متجددا من الجماعة الآريوسية والتى رشحت مطالبا مضادا من أجل عرش الأسقفية السكندرية - وهو رجل يسمى لوسيوس الأنطاكى - ووظفت مساعدة عسكرية محلية للهجوم على كنائس بطرس الثانى . ومثل سلفه فقد أُُجبر بطرس الثانى على الرحيل إلى المنفى فى روما حيث ظل هناك من سنة 373 إلى سنة 378م. و معه أُرسل أيضا عشرات من الرهبان إلى المنفى ، بعضهم إلى المناجم والبعض إلى الجليل فى شمال فلسطين والبعض الآخر إلى جزر نائية. إن المصير المشترك الذى تشارك فيه كل هؤلاء الرهبان المخلصين يظهر أن الروابط التى خلقتها حملة أثناسيوس الديرية قد إستمرت فى البقاء خلال حكم بطرس الثانى كبطريرك.
لم يكن حتى وقت مبكر من ولاية تيموثى – أخو بطرس الثانى - ( 380-385م) أن حُل الخلاف الآريوسى أخيرا. ففى سنة 381م أعاد مجمع القسطنطينية تأكيد العقائد الدينية التى كانت قد صيغت فى نيقية ودافع عنها أثناسيوس على مدى عقود من الزمن . ومع ذلك ، وفى نفس الوقت ، فإن بعض قرارات ذلك المجمع قد غرست بذور للنزاع بالنسبة للبطريركية السكندرية فى المستقبل القريب. وبشكل خاص فقد منح المجمع بطريركية القسطنطينية حقوق الشرف المميزة بعد أسقفية روما وهو قرار سرعان ماأصبح مصدرا للتوتر بين القسطنطينية وبين أسقفية الإسكندرية ألأكثر قدما. وسوف تنفجر هذه المنافسة بين الكنائس إلى نزاع مفتوح خلال حكم ثيوفيليس الطويل - خلف تيموثى – (385-412م).

ثيوفيلوس والحملة على الوثنية والمعركة على ميراث أوريجن :

يسجل التاريخ الذى وضعه الأسقف القبطى حنا النقيوسى فى القرن السابع أسطورة عن كيف كان ثيوفيلوس وأخته قد فقدا والديهما عندما كانا طفلين و كيف أنهما سرعان ماأصبحا تحت رعاية وحماية أثناسيوس. وتروى تفاصيل مبكرة فى القصة أن ثيوفيلوس وأخته عندما كانا فى رعاية عبد أثيوبى من عبيد والديهما ، كانا قد أُحضرا إلى معبد مكرس إلى الإلهين أرتيميس وأبولو. ومع ذلك فعندما دخل الطفلان إلى ذلك المعبد سقط الإلهان على الأرض وتحطما. وقد كشف الله هذه المعجزة للبطريرك أثناسيوس فقام بتعميد الطفلين – مع العبد النادم - ثم وضع الأخت فى دير حتى أصبحت مستعدة للزواج وأقام ثيوفيلوس كقارئ فى الكنيسة. وتخبر القصة بعد ذلك كيف وصل ثيوفيلوس إلى عرش القديس مرقس الإنجيلى فى مدينة الإسكندرية وكيف أنجبت أخته - كيرلس - خلف ثيوفيلوس التالى كبطريرك. وهذه الأسطورة التى لاتبدو تاريخية فى تفاصيلها فهى مع ذلك ذات هدف خطابى خاص وهو تقوية روابط الوراثة البطريركية السكندرية - وحتى بشكل أكثرتخصيصا – لتربط ثيوفيلوس وكيرلس بسلفهم الشهير( ولبعضهما البعض ) بوسائل الرؤى المقدسة والروابط العائلية.
وبصرف النظر عما إذا كان ثيوفيلوس قد تمتع برعاية اثناسيوس أم لا عندما كان شابا فمن الواضح أنه قد ورث عباءة سلفه كمجادل بارع . ففى بداية سيرته - وأثناء تسعينيات القرن الرابع - قام بشن حملة عنيفة ضد الوثنية فى مصر ، وهى الحملة التى تُنبأ بها فى أسطورة طفولته بالسقوط الدرامى للأصنام فى حضوره. وفيما بعد فقد قام بشن الحرب على ماعرفوا بالأورجينيين ( مؤيدو أفكار أوريجن اللاهوتية ) والذين رفضوا التصورات التجسدية للإله. وكما سوف أوضح فيما يلى ، فإن هاتين الحملتين الإجتماعيتين كانتا – فى أكثر من ناحية – متعارضتا المقاصد دينيا ولكن كلاهما كان ذا تضمينات عميقة عن العلاقة المتطورة - والخلافية مع ذلك - بين البطريركية السكندرية والرهبان المصريين . كان لولع ثيوفيلوس بالجدل وسياسته تجاه تنظيم المعتقدات الرهبانية داخل مصر ، عواقب عالمية أيضا وقد أدخلته فى نهاية الأمر فى نزاع مفتوح مع كنيسة القسطنطينية وأسقفها جون كريسوستوم. وقد عجل التوتر الذى تطور بين الأسقفيتين فى هذه الفترة – وبأشكال عديدة – بالإنشقاق النهائى بين الأسقفيات المتنافسة فى القرن الخامس .
وقد سُجلت شهرة ثيوفيلوس كبطريرك وكمجادل – وبشكل حى للغاية – فى رسمين وجدا فى حواشى ورقة بردى مزخرفة من القرن الخامس. وفى الشكل الأول تقف شخصية حُددت على أنها شخصية القديس ثيوفيلوس تحت شكل جسدى مستطيل ملفوف فى شرائط من قماش هو الجسد المحنط لسلفه تيموثى. وكما ورد فى الأسطورة التى سجلها حنا النقيوسى فإن الوراثة الرسولية للقديس مرقس هى مؤكدة وفى هذه الحالة فقد رسمت حفرا كأنها إنتقال للسلطة بين المتوفى تيموثى وخلفه الحى ثيوفيلوس الذى يرتدى الرداء الأسقفى. وفى الرسم الثانى يقف ثيوفيلوس على قاعدة تمثال يزينها تمثال نصفى للإله المصرى سيرابيس وكجزء من حملته ضد الوثنية فقد حطم معبد السيرابيوم الشهير فى الإسكندرية وبنى مكانه كنيسة مسيحية. وهنا يحتفل الفنان – بصريا – بإنتصار ثيوفيلوس الوليد على عبادة سيرابيس والعقائد الوطنية الأخرى فى مصر.
وفى هذا السياق ، فإنه من المثير أن شكل ثيوفيلوس فى كلا الرسمين يقف مرتديا ردائه الأسقفى ويحمل نسخة من الكتاب المقدس محفورا عليها صليب ، بشكل يشبه إلى حد كبير الطريقة التقليدية لتصوير أنبياء الكتاب المقدس فى نفس المخطوطة. إن هذا التفصيل الفنى يعبر ببراعة عن الطريقة التى كان يصور بها ثيوفيلوس نفسه فى كثير من كتاباته. أما فى أخذه جانب المجادل فى الصراع ضد الوثنية وضد الأفكار الأورجينية فإن ثيفيلوس يصورنفسه فى دور أنبياء العهد القديم والذين يقفوا بثبات فى وجه الأوثان.
وتبعا لكتاب روفينوس ( تاريخ الكنيسة - حوالى سنة 402—403م) فإن أصل صراع ثيوفيلوس مع العبادات الوثنية فى الإسكندرية يكمن فى الإكتشاف التصادفى لحرم وثنى جوفى أثناء ترميم إحدى الكنائس المسيحية فى المدينة. وفى إجراء قُصد به إذلال أتباع هذه العبادة فقد إستعرض ثيوفيلوس أشيائهم المقدسة فى الشوارع . وفى غضبهم من تصرف ثيوفيلوس الإستفزازى قام الوثنيون المحليون بمهاجمة المسيحيين فى المدينة. وكانت النتيجة إنتشار عنف طائفى والإنسحاب النهائى للجماعات الوثنية إلى السيرابيوم. إستجاب الإمبراطور ثيودوسيوس لهذا الموقف بإصدار مرسوم منح فيه الوثنيين المحاصريا عفوا عاما - ولكن وفى نفس الوقت – فقد خول قمع العبادات الوثنية وإحتفل بالمسيحيين الذين ماتوا فى القتال كشهداء. وبناء على ذلك ، قام المسيحيون ، يقودهم ثيوفيلوس بإقتلاع حجارة معبد السرابيوم حجر حجر ثم قاموا بتهشيم تمثال سيرابيس الرئيسى بالفؤوس وأحرقوا ماتبقى من آثار وثنية فى باقى أجزاء المدينة.
وتكشف المصادر القديمة عن أن الرهبان المصريين قد لعبوا دورا رئيسيا فى هذه الحملة ضد الوثنية. وتبعا لقول من( أقوال آباء الصحراء ) فقد وظف ثيوفيلوس – بنشاط – تأييد الرهبان بإستدعائهم إلى المدينة للمساعدة فى هدم المعابد. وقد دعم المؤلف الوثنى ليبانيوس هذا الدليل – والذى حدد الرهبان بأنهم هؤلاء الرجال المتشحين بالسواد – وعلى أنهم الملوم الأكبر على تحطيم أحد أهم الأماكن المقدسة للوثنية السكندرية. وفى حالة السيرابيوم فقد ذهب ثيوفيلوس إلى أبعد من ذلك إذ شجع الرهبان على أن يتخذوا مساكنهم فى المواقع الخربة بعد هدمه. كما أنه مول وسهل بناء كنيسة جديدة فى الموقع الجديد. وقد كان إهدائه الكنيسة إلى يوحنا المعمدان والنبى إيليا وحصوله على آثارُهم أعمال رعاية من شأنها أن تدعم - بذكاء – مزاعمه لإن يكون وريثا جديرا للأنبياء فى طيرانه ضد الديانة الوثنية ( نُسب الصعود إلى السماء إلى النبى إيليا) .
وفى نفس الوقت ، وخاصة فى سياق تأييده لمقر إقامة رهبانى فى خرائب معبد السيرابيوم فإن إهدائه للكنيسة الجديدة ربما كان مصمما أيضا لتدعيم صورته كراعى للرهبان المصريين - والذين كان الكثيرون منهم يرون يوحنا المعمدان وإيليا على أنهما نموذجين مثاليين للحياة التنسكية. وقد وظف ثيوفيلوس سياسة مماثلة فى كانوبوس وهو موقع إلى الشرق من الإسكندرية كان معروفا بأنه احد جهات الحج الوثنى. وقد بنى إحدى كنائسه هناك وأقنع الكهنة من أورشليم وكذلك رهبان من الطريقة الباخومية (كانت النظم الديرية فى المسيحية المصرية القديمة تتبع تقليدين رئيسين أحدهما ينسب إلى القديس أنطونيوس والآخرإلى باخوميوس وكلاهما كان من أبناء الصعيد ولكن نظمهما الديرية إختلفت فقد إعتمد أنطونيوس على العزلة والتوحد بينما إعتمد باخوميوس على العبادة والعمل بشكل جماعى) بتأسيس جماعات فى مجاورات المعبد. وقد إشتكى أحد المؤلفين الوثنيين من تلك الفترة من كيف أن ثيوفيلوس والمسيحيين الذى معه قد أقاموا هؤلاء الرهبان فى موقع كونوبوس أيضا وأنهم قد جمعوا عظام وجماجم المجرمين الذين كان قد حُكم عليهم بالإعدام لجرائم مختلفة( يقصد الشهداء المسيحيين) وصنعوا منها مزارات يُحج إليها. وفى حالة كل من السيرابيوم السكندرى وكانوبوس يمكن لنا أن نرى كيف أن رعاية ثيوفيلوس للمستوطنات الرهبانية فى المواقع الوثنية السابقة كان مرتبطا بهدف سياسى ودينى أكبر هو جعل المشهد المصرى مسيحيا من خلال مشاريع البناء الواسعة وتقديس الآثار المقدسة.
لم تكن علاقة ثيوفيلوس بالرهبان المصريين علاقة تعاون أو ود بشكل دائم فسرعان ماظهرت تعقيدات أدخلت البطريرك فى نزاع ليس فقط مع قيادات الرهبان المصريين ولكن أيضا مع الكنيسة فى القسطنطينية. وقد شهدت أخريات القرن الرابع وبدايات القرن الخامس إمتدادا سريعا للنفوذ الرهبانى فى مصر. كانت الأديرة فى نيتريا( وادى النطرون الآن) وسيتيس تزداد وقد تأسست جماعات جديدة عند المعلم الميلى الخامس والتاسع والثامن عشر على طول الطريق إلى الغرب من الإسكندرية. أما فى صعيد مصر فقد كان الأب شنودة يشرف على إتحاد الأديرة البيضاء فى أتريب ) بالقرب من سوهاج الحالية ) خلال فترة من النمو غير المسبوق. وقد إزدهرت أيضا شبكة الأديرة الباخومية و يؤكد الدليل الأثرى من أخريات القرن الرابع وبدايات الخامس على غنى وشهرة الدير الباخومى فى باو حيث تأُسست كاتدرائية جديدة بلغ طولها 56 مترا وعرضها 30 مترا وكانت من أكبر الكنائس فى مصر فى ذلك الوقت.
مثل العدد المتزايد للرهبان المصريين ورؤاهم الدينية المتباينة أحيانا تحديات جديدة لثيفيلوس فى محاولته للإحتفاظ بسلطته وتوفير التوجيه الرعاوى لهذه الجماعات الوليدة. والواقع ان جذورهذه التعقيدات فى علاقة ثيوفيلوس بالرهبان ربما يمكن تتبعها فى أحد خطاباته الفصحية السنوية. ففى كل سنة كان الأسقف السكندرى قد إعتاد على كتابة خطاب رسمى لإشعار البلاد بالتقويم السكندرى عن تاريخ عيد الفصح وبداية الصوم الموسمى الكبير. وفى خطابه الفصحى لعام 399م - والذى كان يوزع على الأديرة كالعادة فى مثل تلك المناسبة- دافع ثيوفيلوس بحرارة عن روحانية الله ضد تصورات الرهبان – وغيرهم فى الكنيسة - الذين تمسكوا بالتصورات البشرية للذات الإلهية. ويعكس موضوع خطابه دينه للاهوت أوريجن كما أنه كان يتسق أيضا مع أجندتة الأكبر ضد الوثنية ، حيث يحث فيه قرائه على تجنب الصور البشرية أو القياس المتشابه عند التفكير فى الله خشية أن يقعوا فى شرك الوثنية.
كان هناك راهب من سيثيا ( رومانيا الحالية ) يزور الرهبان فى سيتيس عندما وصل خطاب ثيوفيلوس. وقد سجل هذا الراهب على أثر ذلك – وكان رجل يسمى جون كاسيان – الغضب الذى نشأ بين الرهبان من الذين لايتفقون مع وجهة نظر ثيوفيلوس تلك. يقول الراهب :

( والآن قد وصل - وكما هو معتاد - الخطاب الرسمي للأسقف ثيوفيلوس. وفى هذا الخطاب قد أعلن عن الفصح وضمن الخطاب مناقشة طويلة عن الهرطقة السخيفة لأتباع مذهب التصور البشرى للذات الإلهية ( الأنثروبومورفيتس) تلك الهرطقة التى دحضها ببلاغة شديدة. ولكن ذلك قد إستقبل أسوء إستقبال من كل راهب من رهبان مصر تقريبا ، هؤلاء الرهبان الذين كانوا – ولبساطتهم – قد وقعوا فى شرك ذلك الخطأ. والواقع فإن غالبية الرجال الأكبر سنا بين الإخوة قد أكدوا أنه فى الواقع كان لابد من إدانه الأسقف كشخص أفسدته أسوء وأخطرهرطقة ، شخص يعارض أفكار الكتاب المقدس وينكر أن الله العلى القدير كان فى شكل إنسانى ، وذلك رغم دليل الكتاب المقدس أن آدم قد خلق فى صورته. وهؤلاء الذين يعيشون فى صحراء سيت والذين كانوا أكثر الرهبان المصريين كمالا ومعرفة قد أنكروا خطاب ثيوفيلوس أيضا. وبين جميع الكهنة فقط كان كهنة ديرنا بافنتيوس إستثناءا. أما هؤلاء الذين كانوا مسئولين عن الثلاثة كنائس الأخرى فى الصحراء فقد رفضوا السماح بقراءة الخطاب أو بعرضه علانية فى تجمعاتهم.
ومضى كاسيان يروى قصة أحد الرهبان فى دير بافينتوس والذى - وبعد أن أقنع بترك معتقداته الأنثربومورفيتية ( التى تتصور الذات الإلهية فى شكل إنسانى ) - إنفجر باكيا عندما إجتمعت الجماعة للعبادة لإنه شعر أن الصورة البشرية للإله والذى إعتاد أن يرسمها أمامه عندما كان يصلى قد ذهبت الآن من قلبه. وأخذ ذلك الراهب يصيح وقد ألقى نفسه على الأرض ( لقد أخذوا إلهى منى ). لم يعد لدى من ألجأ إليه ولم أعد أعرف من أعبد أو أخاطب. إن نواح ذلك الراهب الموجع للقلب يصور بشكل حى كيف أن التصورات الأنثروبومورفيتية كانت قد تشابكت بشدة مع النشاطات اليومية لصلاة وعبادة الرهبان.
أما الرهبان الآخرون فى صحراء النطرون فلم يكونوا مستعدين أن يذعنوا ببساطة ويسمحون لإن يُجردوا من تصوراتهم الذهنية عن الإله. والواقع أن عددا من الرهبان قد اخذوا موقفا فوريا فتركوا أديرتهم وسافروا إلى الإسكندرية حيث قاموا بتنظيم مظاهرة ضد الأسقفية. ويقال أن البعض منهم قد تآمر حتى على حياة ثيوفيلوس. وعندما واجه ثيوفيلوس ذلك تغير قلبه فجأة ففكر أولا فى ملاطفة الرهبان الغاضبين من خلال الترحيب بهم فى لغة تتضمن الموافقة على الصفات إلإنسانية للإله. قائلا لهم ( أراكم كأنكم وجه الله). ثم وبعد أن ضغط عليه الرهبان أكثر وافق على شجب لاهوت أوريجن( كان لاهوت أوريجن ينكر التصوير البشرى للذات الإلهية) والذى كان قد إ تخذه أخيرا على أنه الأساس المنطقى لخطابه الفصحى. كان لتغير موقف ثيوفيلوس أثر أليم على رهبان النطرون الذين كانوا يؤمنون بمعتقدات أوريجن وكانوا قد أيدوه من قبل فى تعليمه عن الذات اللامادية للإله. وبين هؤلاء الرهبان كان هناك رجل يسمى إزيدور و كان قد خدم قبل ذلك كمسئول عن الضيوف فى كنيسة الإسكندرية وأربعة رهبان آخرين كانوا يسمون ( بالإخوة الطوال) وهم ديسقوروس وأمونيوس ويوسيبيوس وإيثيوميوس وكانوا موضع ثقة ثيوفيلوس سابقا حيث كان قد وظفهم لأداء الخدمة الدينية فى الإسكندرية وهيرموبوليس ، إحدى مدن الصعيد. وحتى قبل قرار ثيوفيلوس بتحويل تأييده إلى الأنثروبومورفيين فإن هؤلاء الرهبان كانوا قد أصبحوا خائبى الأمل من جراء سياسات البطريرك الإقتصادية - وخاصة إستثماره المبذر فى مشاريع بناء الكنائس – فإنسحبوا إلى الصحراء مرة أخرى. والآن كان التوتر المتزايد فى علاقتهم بثيوفيلوس قد تفاقم بالعوامل اللاهوتية. وبعد أن كانوا حلفاءً فى تأييد لاهوت أوريجن وجد البطرك وأصدقائه السابقون أنفسهم الآن على جوانب معاكسة من الإنشقاق الدينى.
وبدا أن تصرفات ثيوفيلوس من هذه المرحلة فصاعدا أصبح يحركها مزيج متفجر من الدوافع الدينية والسياسية. وقد عكست محاولاته التالية لفرض وحدة دينية بين رهبان النطرون إهتمامه الأكبر لتدعيم الولاء الديرى خلف السياسات المقررة للبطريركية. كان تنفيذ سياسة ثيوفيلوس الجديدة المضادة للأرجونية سريعة وقاسية. فقد أصدر قرار الحرمان على إزيدور وأرسل خطابات إلى الأساقفة المحليين آمرا بطرد القادة الأرجونيين فى الأديرة التى تدخل فى نطاق سلطتهم. وعندما حضر الإخوة الطوال إلى الإسكندرية كى يتوسلوا العفو طردهم ثيوفيلوس بخشونة ثم عقد مجلسا كنسيا كى يدينهم رسميا. و قام بتعيين خمسة رهبان من الموالين له من رهبان النطرون فى مكانهم. وأخيرا قام بإرسال قوات عسكرية إلى النطرون لطرد الرهبان بالقوة وليخمد المقاومة.
وفى كتابته إلى جيروم بعد ذلك فى نفس السنة صور ثيوفيلوس تصرفاته مرة أخرى فى تواصل مع تلك الخاصة بأنبياء العهد القديم فيقول ( إن بعض الرجال عديمى القيمة فاقدى العقل الذين رغبوا فى أن يزرعوا وينثروا هرطقة أوريجن فى أديرة النطرون قد تم تقطيعهم بمنجل النبى الخاص بى ). وهنا يمكن أن نرى كيف حاول ثيوفيلوس أن يقلب خطابه السابق ضد الوثنية على رأسه من خلال إعادة تكييف تطبيقه لنماذج الكتاب المقدس بشكل جذرى. وكما ذُكر سابقا فإن معارضة ثيوفيلوس الأصلية لعقيدة تشبيه الذات الإلهية بالإنسان (الأنثروبومورفيتزم) قد إرتبط بقوة بأجندة الحملة على الوثنية. وبتصوير نفسه فى تضامن مع أنبياء الكتاب المقدس فقد دعم معارضته للإستخدام الوثنى للصورالإنسانية فى عبادة الله. ومع ذلك ، ومع تغير رأية الآن ، فقد وظف ثيوفيلوس نفس خطاب الكتاب المقدس لكى يجادل بعكس ذلك. وهكذا وبتوصيف أفعاله ضد الرهبان الأورجينيين فى مفردات نبوية فقد كانت يقترح أن إعتناق أفكار أوريجن اللاهوتية كان مساويا للوثنية رغم أنها تتحاشى إستخدام كل الصور الإنسانية فى تأمل الذات الإلهية. وقد إنغمس حليفه جيروم فى نفس الخطاب إلى حد كبير عندما دعى الرهبان الأورجينيين ( بالأرواح الشيطانية) التى حطمتها قوة وفصاحة ثيوفيلوس . وفى حالة كلا الكاتبين فإن التماسك المنطقى للتماثل الموظف كان أقل أهمية من قوته البلاغية فى المناقشات العامة حول ميراث أوريجن. وسرعان ماأوصلت أفعال ثيوفيلوس ضد الرهبان الأورجينين النزاع إلى مستوى عالمى فبسبب الهجوم المسلح على أديرة النطرون أجبر الإخوة الطوال الأربعة على الهرب من البلاد – إلى فلسطين أولا ومن هناك رحلوا إلى القسطنطينية.
وفى تلك الأثناء شغل ثيوفيلوس نفسه فى حملة مكثفة من كتابة الخطابات حاول فيها طلب التأييد من أجل قضية محاربة الأورجينية كما أمر أساقفة الشرق الآخرين ( فلسطين وقبرص وآسيا الصغرى) بأن لايستقبلوا النساك الهاربين. وإختار البطريرك المصرى بعض من المعينيين الجدد فى أديرة النطرون كمراسلين له. كانت تلك وسيلة أبعد دعم بها ثيوفيلوس من سلطته بين القيادة الديرية – وفى نفس الوقت – أعلن علانية عن دوره كراعى أول للرهبان المصريين. والواقع أن كراهيته المتزايدة لإيزيدور ربما كانت تكمن فى منافسة على الرعاية الديرية. ففى أحد خطاباته يشجب ثيوفيلوس إيزيدور لإستخدامه ثروته الكبيرة لكسب تأييد الرهبان ولمساعدة تسهيل هروب الإخوة الطوال.
وبمجرد وصولهم إلى العاصمة الإمبراطورية إلتمس الإخوة الطوال من أسقف المدينة – جون كريسوستوم - أن يوفر لهم الحماية وأن يقوم بالدفاع عن قضيتهم ضد هجوم ثيوفيلوس. وفى إستجابة لإلتماسهم هذا كتب كريسوستوم لثيوفيلوس مشعرا إياه أن الرهبان المنفيين يفكرون فى رفع قضايا ضده حاثا إياه – وبدلا من ذلك – أن يُرحب بعودتهم إلى بلادهم بسلام. ولكن تدخل أسقف القسطنطينية فيما كان ثيوفيلوس يراه شأنا كنسيا مصريا داخليا قد زاد فقط من غضب البطريرك السكندرى. وربما كان سوء الظن بين كلا البطركين قد نشأ قبل ذلك التاريخ بسنوات قليلة وبالتحديد فى سنة 397م عندما عارض ثيوفيلوس إنتخاب كريسوستوم و إقترح – لسخرية القدر – صديقه آنذاك إيزيدوا كمرشح منافس . والآن وبعد أن دُعى إلى القسطنطينية للدفاع عن نفسه ضد شكاوى الرهبان قرر ثيوفيلوس أن يلقى بإتهاماته الخاصة ضد كريسوستوم متهما إياه – ولسخرية القدر مرة أخرى - بإنتهاك شريعة نيقية بالتدخل فى شئون تقع خارج حدود أسقفيته. ساهمت دعوة ثيوفيلوس المضادة مع تدبيره السياسى الحاذق عندما كان فى العاصمة - فى النهاية - فى إدانة كريسوستوم فى مجمع أوك سنة 403م فى خلقدونية ونفيه إلى بيثينية فى آسيا الصغرى.
وفى حدود ذلك الوقت كان النزاع بن ثيوفيلوس والرهبان قد تراجع إلى خلفية المشهد. والواقع أنه بعد وفاة إثنين من الإخوة الطوال فإن الرهبان المنشقين الآخرين قد تصالحوا مع ثيوفيلوس فى مجمع أوك المذكور. ومؤقتا على الأقل إستطاع البطريرك السكندرى – ومن خلال القوة اللامحدودة لإرادته الجبارة - أن يعيد ممارسة إشراف محدود على رهبانه المصريين.
لم يعد هناك أى تذمر رهبانى أثناء العشر سنوات الباقية من بطركيته. ومع ذلك ، وبعد نفى ووفاة كريسوستوم فإن التوتر بين أسقفيتى الإسكندرية والقسطنطينية سوف يستمر فى الغليان حيث إستمرت كلتا المدينتين فى الصراع من أجل المكانة المتفوقة فى الكنيسة مع روما. وبإشتعال فتنة طبيعة المسيح فى القرن الخامس خلال حكم خلفاء ثيوفيلوس ، كيرلس (412-444م) وديسقوروس (444-454م) فإن هذه التوترات الكنسية الداخلية سوف تعود مرة أخرى إلى غليان عنيف .

كيرلس وديسقوروس والخلاف حول طبيعة المسيح :

وبعد إنتخابه كأسقف للإسكندرية فى سنة 412م بدأ كيرلس فى تنفيذ سياسات تحمل تشابه قوى مع تلك الخاصة بسلفه ثيوفيلوس. ومثل ذلك التواصل فى السياسة لايجب أن يدعو للدهشة لإنهما كانا يرتبطان برباط عائلى ، فقد كان كيرلس إبن أخت ثيوفيلوس الصغرى. وكقريب قريب للأسقف السكندرى تمتع كيرلس بنشأة تعليمية متميزة. وبعد ذلك فى حياته ، وأثناء مجمع إفسوس سنة 431م سوف يحتفل بحقيقة أنه قد تربى على يدى الآباء المقدسين الأورثوذكس. وبينما كان ذلك – جزئيا - دفاعا عن أصله الدينى الأرثوذكسى فربما كان يعكس أيضا إدراكه لكيف كان قد إستفاد بطرق ثابتة من الرعاية الحميمة لثيوفيلوس. وربما حتى من أثناسيوس ، معلم ثيوفلوس نفسه. ولم تغُفل مؤثرات الرابطة العائلية لكيرلس بثيوفيليس بالنسبة لمعاصريه. فقد أدرك الراهب المشهور إزيدور البلسيومى – على سبيل المثال - كيف كان كيرلس إبن أخت ثيوفيليس ، ليس فقط بالدم ولكن أيضا فى شخصه الإجتماعى المقاتل .
وقد تبع كيرلس ثيوفيلوس - بشكل خاص – فى مجالين . الأول هو نشاطه المستمر ضد الوثنية والأشكال الهرطقية من المسيحية فى مصر. وثانيا فى معارضته الدينية والسياسية لأساقفة القسطنطينية فى كلا من عقيدتهم حول طبيعة المسيح وطموحهم لتوسيع سلطة أسقفيتهم. وفى كل من هاتين الحالتين كان تمثيل كيرلس لنفسه فى تواصل مع ثيوفيلوس متسقا مع سياسته الديرية. وسوف تثبت مجهوداته فى ممارسة سلطته بشكل كامل على الرهبان المصريين والإحتفاظ بولائهم جدواها بشكل خاص أثناء السنوات الأخيرة من بطركيته وخلال بطركية خلفه ديسقوروس عندما أصبحت أسقفيتا الإسكندرية والقسطنطينية متورطتين فيما أصبح يعرف بالخلاف حول طبيعة المسيح.

ضد الوثنيين وضد الهراطقة / التعصب الدينى وبناء هوية الجماعة المسيحية فى أسقفية كيرلس السكندرى:

فى سنة 415م أى فى السنة الثالثة من أسقفية كيرلس ، قام جمع من غوغاء الإسكندرية المسيحيين بالتربص بمركبة الفيلسوفة الأفلاطونية السكندرية الشهيرة – هيباثيا – و جروها إلى الكنيسة المجاورة لمقر إقامة كيرلس( معبد القيصرون القديم) ونزعوا ملابسها وقتلوها بكسرات الفخار. ويواصل المؤرخ سقراطيس الرواية فيقول ( وبعد أن مزقوها إربا ، جمعوا أجزاء جسدها فى مكان يسمى سينارون وأحرقوه فى النار). ويؤخذ هذا الإغتيال الوحشى لهيباثيا فى العادة من قبل المؤرخين على أنه علامة على التوترات الدينية الداخلية ومناخ التعصب الدينى الذى ساد فى الكنيسة تحت ولاية كيرلس. فخلال السنتين الأولين من ولايته كان كيرلس قد عمل بالفعل على الإستيلاء على العديد من المعابد بعد أن نشب العنف الطائفى الداخلى بين اليهود والمسيحيين والآن سقط فيلسوف وثنى شهير قتيلا ومُزق جسده وأحرق على يد المسيحيين.
جادل الكتاب القدماء والمحدثون كثيرا حول جذور الأسباب الإجتماعية لمقتل هيباثيا وإلى أى مدى يمكن نسب ذلك الحادث المأساوى إلى كيرلس وسياسات البطركية السكندرية فى مناهضة الوثنية. ويذهب كاتب وثنى من القرن السادس بعيدا ويلوم كيرلس مباشرة عن قتل هيباثيا وقد تبنى هذه الإتهام بعد ذلك مؤرخ القرن الثامن عشر إدوارد جيبون. ومع ذلك فإن أقدم المصادر التاريخية المتاحة إلينا – وهو سقراطيس المذكور – لا ينسب لكيرلس أى دور خاص فى الأحداث التى أدت إلى مصرع هيباثيا. وهو فقط يلاحظ أن ذلك العمل العنيف قد جلب العار على كيرلس وكنيسته بعد ذلك. وبينما يمكن إعتبار كيرلس ملوما على تنمية مناخ التوتر والتعصب الدينى بين السكان المسيحيين السكندريين فليس هناك أى دليل مباشر أو أى دليل يمكن الإعتماد عليه لإثبات أنه قد أمر بقتل هيباثيا بأسلوب المافيا ذلك.
وبدلا من ذلك ، يبدو مقتل هيباثيا وكأنه كان نتيجة – جزئيا على الأقل - لصراع القوى الكنسى القانونى بين كيرلس وأوريستس الحاكم الرومانى فى الإسكندرية. فمنذ وقت إنتخاب كيرلس فى سنة 412م وجد الأسقف نفسه فى نزاع حاد مع الذراع المدنى لحكومة الإسكندرية. و كان قد إنتُخب بالرغم من المعارضة الشديدة للقيادة العسكرية المحلية. وقد تطور نزاع كيرلس مع الحكومة – وخاصة مع أوريستس – بسرعة شديدة أثناء الإضرابات التى إشتعلت بين المسيحيين واليهود فى المدينة. وفى عشية إندلاع تلك الإضطرابات كان أوريستس قد أخضع واحدا من أهم مؤيدى كيرلس للتعذيب بتهمة التجسس. ثم وبعد أن طرد كيرلس اليهود من بعض أجزاء المدينة أرسل أوريستس خطابا إلى الإمبراطور يشكو من تصرفات كيرلس. وعندما رفض أوريستس بعد ذلك محاولات الأسقف للمصالحة قامت جماعة كبيرة من الرهبان المؤيدين لكيرلس - ربما خمسمائة راهب من النطرون من الذين كانوا جزءً من فرقة ثيوفيلوس قبل عقد من ذلك الزمان - وتقدموا من الحاكم عندما كان يستقل مركبته وصاح عدد منهم عليه بألفاظ مهينة داعين إياه بالوثنى ، وذلك رغم هويته المعترف بها كمسيحى معُمد . وقام راهب غلبه الإنفعال يسمى أمونيوس برمى أوريستس بقطعة حجارة جرحت رأسه. ومرة أخرى كان رد فعل أوريستس الرسمى هو القبض على الجناة وتعذيبهم. و عندما مات أمونيوس نتيجة لمعاملته القاسية قام كيرلس على الفور بتسجيل الراهب فى سجل الشهداء المسيحيين السكندريين. وفى أخريات العصور القديمة ، كان يُعتقد أن الشهداء وآثارهم ومقاماتهم هى قنوات للقوى الإجتماعية والروحية. وبتسجيل قوائم رسمية للشهداء والإحتفاظ بتلك القوائم فى رعايتهم كان الأساقفة المسيحيين الأوائل ، مثل كيرلس ، يبحثون عن السيطرة وإعادة توجيه وقيادة قوة الشهداء فى خدمة السياسة الأسقفية.
ولكن فى هذه الحالة لم ينل تصرف كيرلس بتسجيل إسم أمونيوس فى سجل الشهداء القبول العام من المسيحيين الذين كانوا يعيشون فى المدينة وقد رأى البعض منهم أنه كان بادرة إستفزازية غير ضرورية. ومع ذلك فقد كانت محاولته لتقنيين إتهام أمونيوس ورهبان وادى النطرون لأوريستس بالوثنية إيماءات محملة بمغزى إجتماعى. فكلاهما كان يوضح كيف أنه فى خضم تلك الأزمة كان البطريرك ومؤيديه من الرهبان يبحثون عن تشكيل الهوية الذاتية للكنيسة السكندرية. وقد فعلوا ذلك - بشكل خاص- بمناشدة ميراث الشهداء المصريين – هؤلاء الذين كانوا قد إشتهروا بالوقوف فى ثبات فى وجه الإضطهاد الحكومى والوثنية.
ولذلك فربما يمكن إرجاع قتل هيباثيا فى نهاية الأمر إلى إلتقاء عاملين إجتماعيين ، هما الإتجاهات الإنعزالية المتزايدة للذات المذهبية فى الكنيسة السكندرية ، والظروف الخاصة بنزاع كيرلس مع أوريستس. كانت هيباثيا من المقربين إلى أوريستس وكانت تتمتع بحرية التعبير مع الحاكم وبالمميزات المصاحبة للرعاية التى كان يتمتع بها قلة مختارة فقط . وحتى أهم من ذلك فإن مدخلها إلى الحاكم خاصة فى دورها كفيلسوفة فى ألأكاديمية قد أصبح معرفة عامة بين مسيحى الإسكندرية. وفى مركزها العام فقد كانت تُرى على أنها منافسة لكيرلس فى إمتيازات الحكومة. وربما كان كيرلس نفسه وقد حُرم من مثل تلك المميزات مع أوريستس قد ساهم فى ذلك الإدراك بتصويرها –وبشكل خاص – على أنها خطر على سلطان الكنيسة فى الإسكندرية كأثر من نظام الماضى. كان مقتل هيباثيا النهائى نتاجا لتلك البيئة الإجتماعية المتفجرة. وهنا فإن تفاصيل إغتيالها تبدو معبرة بشكل خاص. لقد كان تمزيق جسدها وحرقه هو فى الواقع عمل طقسى عام بمثابة إعادة تمثيل درامى لتحطيم معبد السيرابيوم بقيادة ثيوفيلوس. فبتنفيذ فعل العنف على جسد هيباثيا فقد مُنح المسيحيون العامة تعبير قوى لشعورهم الإنعزالى المتزايد بهويتهم المدنية والدينية. وبينما كان كثير من الباحثين منشغلا بالسؤال عما إذا ما كان مقتل هيباثيا هو نتيجة طبيعية لسياسة منظمة ضد الوثنية من جانب كيرلس – وهو سؤال قد تمت الإجابة عليه الآن بالنفى بشكل عام بالنظر إلى تعقيدات صراعه مع أوريستس- فإن قليل - إن وجد أحد - قد لاحظوا كيف أن هذا الحدث المبكر جدا فى حكمه ربما يكون قد عمل بالتساوى كحافز ساعد على بلورة سياستة اللاحقة تجاه العقيدة والممارسة الوثنية. وإذا ماأدرك مقتل هيباثيا بالفعل كإعادة تمثيل درامى لتحطيم معبد السيرابيوم وكإيماءة طقسية وحشية من التأييد العام لسياسات ثيوفيلوس فربما يكون قد خدم بالمثل كدافع شعبى لكيرلس من أجل أن يتبع نموذج سلفه بشكل قريب وبذلك يختبر عمق الرأى المعادى للوثنية بين بعض مسيحى الإسكندرية ورهبان الصحراء المصرية. إن هذا الإندفاع فى المشاعر المعادية للوثنية قد عُبر عنه بشكل حى من قبل مؤرخ القرن السابع حنا النقيوسى. فعندما يصف رد فعل الناس على مقتل هيباثيا فهو يكتب ( وأحاط كل الناس بالبطريرك كيرلس ودعوه بثيوفيلوس الجديد لإنه قد حطم آخر بقايا الوثنية فى المدينة).
ويمكن أن نرى إذا ماكان كيرلس مدينا لنموذج ثيوفيلوس فى صناعة سياستة التالية بشكل أكثر وضوحا فى رد فعله على حضور عقيدة إيزيس بالقرب من مينوثيس. فبرغم مجهودات قادة الكنيسة فى قمع الأشكال الوطنية من الديانة المصرية القديمة فإن الممارسة الدينية المحلية إستمرت فى الإزدهار خلال القرن الخامس وحتى القرن السادس والسابع أيضا.كانت ديانة إيزيس إحدى تلك الديانات المصرية التى ظلت حية وكان لها مركز حج نشط فى مينوثيس على ساحل البحر المتوسط إلى الشرق من الإسكندرية. وهناك كان معبدها مركزا للعلاج والعرافة التنبؤية. كان الحجاج يأتون إلى مينوثيس للبحث عن علاج لأمراضهم وكانوا غالبا مايبيتون ليلة فى المقام على أمل أن يحلموا وتأتى إليهم الإلهة فى الأحلام وتعالج مرضهم . ظل مقام إيزيس جهة حج مشهورة أثناء فترة ولاية كيرلس كأسقف ويبدو أنها وبالنسبة للوثنيين قد ملأت مكانا إجتماعيا ظل شاغرا نتيجة لتحطيم ثيوفيلوس لمعبد السيرابيوم.ٍ
وفى وقت ما قبل سنة 429م كانت شهرة ديانة إيزيس فى مينوثيس قد بدأت تثير قلق كيرلس الذى لاحظ أن المسيحيين كانوا بين هؤلاء الذين يقومون بالحج إلى ذلك المقام. وفى رد فعله على ذلك لم يقم كيرلس بقيادة جمع من المتعصبين لتدمير المعبد كما فعل ثيوفيلوس لإن الشهرة الواسعة لديانة إيزيس والجو المشحون بعد مقتل هيباثيا كان من شأنه أن يمنع ذلك بلاشك. وبدلا من ذلك فقد إتخذ مدخلا غير مباشر وأكثر حكمة فى محاولة جعل طبوغرافية المكان مسيحية فأسس مقام لشهيد مسيحى فى الجوار كى ينافس مقام إيزيس كمركز للعلاج ومقصد للحج. وكان ذلك هو مقام القديسيين سيروس وجون فى مينوثيس. إن القصة خلف تأسيس مركز الحج هذا توضح كيف أن كيرلس قد واجه الممارسة الوثنية فى العرافة بإدعائه الخاص فى الإلهام المقدس وكيف أن سياسته اللاحقة قد تشكلت على ضوء نموذج ثيوفيلوس. وتبعا للكاتب سوفورونيوس فقد أعلن كيرلس عن رؤية أمره فيها أحد الملائكة بنقل الرفات من الإسكندرية إلى مينوثيس. وعندما أحضر رفات القديسين فى النهاية إلى مينوثيس – والذين عرفتهما الكنيسة بأنهما كانا من شهداء دقلديانوس - فقد تركهما كيرلس فى رعاية الرهبان الباخوميين والذين كان ثيوفيلوس نفسه قد أقامهما هناك بالقرب من كانوبوس قبل عقدين من الزمان . وربما كان تأسيس كيرلس لمقام حج فى مينوثيس ليضم تلك الرفات قد تضمن أيضا الإختيار المعمارى لبناء كنيسة كان ثيوفيلوس قد بناها أصلا هناك. وفى أى ألأحوال - فمثل سلفه فقد إستخدم كيرلس – إستراتيجيا – قطعا فنية ومعمار مقدس بالتنسيق مع الوجود المحلى للجماعات الرهبانية لمنافسة الفضاء الدينى الوثنى كى يعيد المشهد المصرى كإقليم مسيحى. وفى ترويجه لديانة الشهيد المسيحى وفى كتاباته كان كيرلس يبحث عن تحديد هوية الكنيسة القبطية مقابل المعتقدات والممارسات الوثنية ، كما إرتبطت الخطابات والرسائل العديدة التى كتبها كيرلس ضد أشكال من المعتقدات المسيحية التى رآها هرطقية أو إنشقاقية ، بنفس روح أجندته ضد الوثنية. وفى تقديمه لخطابه ( إلى رهبان سيتس ) شكل كيرلس - بإدراك – إدانته للمعتقدات الأورجينية والآريوسية فى مفردات خطاب الحملة على الوثنية وكما قال ( هؤلاء الذين يتشيعون لأوريجن ، إنهم يتبعون ضلال الوثنيين وجنون الآريوسيين). وفى هذا الخطاب يمكن لنا أن نرى مرة أخرى كيف أن كيرلس قد بارى ثيوفيلوس فى معارضة بعض الأفكار الأورجينية وبحث عن فرض أرثوذكسية لاهوتية بين الرهبان الذين كانوا يعيشون فى المنطقة المحيطة بوادى النطرون وصحراء سيتيس. وفى هذه الحالة - مع ذلك - فلم يكن قلق كيرلس بخصوص تأثير أوريجن بين الرهبان يتعلق كثيرا بالدفاع ضد الأفكار الأنثروبومورفيتية عن الإله ، ولكن عن الدفاع عن قيامة الجسد ضد الأفكارالأورجينية عن ذوبان الجسد والروح عندما إتحدا فى الله. وفى الواقع ، وحتى بينما كان يتمسك بخط عام متشدد ضد بعض أشكال المعتقد الأوريجينى فى المنطقة حول صحراء سيتيس ، ففى مراسالاته مع بعض الجماعات الرهبانية الأخرى فقد عكس الإتجاه فى الواقع وأدان المعتقدات الأنثروبومورفيتية المتطرفة. ويمكن لنا أن نرى ذلك من مراسالاته مع جماعة رهبانية فلسطينية كان يرأسها راهب يسمى تيبرياس وأيضا فى خطابه القصير إلى (كالوسيريوس) والذى يركز إهتمامه فيه على المعتقدات الهرطقية المتداولة بين رهبان جبل كالمون فى منطقة الفيوم المصرية.
كان الخطاب الموجه إلى كالوسوريوس تثقيفى بشكل خاص لإنه كان يعطى صورة عن الآليات التى ظل بها كيرلس على علم بالأحوال الداخلية فى الأديرة المصرية وكيف أنه قد إستخدم الخطابات الشخصية ليلح فى إعادة رسم الحدود الثيولوجية . ومن الواضح أن البطريرك قد إستخدم الواشين الديريين الذين كانوا يمدونه بمعلومات عن هؤلاء من أصحاب الآراء الدينية والكنسية المغايرة فى دير جبل كالمون وليس فقط عن هؤلاء الذين كانوا يتبنون الآراء الأنثروبومورفيتية المتطرفة ولكن عن الرهبان الميليتيين أيضا ( أتباع ميليتوس).
والصورة المرسومة هى لدير لايتمايز- بشكل حاد- بالإختلافات العقائدية أو الطائفية. وتتأكد هذه الصورة عن الحركة الديرية فى الفيوم من خلال مصدرآخر من نفس الفترة هو ( أقوال آباء الصحراء ) والذى يحكى قصة كيف أن راهب أرثوذكسى شهير يسمى سيسيوس كان مستقرا ويعيش فى الفيوم فى سلام بين جماعة من الزهاد الميليتيين. كان إهتمام كيرلس بكتابة ذلك الخطاب إلى كالوسيروس – أسقف المنطقة - هو أن يحثه على أن يوقف هؤلاء الذين كانوا يصرحون بمعتقدات ضالة وأن يمنع هؤلاء الذين يدرك أنهم أرثوذكس من الإختلاط بالمليتيين. وبرغم حقيقة أن إهتماماته الدينية الخاصة كانت تختلف تماما فى هذه الحالة فقد تبع كيرلس ثيوفيلوس فى محاولاته لإخضاع القيادة الرهبانية إلى سلطته بشكل أكثر مباشرة. وقد فعل ذلك من خلال حثهم على رسم خطوط أكثر خصوصية وثباتا لهوية الجماعة وذلك بفصل أنفسهم عن الرهبان الذين يرعون آراء دينية وكنسية تختلف عن تلك الخاصة به.

النزاع حول طبيعة المسيح مع القسطنطينية ( الجزء الأول).

وعلى الجبهة الدولية تبع كيرلس أيضا ثيوفيلوس فى علاقته المضطربة مع كنيسة القسطنطينية وقيادتها. وفى بدايات أسقفية كيرلس كان ذلك أشد وضوحا فى الخط المتشدد الذى أخذه فيما يتعلق بميراث جون كريسوستوم ، أسقف القسطنطينية السابق. كان نزاع ثيوفيلوس مع كريسوستوم قد إنتهى بإبعاد الأخير عن منصبه ثم وفاته على أثر ذلك سنة 407م. وفى وقت إبعاده ، تم حذف إسم كريسوستوم من ألواح كنيسة الإسكندرية التى كانت عبارة عن السجلات الكنسية الرسمية التى تسجل أسماء الأساقفة من ذوى المواقف الجيدة. والآن وبعد أكثر من عقد من الزمان فقد كان هناك حركة تجرى فى بعض الأسقفيات لإسترجاع إسمه إلى قائمة الأساقفة الرسمية. والواقع أن أسقفية روما والقسطنطينية وأنطاكية كانت قد فعلت ذلك بالفعل. ومع ذلك فإن كيرلس الذى كان حاضرا بنفسه مع ثيوفيلوس وشهد إدانة كريسستوم فى مجمع أوك سنة 403م قد رفض ذلك بإصرار ، وظل مصمما على رفضه حتى بعد أن كتب له أتيكوس – أسقف القسطنطينية الجديد والخلف الثانى لكريسوستوم - خطابا يناشده فيه الرأفة فى تلك المسألة. وعلى مدى فترة ولايته البالغة ثلاثة وثلاثين سنة أخذ كيرلس يخفف من موقفه تدريجيا تجاه كريسوستوم ولكن التوترات بين الإسكندرية والقسطنطينية ظلت كما هى.
وقد إنفجرت هذه التوترات إلى حرب ثيولوجية كاملة بعد أن تولى رجل يسمى نسطوريوس مركز أسقف القسطنطينية سنة 427م. بدأ الإنفجار المفاجئ لهذا النزاع المتجدد بإعلان نسطوريوس على الملأ رفض معتقد أن العذراء مريم كانت أما للإله بالمعنى الحرفى أى أن تكون هى التى حملت به. كان نسطوريوس يرفض تلك العبارة لإنها كانت – فى رأيه – تثير سلسلة من المشاكل الخطيرة. فكيف يمكن لمريم وهى مجرد كائن بشرى أن تلد الإله العلى القدير؟ ألم يكن ذلك مجرد لغط لغوى؟ ألم يكن من الأفضل أن نقول أن مريم قد أنجبت الكائن البشرى ، يسوع المسيح؟ وعلى هذا فقد إقترح نسطوريوس لقبا بديلا لمريم هو ( أم المسيح). وعلق على ذلك قائلا ( أنه فيما يخص أن الإله قد مر من خلال مريم العذراء فقد تعلمت ذلك من الكتاب المقدس ولكن أن يكون قد ولد منها فلم أتعلم ذلك من أى جهة). وفى محاضراته عن ذلك الموضوع ، فقد ذهب إلى حد إدانة هؤلاء الذين إستمروا فى تسمية العذراء بأم الإله.
أثار رفض نسطوريوس لمعتقد أم الإله غضبا فوريا بين قيادة الكنيسة المصرية. فقبل القرن الخامس كان لذلك الإصطلاح تاريخ طويل من الإستعمال فى مصر والواقع أنه قد كان أحد الملامح المميزة للاهوت السكندرى. وقد إستخدم كل من أوريجن وبطرس والإسكندر وأثناسيوس وديديموس الأعمى – وسواء أكانوا بابوات أو معلمين دينيين بارزين - هذا اللقب لمريم العذراء فى كتاباتهم. وبالنسبة لكيرلس نفسه فقد إستخدم هذا الإصطلاح – بشكل إضافى – كأداة دينية حاسمة فى مجهوداته فى محاربة ديانة إيزيس فى مصر. لقد كانت إيزيس تُعرف بإسم العذراء العظيمة وكأم للإله بين عبادها. و قد نسب إليها فى ألأساطير المصرية إنجاب إله الشمس المصرى حورس. وبتمثيل مريم كأنها العذراء وأم الإله فى الأدب والطقوس الدينية والفن حاول كيرلس والكنيسة المصرية فى القرن الخامس التودد إلى مشاعر عباد إيزيس وإعادة توجيه مثل ذلك الإيمان إلى المعتقد المسيحى لمريم العذراء. ولذا فلايجب أن يكون مدعاة للدهشة أن كيرلس وبمجرد أن سمع عن تعاليم نسطوريوس بشأن العذراء فقد شعر على الفور بالحاجة للدفاع عن ذلك المعتقد - عميق الجذور فى الديانة المسيحية السكندرية – كتابة.
إن طبيعة رد فعل كيرلس هام لفهم الدور الذى ظلت الحركة الديرية المصرية تلعبه بالنسبة للبطركية السكندرية. ففى مواجهة نزاع دينى آخر مع القسطنطينية إتجه كيرلس إلى الأديرة المصرية فى محاولة لتدعيم قاعدة التأييد التقليدية تلك. وهكذا وحتى قبل بداية الكتابة إلى نسطوريوس مباشرة فقد كتب ( خطابا عاما إلى رهبان مصر). وفى ذلك الخطاب كان إهتمامه الأول هو أن يستأصل أى بذور محتملة للشك أو الإنقسام قد تكون تعاليم نسطوريوس قد زرعتها ، فكتب يقول :

( ولكنى قد تكدرت إلى أبعد الحدود لإننى قد سمعت أن بعض الإشاعات المزعجة قد وصلتكم وأن بعض الرجال يحاولون تحطيم عقيدتكم البسيطة ، يتقيأون سيل من العبارات السيئة عديمة الجدوى ، يتسائلون ويقولون أنه من الضرورى أن نحدد بوضوح إذا ماكان يجب أن ندعو العذراء مريم أم الإله أم لا؟).

وإجتماعيا ، كان هدف كيرلس هو أن يقوى روابط ولاء الجماعة تحت قيادته الشخصية. وقد فعل ذلك بتحديد مثل هذا الولاء على أساس الإنتماء الدينى ، محاولا فصل جماعته عن التعاليم التى تبدو باطلة. وفى مقابل مزاعم نسطوريوس بأن معتقد أم الإله غير كتابى ( أى لم يُذكر فى الكتاب المقدس) فقد إستشهد كيرلس بالتقليد الرسولى وبآباء العقيدة المقدسين – هؤلاء الذى يُعتقد أنهم قد فسروا الكتاب المقدس بشكل صحيح – وذلك من أجل الدفاع عن إستخدام ذلك اللقب لمريم. وهنا يدرك ( تاريخ البطاركة ) - بشكل صحيح - كيف أن أجندة كيرلس الخطابية كانت مرتبطة ببناء هوية كنسية مصرية. فقد إستفاد كيرلس من أسلحة الآباء – الإسكندر وأثناسيوس - وإرتدى رداء العقيدة الذى تركه له أسلافه فى كنيسة القديس مرقس الإنجيلى.
وفى خطابه ( إلى رهبان مصر) يسترشد كيرلس - وبشكل خاص – بسابقة أثناسيوس ، ضاربا المثل بمكانين أشار فيهما أثناسيوس نفسه إلى مريم بإسم ( أم الإله). وفى مستهل ذلك النزاع الناشب مع نسطوريوس بشأن طبيعة المسيح فقد كان من شأن إستحضار كيرلس لمثال أثناسيوس أن يعمل على مستويين على الأقل . الأول كان كيرلس - وبوضع نفسه فى موقف خلف أثناسيوس الروحى فى مراسلاته مع الرهبان المسيحيين - يطرح مزاعمه فى دور راعى الحركة الديرية وفوائد تلك الرعاية الديرية التى كان أثناسيوس قد أسسها قبل نحو مائة عام من زمن كيرلس. وثانيا فبإستحضار إسم أثناسيوس فقد طرح كيرلس أيضا زعما فى عبائته كالمدافع الأرثوذكسى عن عقيدة نيقية وفى خطابه إلى رهبان مصر ومباشرة بعد أن إستشهد بأثناسيوس فقد إقتبس كيرلس نص العقيدة الشهير – بشكل بارع ( أى قرارات مجمع نقية سنة 325م التى أكدت على أن الأب والإبن من جوهر واحد). وبعد ذلك وعندما حاول نسطوريوس أن يربط نفسه أيضا بعقيدة نيقية فقد إشتكى كيرلس بأن أسقف القسطنطينية لم يفهم ولم يفسر عقيدة ذلك المجمع بشكل صحيح.
وقد ساعد إعتماد كيرلس على أثناسيوس أيضا فى تفسير الأسباب الدينية العميقة لمعارضته لنسطوريوس. ففى نهاية خطابه إلى رهبان مصر يؤكد كيرلس على وحدة المسيح ( ككائن بشرى وكائن مقدس) وذلك كتبرير لتسمسة مريم بأم الإله. فيقول:

( ولهذا ، فهو إله حقا وملكا تبعا للطبيعة ولإن الذى صُلب قد دعى بسيد المجد فكيف يمكن لأى إنسان أن يتردد فى أن يسمى العذراء المقدسة بأم الإله ؟ إعبدوه كواحد بدون أن تقسموه إلى أثنين بعد الإتحاد).

وفى مكان آخر يصف كيرلس هذا الإتحاد للمقدس والبشرى فى المسيح بأنه إتحاد لحقيقيتين أساسيتين فى شخص المسيح.

( نحن لانقول أن طبيعة الكلمة قد تغيرت عندما أصبحت لحما. ولانقول أن الكلمة قد تغيرت إلى إنسان كامل من روح وجسد. ولكنا بالأحرى نقول أن الكلمة و بإتحادها به نفسه فإن اللحم المجرد وقد نشُط بروح عاقلة قد أصبح إنسانا كاملا بشكل لايمكن فهمه أو تفسيره).

وبالنسبة لكيرلس فقد كان ذلك الإتحاد الكامل للإلهى والإنسانى فى المسيح هو الذى جعل من الممكن أن نسمى مريم بأم الإله. وتبعا ( لإقتصاد التجسيد ) فما كان يُنسب إلى إنسانية المسيح كان يُنسب أيضا إلى ألوهيته وبالعكس. لقد كان لطبيعة ذلك الإتحاد أيضا تضمينات عميقة بالنسبة للخلاص الإنسانى. وهنا يعتمد لاهوت كيرلس عن طبيعة المسيح و بشكل كبير على نظرية أثناسيوس فى التجسيد. فتبعا لأثناسيوس فإن الكلمة المانحة للحياة وبتوحيد نفسها مع جسد إنسانى وبجعل ذلك الجسد إلاهيا فإنها تحول كل الطبيعة البشرية بشكل خلاصى. وبالنسبة لكيرلس كما هو بالنسبة لأثناسيوس فإن المدخل الإنسانى إلى الخلاص قد أصبح ممكنا فقط من خلال المشاركة فى الجسد الإلهى للمسيح.
إن ذلك المنطق المتعلق بلاهوت طبيعة المسيح - والمرتبط للغاية باللاهوت الخلاصى - يساعد على شرح ماكان هاما بالنسبة لكيرلس فى معارضته لنسطوريوس. كان كيرلس يشكو من أن نظرية نسطوريوس تُقسم المسيح إلى شخصين أو أنها على الأقل تقترح إتحاد ضعيف لشخصين فى المسيح. كان قلق كيرلس الأساسى أن مثل ذلك اللاهوت قد يقوض الوحدة الأساسية للمسيح ومن ثم يهدد المدخل الإنسانى إلى الخلاص.
دافع كيرلس عن قضيته ضد نسطوريوس فى خطابات عديدة و مقالات أرسلها إلى ليو - أسقف روما- وإلى آخرين من الأساقفة الشرقيين وإلى البلاط الإمبراطورى وإلى نسطوريوس نفسه أيضا. وسرعان ماأخذ هجومه على أسقف القسطنطينية يزداد عنفا وقد تضمن خطابه الثالث والأخير إلى نسطوريوس- والذى كان مؤيدا من قبل مجمع سكندرى - سلسلة من إثنى عشر تقريرا قاسيا يدين آراء نسطوريوس إشتهرت بإسم ( اللعنات الإثنى عشر). وسرعان مادفعت إعتراضات كيرلس الشديدة الإمبراطور ثيودوسيوس الثانى لعقد مجمع لحل تلك المسألة فى مدينة إفسوس فى يونيو سنة 431م. وفى ذلك المجمع تقرر إدانة نسطوريوس ولكن الجلسات لم تتم بدون تعقيدات. وبصفته الأسقف الأكبر فقد ترأس كيرلس المجمع وقد وصل فى صحبة حاشية من الموالين بما فيهم الراهب القبطى شنودة رئيس الدير الأبيض فى صعيد مصر. كما فوض بعض الرهبان المصريين حتى كمندوبين لكيرلس فى القسطنطينية حيث حاولوا حشد المعارضة ضد نسطوريوس. ومرة أخرى إستفاد بطريرك سكندرى من تأييد الرهبان المصريين فى زمن من الأزمة الدينية.
و بسبب الدعم الناتج عن حماس مؤيديه كان كيرلس متحمسا لبدء جلسات المجمع. كان عقد المجمع قد تأخر فعلا لحوالى أسبوعين عن تاريخ بداية إنعقاده المحدد. وعلى هذا و بينما كان مندوبى أنطاكية مازالوا فى حاجة إلى نحو أسبوع للوصول إلى إفسوس وبينما كانت البعثة الرومانية حتى أكثر تأخرا ومع رفض نسطوريوس نفسه للحضور فقد قرر كيرلس أن يدعو المجمع إلى الإنعقاد. جاءت قرارات المجمع سريعة فخلال أربع وعشرين ساعة كان قد تم عزل نسطوريوس بإجماع أصوات المائة وسبع وتسعين أسقفا الذين حضروا المؤتمر.ٍ
ومع ذلك فقد تسبب قرار كيرلس المضى فى أعمال المؤتمر بدون حضور الوفد الأنطاكى – ورغم أن ذلك كان فى نطاق حقوقه فنيا - فى خلق هوة خطيرة بين الأسقفيتين. وعندما وصل جون أسقف انطاكية ومؤيدوه بعد أيام قليلة من إنعقاد المؤتمر أغاظهم قرار كيرلس بالبدء دون حضورهم ومن ثم رفضوا بقوة تأييد قرار المجمع ( بعزل نسطوريوس). وكرد فعل على ذلك – وبشكل مضحك – عقدوا جلستهم الخاصة وأدانوا فيها كيرلس ولعناته الإثنى عشر. وعندما وصلت أنباء ذلك الإنشقاق إلى الإمبراطور ثيودوسيوس قرر أن يُبطل كل ماجرى فى المجمع بطريقة تحيزية من قبل التجمعين المنفصلين ودعى إلى عقد مشاورة دينية جديدة بالقرب من العاصمة فى خلقدونية. وعلى مدى الثلاثة أشهر التالية حاول الإمبراطور ثيودوسيوس حل الخلافات بين الحزبين ولكنه لم يحقق أى نجاح وتطلب الأمر لنحو أكثر من عامين قبل أن تتصالح الإسكندرية وأنطاكية فى ( صيغة إعادة الإتحاد) سنة 433م.
وبرغم النتيجة الغير قاطعة لمجمع إفسوس فماكان يمكن للمصير العام لكل من نسطوريوس وكيرلس أن يكون أكثر إختلافا عما كان. فبالنسبة لنسطوريوس والذى كان يرغب فى ترك الحياة العامة والعودة إلى معتزله الديرى الأصلى فقد تخلى عن كرسيه الأسقفى بعد المجمع. وبعد ذلك بخمسة سنوات قرر الإمبراطور نفيه إلى حدود العالم الرومانى ، إلى البتراء أولا ثم إلى الواحات الكبرى بصحراء مصر الغربية. أما بالنسبة لكيرلس فقد عاد إلى مصر كبطل حيث مجدته الأجيال التالية فى الأدبين القبطى والإغريقى بصفته راعى وحامى الرهبان المصريين والمدافع عن العقيدة الحقة ضد نسطوريوس. أما مؤقتا ومع إحتلال شخص أقل إثارة للجدل لكرسى الأسقف فى القسطنطينية ( الأسقف مكسيميان) فقد تراجع التوتر مؤقتا بين الإسكندرية والقسطنطينية. وخلال العقد والنصف التاليين حل سلام حذر بين الأسقفيتين.

النزاع الدينى مع القسطنطينية حول طبيعة المسيح ( الجزء الثانى ).

وسرعان ما تحطم الوفاق الدينى بين الإسكندرية والقسطنطينية بشكل حاسم فى مجمع إفسوس الثانى سنة 449م. فهناك تمت مراجعة كثير من نفس المسائل المتعلقة بطبيعة المسيح ولو بواسطة مجموعة من النجوم الجدد حيث كان ديسقوروس (444-454م) قد عُين أسقفا للإسكندرية بعد وفاة كيرلس سنة 444م وفى القسطنطينية كان رجل يدعى فالفيان قد إعتلى العرش الأسقفى. وقد إنطلقت الشرارة الأولى لذلك النزاع المتجدد بواسطة راهب ذى سطوة يدعى إيوتيتش كان يرأس أحد الأديرة فى العاصمة الإمبراطورية القسطنطينية، ففى خلال السنتين السابقتين لمجمع إفسوس الثانى المذكور ، كان إيوتيتش قد بدأ يجذب إهتماما سلبيا بين قادة الكنيسة فى آسيا الصغرى وسوريا والذين راحوا يعبرون عن إعتراضات شديدة على تعاليمه حول الطبيعة الواحدة للمسيح.
لم تكن تعاليم إيوتيتش والخلاف الذى أثارته جديدة ، فقد كان كيرلس أسقف الإسكندرية نفسه قد إستخدم عبارة الطبيعة الواحدة من أجل أن يصف الإتحاد المجرد للمسيح. والواقع أن هذه العبارة كانت قد أثبتت بعد سنة 430م أنها مثيرة للخلاف ليس فقط مع نسطوريوس ولكن أيضا مع ألأسقف جون أسقف أنطاكية وأنصاره والذين كانوا يخشون من أن مثل لاهوت الطبيعة الواحدة ذاك قد يودى بطبيعة المسيح البشرية. وفى مواجهة مثل تلك المخاوف التى كان يعبر عنها الحزب الأنطاكى تحرك كيرلس كى يوضح ويلطف لغته. فقام أولا بشرح أنه قد علم الطبيعة الواحدة للكلمة وذلك من أجل أن يلقى الضوء على إهتمامه الأساسى بأن الكلمة المجسدة يجب أن تُدرك كالفاعل المميز و المصدر الفريد المانح للحياة لعمل الله الإفتدائى نيابة عن الإنسانية. وفى نفس الوقت وحتى بينما كان مازال يوظف نفس لغة الطبيعة الواحدة ليؤكد وحدة شخص المسيح ، كان كيرلس مستعدا لإن يبحث عن أرضية مشتركة مع منتقديه الأنطاكيين من خلال إقراره بأن خصوصية كل من طبيعة المسيح البشرية والإلهية كانت مازلت حاضرة بشكل ما فى تركيبهما. وفى النهاية فإن قيام كيرلس بإعادة الصياغة والتهذيب المتأن للاهوته بشأن طبيعة المسيح قد لعب دورا أساسيا فى تسهيل الوصول إلى صيغة إعادة الإتحاد السالفة الذكر التى وقعتها كنيستا الإسكندرية وأنطاكية سنة 433م.
وبينما تبع الراهب إيوتيتش كيرلس فى تأكيده على الطبيعة الواحدة للمسيح فقد أظهر قابلية أقل فى لباقة التعبير الدينى وإستعدادا أقل كثيرا للتفاهم فى تفسيره المتشدد لمعتقد الطبيعة الواحدة. فبالنسبة إليه فإن أى شخص كان قد إقترح إمكانية وجود طبيعتين للمسيح بعد الإتحاد هو – ببساطة – مذنبا بالإبتداع فى لاهوت طبيعة المسيح وكان ذلك بمثابة خطيئة كبرى فى الأوساط الدينية المسيحية المبكرة.
وفى تأييده لزعمه هذا فقد أشار – وبشكل صحيح هذه المرة - إلى أنه لم يكن هناك أى سابقة قديمة للغة ( طبيعتين ) حيث أنها لم تستخدم لا فى الكتاب المقدس ولا فى المجمعين المسكونين فى نيقية سنة 325م وإفسوس سنة 431م. وضد مثل ذلك الإبتداع المتصور إستمر إيوتيتش يردد صيغة طبيعته الواحدة كأنها وصفة طبية.ومن جانبهم فقد خشى خصوم إيوتيتش – بما فيهم ثيودورو أسقف قبرص وفالفيان أسقف القسطنطينية وليو أسقف روما - أن آرائه عن الطبيعة الواحدة سوف تتسبب حتما فى إبتلاع طبيعة المسيح الإلهية لطبيعته البشرية. وعلى ذلك وفى مجمع الوطن فى القسطنطينية سنة 448م قام فالفيان بإدانته وطرده لقرائته الخاطئة وتشويهه للاهوت كيرلس وقد أيد البابا الرومانى ليو ذلك الحكم واصفا إيوتيتش بالغباء والجهل المفرطين.
وعند هذه النقطة - وفى معارضتة لفالفيان وليو- قرر البابا المصرى ديسقوروس أن يلقى بثقله لصالح إيوتيتش. كان ذلك قرارا مصيريا لمستقبل الكنيسة المصرية. وبينما إتهم بعض المؤرخين المحدثين ديسقوروس بالإنتهازية فإن أسباب تدخله لم تكن - ببساطة – سياسية. فعلى المستوى الدينى يبدوأنه كان يشارك إيوتيتش بعض التفسير الثابت عن صيغة الطبيعة الواحدة وأيضا عدم رضى عميق عن بعض التنازلات التى قدمها كيرلس أثناء محادثاته مع الأنطاكيين من أجل التوصل إلى صيغة إعادة الإتحاد سنة 433م. وفى أى الأحوال وبصرف النظر عن دوافعه فقد إستطاع ديسقوروس أن يستفيد من مناخ سياسى كان مواتيا فى ذلك الوقت. ولإن إيوتيتش كان لديه حامى قوى فى البلاط الإمبراطورى- هو حاجب البلاط كريسافيوس - فقد أسرع ديسقوروس بطلب تأييد الإمبراطور ثيودوسيوس لعقد مجمع ثان فى إفسوس لمراجعة تلك المسألة. ومثل كيرلس فى المجمع السابق فى إفسوس قبل ثمانية عشر عاما مُنح ديسقوروس مزية ترأس الجلسات بصفته مندوب كنيسة الإسكندرية. وقد إستخدم نفوذه ببراعة وثقة حتى أكبر مما فعل سلفه. وبأغلبية ساحقة من الأساقفة الذين حضروا المؤتمر وبوجود القوات الإمبراطورية حاضرة لقمع أى تمرد أسرع ديسقوروس لتحقيق أجندته بحيث تمكن فى النهاية من تبرئة إيوتيتش وخلع فالفيان أسقف القنسطنطينية. ومرة أخرى لعب الرهبان المصريون دورا أساسيا فى مجرى الأحداث ، فتماما عندما كان التصويت على وشك أن يبدأ إندفعت جماعة منهم إلى قاعة الإجتماع – ومعهم حشد من الناشطين المسلحين - صائحين على المشاركين بتأييد أسقفهم. وخلال جلسات المؤتمر كان هناك فورات من الغضب وتركت الأساليب القاسية للحرس المسلح عددا من المشاركين مصابا بما فيهم الأسقف فالفيان نفسه والذى توفى خلال سنة من إنعقاد المؤتمر بسبب عدم قدرته على تحمل مشاق السفر إلى منفاه.
وعاد ديسقوروس إلى الإسكندرية منتصرا ولكن ذلك كان نصرا مكلفا قصير العمر. ففى أثناء عملية الدفاع عن إيوتيتش لم يكن قد أبعد القسطنطينية فقط ولكن أيضا أسقفية روما الرهيبة. ولم يستطع ليو أسقف روما نفسه حضور المجمع وأرسل بدلا منه وفدا بابويا ومعه خطابا تفصيليا لفالفيان يعارض فيه آراء إيوتيتش. لم تقرأ هذه الوثيقة أبدا – والتى عرفت بإسم كتاب ليو - فى المجمع حيث لم تكن تتناسب مع خطط ديسقوروس ومن ثم فقد تم تجاهلها. ومن الواضح أن ذلك لم يسر ليو والذى كان قد شعر بغضب شديد بسبب أساليب ديسقوروس فى قيادة المجمع بحيث أطلق علي مجمع إفسوس الثانى تسمية (مجمع اللصوص). وعلى هذا وعندما توفى الإمبراطور ثيودوسيوس بعد عام من ذلك التاريخ فى سنة 450م - كنتيجة لسقوطه عن صهوة جواده – وجد الأسقف السكندرى نفسه - وبشكل مفاجئ – فى موقف ضعيف بعد أن فقد أقوى حليف ومدافع دولى عنه.
وفى أعقاب وفاة ثيودوسيوس جاء رد الفعل ضد ديسقوروس سريعا وقاطعا إذ تحركت الإمبراطورة الجديدة بولشيريا – والتى كانت متعاطفة مع ليو – لإلغاء أعمال مجمع إفسوس الثانى ودعت إلى عقد مجمع جديد فى السنة التالية فى خلقدونية بالقرب من العاصمة القسطنطينية. وفى مجمع خلقدونية هذا سنة 451م تم عزل ديسقوروس- لمحاولته حرمان ليو من الكنيسة فى إفسوس - وتم شجب لاهوت إيوتيتش مرة أخرى كما تم التوصل إلى حل وسط يرتكز على ثلاث وثائق أولية هى كتاب ليو وخطاب كيرلس الثانى إلى نسطوريوس والصيغة السكندرية الأنطاكية لإعادة الإتحاد. كانت لغة قانون خلقدونية ( أى القرارات التى خرج بها المجمع) ذات مغزى . فحتى عندما ثبُتت العذراء مريم كأم للإله فقد تحدثت عن المسيح فى طبيعتين وبدون غموض أو تغير وبدون تقسيم أو إنفصال. وبالنسبة لمعظم أعضاء الوفد المصرى فإن التأكيد على طبيعتين للمسيح كان ينطوى على مسحة من فكر نسطوريوس. وبدا التقرير كأنه خيانة لميراث كيرلس. وبدا رفض المجمع لقبول لعنات كيرلس الإثنى عشر ضد نسطوريوس كأنه يؤكد ذلك الإنطباع.
وفى النهاية رفض معظم أعضاء الوفد المصرى بإصرار سلطة المجمع لعزل ديسقوروس. وبعد إنتهاء أعمال المجمع وحتى بعد أن أُرسل ديسقوروس إلى المنفى فى جانجرا (بافلاجونيا ) وأقيم مكانه أسقفا مؤيدا لقرارات خلقدنية يسمى بروتيريوس إستمر الأقباط المسيحيون فى إعتبار ديسقوروس بطركهم الشرعى.وبين المؤمنين المصريين – وخاصة بين الرهبان الأقباط - فقد بدا إقصائه القسرى عن منصبه فقط وكأنه يقوى من شهرته كقائد زاهد مقاتل والأخير فى سلسلة طويلة من البطاركة تشمل ديونيسيبوس وبطرس وأثناسيوس من الذين عرفوا تجربة النفى على يد الخصوم المعادين. والواقع أن شهرة ديوسقوروس كبطريرك منفى وديرى أثير سوف تحتفل بها الأجيال التالية من الكتاب والفنانيين الرهبان المعادين لقرارات خلقدونية فى مصر.
وهكذا فما نتج عن مجمع خلقدونية لم يكن حلا وسطا بشأن طبيعة المسيح يُنسب إلى جميع الأحزاب ولكنه كان إنشقاقا رسميا بين الكنيسة فى مصروالكنائس فى روما والقسطنطينية. وعلى مدى القرنين التاليين كان لهذ الإنشقاق تأثيرات عميقة على المشهد الإجتماعى والسياسى والدينى فى مصر حيث إستمرت الكنيسة المعادية لقرارات خلقدونية هناك فى مقاومة سيطرة الدولة البيزنطية. وحيث هُمشوا تحت الحكم السياسى للقسطنطنية فسرعان ماأصبحت الكنيسة القبطية وبطاركتها منفيين فى وطنهم.


الفصل الرابع
مناهضة البابوية السكندرية
الكنيسة القبطية من 451م حتى ظهور الإسلام .
( من ديسقوروس الأول حتى بنيامين الأول)


مناهضة البابوية السكندرية :

برغم نفيه الدائم الذى تقرر فى مجمع خلقدونية سنة 451م فقد أثبت البطريرك ديسقوروس (444-454م) أنه كان شخصية محورية فى تشكيل الهوية الكنسية المصرية. ويخلد (تاريخ البطاركة) ميراثه فى مفردات قديسية مُثنيا عليه ( كأحد الذين حفظوا الإيمان الأرثوذكسى الذى إستمر فى كنيسة القديس مرقس الإنجيلى حتى اليوم وإلى الأبد) والذى إستلم تاج الشهادة حينما كان فى المنفى. وبفعل هذا فإن سفر التاريخ القبطى هذا يقرأ معالم تجربة ديسقوروس فى ضوء نماذج بابوية سابقة خاصة كما كانت تصور بلغة الحوارية الرسولية والشهادة.
وفى نفس الوقت – مع ذلك – فإن سيرة ديسقوروس فى ( حياة البطاركة) تظهر أيضا المعنى الكبير لنفيه بالنسبة للتاريخ اللاحق للبطريركية المصرية وبالنسبة لعلاقة الكنيسة القبطية بالدولة البيزنطية من جهة وبالكنسية الخلقدونية الإمبراطورية من جهة أخرى.وتبعا لذلك فإن مجمع خلقدونية وماتلاه يحدد مرحلة فاصلة عميقة فى الهوية التاريخية والممارسة بالنسبة للكنيسة المصرية. فبعد المجمع تعطل عمل تسجيل تاريخ البطاركة المصريين.

( ولكن فى ذلك الوقت كانت العقائد قد إنفصلت وتباعدت الأسقفيات عن بعضها البعض بحيث لم يعد هناك من يمكن أن يكتب تواريخ البطاركة وإنقطعت ممارسة تجميع سيرهم). وهكذا فلم توجد سيرة للبطريرك المقدس ديسقوروس بعد نفيه.

وأيضا فقد سبب نفى ديسقوروس تغيير جذرى فى الطريقة التى كان ينظر بها كثير من المسيحيين المصريين إلى الدولة الإمبراطورية فى القسطنطينية. ويؤكد (تاريخ البطاركة) أن ديسقوروس قد إضطهد ونُفى على يد الإمبراطور مارشيان وزوجته ومن خلال وسيلة مجمع خاضع لإرادة الإمبراطور. والواقع انه وفى القرنين اللذين أعقبا مجمع خلقدونية( فإن الكنيسة القبطية وغيرها من الجماعات المعادية لخلقدونية سوف تبدأ بوصف خصومها بإسم الملكيين أو بأتباع الكنيسة الإمبراطورية.
حدد نفى ديسقوروس تحول قاطع فى العلاقة بين الكنيسة المصرية والدولة الإمبراطورية ولكن وبالنسبة للمسيحيين المصريين من ذوى الذاكرة القوية فقد أثار أيضا صورا حية من تجربة بطاركة مصريين سابقين. فقبل قرن من هذا التاريخ كان الإمبراطور الرومانى قسطنطيوس الثانى قد عمل على إبعاد أثناسيوس عن أسقفيته وإستبداله ( فى مناسبتين منفصلتين) بأساقفة آريوسيين من إختياره. والآن ومع ديسقوروس وقد أبعد بدنيا عن المشهد تحرك الإمبراطور الخلقدونى مارشيان مع أنصاره بسرعة لتعيين بديلا له ، فإختاروا أسقفا مصريا يدعى بروتيريوس كان قد ترك جانب ديسقوروس وأيد القضية الخلقدونية. وبهذه الطريقة كان الأساقفة الخلقدونيون يحاولون إسكات المعارضة المصرية بتعيين مندوبهم - الموافق عليه من قبل الإمبراطور- كبطريرك.
وكنتيجة لمثل تلك الأفعال أصبحت البابوية المصرية خلال معظم القرنين التاليين - من 451 إلى 642م - محل نزاع حاد بين حزبين على الأقل. فبينما إعترفت معظم الأسقفيات المصرية بديسقوروس وبسلسلة من خلفائه المعادين لخلقدونية ، كبطاركة شرعيين فإن شرعيتهم تلك نادرا ما إعترف بها من قبل الكنيسة البيزنطية الخلقدونية فى القسطنطينية. وبدلا من ذلك كان الخلقدونيون غالبا مايختارون تزكية مرشحيهم للعرش الأسقفى فى الإسكندرية فارضين سيطرتهم من خلال التدخل العسكرى المدعوم من الدولة. كان هؤلاء الأساقفة الخلقدونيون الذين يتم إقامتهم فى الإسكندرية مدعومين أيضا بأشكال جديدة من التشريع الإمبراطورى وهو التشريع الذى كان يخول للمنصب الأسقفى درجة غير مسبوقة من السلطة المدنية فى الشئون السياسية والإقتصادية السكندرية. وأخيرا كان إقحام بروتيريوس وخلفائه إلى الأسقفية السكندرية منسقا أيضا مع حملة رسمية من الدعاية اللاهوتية- تقودها فى المقام الأول كنيستا روما والقسطنطينية- بهدف إبعاد المعارضة للخلقدونية إلى هامش الخطاب البيزنطى العام. وقد قاد ليو - أسقف روما – تلك الحملة وأعلن فى رسائله أن الكنيسة فى مصر كانت فى حالة من الأسر المؤسف وأن الإمبراطور قد دُعى لتحريرها منه بحيث يمكن إسترجاع كرامة الآباء وحق الدين.
عمل هذا التدخل من قبل الكنيسة الإمبراطورية الخلقدونية – كما أُعتقد – كشكل من الإستعمار الكنسى. كانت السياسات العسكرية والقانونية والإقتصادية والخطابية للقسطنطينية وروما مصممة خصيصا من أجل إزاحة وحرمان المعارضة القبطية ولتأمين قاعدة أمامية خلقدونية فى الإسكندرية. ومع ذلك – وفى الدراسة الحديثة لهذه الفترة - فإن المؤرخين الكنسيين الغربيين – وهم أنفسهم ورثة للتقاليد الخلقدونية - غالبا ماكرروا وخلدوا – ولو بغير عمد- النزعات الإستعمارية لأسلافهم الرومان والبيزنطيين. وكمثال واضح على ذلك فقد إستمر كثير من الباحثين فى إستخدام إصطلاح ( المونوفيسايت) أى أنصار مذهب الطبيعة الواحدة للإشارة إلى الجماعة القبطية المعادية لخلقدونية برغم حقيقة أنه فى القرون التالية قد كان يستخدم فقط كلقب إزدرائى من قبل خصومهم الثيولوجيين وأنه قد رفض كتعريف ذاتى من قبل معظم الأقباط فى الوقت الحالى. كما يقوم بعض الباحثين الآخرين – وعندما يسجلون البطاركة السكندريين - بإحصائهم تبعا لقوائم البطاركة المعترف بها رسميا من قبل السلطة الإمبراطورية الخلقدونية.
وفى هذا الفصل فإننى أقدم معالجة لهذا الإتجاه من خلال قراءة هذه الفترة من التاريخ من منظور الطرف المستعمر – وهو الكنيسة المصرية المعادية لخلقدونية - وذلك كى نفهم كيف كانت الهوية الإجتماعية والثيولوجية للبابوية المصرية قد حددت بخطابات القوة الإستعمارية وبتعقيدات المقاومة السياسية.
إن ظاهرة المقاومة ليست ببساطة مجرد نقيض السيطرةالإستعمارية. فقد بدت- بالأحرى- أنها عملية متعددة الوجوه من التفاوض الثقافى والذى يتضمن – وبشكل حتمى – أشكال من تسوية الحل الوسط و التواطئ . وهكذا فلابد من توقع وجود مزيج متنوع من الديناميات الإجتماعية فى أى جماعة مستعمرة. وبين هذه الديناميات يكون (1) تكوين نظم نخبوية جديدة فى معارضة القيادة المحلية المؤسسية.(2) إنشقاقات داخلية وأصطفاف طبقى إجتماعى قائم على العرق واللغة والتمييزات الدينية و(3) خطابات وممارسات تحاول إعادة رسم خطوط هوية الجماعة بمعارضة الحدود المفترضة بين المركز والهامش أو هؤلاء الذين يحاولون تشكيل إحساس أكبر للضمير الجمعى بين شعب مستعمر ، كما هو الحال فى الوطنية أو حركات التضامن العرقى.
وبطرق مختلفة فكل من هذه الوجوه النموذجية لمقاومة الإستعمار تعبر عن نفسها فى تاريخ البطريركية القبطية خلال القرنين اللذان أعقبا مجمع خلقدونية ففى أعقاب المجمع أصبحت البطريركية السكندرية موقعا للصراع المؤسسى بين الأسقف الخلقدونى المدعوم من الإمبراطور - أى تيبريوس - ونظرائه أعداء الخلقدونية – وبالتحديد ديسقوروس المنفى وخلفه المقبل تيموثى الثانى أليروس. وكما سوف نرى – مع ذلك – فإن الميراث التاريخى لهذه المقاومة فى العقود التالية لم تكن بدون إلتواءاتها وتعاريجها. فحتى فى معارضتهم الثيولوجية العامة لخلقدونية فإن البطاركة الأقباط اللاحقيين لم يتخلوا فى كل الأحوال بشكل تام عن أملهم فى الرعاية الإمبراطورية ولاهم رفضوا إمكانية التسوية الثيولوجية وهى حقيقة كان لابد أن تدخل بعض منهم فى نزاع – وحتى فى إنشقاق- مع الجماعات الأكثر تشددا فى معاداتها لخلقدونية فى كنائسهم المصرية نفسها. وسوف يتابع هذا الفصل الرابع والأخير التاريخ الملتوى لهذه المقاومة البابوية حتى غزو العرب لمصر سنة 642م وهو الحدث الذى سيخلط المشهد السياسى فى النهاية بالنسبة للمسيحيين المصريين ويضع إمكانيات وتحديات جديدة بالنسبة للقيادة البابوية القبطية.

سياسات المقاومة والحلول الوسط – النزاعات الأولى مع الكنيسة الإمبراطورية الخلقدونية:

القط والقبعة المائلة – قصة الإخوين تيموثى :

وبعد وفاة ديسقوروس المنفى سنة 454م سرعان ما تبلورت المقاومة القبطية للسياسة الكنسية للكنيسة الإمبراطورية حول شخص تيموثى الثانى أليروس(457-477م). ويترجم لقبه أليروس فى الغالب بمعنى القط والذى يبدو أنه كان إشارة إلى بدنه النحيل – ومع ذلك - وكرمز كبير للمعارضة الكنسية المصرية لخلقدونية فقد تمتع بقامة أكثر قوة فى أعين الأقباط. كان تيموثى راهبا وكاهنا سابقا فى عهد كيرلس وكان عضوا فى حاشية ديسقوروس فى مجمع إفسوس الثانى فى سنة 449م وقد نُفى معه من الإسكندرية سنة 451م. وقد مهد غيابهما البدنى المشهد الكنسى لإنتخاب وإقحام الخلقدونيين لبروتيريوس فى نفس السنة.
إندلعت أعمال الشغب والإحتجاجات مباشرة بعد إنتخاب بروتيريوس سنة 451م وإستمر الإضطراب الإجتماعى خلال فترة وجود الأخير فى منصبه. ومع ذلك - فعلى مدى ثلاث سنوات بعد وفاة ديسقوروس سنة 454م - ومع وجود منافسيه الرئيسيين فى المنفى- إستطاع بروتيريوس تأمين منصبه فى الإسكندرية – حيث أنه كان – غالبا - يتمتع بالرعاية السياسية للإمبراطور مارشيان. وبوفاة مارشيان سنة سنة 455م تغير الموقف وبدأت سيطرة الخلقدونيين على السياسات الكنسية السكندرية فى الضعف. وخلال سنتين كان قد تم تهريب تيموثى القط إلى الإسكندرية بواسطة الرهبان المعادين لخلقدونية وتم رسمه كخلف لديسقوروس سنة 457م. كان تنصيب تيموثى فى واحدة من أكبر كنائس الإسكندرية ( وهى الكنيسة الكبرى التى كان قد أُُخرج منها قسرا ) قد أقامه علانية كمنافس لبروتيريوس وكنقطة تجمع للإضطراب المتجدد حول وجود الأسقف الخلقدونى. وخلال فترة شهر تطور هذا الإضطراب إلى عنف قتل فيه بروتيريوس ، ربما بفعل الغوغاء أو كنتيجة لإنقلاب عسكرى.
جعلت الطبيعة السرية لإنتخاب تيموثى ومصرع بروتيريوس التالى له من القط ( تيموثى)هدفا لإتهامات عديدة من مؤيدى بروتيريوس الخلقدونيين فى مصر ومن ليو ، أسقف روما. وقد أرسل كلا الحزبين رسائل إحتجاج إلى الإمبراطور الجديد ليو الأول زاعمين أن إنتخاب تيموثى كان باطلا ومتهمين إياه بالتآمر على قتل بروتيريوس. وفى الخطابات التى كتبها ليو أسقف روما ذهب ليو بعيدا إلى حد وصف تيموثى بقاتل أبيه وبمقارنته بقابيل قاتل أخاه هابيل. وخلف مثل تلك اللغة التحريضية كان الأسقف الرومانى يتابع بعناد أجندة خطابية تذكر- بشكل واضح- بالإيدولوجيات الإستعمارية الحديثة. ففى إستخدامه لمفردات يمكن أن يطبقها أى كاتب إستعمارى حديث على ديكتاتور مرتد من العالم الثالث وصف ليو تيموثى كطاغية مجنون ووصف الكنيسة فى مصر كأنها كانت فى حالة من الأسر المؤسف والذى يجعل إحتمال التدخل الإمبراطورى هوالإمكانية الوحيدة لتحريرها منه. وبالمعنى السياسى فقد كانت حملة كتابة الخطابات التى قام بها ليو ناجحة. فقد إستجاب الإمبراطور بإستطلاع آراء الأساقفة والرهبان الخلقدونيين فى الشرق وهو عمل أعطى ليو الفرصة لحشد مزيد من المعارضة لتيموثى. وفى مواجه مثل ذلك الضغط المتصاعد من قادة الكنائس قام الإمبراطور ليو الأول سنة 459م بنفى تيموثى إلى مدينة جانجرا على البحر الأسود وهو نفس المكان الذى كان سلفه ديسقوروس قد ضوى فيه خلال السنوات الأخيرة من حياته.
وفى المنفى( أولا فى جانجرا ثم فى مدينة شيروسونيسوس بالقرم) أقام تيموثى تجمعات منافسة وبدأ فى إنتاج مايمكن أن نسميه بأدب المقاومة الثيولوجى. وفى رسالة بعنوان ( ضد خلقدونية) كتبها فى المنفى دحض تيموثى كتاب ليو معلقا عليه نقطة نقطة وأدان تجديف المجمع ونقد خصومه على تملق الحاكم فى ذلك الوقت. وفى أماكن أخرى فى خطاباته حذر تيموثى أتباعه من العقائد الأجنبية الغير معروفة والتى وصلت إلى مصر من أجل تعليم هرطقة الديفيسايت ( أنصار مذهب الطبيعتين للمسيح ) أى عقيدة خلقدونية. وهنا يمكن لنا أن نرى كيف بدأ تيموثى فى بناء أسلوب فى الحديث يحتوى على بعض الإصطلاحات الإزدواجية والإنقسامات المشابهة تماما لخطاب المقاومة. وبشكل خاص ، فهو يردد إستخدام خصومه لمصطلحات مثل التجديف والهرطقة ويستخدم الكلمة ديفيسايت كنقيض للإنتقادات الخلقدونية لما يسمى بمذهب المونوفيسايت ( أنصار مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح). ومن جهة أخرى فإن تعقيد وتواطئ مقاومة تيموثى يمكن أن يلاحظ فى موقفه من القوة الإمبراطورية حيث لم تمنعه محاولته تصوير خصومه كمداهنين سياسيين يتملقون الحاكم من التأكيد فى خطاب آخر على كيف أن الإمبراطور قد إستدعاه بصفة خاصة من المنفى من أجل تقديم النصيحة بشأن المشاكل العنيفة للكنيسة. وأخيرا وفى تشخيص طبقة رجال الكنيسة الخلقدونيين فى مصر كغير معروفين وأجانب – وفى وضعهم بشكل معاكس لشعب مصر – فقد أظهر تيموثى تحركا مبكرا لتشكيل الهوية المسيحية المصرية فى شئ يقترب من الإصطلاحات الشعبية.
إن أحد الأشياء التى تلفت نظر القارئ الحديث - بشدة – عن كتابات تيموثى خلال تلك الفترة هى شخصيتها الثيولوجية العميقة. إن أجزاءا كبيرة من بحثه ( ضد خلقدونية) ومن خطاباته إلى الكنائس تتكون من أقوال مأثورة لآباء الكنيسة (فلوريليجيا). وهذه المجموعات أو السلاسل من الأقوال المأثورة قد إستخدمت بطريقة منهجية من أجل دحض نقاط تفصيلية من عقيدة خلقدونية. ومع ذلك – وفى نفس الوقت - فهى تخبرنا بالكثيرعن الطريقة التى كان يُمثل بها تيموثى نفسه لأنصاره بينما كان فى المنفى. إنه من الجدير بالملاحظة – بشكل خاص – أن تيموثى وفى تجميعه لمجموعة الفلوريليجيا تلك يقتبس بحرية أكبر من سلفه أثناسيوس وثيوفيلوس وكيرلس. وبفعله هذا فهو يربط مقاومته الثيولوجية الخاصة ضد خلقدونية بسلالة طويلة شهيرة من أصحاب التأملات الكريستولوجية السكندرية ( الكريستولية أى اللاهوت الخاص بطبيعة المسيح) ويؤكد بشكل ضمنى ماكان يراه كمطلب شرعى فى المنصب الذى شغلوه يوما. وقد أصبحت مثل هذه الأهداف الخطابية واضحة فى بحث تيموثى( ضد خلقدونية). فبعد تكرار الإستشهاد بكيرلس من أجل دحض كتاب ليو مضى تيموثى فى تمجيد خلف كيرلس وسلفه- أى سلف تيموثى - ديسقوروس على أنه الحارس القوى لعقيدة وقوانين الآباء. ثم – وبرسم تشابه بين تجربة نفيه الخاصة وتجربة ديسقوروس – دافع تيموثى عن شرعية ولايته كأسقف للإسكندرية.

( والآن – وقد وُجدت أنا نفسى مستحقا - و من خلال الإبتهال إلى الروح القدس – لخلافة ديسقوروس فى الإضطلاع بنفس الإيمان كما فعل هو ، ذلك الإيمان الذى وصل إلينا من الحواريين المقدسين والآباء المباركين ، فأنا أدعو الله أن أستطيع تقليده فى كفاحه فلهذا السبب فأنا اتحمل هذه الأشياء إلى درجة النفى والسجن).

إن موضوع التحمل فى وجه الإضطهاد هو مركزى فى رسائل تيموثى أيضا حيث يستخدم لغة المعاناة المشتركة ليلقى الضوء على تضامنه مع الإيمان المصرى. ففى أحد تلك الرسائل يقول تيموثى :
( إخوانى الأعزاء ، لقد هبت عاصفة قوية على كنيسة الله وإننا يجب أن نعانى مجتمعين إلى بعضنا البعض).

وبالنسبة لتيموثى فإن خطاب التضامن والمعاناة هذا كان مرتبطا بشكل حاسم بالإعتبارات المنطقية الكريستولوجية الأساسية التى تقع فى جذر الخلاف الخلقدونى وخاصة الإعتبارات الخاصة بطبيعة المشاركة الإنسانية فى المسيح. وهكذا فقد كتب إلى الشماس فوستينوس :

( ورغم أننا بعيدين بدنيا عن بعضنا البعض مع ذلك فإننا مرتبطين بالتبادل بروح الوحدة وبرباط محبة المسيح لإن سيدنا المسيح والذى إضطهد معنا هو فى وسطنا ويحل فينا مع الأب السماوى والروح القدس).

وأخيرا وبتصوير نفسه وكنيسته وكذلك شخص المسيح كضحايا لموجة جديدة من الإضطهاد فقد كان البطريرك المنفى تيموثى مرة أخرى – ومثله ومثل ثيوفيلوس وكيرلس قبله - يعتمد بوعى على ميراث الكنيسة المصرية فى المقاومة ككنيسة الشهداء.

ولفترة الستة عشر سنة التالية (459-475م) ظل تيموثى القط فى المنفى مجبرا على الإشراف على الأغلبية المعادية لخلقدونية فى مصرمن بعيد. وأثناء ذلك تحركت الكنيسة الخلقدونية فى الإسكندرية بسرعة لملأ ذلك الفراغ الناتج عن غيابه. فقاموا بتعيين ممثلهم الخاص كبطريرك فى مكانه وكان راهبا إسمه تيموثى سالوفاشيلوس الملقب (بالقبعة المائلة) وكان ينتمى إلى الدير الباخومى فى كانوبوس والذى سرعان ماظهر كمنطقة خلقدونية - بين المناطق المونوفيزية - خلال تلك الفترة. ومن تيموثى هذا فلم يصلنا أى شاهد كتابي مباشر، ولكن المؤرخين القدماء قد وصفو فترة قيادته (460-475م) فى مفردات تتوافق بشكل ملحوظ مع الجانب الإجتماعى للإداريين الإستعماريين فى العصر الحديث. وقد أشار أحد الباحثين الحاليين فى حقبة مابعد الإستعمار إلى كيف أن مثل هؤلاء الإداريين كانوا يجدون أنفسهم بسرعة إما فى وسط الحكومة المركزية التى كان يمكن أن تحميهم وتظلمهم أيضا ، وإما المستعمرين والذين من منظرورهم كان الإداريين الإستعماريين والحكومة المركزية هما نفس الشئ.
كانت شخصية تيموثى سالوفاشيلوس – وبأشكال عديدة – تحتوى على غموض تلك الشخصية الإدارية فى المجتمع الإستعمارى حيث كان يحاول ان يتفاوض ويحفظ فى توازن قائمة معقدة من الإهتمامات الإجتماعية ، ذلك العمل المخادع الذى أكسبه لقبه الفريد القبعة المائلة. وبشكل خاص ، فبينما إستمر فى الإستمتاع بالرعاية المادية والسياسية للإمبراطور والكنيسة فى القسطنطينية وروما فقد كان يقوم بمحاولة مخططة لتقوية التأييد المصرى المحلى لكنيسته. وفى نفس الوقت فقد حاول الحصول على مزيد من الإستقلال عن القسطنطينية فى سلطته الإقليمية على الأسقفيات المصرية. وهكذا فقد وصف من قبل احد المؤرخين القدماء ( كرجل يبحث عن الشعبية) وأنه كان لينا وضعيفا فى أفعاله تجاه الكنيسة المصرية المنشقة. وقد تلخصت سياسة التنازل تلك فى قراره بإسترجاع إسم ديسقوروس إلى قائمة أساقفة الإسكندرية والذين أصبحوا – فى تلك الحالة – هؤلاء فقط الذين يعترف بهم رسميا من قبل الكهنوت الخلقدونى. وبينما كان ذلك مدعاة للثناء من قبل المصريين اللا خلقدونييين فسرعان ماسبب ذلك توترات مع الكنيسة فى روما مثيرا غضب البابا سيمبليشيوس- بشكل خاص- والذى أصدر حكم الحرمان من الكنيسة ضد سالوفاشيلوس حتى يوضح الأخير الموقف بالإعتذاروبالتأكيد على الملأ على تأييده لمجمع خلقدونية. وفى نفس الوقت الذى إختار فيه سياسة تصالحية تجاه المسيحيين المصريين اللاخلقدونيين كان تيموثى القبعة المائلة يتخذ أحيانا مواقف أثر قوة فى علاقته بأسقفية القسطنطينية حيث كان يناور من أجل مزيد من الإستقلال فى ممارسة سلطته على الشئون الكنسية السكندرية. والواقع أنه وفى مناظرة عامة أمام الإمبراطور فقد ذهب إلى حد إنكار حق الأولوية التى تدعيه القسطنطينية على الإسكندرية ( وهو الحق الذى تم إقراره فى مجمع القسطنطينية سنة 381م) وقد قال فى تلك المناسبة :

( إننى لاأقبل المجمع الذى جعل أسقفيتكم التالية فى الأهمية بعد أسقفية روما وألقى بالإزدراء على شرف اسقفيتى).

وفى سنة 475م قطع تغيير فى المصائر الإمبراطورية – مؤقتا – محاولات تيموثى سالوفاشيلوس ليحفر لنفسه موضعا سياسيا يسمح له بمزيد من الإستقلال كالأسقف الخلقدونى للإسكندرية. فمبكرا فى تلك السنة ، أجُبر الإمبراطور زينو – والذى كان قد إعتلى العرش لبضعة أشهر قليلة فقط - على الرحيل إلى المنفى بواسطة إنقلاب عسكرى قاده قائد بحرى يدعى باسيليكوس كان أخا بالنسب للإمبراطور السابق ليو الأول. كانت إزاحة زينو عن العرش لفترة قصيرة فقط - إستغرقت أكثر من سنة – ولكن وفى أثناء ذلك فقد تسبب صعود باسيليكوس إلى السلطة فى تغيير مفاجئ فى الخطوط الإمبراطورية للرعاية الدينية. فسرعان ماعبر عن معارضته لمجمع خلقدونية وفتح الباب لعودة تيموثى أليروس (القط) من المنفى وولايتة بطريركية الإسكندرية مرة أخرى. عاش تيموثى القط لسنتين فقط بعد ذلك ولكن أظهرت أفعاله خلال تلك الفترة القصيرة كيف أنه إستمر فى متابعة سياسته فى مقاومة الخلقدونية فى سياقات عالمية ومحلية. ففى طريق عودته إلى الإسكندرية نظم تيموثى على الفور تجمعا من الأساقفة الشرقيين المتفقى الآراء فى مجمع فى إفسوس من أجل رفض شريعة خلقدونية. ومن مكانه فى المنفى حمل معه عظام ديسقوروس وبمجرد وصوله إلى العاصمة المصرية قام بدفن رفات سلفه فى تابوت فضى مسجيا إياه فى مكان الأساقفة وممجدا إياه كمجاهر بالإيمان ، أى كشهيد. ومن خلال مثل تلك الأفعال كان تيموثى يبحث علانية عن إسترجاع ميراث ديسقوروس والدفاع عنه كمدافع عن العقيدة فى مجمع إفسوس الثانى سنة 499م وكشهيد مات فى المنفى. وفى تلك العملية فقد كان يمثل نفسه أيضا – وبوعى - كشخص وقف فى تضامن وإستمرارية مع سلفه المبجل.
ومن جانبه فقد أبدى تيموثى سالوفاشيولس(القبعة المائلة) مقاومة ضعيفة ضد عودة منافسه وسميه تيموثى وحيث جُرد فجأة من الرعاية السياسية فقد بدا قانعا – وببساطة – بالإنسحاب إلى ديره السابق فى كانوبوس خارج الإسكندرية. ومع ذلك فعندما إستجمع زينو قواته فى سنة 476م وأعاد إسترداد العرش الإمبراطورى من باسيليكوس تحول المشهد السياسى مرة أخرى وأخذت قصةالأخوين تيموثى منحى آخر. ففى مواجهةإحتمال قوى بنفى آخر مات تيموثى القط فى يوليو سنة 477م وخلال أشهر قليلة من وفاته عاد تيموثى القبعة المائلة للظهور من معتزله الديرى وطالب مرة أخرى بالأسقفية السكندرية ولكن ليس قبل أن تنتخب الكنيسة اللاخلقدونية مرشحها الخاص كخلف لتيموثى القط وكان رجل يسمى بطرس مونجوس الملقب (بالمتلعثم).
وهكذا إستمرت المعركة المتأرجحة من أجل السيطرة على أسقفية الإسكندرية إلى الجيل التالى.

سياسات التسوية اللاخلقدونية – بطرس مونجوس وخلفائه.

دخل بطرس الثالث مونجوس(477-490م) إلى منصبه بتاريخ طويل من المقاومة ضد الخلقدونية ، فتبعا لمصادر القرن السادس ، فقد كان يُفترض أن ينفى مع ديسقوروس نفسه إلى جانجرا بعد مجمع خلقدونية وأنه قد ترأس مقاومة سرية مع تيموثى أليروس(القط) أثناء أسقفية بروتيريوس الخلقدونية. وبعد أن خدم لأكثر من عشرين سنة كرئيس شمامسة تيموثى القط فقد أصبح ينظر إلى بطرس على أنه الإختيار الطبيعى لخلافته كأسقف.
ومع عودة تيموثى سالوفاشيلوس من معتزله فى سنة 477م بعد وفاة تيموثى القط (وهى العودة التى كفلها الإمبراطور زينو) أجبر بطرس المرسوم حديثا على أن يختفى تحت الأرض مرة أخرى فى قيادته للأغلبية اللاخلقدونية. ومع ذلك وحتى عندما كان مختفيا فقد ظل نفوذه واضحا. ومن جانبه فقد بدا أن تيموثى سالوفاشيلوس قد إعتبر بطرس كخطر حقيقى قائم.
رفع الأسقف الخلقدونى ( سالوفاشيلوس) شكوى إلى الإمبراطور راجيا منه أن يحكم بنفى بطرس لإنه كان مختفيا فى الإسكندرية يتآمر على الكنيسة الخلقدونية. لكن مثل ذلك الحكم لم يُنفذ أبدا. ويجب أن نلاحظ انه برغم وضع قيادتها السرية فإن الكنيسة اللاخلقدونية لم تفقد الأمل فى كسب الرعاية الإمبراطورية. والواقع أنه ومع تدهور صحة سالوفاشيلوس بدأ كلا الحزبين فى التدافع على مسألة الوراثة الأسقفية ، أى على من سيكون من الحزبين أولى بالرعاية الإمبراطورية بعد وفاة سالوفاشيلوس؟ . وبينما أرسل مؤيدو بطرس إلتماسا إلى الإمبراطور زينو مدافعين عن حقوقه بصفته ( الأسقف المعين قانونيا ) فقد صاغ مؤيدو تيموثى سالوفاشيلوس إلتماسهم بدورهم بقصد إنكارالإعتراف الإمبراطورى ببطرس فى حالة وفاة تيموثى.وعندما توفى تيموثى سالوفاشيلوس فى نهاية الأمر سنة 482م بدا أن الحزب الخلقدونى كان سيتفوق مرة أخرى فى المعركة من أجل الرعاية الإمبراطورية.
طالب واحد من جماعتهم وهو جون تاليا وكان راهبا خلقدونيا آخرا من كانوبوس بولاية أسقفية الإسكندرية. لكنه سرعان ما دخل فى خلاف مع الإمبراطور ومع أسقف القسطنطينية (أكاشيوس) الذى ظن به الرياء والطموح المفرط والتحالفات السياسية الخائنة. جعل سقوط جون تاليا الإمبراطور زينو يلجأ إلى بطرس مونجوس على أمل إعادة الإستقرار إلى أسقفية الإسكندرية المثيرة للخلاف. وعلى مدى الثلاثين سنة السابقة أصبحت البطريركية اللاخلقدونية بعيدة عن الرعايةالإمبراطورية أما الآن فقد أصبح جون مونجوس فى موقف يمكنه من إسترداد الفوائد الملموسة للرعاية الإمبراطورية والمشاركة العالمية مع القسطنطينية ولكن كان من شأن تلك الفوائد أن تأتى بثمن باهظ للغاية وهو ثمن التسوية الثيولوجية.
جاءت تلك التسوية فى شكل التقرير العقائدى الذى أعده الإمبراطور زينو وأكاشيوس ، أسقف القسطنطينية. سمى ذلك التقرير( الهينوتيكون أى الإتحاد ) وكما يدل الإسم فقد كان الهدف منه هو تأسيس قاعدة للإتحاد بين العاصمة الإمبراطورية وبين الكنائس المنشقة فى مصر وسوريا. وقد صاغت تلك الوثيقة إقتراحاتها لهذه الكنائس بطريقتين. الأولى هى أنها أعادت التأكيد على مجمع نيقية وعلى مجمع إفسوس الأول وعلى فصول كيرلس الإثنى عشر التى يدين فيها نسطوريوس وعلى وحدانية الكلمة التى أصبحت لحما. وثانيا فقد لعنت كل من إعتقد أو يعتقد فى أى رأى آخر ، الآن أو فيما بعد ، سواء فى خلقدونية أو أى مجمع آخر ، وبصفة خاصة نسطوريوس وإيوتيتش سالفى الذكر. وفى تلك العملية فإن لغة المذهب الجديد ربطت بشكل لافكاك منه هذا الإيمان الطاهر بقوة الإمبراطورية وبالشئون الرومانية. وبالتوقيع على تقرير الإيمان هذا حصل بطرس مونجوس أخيرا على الإعتراف الإمبراطورى الرسمى لوضعه كأسقف وقدم إشارة واضحة فى إتجاه التقارب العالمى. والواقع أنه – ولبعض الوقت - فقد أُعيد توحيد أسقفيات القسطنطينية وإفسوس وأنطاكية وأورشليم والإسكندرية تحت مذهب زينو.
ومع ذلك – وفى نفس الوقت – فقد ترك التوقيع على الهينوتيكون بطرس عرضة لإنتقادات شديدة فى أرض الوطن. فقد إستخدمت الوثيقة لغة غامضة فى الحديث عن مجمع خلقدونية وذلك برغم إدانتها لنسطوريوس وتأييدها لفصول كيرلس الإثنى عشر . فالواقع أنها لم تدين بشكل واضح أبدا تلك القرارت التى إتخذت فيه. وفى أعين المصريين اللاخلقدونيين الأشد راديكالية فقد بدا توقيع بطرس على مثل تلك الوثيقة كعمل من التنازل الذى لايمكن غفرانه وخيانة لميراث المقاومة التى ورثها من أسلافه ، ديسقوروس وتيموثى القط. وفى إعتراض على ذلك فقد إنسحبت مثل تلك الجماعات بما فيها جزء كبير من الرهبان من طائفة بطرس. وقد أطلق على هؤلاء المنشقين إسم طائفة عديمى الرأس أو عديمى القائد لإنهم لم يعودوا يعترفون بسلطة بطركهم المنتخب. وفى صراعه بين رغبته فى تحسين العلاقات مع القسطنطينية وحاجته لتهدئة الإضطرابات المشتعلة بين جماهير المصريين وجد بطرس مونجوس نفسه مجبرا على أن يلعب على أصعب حبال البهلوان. ففى مواجهة إتهامات الخيانة التى أطلقها عليه هؤلاء المنشقون قام بطرس بتفسير إتفاقية الهينوتيكون على الملأ على أنها الإتفاقية التى 1- ألغت القرارات التى إتخذت فى مجمع خلقدونية 2- كانت متفقة مع الطموحات الثيولوجية للمقاومة اللاخلقدونية لأسلافه السكندريين. وهكذا وبعد عودته إلى الإسكندرية بوقت قصير وأمام جمع كبير من القادة المدنيين ورجال الكنيسة والرهبان والناس العاديين فقد شرح أن هذه الوثيقة تلغى وتدين كل عقيدة خلقدونية وكتاب ليو ( لإن ديسقوروس وتيموثى الكبير قد فكرا وفسرا بنفس الطريقة أيضا).
لم يرض هذا التلفيق العام الذى وضعه بطرس مونجوس على توقيعه للهينتيكون نقاده الأكثر راديكالية والذين إعترضوا على حقيقة أن بطرس – برغم أنه قد لعن عقيدة مجمع خلقدونية بنفسه - كان مازال مستعدا لإن يبقى فى طائفة هؤلاء الذين لم يلعنوا ذلك المجمع. وخلال الثمانية عشر عاما الباقية له فى منصبه كان بطرس مضطرا للدفاع عن معتقداته اللاخلقدونية فى مناسبات أخرى عديدة بما فى ذلك خطاب يفترض أنه قد ألقى أمام ثلاثين ألف إنسان فى كنيسة الشهيدة القديسة إيوفيميا فى الإسكندرية. كان مثل ذلك التكرار العام لمعارضته لخلقدونية تحركه الرغبة فى كسب ولاء المنشقين مرة أخرى وكذلك القطاعات الأكثر راديكالية الأخرى فى الكنيسة القبطية.
ومع ذلك وبرغم أنه قد إستمر فى تأكيده على ذلك التفسير المضاد لخلقدونية فى الهينوتيكون أمام الجمهورالمصرى فغالبا ماكان بطرس مونجوس يأخذ مدخلا أكثر لطفا فى تعامله مع كنيسة القسطنطينية. وهكذا- وفى خطاب مبكر لأكاشيوس – أسقف القسطنطينية - ضمن بطرس لثلاث مرات أنه لايضمر أى نزاع مع مجمع خلقدونية (491م) موافقا على أن المجمع يلتقى ويصادق على ما كان الآباء المقدسون قد أقروه فى نيقية (325م) وأنه لم يتم إقرار أى شئ جديد فيه . كان هدف بطرس الظاهرى هو تهدئة أكاسيوس الذى كان قد سمع أخبارا عن قراءة بطرس اللاخلقدونية للهينتوكيون والذى كان قد أراد أن يقوم بتحقيق ثيولوجى فى مثل هذه المسائل. وقد ساعد ذلك الخطاب على تبديد نزاع محتمل مع أسقف القسطنطينية ولكن كان من شأنه أن يساهم أيضا – بلاشك – فى ملف شكاوى المنشقين ضده. والواقع أن نجاح بطرس مونجوس فى تهدئة شكوك أكاشيوس قد حفزت – بشكل واضح - حزب المنشقين على رعاية تحقيق منفصل لإرضاء تساؤلاتهم الخاصة فيما يخص طبيعة ولاء ات بطرس الثيولوجية. وفى النهاية فإن الضغط المستمر الذى مارسه المنشقون ربما كان قد أحدث بعض الأثر، ففى آخر مراسلات بطرس مونجوس وهى رسالة إلى بطريرك القسطنطينية الجديد – فرافيتا - كُتبت سنة 490م وهى نفس سنة وفاة بطرس مونجوس – يظهر تزايد ملحوظ فى الخطاب المعادى لخلقدونية. وفى تلك الرسالة يرفض بطرس فكرة أن الهينوتيكون وقف فى تواصل مع مجمع خلقدونية وبدلا من ذلك فقد أكد على أنه فى الواقع يلعن كل الأفكار والكلمات الطائشة لخلقدونية ولكتاب ليو.
جلب الغموض الظاهرى على سياسة بطرس مونجوس – أحيانا- نقدا قاسيا من المعلقين القدماء والمحدثين على السواء ، ومن ممثلى ذلك الإتجاه مؤرخ القرن السادس إيفاجريوس الذى وصفه بالإنتهازى وعلق على شخصيته الغير مستقرة. ومع ذلك فإن مثل تلك الأحكام لاتستطيع تقييم تعقيدات الموقف السياسى والإجتماعى الذى واجهه كبطريرك. فقد كان موقفه مشابها تماما – وبأشكال عديدة – موقف مراوغ سكندرى شهير آخر هو تيموثى سالوفاشيلوس(القبعة المائلة) حيث كان كل من بطرس مونجوس وتيموثى سالوفاشيلوس قائدين مصريين حاولا الحفاظ على علاقات طيبة أو إعادة تأسيس علاقات طيبة مع قوة إستعمارية بعيدة فى نفس الوقت الذى كانا مازالا يتوددان فيه إلى جماعات المصالح الوطنية فى إقليمهما الخاص. إختلفت مواقف الرجلين فقط فى موقفهما الشخصى تجاه قاعدة الجمهور المحلى. فبينما لم يكن لتيموثى سالوفاشيلوس زعم مسبق فى تقاليد المقاومة الثيولوجية فقد كان لدى بطرس مونجوس مثل ذلك الزعم وقد قام بمحاولات منظمة ليحتفظ بعبائته كقائد لتلك المقاومة حتى بينما كان يبحث عن تحقيق تسوية ثيولوجية وسياسية مع القسطنطينية.
وكما فى حالة تيموثى القبعة المائلة فإن التوترات الإجتماعية التى لازمت قيادة بطرس تدل على نظائر قاطعة للدور الشعورى للإداريين البلديين فى المجتمعات الإستعمارية الحديثة. إن مناسبة هذا التماثل للثقافات الإستعمارية يمكن أن تلاحظ فى منطقة هامة اخرى أيضا أى إنتاج أشكال متغايرة من المقاومة الثيولوجية والدينية. فهؤلاءالذين يدرسون الثقافات الإستعمارية كثيرا مالفتوا الأنظار إلى إختلاف( أشكال) المقاومة فى مثل تلك الخلفيات. وفى هذا السياق فلا يجب أن يكون مدعاة للدهشة أن مجهودات بطرس فى سبيل إيجاد أرضية تصالحية وسطية فى العلاقة مع أبنية القوة الإمبراطورية والكنسية القسطنطينية إنتهت بكشف خطوط الإصطفاف الطبقى الإجتماعى للإنشقاق والولاء القائم بين المصريين اللاخلقدونيين.
إن الطبيعة المتغيرة لمثل خطوط الولاء تلك تظهر كيف أن كل شكل من أشكال المقاومة كان يحمل معه عناصر التسوية والتواطئ والواقع أنه حتى الموقف المتشدد المضاد للمؤسسة القائمة للمنشقين لم يمنعهم من إرسال مندوبهم إلى الإمبراطور من أجل البحث عن حل لنزاعهم مع بطرس.
وفى العقود الأربعة التى أعقبت وفاة بطرس مونجوس سنة 490م فإن غموض وتعقيدات المقاومة الثيولوجية المصرية لن تنتهى عن تعقيد الحياة للبطاركة السكندريين. حافظ خلفاء بطرس مونجوس - أثناسيوس الثانى(490-496م) وجون الأول هيمولا(496-505م) وجون الثانى نيكيتوس(505-516م) وديسقوروس الثانى(516-517) - على التواصل مع القسطنطينية وإستمروا فى جنى فوائد الرعاية الإمبراطورية. ومع ذلك فإن المصادر المتاحة ترسم صورة متنوعة وحتى متناقضة للسياسة البطريركية أثناء تلك الفترة. فمن جهة فقد بدا أن أثناسيوس الثانى وجون الأول هيمولا كانا غير راغبين فى جعل خلقدونية مسألة للجدل مع القسطنطينية وهو موقف إستمر فى إثارة غضب الجماعات المنشقة والتى كانت مازلت نشطة فى مصر. ومن جهة أخرى كان جون الثانى نيكيتوس جريئا بالقدر الذى يجعله يطلب أن يُدين أسقف القسطنطينية خلقدونية كشرط لإستمرار الموافقة على الإتحاد (الهينوتيكون). وقد أعطت المصادر أيضا دليلا على إصطفاف طبقى إجتماعى أبعد بين المصريين المؤيدين للمقاومة الثيولوجية والسياسية ضد القسطنطينية. وبصفة خاصة فإن الأحداث المحيطة بإنتخاب ديسقوروس الثانى فى سنة 516م تظهر كيف – وحتى بين مؤيدى الأسقف المتشددين - كان يوجد هؤلاء الذين يرفضون أى تدخل إمبراطورى فى شئون الكنيسة. فأولا فقد إعترض رجال الكنيسة الذين تجمعوا للشهادة على رسم ديسقوروس الثانى على حضور مسئولين إمبراطوريين وطالبوا بتجمع آخر خالى من تدخل الحكام. وكنتيجة لذلك أُخذ ديسقوروس إلى موقع آخر( كنيسة القديس مرقس) حيث تم رسمه مرة أخرى بدون حضور السلطات الإمبراطورية. ثم وعندما رجع ديسقوروس إلى الكنيسة الأصلية للإحتفال بالقداس بدأ حشد من الناس فى سب ( الأوجستاليس) على مدحه للإمبراطور وفى أحداث الشغب العنيفة التى أعقبت ذلك قُتل نفس الحاكم الإمبراطورى- أى نفس الأوجستاليس.
ربما كانت الأعمال العسكرية لهذه الحشود مخالفة لرؤية ديسقوروس نفسه والذى سيتخذ بعد ذلك موقفا أكثر إعتدالا تجاه الإمبراطور وتجاه المصالحة مع هؤلاء الذين يؤيدون خلقدونية وكتاب ليو. ولذلك فقد كانت مثل تلك الإنتفاضات الشعبية- حتى وهى تزعم مساندتها لسلطة البطريرك - فقد كان لديها فى نهاية الأمر وظيفة تقويضية سفى العلاقة مع السلطة. فبالإضافة إلى الجماعات الطائفية مثل جماعة المنشقين يمكن لنا أن نرى فى أحداث الشغب تلك خطوط جديدة من التمييز – أى تداخلات دقيقة فى الإيدولوجية والولاء داخل الكنيسة المصرية. وفى خلال جيل فإن مثل تلك الكسور الدقيقة جدا فى البناء المصرى الإجتماعى سوف تنشق إلى صدوع مفتوحة. كانت الكنيسة فى مصر – وبصفة خاصة البابوية القبطية - على وشك الدخول إلى مرحلة من الإنشقاق الداخلى.

فترة من الإنشقاق الداخلى والإقليمى- الإسكندرية وأنطاكية – الجزء الأول :
الحافز الخارجى للإنشقاق الداخلـــى :

وفى حدود العقد الثانى من القرن السادس كانت الخطوط الداخلية للإنقسام قد بدأت تظهر فى كنيسة مصر اللاخلقدونية ومع ذلك فسوف يكون هناك عوامل خارجية لدفع الكنيسة فى مصر إلى فترة من الإنشقاق الداخلى التام. وبصفة خاصة فقد أثبت حدثان مرتبطان فى القسطنطينية وأنطاكية انهما عاملان لزيادة الصدع فى السياسات الكنسية المصرية.
كان العامل الأول هو تغيير فى السياسة الإمبراطورية. فبعد سنة واحدة من خلافة تيموثى الثالث (517-535م) لديسقوروس الثانى كبابا لمصر ، مات الإمبراطور أنستاسيوس الأول. كان أنستاسيوس منفتحا خلال حكمه (491-518م) فى موقفه تجاه الجماعات اللاخلقدونية فى الشرق وسمح لهم بأن يستردوا ويحتفظوا بأسقفيتى أنطاكية والإسكندرية. ومع ذلك فإن خليفته جستن الأول (518-527م) تحرك بسرعة لعكس ذلك الإتجاه. وفى بحثه عن تقارب مع الكنيسة فى روما فقد قام بعزل عددا من الأساقفة اللاخلقدونيين وعين أساقفة من الموالين لعقيدة خلقدونية. وقد قام كذلك بطرد الرهبان اللاخلقدونيين من جماعاتهم. كان من شأن هذا الإسترجاع الخلقدونى الذى قاده جستن الأول أن يتبنى ويطور بعد ذلك من قبل إبن أخيه وخليفته جستنيان (527-565م). وأثناء حكم جستنيان البالغ ثمانية وثلاثين عاما سوف يجعل العقيدة الخلقدونية مكونا متكاملا من التشريع الإمبراطورى وسوف يُعيد تأسيس – فى سنة 538م- هيئة أسقفية خلقدونية فى الإسكندرية سوف تستمر حتى ظهور الإسلام فى منتصف القرن السابع. ولكن مثل ذلك التدخل فى شئون الكنيسة المصرية ماكان سيأتى لمدة عشرين سنة أخرى. فمؤقتا وأثناء كل فترة حكم جستن الأول والعقد الأول من حكم جستنيان سوف يظل تيموثى الثالث والقيادة اللاخلقدونية فى الإسكندرية غير متضررين من ذلك التغيير فى الرعاية الإمبراطورية.
كان العامل الثانى للإنشقاق فى الكنيسة المصرية هو نتيجة مباشرة لسياسات الإمبراطور جستن الأول اللاخلقدونية الجديدة وخاصة نفى قادة الكنيسة اللاخلقدونية البارزين من أسقفياتهم فى سوريا وآسيا الصغرى إلى مصر. وفى نفس الوقت الذى قوى تدفق الزوار هذا من درجات الكنيسة اللاخلقدونية فى مصر فإن التوترات التى ظهرت بين الزوار قد إنتهت بخلق تصدعات خطيرة بين مضيفيهم المصريين.
كان أحد هؤلاء المنفيين إلى مصر هو سفيروس الأنطاكى والذى كان قد تمكن أثناء أسقفيته التى بلغت ست سنوات لأنطاكية ( 512-518م) من أن يحصل لنفسه على سمعة كنصير بارز للاهوت كيرلس السكندرى عن الطبيعة الواحدة للمسيح وكمجادل بارع عارض أى تنازل للعقيدة الخلقدونية. وأثناء سنوات نفيه العشرين فى مصر(518-538م) قوى سفيروس من دوره كقائد للمقاومة ضد الخلقدونية فى الشرق لاعبا دورا هاما فى تكوين كهنوت كنسى فى معارضة ذلك المعين من قبل الإمبراطورين جستن وجستنيان. وأثناء تلك العملية أصبح تفسير سفيروس لكيرلس فى الدفاع عن الطبيعة الواحدة للمسيح ذا تأثير كبير على تكوين الهوية الثيولوجية المسيحية المصرية فى القرن السادس وبعده. وفى التاريخ المصرى(تاريخ البطاركة)عُظم سفيروس ( كنصير الله) وأعطى مزيد من الإهتمام أكثر من البطريرك السكندرى تيموثى الثالث نفسه. وبنفس الشكل وفى صورة جدارية من القرن الثالث عشر فى دير القديس أنطونيوس فى البحر الأحمر نجد سفيروس وقد إحتفل به كالشخص الغير مصرى الوحيد فى برنامج أيقونى خُصص للبابوات المصريين فقط. ومع ذلك فلم يخلو وجود سفيروس فى مصر من تعقيدات. كانت حاشية من الأساقفة الشرقيين المنفيين الآخرين قد حضروا معه بما فى ذلك رجل يدعى جوليان الهاليكارناسى. وعلى مدى العقد السابق كان جوليان وسفيروس حلفاءً من أجل القضية اللاخلقدونية ولكن بعد وصولهما إلى مصر بدأت الخلافات فى تفاصيل لاهوت كل منهما فى الظهور. وقعت جذور خلافهما فى تعاليم جوليان بأن جسد المسيح كان غير قابل للفساد – وبكلمات أخرى – أنه لم يكن خاضعا لضرورة المعاناة والموت. وقد وصل إلى هذا الإستنتاج على أساس من لاهوت الطبيعة الواحدة التى كان يشترك فيه مع سفيروس. كان منطقه كالتالى : إذا ماكان جسد المسيح قد إتحد تماما مع الكلمة المقدسة فلابد أنه يشترك تماما فى الطبيعة الغير قابلة للتضرر لتلك الكلمة المقدسة. وعلى ذلك فإن جسد المسيح لايمكن أن يكون خاضعا تماما للمعاناة.
وفيما يخص هذا الجزء لم يكن سفيروس مستعدا للوصول إلى نفس الإستنتاج. وقد إعتقد أن تعاليم جوليان تهدد بحجب الحقيقة الكاملة لإنسانية المسيح فى التجسيد. فإذا لم يكن جسد المسيح خاضعا للمعاناة فكيف يمكن تأكيد أن الكلمة قد وحدت نفسها بمخلوق بشرى فعلا؟ بدأ سفيروس بكتابة العديد من الأبحاث والرسائل لمهاجمة تخيل جوليان الخاطئ الذى يُظهر إنسانية المسيح وكأنها لم تكن حقيقية ولكن مجرد مظهر. ورد جوليان بالمثل بإتهام سفيروس بكونه نسطورى متخفى ومؤيد سرى للاهوت الطبيعتين. فبالنسبة إليه كان سفيروس يتكلم عن إنسانية المسيح فى طريقة تميزها كثيرا عن صفاتها المقدسة. وبالطبع وكما هو الحال فى كثير من المنازعات الثيولوجية فى العصر القديم فإن الإتهامات الملقاة فى الإتجاهين كان من شأنها – حتما- أن تشوه وجهة نظر كلا الجانبين.
وهكذا فبينما توقف النزاع بين سفيروس وجوليان – فى الواقع - على مجرد تمييز فنى بسيط يتعلق بإستخدام الإصطلاح ( غير قابل للفساد) فسرعان ماتطور إلى حرب أهلية شملت تقريبا كل قطاعات الكنيسة فى مصر بما فى ذلك الأديرة والبطريركية نفسها. ويبدوا أن البابا تيموثى الثالث قد رحب مبدأيا بكل اللاهوتيين اللاجئين بدون تمييز مقدما لهم ملاجىء داخل الأديرة المصرية خاصة فى دير إيناتون الشهير الواقع على بعد تسعة أميال إلى الغرب من الإسكندرية.
ومع ذلك ومع تفجر الإنشقاق بين أتباع سفيروس وأتباع وجوليان أصبح تيموثى مضطرا لأخذ موقف أحد الجانبين.وقد إدعى أحد الشهود القدامى أن تيموثى قد تذبذب فى تأييده وذكر أنه (كان يتفق مع احدهما أحيانا ثم وفى أحيان أخرى يتفق مع الآخر) ومع ذلك فإن بعض الجززات الباقية من عظاته تشير إلى أنه فى نهاية الأمر قد أخذ جانب سفيروس. والواقع أن لغته ترجع صدى كتابات سفيروس ضد جوليان. فالمسيح نفسه كان إنسانا تماما وهو لم يرد أن يكون ذلك غير معروف ، وقد لعن تيموثى هؤلاء الذين يعانون من الخيال الجامح. و يبدو إختيار كلمات تيموثى ذات مغزى هنا حيث كان أتباع جوليان قد أصبحوا يعرفون من قبل ناقديهم بالخياليين أى هؤلاء الذين يتعاملون مع جسد المسيح كخيال أو وهم.
وبرغم حقيقة أنه قد واجه معارضة من البطريرك السكندرى فقد كسب جوليان أنصارا داخل الأديرة المصرية. ويصف كاتب (تاريخ البطاركة) كيف أن كثيرا من رهبان الصحراء قد أصبحوا مفتونين بتعاليمه ، بينما رفض قبولها آخرون ، يقودهم رهبان دير القديس مكاريوس. كانت النتيجة هى إضطراب كبير داخل مثل هذه الجماعات الصحراوية. وهكذا فقد غمر الكنيسة المصرية - فى نهاية الأمر- نزاع نشأ أصلا بين أسقفين آسيوين لاجئين . وبعد وفاة تيموثى الثالث فى سنة 535م سوف يثبت التهديد الذى سببه الخلاف السفيرى الجوليانى للوحدة الديرية أنه كان ذا تأثير سلبى على البابوية المصرية.



التفتت الإجتماعى والإنشقاق الداخلى فى مصر:

كانت فترة الإثنى والأربعين عاما التى إستغرقت ولايتى الأسقفين المصريين ثيودوسيوس (536-566م) وبطرس الرابع (575-579م) فترة من التمزق الإجتماعى والثيولوجى. وإذا ماحاولنا تتبع شجرة عائلة للبطريركية السكندرية ومقاومة الخلقدونية أثناء تلك الفترة فإن النتيجة سوف تكون شبكة معقدة من فروع متداخلة متشعبة. وكما سوف نرى فإن الأحزاب المتنافسة قد تصارعت بشدة على إنتخاب كل من ثيودوسيوس وبطرس الرابع وأن كلا البطركين قد قضيا جزءا كبيرا من ولايتيهما بعيدين بدنيا عن مقعد السلطة فى العاصمة المصرية.
نشأ التحدى المبدأى لإنتخاب ثيودوسيوس فى سنة 536م كنتيجة للخلاف السفيرى الجوليانى والذى كان يهز الكنيسة المصرية بالفعل لحوالى عقدين تقريبا. فكسكرتير لتيموثى الثالث كان ثيودوسيوس قد إتخذ جانب سفيروس علانية ولذا فقد رحب أنصار سفيروس بإنتخابه كبطريرك. وعلى هذا فعندما وصلت أخبار رسمه أسقفا إلى مسامع أنصار جوليان الكثيرين فى الإسكندرية فقد فجرت ثورة فى المدينة. ويدل نجاح هذه الثورة الشعبية على قوة الحركة الجوليانية وعلى الحالة الضعيفة لأتباع سفيروس فى مصر فى ذلك الوقت. وتبعا للكاتب ليونتيوس فإن قاعدة تأييد سفيروس فى الإسكندرية كانت محددة أساسا بأصحاب المكانة الإجتماعية العالية. وفورا تقريبا أُجبر ثيودوسيوس على مغادرة المدينة وقُدم مرشح جوليانى بدلا منه هو جاينوس ، كبير شمامسة تيموثى الثالث سابقا. وفى وصوله المفاجئ لمنصب البطريرك بدا أن جاينوس قد إعتمد أيضا على تأييد المنشقين والذى يعود تاريخ إنشقاقهم بجذوره إلى زمن بطرس مونجوس كما أشرنا سابقا.
ولكن التيار سوف ينعكس بسرعة. ففى أقل من مائة يوم - وبعد أن أُجبر على الهرب من الإسكندرية – عاد ثيودوسيوس وأعيد تنصيبه بمساعدة فرقة عسكرية مفوضة من الإمبراطورة ثيودورا. وكنتيجة لذلك فقد كان إحتلال جاينوس للكرسى البطريركى قصير العمر.
وسرعان ماتم نفيه ، إلى قرطاج أولا ثم إلى سردينيا. ومع ذلك فإن الفجوة البطريركية والتى سميت بعده – الإنشقاق الجيونيسى( نسبة إلى جاينوس المذكور) - قد دامت بعد ذلك طويلا حيث إستمر أتباعه فى مطالبهم المنافسة بشأن الأسقفيات المصرية حتى القرن الثامن على الأقل.
وبعد عودته إلى منصبه قام ثيودوسيوس بمحاولة فورية لتدعيم سلطته بدعوة مجمع محلى معلنا فيه إلتزامه الذى لايتزحزح بالميراث المجمعى لأسلافه السكندريين أى مجمع نيقية ومجمع إفسوس الأول (ضد نسطوريوس) وفصول كيرلس الإثنى عشر وإتحاد زينو(الهينوتوكون). وبتصرفه على ذلك النحو فقد إستمر يلتمس – ويستقبل – تأييد سفيروس الأنطاكى. وبعد فض المجمع كتب ثيودوسيوس لسفيروس ليخبره بالنتائج وليشجب هؤلاء الذين يدرسون الوهم والخيال أى الجيونيسيين أو الجوليانيين.
أجاب الأسقف الأنطاكى المنفى بالمثل بالدفاع عن التعيين المقدس لثيودوسيوس لكرسى الإسكندرية الإنجيلى. وفى إجابته إستخدم سفيروس أيضا إستعارات من الكتاب المقدس صورت ثيودوسيوس- بشكل إستراتيجى- كمضطهد ولكن كمؤمن وقائد للكنيسة مقارنا إياه بالقديس بولس والذى كان قد دُعى ليقاسى من أجل إسم المسيح ( سفر الأعمال الإصحاح 9 الآية 15) وبهارون – أخو موسى - والذى تصدى لمعارضة العصاة من الإسرائيليين( سفر العدد الإصحاح 16).
كان هذا التصوير لثيودوسيوس كشخصية رسولية تحيط بها المتاعب محاولة خطابية لتأكيد سلطته المتنازع عليها فى مفردات الكتاب المقدس ومع ذلك فإن الصورة التى قدمها سفيروس كانت مرتكزة أيضا على إدراك حاد بالتحديات القائمة التى كان يواجهها ثيودوسيوس فى الحفاظ على موقفه فى القيادة. فحتى بعد نفى جاينوس فإن قطاع عرضى كبير من السكان إستمر فى الإعتراف به وليس بثيودوسيوس كبطريرك شرعى لهم. وفى هذا المناخ الإنشقاقى إنفجرت الإضطرابات مرة أخرى وفى الإنقضاض العسكرى الذى أعقبها قتل حوالى ثلاثة آلاف من المشاركين فى تلك الإضطرابات. وأخيرا وفى وسط مثل ذلك الغليان وبعد عودته إلى الإسكندرية بسنة وأربعة أشهر فقط ، أُُجبر ثيودوسيوس على مغادرة المدينة مرة ثانية. وكما ستشاء الظروف بعد ذلك فلن يعود ثيودوسيوس مرة أخرى إلى الإسكندرية وسوف يقضى الثلاثين سنة الأخيرة من عمره فى القسطنطينية (536-566م) بطريرك فى منفى دائم.
وفى إضطراره لمغادرة الإسكندرية للمرة الثانية أكد ثيودوسيوس الإتهامات الموجهة من خصومه الجيونيسيين الجوليانيين بأنه كان يشارك الإمبراطور مشاعره. فبالنسبة إليهم فقد كان جاينوس المنفى يحمل ميراث المقاومة المصرى الحقيقى بينما كان ثيودوسيوس قد أصبح مجرد دمية فى لعبة أكبر من السياسة القسطنطينية. وللأمانة فإن مثل تلك الإتهامات ربما كانت تحمل أكثر من مجرد قشرة من الحقيقة. فأثناء فترة شغله القصيرة للعرش الأسقفى السكندرى وجد ثيودوسيوس نفسه معتمدا بشكل متزايد على الذراع الإمبراطورى فى محاولة الحفاظ على سلطته الكنسية. وقد مارست الإمبراطورة ثيودورا – المعروفة بتعاطفها مع اللاخلقدونية - نفوذها بشكل كبير من أجل تأييد ترشيحه للأسقفية كما أنه كان قد إعتمد بقوة على المساعدة العسكرية الإمبراطورية لأمانه الشخصى عندما كان فى منصبه. ولهذا السبب فقد أشار أحد الباحثين إلى ثيودوسيوس على أنه ( بروتيريوس جديد). والمعروف أن بروتيريوس كان المعين الخلقدونى الأصلى لشغل الأسقفية السكندرية بعد مجمع خلقدونية سنة 451م ومثله مثل ثيودوسيوس كان قد إعتمد – وبلا نجاح – على المساعدة العسكرية الإمبراطورية من أجل تدعيم سلطته.
سوقد تبدو تلك المقارنة ببرتيريوس غريبة لإن ثيودوسيوس كان لزمن طويل معارضا صلبا لعقيدة خلقدونية. فكيف وجد نفسه فى ذلك الموقف ، متهما من قبل لاخلقدونيين آخرين بأنه كان فى جيب الإمبراطور؟ وبطبيعة الحال يعود جزء من السبب إلى طبيعة الإنشقاقات الثيولوجية التى كانت قد ضربت الكنيسة المصرية منذ زمن بطرس مونجوس. فمنذ ذلك الوقت تابع البطاركة السكندريون – وبشكل كبير - سياسة تصالحية ثبت أنها غير مرضية لكثير من اللاخلقدونيين الراديكاليين والذين ربما كانوا يشكلون فى زمن ثيودوسيوس الغالبية العظمى من الشعب المصرى . ومع ذلك فهناك عامل هام آخر ساهم فى مأزق ثيودوسيوس أيضا وهو السياسة الثيولوجية المعقدة للإمبراطور جستنيان (527-565م) وزوجته الإمبراطورة ثيودورا.
وكما ذكرنا سابقا فقد تبع جستنيان عمه الإمبراطور جستن الأول - بشكل عام- فى متابعة سياسة الإحياء الخلقدونى ومع ذلك فإن تطبيقه لهذه السياسة خلال السنوات الأولى من حكمه كان متناقضا فى الغالب. كان أحد أسباب ذلك هو إهتمام جستنيان البرجماتى فى تشجيع الوحدة بين الكنائس فى الإمبراطورية الرومانية. ولهذا الهدف فقد وظف مجموعة واسعة من الوسائل (من الإكراه إلى التفاهم) من أجل مصالحة الجماعات المنشقة على بعضها البعض.
كان سبب آخر لتغيير سياسة الإمبراطور الثيولوجية هى الإمبراطورة ثيودورا والتى وازى نشاطها الهادئ فى صالح القضايا اللاخلقدونية تحيزات جستنيان الثيولوجية ووفر الرعاية السياسية التى ساندت ثيودوسيوس – مؤقتا على الأقل - فى الأسقفية السكندرية. والواقع أنه ولفترة قصيرة فى سنة 535م كانت قد نجحت أيضا فى تدبير قبول جستنيان المستتر لإنتخاب بطريرك لاخلقدونى فى القسطنطينية أيضا. و بإختصار فقد شكل هذا البطريرك – أنثيموس - مع ثيودوسيوس محورا سفيري ( نسبة إلى سفيروس الأنطاكى ) فى الشرق قبل أن يتدخل الأسقف الرومانى أجابيتوس ويقنع جستنيان بتجديد حملته على هؤلاء المعارضين لخلقدونية. وفى خلال سنة عمل الإمبراطور على لعنة وعزل أنثيموس. كان نفس المصير ينتظر ثيودوسيوس. فبعد هرب ثيودوسيوس من الإضطرابات فى الإسكندرية ووصوله إلى القسطنطينية فى خريف سنة 536م حاول الإمبراطور لمدة سنة إقناع البطريرك السكندرى للمصادقة على التعريف الخلقدونى. وعندما رفض ثيودوسيوس قام جستنيان بعزله رسميا كأسقف( وكانت تلك هى المرة الأولى التى يقوم فيها إمبراطور بعزل أسقف مسيحى عن منصبه من جانب واحد) وأقام بدلا منه راهبا خلقدونى يسمى بولس الطابينسيوتى.
وهكذا وبإدخال بولس الطابينسيوتى فقد أصبح هناك – فى الواقع - ثلاثة أحزاب متنافسة على البطريركية المصرية وهم 1- الكنائس السفيرية التى ظلت تعترف بثيودوسيوس 2- والطائفة الجيونية الجوليانية التى ظلت على ولائها لجاينوس وخلفائه 3- والكهنوت الخلقدونى المتجدد ببولس الطابينسيوتى على رأسه. وفى غضبه من ذلك الجو شديد التوتر والذى رفض فيه كثير من السكندريين الإعتراف بقيادة بولس الطابينسيوتى قرر الإمبراطور جستنيان إغلاق أبواب كنائس المدينة. وظلت الأبواب مغلقة لمدة سنة قبل أن يعيد جستنيان فتحها ويضعها حصرا فى أيدى الكهنوت الخلقدونى.
وبتأييد جستنيان نفذ بولس الطابينسيوتى وخلفاؤه سياسة من القمع ضد الأحزاب الأخرى. والآن وقد أصبحت القيادة الخلقدونية تتمتع بالقوة المدنية والعسكرية أكثر حتى مما تمتع ثيودوسيوس فى السابق فقد إفترضت لنفسها دور الجنود البطاركة. إن أثر هذه السياسة القمعية يمكن أن يرى بشكل حى فى حالة الجماعة الجيونية. فعندما إنتخب الجيونيون رجلا يسمى إلبيديوس كأسقف فى سنة 565م سرعان ماأمر جستنيان بالقبض عليه وأرسله إلى المنفى( والواقع أنه قد مات أثناء الرحلة إلى منفاه). كان الأسقف أبوليناريس(551-570م) رمزا لتلك السلالة الجديدة من الأساقفة الخلقدونيين وكان شريفا رومانيا خدم سابقا كمسئول حكومى تحت جستنيان. وصل أبوليناريس إلى الإسكندرية فى حراسة جيش سوف يوظفه بعد ذلك فى قمع الإنشقاق الدينى بوسائل القوة.
كان منفى ثيودوسيوس ( والذى دام من سنة 537 إلى سنة 566م) نتيجة لهذه الإعادة لفرض سياسة دينية خلقدونية صارمة من قبل جستنيان ومع ذلك فإن الشكل الذى أخذه منفاه كان بعيدا عن أن يكون تقليديا. فرغم أن ثيودوسيوس كان قد أرسل أصلا إلى قرب تاقيا ( على بعد ثلاثين ميلا إلى القسطنينية) فقد قضى ثيودوسيوس معظم منفاه فى العاصمة الإمبراطورية نفسها. وقد كان هناك – مختفيا فى قصر هورميسيداس تحت العين الحارسة لراعيته الإمبراطورة ثيودورا – أن بدأ ثيودوسيوس فى إعادة صياغة تصوره بالنسبة للقادة اللاخلقدونيين الآخرين فى شرق المتوسط.
والواقع أنه بعد وفاة سفيروس فى سنة 538م أصبح ثيودوسيوس قادرا على إرتداء عبائته كالرئيس العالمى للكنائس اللاخلقدونية من خلال محاولاته المنظمة لإعادة تنظيم المقاومة الثيولوجية بين مثل تلك الكنائس فى سوريا والجزيرة العربية. فأولا وفى رسائله إلى الأساقفة الشرقيين فقد أكد على دينه لسفيروس - الذى دعاه بأبينا ونورنا العالمى – وفسر الهينوتيكون على إنها إتفاقية صممت للإطاحة بمجمع خلقدونية. وتشهد إحدى تلك الرسائل على تأييده (لأخينا وزميلنا المبارك بولس الأسقف الجديد لأنطاكية ) والذى سوف يفوضه كممثل له فى مصر أثناء غيابه. وثانيا – وهو مازال يدعى حقه كبطريرك سكندرى - فقد تحرك ثيودوسيوس ليخمد المزيد من الإنشقاقات التى كانت آخذه فى الظهور فى الكنائس اللاخلقدونية فى مصر. وبصفة خاصة فقد وجه رسالة ضد تعاليم شماس سكندرى يدعى ثيميستيوس إدعى أنه إذا ماكان المسيح قد شاركنا حقا طبيعتنا البشرية بشكل كامل فلابد أنه قد عرف الجهل فى الجسد أيضا. وقد ظل أتباع ثيميستيوس – والذين لقبهم خصومهم بالجهلاء - نشطين حتى القرن السابع. وثالثا وبرغم حقيقة أنه كان عمليا قيد الإقامة الجبرية فى منزله فقد كان ثيودوسيوس قادرا على رسم أساقفة لاخلقدونيين جددا ليخدموا فى سوريا والجزيرة العربية و كانا على التوالى هما يعقوب براداى مطران الرها وثيودور مطران بوسترة. وقد أُجهضت محاولات مماثلة لإقامة إثنى عشر أسقفا جديدا فى صعيد مصر بواسطة القيادة الخلقدونية فى الإسكندرية ولكن التعيينات فى سوريا والجزيرة العربية كانت هامة للغاية خاصة فى حالة يعقوب برادايوس الذى يدعى أحيانا بيعقوب براداى- والذى تقدم ليصبح شهيرا بواسطة عمله التبشيرى الناجح لمصلحة الكنائس اللاخلقدونية. وعلى حدود الإمبراطورية الرومانية أصبح النشاط التبشيرى شكلا من المقاومة السياسية الكنسية.
وبطرق عديدة فإن الصورة التى نملكها عن تجربة ثيودوسيوس فى المنفى تقلب التصورات الثنائية التقليدية عن المركز والهامش وهكذا فإنها توجهنا ونحن نستمر فى رسم المتشابهات بين الأشكال الحديثة من الإستعمار ودور الكنيسة والدولة البيزنطيين المبكر فى الشئون الكنسية المصرية. وغالبا مالوحظ ان خطاب القوى الإستعمارية كان يبحث بنفس الشكل على أن يؤكد على الخلافات بين المركز الإستعمارى والهامش المستعمر. إن نفس نوع الرابطة هذا بين الخطاب والسياسات الإستعمارية يمكن أن يُحدد فى بيزنطة القرن السادس أيضا.
وبالنسبة لجستنيان فقد بدت حدود الإمبراطورية الرومانية الشرقية قابلة للإختراق وغير آمنة بشكل كبير مثل خطوط مرسومة بواسطة قلم رصاص على خريطة فى خطر دائم من أن تمحى كلية. كانت سياسته الدولية ملتزمة تماما بسد الفجوات وبإعادة رسم خطوط الحدود بحبر واضح غير قابل للمحو. كانت مصر مجرد واحدة من أقاليم الحدود حيث كانت الهوامش تهدد بالإعتداء على المركزية البيزنطية. كانت حواف الصحراء إلى الغرب من النيل- بما فى ذلك الأقاليم الديرية فى سيتس وواحات الخارجة والداخلة المترامية البعيدة – تعانى من الهجمات المتكررة للقبائل البدوية خلال القرنين الخامس والسادس والواقع أنه خلال تلك الفترة كانت الحكومة البيزنطية قد فقدت السيطرة فعليا على مواقعها الأمامية فى الواحات الجنوبية. إرتبطت جزيرة فيله – وكانت جهة حج - بعقيدة إيزيس عند الشلال الأول للنيل( إلى جنوب أسوان الحالية تماما) وكانت احد مناطق الحدود الأخرى المتنازع عليها. وهناك تحرك جستنيان لقمع العبادة الوطنية للآلهة المصرية ولكى يستبدلها بالكنيسة المسيحية (حوالى سنة 537م). كان النقش المحفور على مدخل المعبد المحول يقول ( لقد إنتصر الصليب وإنه دائما ينتصر) يهدف إلى إحباط الأرواح الوثنية التى ربما تحاول أن تزحف عائدة إلى حرمها القديم ولكنها أيضا كانت تمثل محاولة لترسيم الحدود المعروفة بين العالم المتحضر ومحيطه.
وبالطبع فإن مثل هذه الحدود لم تكن أبدا ثابتة أو دائمة. وفى حالة فيلا وبعد أن قمع جستنيان عبادة إيزيس نشب نزاع بين ممثليه الخلقدونيين وبين القيادة اللاخلقدونية فى مصر حول من سوف يملك الحق فى إرسال البعثات إلى منطقة الحدود تلك بين القبائل النوبية المحلية – أى – من سوف يشرف على ثيولوجيا هذا العالم المتحضر ومن سوف يحرس حدوده. وفى هذه المناوشة إنتصر اللاخلقدونيين (المؤيدين سرا من قبل الإمبراطورة ثيودورا). ولكن المناوشة نفسها كشفت عن الطريقة التى كانت بها مثل هذه الحدود الرمزية محل نزاع وعدم إستقرار دائم.
وبالمثل تُظهر تجربة نفى ثيودوسيوس كيف يمكن للمقولات الإستعمارية الإستطرادية مثل الهامش والمركز أن تكون مدمرة أوهدامة. فبينما كان مازال فى منصبه فى الهوامش المصرية للحكم البيزنطى فقد ظل ثيودوسيوس – مع ذلك - يحتفظ بمدخل وثيق إلى القوة الإمبراطورية خاصة فى شكل المساعدة العسكرية. وفيما بعد فى القسطنطينية – مع ذلك - فقد وجد نفسه مجردا من هذه القوة ، منفيا ، مبعدا عن المنصب ولكنه مع ذلك فى مركز الحياة الإمبراطورية. وفى سياق إرتباك حديث مماثل حول الهامش والمركز لاحظ أحد الباحثين أن الفاعل المستعمر الذى يسافر إلى المركز المستعمر سوف يظل فيما يتعلق بالقوة والوضع السياسى على الحد الخارجى. ومع ذلك فإن ثيودوسيوس وعندما يقرأ كأنه هذا الفاعل المستعمر الذى يسكن مركزا مهمشا كان مازال قادرا على أن يخصص أدوات القوة المتاحة له – وخاصة الرعاية الكريمة لثيودورا – فى تشكيل خطاب وممارسة للمقاومة الثيولوجية.
مات ثيودوسيوس فى سنة 566م بسنة واحدة فقط بعد جستنيان. ومع ذلك فلا مجهودات ثيودوسيوس فى تنظيم الحركة اللاخلقدونية فى الشرق ولا التغيير فى النظام الإمبراطورى(تحت حكم جستن الثانى 565-578م) قد وفر حلا للإنشقاق المتعدد الطبقات الذى هز الكنيسة المصرية. فإذا ما يكون أى شئ قد حدث فهو تطور ذلك الشقاق إلى الأسوء.
جاء إنتخاب بطرس الرابع بعد فترة عشر سنوات من الفراغ نجح خلالها الكهنوت الخلقدونى فى إحباط محاولات الجماعة اللاخلقدونية فى تعيين خلفا لثيودوسيوس. وبالإضافة إلى ذلك فأثناء ولاية بطرس الرابع القصيرة(576-577م) فقد تنافس حوالى أربعة مطالبين بالبطريركية فى الإسكندرية وهو موقف سوف يستمر لحوالى عقد آخر تقريبا تحت دميان ، خليفة بطرس الرابع (576-607م). ولا يتضمن هؤلاء المطالبين المتنافسين الأسقف الخلقدونى جون فقط (570-581م) والأسقف الجيونيتى الجوليانى دوروثيوس(565- بعد 580م) ولكن أيضا مرشح سيفيرى ثيوديسى آخر يدعى ثيودور.
فكيف حدث أن قدم بطرس الرابع وثيودور نفسيهما على أنهما الخلف الشرعى لثيودوسيوس؟ ففى سنة 575م عندما واجه وكيل ثيودوسيوس السابق- بولس الأنطاكى - بفراغ قيادى بين الجماعة السفيرية اللاخلقدونية فى مصر قرر أن يتدخل وعين ثيودور( وهو راهب سورى من أحد الأديرة فى سيتس) كأسقف. لم يُستقبل تدخل بولس بشكل جيد. فقبل ثلاث سنوات (571) كان قد قام بمحاولة مجهضة للوصول إلى تسوية ثيولوجية مع الإمبراطور الخلقدونى جستن الثانى وفى تلك العملية كان قد أساء إلى سمعته بشدة فى الدوائر الخلقدونية.
رفض معظم السكندريين قبول إنتخاب ثيودور وبدلا من ذلك فقد إنتخبوا مرشحهم الخاص ، بطرس الرابع ( والذى كان من خلفية ديرية أيضا). وتحرك بطرس الرابع بسرعة لتدعيم تأييده عالميا ومحليا. فأولا ومن خلال خطاب مجمعى كُتب فى سنة 576م إستطاع تأمين إعتراف رسمى بإنتخابه من رجل ثيودوسيوس الشهير المبشر السورى يعقوب برادايوس. وثانيا فقد عين سبعة أساقفة جدد لملء الأسقفيات الفارغة السابقة فى مصر ومن ثم إستطاع تقوية تأييده المحلى فى الوجه البحرى والقبلى . وأخيرا حاول بطرس أيضا التواصل مع الجماعات الديرية المصرية ومع الكهنة اللاخلقدونيين الذين كانوا مازالوا يحتلون كنائس فى الإسكندرية وجعل مركز بطركيته فى إيناتون ، الدير الواقع على بعد تسعة أميال من العاصمة المصرية.
ساعدت مثل تلك الإجراءات البناءة على تقوية الكهنوت اللاخلقدونى فى مصر ولكنها لم تحل على الفور الإنشقاق الداخلى الذى ضرب القيادة السيفيرية الثيودوسية. وسوف يستمر هذا العداء الشديد مع أتباع ثيودور حتى بابوية دميان(578-607م). ومع ذلك فإن تفكك القيادة اللاخلقدونية لم يكن قاصرا على المسائل المصرية الداخلية. فبالإضافة إلى ذلك سوف ينشأ تحدى مؤسف بشكل مساو ضد الوحدة اللاخلقدونية على المسرح الدولى وقد أخذ هذا التحدى شكل نزاع جديد بين كنيسة الإسكندرية وكنيسة أنطاكية.

الإسكندرية وأنطاكية – الجزء الثانى - الإنشاق بين الأسقفيتين اللاخلقدونيتين.

تغذى ذلك النزاع بين الإسكندرية وأنطاكية بالأحداث التى وقعت فى ولاية البابا دميان (578-607م) ولكن التوترات كانت تختمر بالفعل بين الأسقفيتين لسنوات عديدة منذ وقت إنتخاب دميان. وفى الواقع فإن الجذور السياسية لذلك الإنشقاق الكنسى الناشئ يمكن تتبعها حتى سنة 575م ومحاولة بولس الأنطاكى التدخل فى العملية الإنتخابية السكندرية. كان قرار بولس بتأييد الراهب السورى ثيودور كبابا لمصر( وإنتخاب السكندريين المضاد لبطرس الرابع) قد فاقم من الإنشقاقات بين القيادة اللاخلقدونية وأضاف إلى الرصيد المتنامى من المشاعر السلبية تجاه بولس نفسه. وفى النهاية تحرك بطرس الرابع مع يعقوب برادايوس وآخرون من القادة اللاخلقدونيين فى الشرق من أجل عزل بولس من منصبه على أساس حقيقة أنه قد تواصل مع الخلقدونيين كما عين شخصا يدعى ثيودور الرامانيسى كبطريرك للسكندريين بدون إشعار السكندريين بذلك.
والآن كانت الطاولات قد قُلبت. فعلى مدى الخمس سنوات التالية ( بينما كان بولس الأنطاكى مازال حيا ، ولكن منفيا ) سوف يكون هناك صراع حول من يكون الشاغل الشرعى للكرسى الأسقفى الأنطاكى وقد كان البطريرك السكندرى دميان( وهو نفسه من خلفية سورية) هو الذى قام بمحاولات لمد نفوذه إلى عملية إختيار خلف لبولس المختلف عليه. وفى سنة 579م وفى جولة فى شرق المتوسط زار دميان الأديرة السورية وتوقف فى أنطاكية حيث رتب سرا إنتخاب راهب يدعى سفيروس كأسقف. ومع ذلك فقد أحبطت خطته عندما عرف الأسقف الخلقدونى لأنطاكية بوجوده وأرسل حرسه للقبض عليه. تمكن دميان من الهرب فقط بالتسلل خارجا من الكنيسة خلال نظام الصرف الصحى تحت الأرض. وفى النهاية أضافت محاولة دميان للتدخل فى الشئون الأنطاكية فقط من التوترات بين الأسقفيتين. وفى سنة 580م تمكن أخيرا راهب شاب يدعى بطرس الكالينسيومى من أن يصبح البطريرك الأنطاكى( وكان قد تراجع قبل ذلك فى ثلاثة مناسبات على الأقل بسبب رفضه إدعاء ذلك المنصب بينما كان بولس مازال حيا ). وسوف يستغرق الأمر سنة واحدة فقط بعد إنتخابه لكى يتطور خلاف بينه وبين ودميان إلى إنشقاق رسمى بين أنطاكية والإسكندرية.
وتظهر طبيعة خلافهما أن ذلك الإنشقاق لم يكن ذا جذور سياسية فقط ( كما ذُكر من قبل فيما يخص بولس الأنطاكى) ولكن أيضا أسس ثيولوجية داخل سياق التحزب اللاخلقدونى الذى إستمر فى ضرب الكنائس فى سوريا ومصر. ففى خلال العقد السادس والسابع من القرن الخامس فى سوريا وشرق آسيا الصغرى بدأ بعض قادة الكنيسة اللاخلقدونيين بالدفاع عن وجهة نظر فى التثليث ترى الله وكأنه لايتكون من مادة واحدة أو طبيعة واحدة ولكن من ثلاث مواد أو ثلاث طبائع وقد كتب البابا ثيودوسيوس السكندرى عندما كان منفيا فى القسطنطينية بحثا ضد وجهة النظر تلك مستنكرا إياها كشكل من أشكال الشرك بالله التى تقسم التثليث إلى ثلاثة آلهة منفصلة. وفى هذا المزاج فسوف يقوم المعارضون اللاحقون بتسمية أنصار هذا المعتقد بالتثليثيين.
وبعد وفاة ثيودوسيوس فى سنة 566م إخترق ذلك المعتقد المسمى بالتثليث الدوائر الكنسية والفلسفية المصرية. وأثناء فترة الفراغ التى سبقت إنتخاب بطرس الرابع كبابا أصبح الفيلسوف السكندرى جون فيلوبونوس أكبر ناطق بإسم ذلك المعتقد موفرا له أساس أرسطى مميز من ثلاثة مواد حقيقية ( آلوهيات) داخل الثالوث.وقد واجهت كتاباتة معارضة قوية بين اللاخلقدونيين الآخرين فى مصر ، فعلى سبيل المثال ، ففى سنة 567م قام الأسقف جون من المستوطنة الديرية كيليا - ومعه كل كهنوت مدينة الإسكندرية العظيمة - بإدانته بمرسوم حرمان رسمى. وبرغم هذا العمل فإن تأثير حركة التثليث كان مازال مستشعرا بقوة بعد قليل من العقود التالية اثناء ولاية دميان البابوية (578-607م). والواقع أن النزاع بين دميان وبطرس الكالينسيومى أسقف أنطاكية يبدو أنه كان نتيجة متوقعة لمحاولات دميان لمكافحة التثليث فى أسقفياته الخاصة وفى الإمبراطورية الرومانية الشرقية بشكل عام.
ومنذ السنة الأولى من أسقفيته بدأ الأسقف السكندرى الكتابة ضد معتقد التثليث. وبفعل هذا فقد عمل ( مثل أسلافه فى القرن الرابع والخامس) على محاولة كسب التأييد الديرى لحملته ضد الخطر الثيولوجى المنظور. كان دميان نفسه – وكما قيل – قد دُرب كراهب فى وادى النطرون والواقع أن ذكراه يبدو أنها قد خلدت هناك فى الفن الديرى اللاحق. وربما أثبت هذا الأصل الديرى أهميته عندما كان دميان يحاول جعل الرهبان المصريين فى توافق مع موقفه المضاد للتثليث. ويتأكد نجاحه فى هذا المسعى - وبشكل حى - فى السجل الأثرى حيث حُفظ جزء من رسالته المجمعية ضد التثليث فى شكل محفور على جدار فى أحد الصوامع الديرية فى دير أبيفانوس فى طيبة( الأقصر الحالية).
وبعد سنوات قليلة من كتابته لرسالته المجمعية تلك ألف دميان – والذى كان قد حصل فى ذلك الوقت - على الأقل - على إعتراف عالمى غير رسمى به كرئيس للكنائس اللاخلقدونية - عملا آخر ضد التثليث. وهو ( فصول فى دحض التثليث كتبها حوالى سنة 586م). وقد أرسل نسخة من هذا البحث إلى أسقف أنطاكية ، بطرس الكالينسيومى ، حتى يمكن له تفحصها وتصحيح مايجده ضروريا. ومع ذلك فعندما أجاب بطرس بتحفظ على التعبيرات الغريبة التى وجدها فى البحث والتى لاتتناغم مع لغة آباء الكنيسة فقد إستاء دميان وسرعان ماإنقطعت الإتصالات بين الأسقفيتين. وبينما عرض بطرس رأب الصدع ظل دميان متحفظا بإصرار. ومالبث قادة الكنيستين أن بدأً فى التعبيرعن إستيائهما علانية. أرسل دميان رسالتين إلى بطرس متهما إياه بتعاطفه مع معتقد التثليث وأجاب بطرس ببحث موسع فى ثلاثة مجلدات أطلق عليه تسمية ( ضد دميان) أعلن فيه أن ثيولوجيا دميان هى فرع من السابيليانية ( وهى هرطقة مسيحية قديمة أسقطت التمييزات بين أشخاص الثالوث). لم يكن أى الإتهامين صحيحا ولكن الموقف الخطابى على الجانبين ألقى الضوء بوضوح على التوترات بين الأسقفيتين كما قاد إلى توقف رسمى للتواصل بين الكنائس فى الإسكندرية وأنطاكية والذى سيستمر لحوالى ثلاثين سنة تقريبا.
ولم يحدث حتى سنة 616م ، تحت قيادة خلف دميان ، أنستاسيوس السكندرى(607-619م) وخلف بطرس ، أثناسيوس الأنطاكى ، أن حلت الكنيستان الإقليميتان خلافاتهما. وتبعا لتاريخ البطاركة فإن البابا المصرى أنستاسيوس هو الذى قام أولا بفتح موضوع إصلاح العلاقات فى رسالة مجمعية موجهة إلى نظيره السورى ، أثناسيوس . وقد إستقبل خطاب المصالحة إستقبالا حسنا وقام أثناسيوس مع حاشيته الكنسية من أنطاكية بالإبحار إلى الإسكندرية من أجل قمة كنسية والتى عُقدت بالفعل فى أحد الأديرة المصرية على ساحل البحر المتوسط (ربما فى إيناتون أو فى أحد الأديرة الأخرى الواقعة إلى الغرب من المدينة العاصمة ، أى الإسكندرية). وهناك قام أنستاسيوس وأثناسيوس بتبادل قبلة السلام كما أصدرا بيانا مشتركا معلنين عن إتحادهما. ويؤكد هذا البيان ، الذى حفظه المؤرخ مايكل السورى ، على الميراث الثيولوجى المشترك التى تحتفى به كلتا الكنيستين ويستشهد بصفة خاصة بمجامع نيقية سنة 325م والقسطنطينية سنة 381م وإفسوس سنة 431م وكتابات الموحى إليه من الله سفيروس الأنطاكى وذلك كمعالم على الأرثوذكسية اللاخلقدونية. وأثناء الصراع المرير بين خليفتيهما دُفع بدميان وبطرس تحت الطاولة بمهارة. فإذا ماتسائل أى شخص هرطقى ( كيف تُفسر ماكتب فى زمن الصعوبة بين الأسقفين المباركين) تكون الإجابة (بأن الكاتبين قد رحلا إلى الله أما بالنسبة إلينا فقد أعدنا إتحادنا وفقا للإتفاق العقائدى المُنفذ الآن). فبهذه الكلمات تم معالجة الإنشقاق الذى إستغرق ثلاثة عقود بين الإسكندرية وأنطاكية فى نهايةالأمر. ومع ذلك فإن الإتفاق بين أنستاسيوس السكندرى وأثناسيوس الأنطاكى لم يحدث بتأييد جماعى. فلم يكن سرا أن أقلية مصرية عالية الصوت قد عارضت إعادة الإتحاد وفى أحد رسائله سجل أثناسيوس أسماء هؤلاء المنشقين بالفعل. و من بين هؤلاء الذين قاوموا فكرة تسوية كان هناك موالين مخلصين للبابا السابق دميان والذين لم يكونوا مستعدين تماما لإن يغفروا أو ينسوا حقيقة أن الأنطاكيين قد لعنوا سابقا بطريركهم المحبوب. وربما كان هؤلاء المعادون داخل المعسكر اللاخلقدونى المصرى قد إتخذوا حتى خطوات من أجل إنتخاب قائدا لهم - وهو رجل يدعى جون – كمنافس بابوى جديد لأنستاسيوس.
وهكذا وبرغم نجاحه فى إعادة تأسيس رابطة الإتحاد مع أنطاكية فقد ظل البطريرك أنستاسيوس يواجه طائفة منقسمة داخل الوطن. كانت تلك الجماعات المنشقة كحزب المنشقين الدمياتيين والحزب الجيونييتى - الذى كان قد مضى عليه ثمانين عاماآنذاك – إشارات متأخرة على الوحدة اللاخلقدونية فى مصر. وبالإضافة إلى هذه الجماعات فقد كانت قيادة الكنيسة الخلقدونية فى الإسكندرية والتى ترعاها الإمبراطورية قد إستمرت أيضا فى مزاعمها المنافسة فى البابوية المصرية وفى تدعيم تلك المزاعم بالقوة الإقتصادية والعسكرية للدولة البيزنطية ومصالحها. وفى بداية ولايته كبابا تحمل أنستاسيوس الإستيلاء على كنائسه من قبل الأسقف الخلقدونى إيولوجيوس. ثم واجه فى شخص جون المتصدق - خلف إيولوجوس - منافسا أكثر لطفا وإن كان على نفس القدر من القوة والتى نافست أعماله الكريمة من الإحسان العام (مثل بناء المستشفيات والملاجئ للفقراء) وبالضرورة عطلت التوجهات اللاخلقدونية التقليدية للرعاية الأسقفية. وبسبب إبتعاده عن كنائسه ومواجهته للفرض العسكرى والإقتصادى للسيطرة الخلقدونية على الإسكندرية كان أنستاسيوس مضطرا للجوء إلى أحد الأديرة خارج المدينة. وقد كان هناك فى سنة 616م أن إستضاف أثناسيوس أسقف أنطاكية لوضع صيغتهما لإعادة الإتحاد. ومع ذلك - وفى خلال فترة ثلاث سنوات – سوف يتغير المناخ السياسى جذريا وسوف تقوض السيطرة البيزنطية الخلقدونية على الإسكندرية. كان هناك عاصفة تتخمر فى الأفق الشرقى ، كان الجيش الفارسى على وشك غزو مصر.

المنافسون الإستعماريون ونهاية الحكم البيزنطى فى مصر- فترة الإحتلال الفارسى لمصر (619-629م).

تميزت عقود التاريخ المصرى الثلاثة المؤدية إلى وصول الجيش الفارسى بنوبات عرضية من الإضطراب الإجتماعى والغليان السايسى. ويصف مؤرخ القرن السابع - حنا النقيوسى - (حوالى سنة 690م) الموقف فى الدلتا المصرية أثناء حكم الإمبراطور موريس (582-602م) كأنه شبيه بالحرب الأهلية. ففى مدينة آيكيلة بالدلتا قاد قادة السكان تمردا مسلحا نهبوا خلاله السفن التى تعمل فى تجارة الحبوب فى النيل وأوقفوا دفع الضرائب المستحقة للقسطنطينية. وقد أصبح ذلك التمرد أكثر تعقيدا بالسياسات الحزبية لأحزاب المضمار المحلية ، الخضر والزرق. نشأت تلك الأحزاب ككفلاء أعمال وأنصار مؤيدين للرياضيين المتنافسين فى سباقات مركبات المضمار ولكنها تطورت لتمارس تأثيرا متزايدا فى السياسات البيزنطية. وكنتيجة لمسئوليتهم العامة عن قيادة هتافات تمجيد الإمبراطور فى المدرج فقد أصبح الخضر والزرق مستقبلين متميزين للرعاية الإمبراطورية. ومع ذلك وفى نفس الوقت ، فقد كانوا يقاومون بإصرارسيطرة الدولة الكاملة على أنشطتهم. وفى العقود الأخيرة من القرن السادس أصبحت مقاومتهم لسيطرة الدولة يُعبر عنها أحيانا فى شكل إنتفاضات محلية.
لم يكن العصيان فى الدلتا حالة منفردة. فحوالى نفس الوقت ، حدثت إنتفاضة مماثلة فى أخميم فى صعيد مصر تحت قيادة متمرد يدعى أزارياس جمع قوة كبيرة من العبيد الإثيوبيين وقطاع الطرق وإستولى على الضرائب الإمبراطورية. إستمرت مثل تلك الثورات المحلية فى مصر أثناء حكم المغتصب فوقاس والذى كان قد قام بخلع وقتل الإمبراطور موريس فى سنة 602م كجزء من إنقلاب إمبراطورى فى القسطنطينية. وأخيرا وفى سنة 609م وسنة 610م أصبحت الإسكندرية والدلتا أرض معركة مركزية بالنسبة للإمبراطور التالى هرقل(610-641م) والذى مول حملة عسكرية للإستيلاء على العرش البيزنطى من فوقاس. وقد تقرر نجاح هرقل فى هذه المعركة جزئيا بسبب قدرته على إسترداد السيطرة مرة أخرى على مداخيل الضرائب وعلى تجارة القمح وعلى تهدئة أحزاب المضمار الجامحة فى مصر. ومع ذلك ففى وقت وصول الفرس إلى ضفاف النيل فى سنة 618-619م فقد كان لذلك التاريخ من الإضطراب المدنى والمناوشات السياسية أثره السلبى. وفى الصدام بين فوقاس وهرقل – وكان كلاهما متنافسين خلقدونيين على العرش الإمبراطورى- فإن توجهات الولاء الإمبراطورى بالنسبة للقيادة الخلقدونية المصرية قد أصبح شائكا تماما( فقد كان هناك مخاطر فى تأييد الجانب الخطأ) وكنتيجة لذلك فإن القبضة الإدارية البيزنطية على مصر أخذت فى الضعف.
والواقع أن صراع القوة الإمبراطورى الذى أطلقه إنقلاب فوقاس سنة 602م بدا وكأنه أحد الحوافز الأساسية التى شجعت الفرس على غزو الأقاليم الشرقية من الإمبراطورية الرومانية سنة 603م. فالإمبراطور موريس الذى خُلع وقُتل على يد فوقاس وأنصاره كان حليفا سياسيا للشاه الفارسى كسرى الثانى. وتبعا لأحد المؤرخين البيزنطيين المبكرين فقد كان كسرى الثانى مدينا لموريس على مساعدته له فى إعتلائه العرش فى وجه المعارضة السياسية. وعندما وصلت الأخبار إلى كسرى الثانى عن قتل موريس على يد فوقاس قرر الحاكم الفارسى أن يشن ماأصبح حملة طويلة ضد المستوطنات الرومانية فى العراق وسوريا (603-613م). وسواء ماكان إعلان كسرى الثانى للحرب ضد فوقاس يعود إلى شعوره بالولاء إلى موريس أو مجرد إنتهاز للفرصة أو خليط من كليهما فمن الواضح أن العدوان الفارسى لم يكن حادثة منفصلة. كانت التوترات بين الرومان وبين المملكة الساسانية فى فارس تعود إلى زمن طويل. فقد كانت أزمات الحدود المتكررة بين الإمبراطوريتين قد بدأت تثور فى القرن الثالث بالفعل. وفى القرن السادس قادت التدخلات على الحدود العراقية فى فترة مبكرة من حكم جستنيان إلى سلسلة من معاهدات السلام الغير فعالة ( 533 - 545 - 551 - و 561م ) وإلى الممارسة البيزنطية فى فرض مبالغ ضخمة من الجزية المنتظمة على الفرس فى محاولة عديمة الجدوى- أيضا- لتأمين حدودهم.
وبحلول سنة 613م وبعد عشر سنوات من الهجمات الفارسية المنتظمة على المنشآت الرومانية الشرقية حول حوض نهر الفرات وفى داخل سوريا وبعد أن إستهلك هرقل موارد كبيرة فى إنتزاع السلطة الإمبراطورية من فوقاس أصبحت الإمبراطورية الرومانية ضعيفة وإستفاد الفرس من تلك الظروف. وفى خلال ثلاث سنوات إستولوا على دمشق(613م) وقيصرية(613م) وأورشليم(614م) وخلقدونية (615م) وتقدموا إلى أبواب العاصمة الإمبراطورية القسطنطينية. وبعد أربع سنوات سقطت الإسكندرية وبحلول سنة 620م كانت مصر كلها قد أصبحت فى أيدى الفرس.
فأى تأثير كان لذلك الغزو الفارسى على البطريركية السكندرية وعلى الجماعات المسيحية المصرية؟ ومن سوء الحظ فإنه ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال حيث أننا نملك معلومات معاصرة قليلة نسبيا عن فترة الثلاث عشر سنة من الحكم الفارسى لمصر. وتمدنا قليل من الرسائل الإغريقية والقبطية- التى حفظت على أوراق البردى وقطع الفخار - بلمحات سريعة فقط عن الفوضى والإضطرابات التى عانى منها المصريون أثناء الغزو الفارسى. وتميل المصادر القبطية ( أو القبطية العربية) اللاحقة التى تشير إلى تلك الفترة إلى وضع تأكيد خاص على الطبيعة العنيفة للغزوات الفارسية. فعلى سبيل المثال ، فإن الناشر القديم ( لتاريخ البطاركة ) يأسف على معاملة الفرس السيئة للمسيحيين ويصف فى تفصيل كبير تدميرهم للكثير من الأديرة وذبحهم للرهبان الذين كانوا يعيشون فى دير إيناتون إلى الغرب من الإسكندرية. وتروى النسخة العربية الموسعة من حياة شنودة ( والتى ترتكز على نسخة قبطية أعيد تنقيحها فى أخريات القرن السابع) أن المخلص قد ظهر لشنودة وأنه قد تنبأ بمجئ الفرس إلى مصر وأنه قد أكد على سفكهم للدماء وإضطهادهم وإستبدادهم.
ومع ذلك فسوف يظل السؤال هو كيف يجب أن نفسر هذه الروايات عن العنف الفارسى. فبينما يبدوسجل أوراق البردى من القرن السابع وكأنه يؤكد على أن بعض المصريين قد عانى فعلا من العنف أثناء الغزوات الفارسية الأولى فإن دليل آخر يدل على أن مثل هذه التكتيكات الوحشية لم تميز فعلا الفترة التالية من الحكم الفارسى. والواقع ان أحد الباحثين قد جادل بأنه بمجرد أن تأسس الحكم الفارسى فى مصر فقد إتبعت الإدارة الفارسية سياسة عامة أكثر تصالحية وبحثت عن الحفاظ على الأمر الواقع فى الأمور الإجتماعية والإقتصادية. إن أحد الأمثلة على ذلك هى الطريقة التى تبنى بها الفرس نظام الإدارة البيزنطى المطبق فى مصر آنذاك حيث تظهر سجلات الضرائب التى حفظت على أوراق بردى من بدايات القرن السابع من مدينة أوكسيرنشوس أن الأداة الضريبية قد إستمرت فى العمل بشكل عادى خلال تلك الفترة. وقد إستمر الفرس أيضا فى تشجيع تجارة القمح المصرية القديمة رغم أنهم قد أعادوا تحويلها من القسطنطينية إلى مجهوداتهم الحربية الخاصة.
ويكمن الدليل على السياسة الفارسية التصالحية العامة – على الأقل بالنسبة للمسيحيين المصريين اللاخلقدونيين- فى قدرة البطركين أندرونيكوس(619-626م) وبنيامين(626-665م) على البقاء فى الإسكندرية وفى ممارسة قيادتهما من كرسيهما البطريركى هناك أثناء كل فترة الحكم الفارسى لمصر(619-629م). وبطبيعة الحال فبالنسبة للقيادة الخلقدونية بإرتباطاتها بسلطة الدولة البيزنطية فقد كان الأمر مختلفا تماما ، فمع تهديد الجيش الفارسى للإسكندرية إضطر البابا الخلقدونى جون المتصدق إلى الفرار إلى بلده الأصلى قبرص. وبهذه الطريقة فقد سبب الغزو الفارسى لمصر تحولا واضحا فى الرعاية الدينية. فبينما عطل الوجود الفارسى الجديد المطالب الخلقدونية فى السلطة فقد وفر فى النهاية ( وبرغم الأثر المدمر للغزو الفارسى على بعض الجماعات الديرية المصرية) نافذة فرصة غير متوقعة للقيادة اللاخلقدونية فى مصر. ومع ذلك فإن نافذة الفرصة تلك سرعان ماسوف تُغلق فى سنة 629م عندما أعاد الإمبراطور البيزنطى هرقل – وبعد نجاح هجومه العسكرى المضاد المذهل فى عمق الأراضى الفارسية - إحتلال مصر وإعادتها إلى القسطنطينية.

الإسترداد البيزنطى لمصر ( 629—642م).

وفى أعقاب إنتصاراته على فارس ، ظل الإمبراطور هرقل- وأكثر من ذى قبل - راعيا قويا للكنيسة الخلقدونية. فأثناء الحرب كان البطريرك البيزنطى سرجيوس قد وضع كنوز كنيسته رهن تصرف الإمبراطور فى محاولة لمساعدة تمويل حملة هرقل العسكرية الصليبية ضد الفرس. والآن فقد رد هرقل الجميل بإعادة إقامة أساقفة خلقدونيين فى الأقاليم المنشقة وتزويدهم بالمساعدات الإقتصادية والعسكرية الضرورية لفرض الولاء العقائدى. وفى حالة مصر فقد عين رجلا يدعى قيرس من القوقاز كرئيس للأساقفة فى سنة 631م.
نُسق تعيين قيرس بسياسات ثيولوجية وإجتماعية صُممت لإعادة اللاخلقدونيين إلى توافق مع القسطنطينية أو - فى حالة فشل ذلك – لقمع أشكال الإنشقاق بالقوة. كانت هذه المحاولة ذات الحدين لتحقيق التوافق العقائدى جزءً من سياسات بقاء أوسع إتبعتها الدولة البيزنطية فى مواجهة الأخطار الخارجية.
إتخذ أول تكتيك شكل حل كريستيولوجى( خاص بطبيعة المسيح) إقتُرح أساسا من قبل الإمبراطورهرقل والبطريرك سرجيوس ، بطريرك القسطنطينية. وقد أكد حلهما ذاك - والذى من الواضح أنه كان قد صُمم ليرضى المشاعر اللاخلقدونية – على الإرادة الواحدة للمسيح. وكنتيجة لذلك فقد عُرف ذلك المذهب بعد ذلك بمذهب الإرادة الواحدة للمسيح. وبالنسبة للخلقدونيين من أمثال هرقل وسرجيوس وقيرس فقد وفر هذا طريقة لتأكيد إتحاد الإنسانى والإلهى فى المسيح بدون التخلى عن تأكيدهم على طبيعتى المسيح( الإنسانية والإلهية). وقد عُهد إلى قيرس بمهمة ترويج مذهب الإرادة الواحدة فى الإسكندرية ويبدو أن مجهوداته بهذا الصدد قد نجحت جزئيا على الأقل. وهناك دليل على أن عددا من اللاخلقدونيين قد إعتنقوا هذا الحل الكريستيولوجى فى شكل ميثاق رسمى للإتحاد بين قيرس بطريرك الإسكندرية الملكانى (نسبة إلى الدولة البيزنطية) وبين الثيوديسيين( أتباع مذهب الطبيعة الواحدة المصريين) رغم أن هؤلاء قد يكونوا قد فسروا صيغة الإرادة الواحدة فى توافق مع معتقد الطبيعة الواحدة أكثر من معتقد الطبيعتين. ومع ذلك ، فإن معظم المسيحيين فى مصر قد رفضوا مذهب الإرادة الواحدة ذاك. وفى ذلك الوقت كانوا قد أصبحوا يرون فى أى مذهب يتبناه البطاركة الخلقدونيين محلا للشك الدينى وبعد ذلك فى القرن السابع سوف يسقط مذهب الإرادة الواحدة أيضا على صخور الخلاف بين الدوائر الخلقدونية ( فى روما ) حيث سيُبدا فى رؤيته كأنه تنازل كبير لما يسمى بالمعتقد المونوفيزيتى. وفى النهاية وبرغم مناطقهم العديدة من الإعتقاد المتقاطع فسوف يصبح الخلقدونيين واللاخلقدونيين بعيدين سياسيا عن بعضهم البعض بشكل لم يحدث من قبل خاصة فى مراتب القيادة.(كان مذهب الإرادة الواحدة للمسيح حلا وسطا توصل إليه الإمبراطور هرقل بين أنصار مذهب الطبيعتين الإلهية والبشرية للمسيح(الخلقدونيين) وبين أنصار مذهب الطبيعة الواحدة المونوفيزيين( المصريين والسوريين بشكل خاص) والمقصود أنه برغم أن للمسيح طبيعتين حسب رؤية الخلقدونيين فإن له إرادة واحدة حسب رؤية المونوفيزيين وقد فشل هذا الحل فى نهاية الأمر كما يُفهم هنا).
وبفشل مثل تلك المحاولات التوفيقية لجأت الحكومة البيزنطية والبطريرك الخلقدونى قيرس - بشكل متزايد – إلى القوة العسكرية والحرمان الإقتصادى والعزل الإجتماعى كوسائل لقمع المقاومة اللاخلقدونية فى مصر. وتشجب المصادر القبطية اللاحقة قيرس على أساليبه القمعية التى كان لها آثارا بالغة القسوة على الكنيسة اللاخلقدونية فى مصر تحت قيادة البابا بنيامين(626-665م). ويسجل تاريخ حنا أسقف نقيوس من القرن السابع كيف إستولى قيرس على الكنوز الضخمة للكنيسة اللاخلقدونية فى وقت الإضطهاد بدون أى تفويض من القضاة. وفى هذا الإتجاه هناك عظة دينية تنسب إلى البابا بنيامين نفسه تصف قيرس بالمجرم أوبالشخص الخارج على القانون. وبالإضافة إلى مصادرة الكنائس إتهم الكتاب الأقباط قيرس (وفى إرتباط وثيق بالإمبراطور هرقل) بشن موجة جديدة من الإضطهاد تتضمن وسائل من الإرهاب والتعذيب البدنى ضد الجماعة اللاخلقدونية.
وتصف الحياة الديرية لصموئيل الكلمونى – وهى عمل حُفظ فى مخطوطة تعود للقرن التاسع ولكنها تحتوى على عناصر ربما تعود للقرن السابع- محاولات قيرس لفرض سلطته على رهبان سيتس والفيوم وأيضا المقاومة الديرية لقيرس التى قادها الراهب صموئيل فى هذه المناطق. ويصور مؤلف حياة صموئيل - عمدا - مقاومة صموئيل فى مفردات لاخلقدونية. فأولا فإن مرسوم الإرادة الواحدة الذى سلمه قيرس فى سيتس يطابق بشكل خاطئ (أو ربما بشكل ذو مغزى تماما) بكتاب ليو. ثم وعندما يسمع صموئيل المرسوم يُتلى فهو يرفضه علانية وذلك بأخذ النص وتمزيقه قطعا فى حضور القاضى قائلا( نحن لانقبل هذا الكتاب ولا ذلك المكتوب فيه ولاحتى نقبل مجمع خلقدونية وليس لدينا أى أسقف غير أبينا الأب بنيامين ، اللعنة على هذا الكتاب واللعنة على مجمع خلقدونية). وخلال سياق القصة فإن ذكر الأب بنيامين لايأتى مصادفةٍ لقد كان قيرس قد أرسل – أصلا - مبعوثين إلى الأديرة من أجل أن يعثروا ويقبضوا على البابا بنيامين والذى كان قد أُجبر على الإختباء خارج الإسكندرية. وهكذا ففى خطبة وأفعال صموئيل التوضيحية يمكن أن نلاحظ مرة أخرى كيف أن رفض عقيدة خلقدونية بين الرهبان المصريين ظلت مرتبطة بشكل وثيق بإحساسهم بالتضامن مع أسقفهم. وفى رد فعله على رفض صموئيل العلنى لمعتقد الإرادة الواحدة ( وبموجب سلطة قيرس) لجأ القاضى إلى العنف. (وعلى الفور أمر القاضى عشرة من الجنود بجلد صموئيل حتى إعتقد الجميع أنه قد مات فعلا. وبعد ذلك جعلهم يقيدون قدميه ويعلقونه ثم ثبتوه على خوازيق وعذبوه حتى تدفقت دمائه مثل الماء. ثم إنزلق سوطا من يد أحد الحضرين وسقط على عينه اليمنى فإنفجر بؤبؤ عينه على الفور وإنسال على وجنته).
وبعد أن عاد القاضى إلى شعوره ومنح صموئيل عفوا مؤقتا بسبب إصابة عينه البليغة طرد الجنود صموئيل خارج المدينة حيث إستقر مرة أخرى فى جبل كالامون فى الفيوم(حوالى 150 كيلو متر إلى الجنوب من سيتس). ومع ذلك وبعد فترة قصيرة ، جدد قيرس إضطهاده للرهبان اللاخلقدونيين وأودع صموئيل السجن مرة أخرى. ومرة أخرى قُيد صموئيل بالسلاسل وجُلد بالسوط وضرب حتى أشرف على الموت. ومن خلال هذه المحنة يقال أن صموئيل قد ظل ثابتا مساويا حكم قيرس المدنى بالحكم المؤقت للشيطان موبخا إياه بصفة إبن الشيطان و المسيح الدجال والخلقدونى المهرطق.
وبصرف النظر عن قبول اورفض هذه الرواية كرواية تاريخية فالمهم هنا هو أن نلاحظ الطريقة التى كانت تتأطر بها الذات القبطية من جديد من خلال إنتاج جيل جديد من أدب الشهداء. فرغم أن صموئيل لم يتعرض للموت كنتيجة لإصاباته فهو مع ذلك يُحتفل به كمجاهر بالإيمان ومناضل من أجل العقيدة الأرثوذكسية وعلى أنه الشخص الذى أصبح شهيدا عدة مرات بدون أن يفقد حياته. والواقع أن رواية قصته تحمل ثلاث صفات هامة للشهادة المسيحية القديمة.هى (1) المواجهة وتبادل الكلام مع قاض حكومى( ويُحدد هنا بالكهنوت الخلقدونى).
(2) تصوير حى للعذاب البدنى الذى يتحمله صاحبه بشكل بطولى. و(3) إستعارات رمزية محددة مثل إستحقاق صموئيل لتيجان الشهادة الثلاثة كنتيجة لنضاله. ويمكن رؤية إنتاج روايات شهادة فى سياقات أخرى أيضا. فعلى سبيل المثال ، فإن (تاريخ البطاركة) يحتوى على رواية مختصرة عن التعذيب الوحشى وإستشهاد ميناس أخو البابا بنيامين على أيدى الإمبراطور هرقل وقيرس.

( وقبض هرقل على المبارك ميناس أخو الأب بنيامين ، البطريرك ، وأدخله فى محن شديدة وجعل المشاعل الموقدة تُربط إلى جانبيه حتى رشح شحم جسده وتدفق عل الأرض. ثم ضرب أسنانه لإنه قد جاهر بالإيمان ثم أمر أخيرا بأن يُملء كيس بالرمال وأن يوضع به المقدس ميناس ثم يُغرق فى البحر. فأخذوا الكيس وإبتعدوا به عن الأرض مسافة سبع عقد داخل البحر وقالوا لميناس( قل أن مجمع خلقدونية جيد وليس العكس وسوف نطلق سراحك) لكن ميناس لم يفعل ذلك. فكرروا ذلك ثلاثة مرات وعندما رفض طلبهم أغرقوه. وهكذا لم يستطيعوا قهر هذا البطل ، ميناس ، ولكنه غزاهم بصبره المسيحى).

وهنا يمكن أن نلاحظ مرة أخرى نفس العناصر المكونة للشهادة القديمة أى مواجهة مع السلطات( وفى هذه الحالة هنا يظل الشهيد صامتا فى مواجهة تهديداتهم) والتصوير المنقوش للتعذيب الواقع على الشهيد ونفس الإستعارات التى تصف الشهيد بالمنتصر الحقيقى أو بالبطل فى الصراع – أى الشخص الذى يسقط المزاعم الإمبراطورية فى السلطة والذى – فى النهاية – يقهر هؤلاء الذين كانوا يريدون قهره. ومن الجدير بالملاحظة فى كلا الحالتين – فى حياة صموئيل الكلمونى وفى رواية إستشهاد ميناس فى تاريخ البطاركة – فإن هؤلاء الكتاب الأقباط يوظفون تقاليد الشهادة المسيحية الأولى لتقويض( وأيضا وفى نفس الوقت لإعادة إنتاج) أنواع المعارضة الخطابية التى كان يستفيد منها مضطهديهم الخلقدونيين.
وفى هذا الأدب يرتبط البابا بنيامين بشكل لافكاك منه بهذا الميراث الإستشهادى على مستويات عديدة أى من خلال دوره كالراعى الديرى للرهبان المصريين والذين عانوا فى ولائهم له من خلال روابط دمه مع أخيه الشهيد ولكن أيضا من خلال معاناته الخاصة كبطريرك معزول وكقائد منفى فى بلده نفسه. وفى (تاريخ البطاركة) يكشف له رسول ملائكى ضرورة مواجهته لما سيكون فترة عقد من الهرب من إضطهاد قيرس.( إهرب أنت لإن متاعب شديدة سوف تحيط بك. ولكن إهدأ فإن ذلك الصراع سوف يستمر لعشر سنوات فقط). وإنه فى هذا السياق الفورى – أى ضرورة الإضطلاع بمشقة مثل ذلك الهرب – أن منح الكاتب بنيامين مرتبة (المجاهر بالإيمان والمقاتل بقوة سيدنا يسوع المسيح).
كان منفى بنيامين داخل مصر ووقت إختبائه فى الأديرة المصرية فى الفيوم والوجه القبلى ومشابهة ذلك المنفى فى الأدب القبطى اللاحق كلها عوامل حاسمة فى تكوين الذات الدينية والإجتماعية القبطية تلك الذات التى تأثرت ونمت من الديناميات الإجتماعية الإستعمارية. وفى عيون الأقباط أثناء القرن السابع وبعد ذلك أصبح نظير بنيامين وخصمه – قيرس - تضمينا للتحالف المتزايد عمقا للمصالح الدينية الخلقدونية والسياسة الإمبراطورية البيزنطية. وعلى هذا الضوء يصف (تاريخ البطاركة) البطريرك الخلقدونى بصفة حاكم أرض مصر - أى الحاكم الرومانى- والبطريرك فى نفس الوقت. وبالنظر إلى ترتيبات تشريع جستنيان لسنة 538م بشأن تنظيم إدارة مصر – والذى كان مازال ساريا - فلابد أن نرى مثل هذه التقارير كأنها متحيزة ، فلم يكن قيرس يستطيع أن يخدم – من الناحية القانونية - كحاكم على كل مصر. ومع ذلك ، وبرغم أساسها الغير تاريخى الواضح فإن هذه الرواية الواردة فى (تاريخ البطاركة) تتحدث كثيرا عن إدراك الأقباط للنفوذ الخلقدونى.
وفى هذا السياق فإن أصل هذا التقليد عن قيرس كحاكم وبطريرك يُثبت أنه ذا معنى. فعلى أساس من مخطوط متنوع فى نص بعنوان ( كتاب التكريس لمقام بينامين) جادل أحد الباحثين بإقتناع أن ذلك التقليد قد نِشأ فى الوجه القبلى (صعيد مصر). إن مثل هذا الأصل يمكن أن يربط هذا التقليد بفترة العقد الذى قضاه بنيامين فى المنفى فى الوجه القبلى والتى خلالها إستُقطبت المشاعر الخلقدونية واللاخلقدونية بشكل متزايد. ففى هذا الإقليم فإن الصورة العامة لقيرس تعارضت بشكل حاد مع تلك الخاصة ببنيامين. ففى مقابل تنصيب قيرس المصور فى ميكانيزمات القوة الإمبراطورية يصور البابا المنفى بنيامين كمواطن مستعمر محروم كأى شخص مهمش محروم من بعض أشكال القوة الدينية السياسية ولكنه مع ذلك يعمل كرمز للمقاومة. إن هذا الإحساس المتزايد بالعزل بين المسيحيين اللاخلقدونيين المصريين ( والذى أصبح بنيامين رمزهم الأول) قد ساعد أيضا على إنتاج إدراك ذاتى دينى يتأطر – بشكل متزايد - فى مفردات عرقية. ففى كلا من (حياة صموئيل الكلمونى وتاريخ البطاركة) يشار إلى البطريرك الخلقدونى قيرس – وبشكل متكرر – ليس بإسمه ولكن بكنية تشير بوضوح إلى أصوله الأجنبية وهى القولوشى أو القوقازى. إن هذه الإستراتيجية الخطابية ربما تتقاطع بقوة مع تقارير أخرى فى (تاريخ البطاركة) والتى تبحث بوضوح عن تأكيد الشخصية المصرية الأصيلة للمقاومة اللاخلقدونية لقيرس. والمثال الأوضح على ذلك هو أن كاتب( تاريخ البطاركة) يمتدح دير معين هو دير ميثراس على أنه الدير الوحيد الذى ظل مخلصا للقضية اللاخلقدونية ويُرجع هذا إلى حقيقة أن ساكنيه كانوا أقوياء بشكل كبير لكونهم مصريين بالجنس وكلهم مواطنيين بدون غريب بينهم.
إن تعريف مثل هذا الخطاب كوطنية سياسية أولية سوف ينطوى على مفارقة تاريخية حيث لم يعبر الأقباط عن طموحاتهم فى إحلال شكلهم الخاص من الحكومة محل الإمبراطور البيزنطى. فالثورة لم تكن ببساطة فى نطاق الإمكانيات. ومع ذلك ، فقد كان هناك نوع من الذات المبنية ذاتيا آخذة فى الظهور. ففى خلال الفترة الأخيرة من الحكم البيزنطى فى مصر وما أعقبها بدأت الأكثرية اللاخلقدونية تتحدث عن نفسها كشعب مميز – (أهل) فى اللغة العربية . وبهذه الطريقة فقد تكون نوع من الثقافة الوطنية الشعبية ، جماعة مشتركة عُرفت فى مفردات تضامن دينى عرقى وخُلقت خلال إنتاج خطاب أقلية ( رغم أنه فى تلك الحالة فقد كان الواقع أن أغلبية المصريين المسيحيين هم الذين وظفوا تلك الطريقة من خطاب وتفكير الأقلية). ويعمل هذا الخطاب كالتالى : أولا فإن الكنيسة الإمبراطورية المسيطرة كانت – وبشكل متزايد – توصف بأنها أجنبية ( وهذا برغم حقيقة أن بعض أعضاء الكنيسة الخلقدونية فى مصر كانوا أقباطا). وثانيا كانت الذات الوطنية المصرية محددة بشكل كامن بالمعارضة الخلقدونية. وقد أكد النتاج الثقافى لخطاب الأقلية هذا على حقيقة أن الديناميات الإجتماعية التى أنتجها النظام الإمبراطورى الخلقدونى والإستعمار الكنسى إستمر فى لعب دور كبير فى تكوين وعى البابوية المصرية والذات الدينية القبطية قبيل الغزو العربى.

من الحكم البيزنطى إلى الحكم العربى - إستمرارية الذات فى خضم التغيير( 642 م-

سوف ينتهى هذا المجلد بنظرة مختصرة على الإنتقال من الحكم البيزنطى إلى الحكم العربى فى مصر. فما هى العوامل التى أدت إلى الغزو العربى؟ وماذا كانت التضمينات الإجتماعية والسياسية للبطريركية القبطية؟ وأخيرا كيف تشكلت الذات المسيحية المصرية فى السنوات الأولى من الحكم العربى؟
فمنذ القرن الرابع قبل الميلاد كانت القبائل العربية التى تعيش على الحدود الرومانية الفارسية قد لعبت دورا عسكريا وسياسيا هاما كعملاء تابعين لهاتين القوتين الرئيسيتين. وبشكل خاص كان اللخميون حلفاءً عسكريين أساسيين للفرس بينما كان الغساسنة يقودون إتحادا شبه مستقل من القبائل العربية الموالى لبيزنطة. وعلى مدى أكثر من قرنين عملت تلك القبائل فى المنطقة العازلة بين الإمبراطوريتين موفرة الحماية لراعيها الإمبراطورى مقابل المال. ومع ذلك فعندما أربكت هزيمة هرقل للجيش الفارسى فى أخريات العقد الثالث من القرن السابع التوازن الفارسى الداخلى خُلق نوع من فراغ القوى والذى سرعان ماشُغل بواسطة العرب بعد إتحادهم فى عقيدة مشتركة هى الإسلام.
وعندما حدث الغزو العربى لفارس والأقاليم الرومانية الشرقية فقد تقدم بشكل سهل إلى حدما. ففقط بعد أربعة سنوات من وفاة النبى محمد سنة 632م إحتفل العرب بالإنتصار على الفرس فى القادسية سنة (635-636م). وفى خلال عشر سنوات أخرى إستولت الجيوش العربية على أورشليم( القدس) وإحتلت الإسكندرية ومعظم الدلتا المصرية (640-642م) وبدأت الغارات العسكرية داخل ليبيا سنة 645م. وسرعان ما فشل الإسترداد البيزنطى المؤقت للإسكندرية سنة 645م وبحلول سنة 646م كان العرب قد أحكموا قبضتهم على العاصمة المصرية.
وقد كانت أهمية الغزو العربى للمسيحيين المصريين محل جدل كبير. وتبعا للرؤية التقليدية – والتى مازلت حاضرة – فقد حدد قدوم العرب نقطة تحول هامة للمسيحيين الذين يعيشون فى شرق المتوسط. وكثيرا ماشخص الباحثون الدارسون لتاريخ المسيحية فى مصر الإنتصار العربى على البيزنطيين على أنه كان ذا تأثيرا مدمرا وسببا للتغيرات العميقة الدائمة فى المشهد السياسى والدينى. ومع هذه التوجهات فقد أكد أحد المؤرخين البيزنطيين أن الإسلام قد ختم فى الواقع نهاية أخريات العصور القديمة.
وفى إرتباط مع هذه النظرية فى التغيير الثقافى الكاسح هناك تأكيد ملازم على الطرق التى تحسنت بها مصائر المسيحيين اللاخلقدونيين – بعد أن كانوا مقهورين تحت الحكم البيزنطى - بشكل جذرى. والواقع أن المؤرخين قد نسبوا – وبشكل روتينى - النجاح السريع والكاسح للحملات العربية- جزئيا على الأقل- إلى الإنشقاقات الدينية والعداء المتبادل الذى وجد بين الخلقدونيين واللاخلقدونيين والتوترات الدينية الداخلية التى نُظر إليها على أنها قد جعلت الأقاليم الرومانية الشرقية أكثر ضعفا فى مواجهة أى خطر خارجى محتمل. وعلى أساس كثير من الإشارات فى الأدب العربى اللاحق فقد إفترض كثيرون أن المسيحيين اللاخلقدونيين قد إتحدوا فى رؤيتهم للعرب كمحررين وأنه حتى قياداتهم قد تعاونت مع العرب فى الإطاحة بالحكم البيزنطى.
وفى العقود الحالية – مع ذلك – فإن الباحثين فى مسيحية أخريات العصور القديمة وبدايات الإسلام قد بدأوا فى إعادة تقييم مثل هذه الإفتراضات. ففيما يخص إستقبال المسيحيين المصريين للعرب فإن مسح أوسع للأدلة المتاحة يُظهر مجال من وجهات النظر المختلطة بشكل لاجدال فيه. فبينما إدعى كلا من مؤرخى القرن التاسع المسلمين ، إبن عبدالحكم(حوالى سنة 871م) والبلاذرى (حوالى سنة 892م) وكذلك كاتب القرن العاشر المسيحى إيوتيكيوس (حوالى سنة 940م) أن الأقباط قد قدموا المساعدة للمسلمين فإن الكتاب الأقباط الأقدم فى القرن السابع يؤكدون على رد فعل سلبى تماما تجاه الغزو العربى. وهناك محاضرة دينية عن (قديسى بابليون الأطفال) قد ألفت وألقيت بعد وصول العرب بفترة قصيرة تصفهم بالظالمين الذين يقودون عباد الله إلى العبودية. وهناك كاتب قبطى آخر هو حنا النقيوسى(حوالى سنة 698م) يقارن ( نير العرب الثقيل) بذلك الوارد فى الكتاب المقدس – بشكل غير طيب – عن نير فرعون وذلك رغم أننا يجب أن نعترف بأنه بعد ذلك مباشرة تقريبا – وبشكل واضح - يمتدح القائد العربى عمرو بن العاص على حفظه للكنائس. والواقع أن الدليل على المواقف المسيحية تجاه غزاتهم المسلمين - وحتى بين الكتاب الفرديين – يختلف بشكل كبير.
ويثبت الإدعاء الآخر الذى قدمه كاتب لاحق عن أن البابا بنيامين نفسه قد عقد مع عمرو إتفاقية مقدما لتسليم مصر أنه غير ذى معنى. والواقع أنه قد كان قيرس البطريرك الخلقدونى هو الذى فاوض أصلا هذه الهدنة فقط ليموت بعد ذلك بفترة قصيرة و يترك الهدنة غير مجددة. فخلال السنوات الأولى من الغزو العربى لم يكن بنيامين – وببساطة – فى موقف يمكنه من مفاوضة شروط التسليم حيث كان مازال مختبأ. ويجعل كل من حنا النقيوسى وتاريخ البطاركة من الواضح أن بنيامين لم يرجع من منفاه الإختيارى فى صعيد مصر إلا بعد أن أتم الجيش العربى تأمين مدينة الإسكندرية تماما.
وفى النهاية فإن التقييم الحالى للمصادر المتاحة ينتج صورة غير موحدة بشكل غريب. فبينما إستفادت الجيوش العربية أحيانا من أشكال التعاون المحلى – كما فى الحالة التى سجلها حاكم الإسكندرية سانوتيوس فى تاريخ البطاركة - فهناك دليل أيضا على أنهم قد واجهوا مقاومة قبطية محلية مبدأية فى بعض المناطق مثل سخا ودمياط فى الوجه البحرى وفى أنتينوى فى صعيد مصر. ومما لاشك فيه فإن الإنشقاق بين الخلقدونيين واللاخلقدونيين قد أثر فى الطريقة التى فسر بها كثير من المصريين الغزوات العسكرية التى كانت تعيد تشكيل المشهد السياسى. ويعزو الكتاب الأقباط بشكل متكرر– وبصرف النظر عن مواقفهم تجاه الوجود العربى الجديد- الإنتصارات العربية فى المعركة إلى حكم الله على العقيدة العاصية للإمبراطور البيزنطى والكنيسة الخلقدونية. ومع ذلك فإلى أى مدى قد سهل مثل ذلك الإنشقاق النجاح العسكرى العربى يظل نقطة خلاف. وربما يكون أقصى مايمكن قوله هو أن النزاع الطائفى بين المسيحيين كان أحد العوامل السلبية العديدة – بالإضافة إلى الإستراتيجية العسكرية والإستخبارات البيزنطية الأدنى والموارد البشرية الغير مناسبة وخطوط الإمداد الغير منتظمة ودرجة من الإجهاد بعد الحروب الفارسية – هى التى حددت الظروف لغزو عربى سريع وناجح. وبإختصار فإن المواقف المسيحية المصرية تجاه العرب كانت مختلطة تماما. إن مثل هذا المجال من ردود الأفعال المختلفة بين الأقباط اللاخلقدونيين لايجب أن يكون مدعاة للدهشة لإن المؤرخين قد تعلموا أن يتوقعوا إختلاف فى المقاومة وممارسة التواطؤ من قبل الشعوب التى يقع عليها الإستعمار.
وأخيرا كيف يمكن لنا أن نقيم مسألة التغيرالإجتماعى والثقافى تحت الحكم العربى الوليد.؟ وكما ذكرت سابقا فإن معظم الباحثين الدارسين لهذه الفترة قد أكدوا على الإنقطاعات التى سببها وصول العرب وظهور الإسلام فى مصر- وفى الشرق الأوسط ككل. والواقع أنه سيكون من السخف أن ننكر أنه كان هناك تغيرات. فعلى المستوى الجغرافى السياسى كان للغزو العربى تأثير فى تحطيم الحدود الداخلية وإعادة تعديل التحالفات السياسية وكانت النتيجة هى الزيادة الحتمية فى التفاعل الإنسانى عبر الخطوط الإجتماعية والعرقية والدينية وأيضا فى تداول الأفكاروالمعلومات. وفى حالة البابوية المصرية فقد سبب تأسيس الحكم العربى عكس نمط التعطيل والعزل الذى عرفته تحت الإدارات البيزنطية السابقة خلال القرن الحادى عشر. فعلى مدى الأربعين سنة السابقة كانت الحظوظ الجغرافية للبابوات المصريين قد عرفت المد والجزر فى علاقتها بتعاقب الحكم الإمبراطورى. كان البطريرك اللاخلقدونى أنستاسيوس (607-619م) قد أبعد خارج الإسكندرية فى عهد الإمبراطور فوقاس)(602-610م) وظل هناك على الأقل لفترة التسعة سنوات الأولى من حكم هرقل الإمبراطورى. وقد تمكن كل من البابا أندرونيكوس(619-626م) والبابا بنيامين من الحفاظ على مركزيهما داخل المدينة أثناء الإحدى عشرة سنة للإحتلال الفارسى(619-629م). ومع ذلك فقد أبعد بنيامين مرة أخرى عند إعادة فرض الحكم البيزنطى سنة 629م. ولقد كان فقط مع إخراج العرب للحكومة البيزنطية أن تمكن بنيامين من العودة من مخبئه وشغل كرسيه فى الإسكندرية مرة أخرى.
ومع ذلك ، ففى غمرة مثل تلك التغيرات فإننا يمكن أن نحدد إتجاهات هامة للإستمرارية فى تجربة الكنيسة القبطية وقيادتها. فقد ورث العرب عالما فى حالة إنصهار وفى تأسيسهم لحكمهم الخاص فقد قدموا إتجاهات سياسية وثقافية أكبر كانت واضحة بالفعل فى عهد البيزنطيين. وبصفة خاصة فقد ساهموا فى التحول الجارى للقوة الجغرافية السياسية إلى شرق المتوسط – والتى كانت تمثلها القسطنطينية وفارس ثم الجزيرة العربية الآن – وقد شاركوا مع البيزنطيين فى حركة نحو مزيد من الحكم المركزى الإستبدادى كما أنهم قد شجعوا الإرتباط المستمر للمصالح السياسية والدينية. وبالإضافة إلى ذلك فقد أخذ العرب كثيرا من البناء الإدارى البيزنطى وإحتفظوا بالموظفين المدنيين المصريين فى مواقعهم – وعلى الأقل حتى حوالى سنة 700م – فقد إستمروا فى إستخدام اللغة الإغريقية كلغة رسمية لسجلات الحسابات الإمبراطورية وصهروا عملة مشابهة تماما لتلك الخاصة بالإمبراطور البيزنطى.
فكيف يمكن إذن أن نصف مزيج التغير الإجتماعى والإستمرارية اللذان صاحبا وصول العرب بينما نأخذ فى الحسبان التقييمات المتنوعة وأحيانا المتعارضة للغزوات العربية التى تبناها الكتاب المسيحيين المصريين؟ إن أحد الحلول هو أن نرى تأسيس الإدارة العربية الجديدة فى مصر كإحلال لشكل من الحكم الإستعمارى بآخر. وهكذا وحتى عندما أنتج وجود العرب تحول فى الولاءات الإستعمارية فقد إستمرت الأشكال المشابهة من الرعاية الإقتصادية والدينية تحدد العلاقة بين العرب (كقوة إستعمارية) وبين الأقباط والذين ظلوا يجدون أنفسهم فى دور التابع المستعمر(الواقع عليه الإستعمار).
ويمكن لنا أن نلاحظ كيف أعيد تأطير مثل علاقات الرعاية تلك فى حالة الأب بننيامين وفى الظروف المحيطة بعودته من المنفى داخل مصر. وتبعا (لتاريخ البطاركة) فقد كانت عودة بنيامين(حوالى سنة 644-645م) بإتفاق تم التوصل إليه مع القائد العربى عمرو بن العاص بعد وفاة قيرس منافس بنيامين وبعد أن إستولت الجيوش العربية على مدينة الإسكندرية تماما. وقد ضمن عمرو الحماية والأمن لبنيامين وحرية إدارة شئون الكنائس المصرية كما أعاد له الأملاك التى كانت تسيطر عليها سابقا الأسقفية الخلقدونية فى مصر. وفى المقابل فقد طلب منه أن يصلى من أجل القوات العربية فى حملتها المقبلة على ليبيا. وبطبيعة الحال فلم يكن توقع العرب بالإخلاص والولاء من تابعيهم الأقباط قاصرا على الشفاعة الروحية فسرعان مافرضوا أيضا ضريبة رأس خاصة (الجزية) والتى كانت إجبارية على المواطنين غير المسلمين بحيث يتمكنوا من الحفاظ على وضعهم كأشخاص تحت الحماية أو أهل ذمة.
وتحت رعاية الحماية العربية أصبح الأب بنيامين حرا فى أن يبدأ ترميم وإعادة بناء الكنائس المصادرة او التى كانت قد أهملت تحت الحكم البيزنطى. كانت مثل مشاريع البناء تلك إحدى الطرق التى حاولت بها البابوية المصرية ختم هويتها التاريخية على بانوراما الثقافة المصرية تحت الإدارة الإسلامية الجديدة. وفى التكيف المعمارى والرعاية الفنية وإنتاج روايات تربط مثل ذلك النشاط بالماضى يمكن لنا أن ندرك الآن ممارسات مشابهة وإسترتيجيات إستطرادية جددت الكنيسة القبطية اللاخلقدونية من خلالها مزاعمها على الفضاء الدينى المحلى.
فأولا ، هناك إقتراحات فى تاريخ البطاركة بأن عودة بنيامين إلى منصبه قد نُسقت مع الحفاظ الإعجازى وإعادة إكتشاف رأس القديس مرقس بعد أن كانت الكنيسة المدشنة بإسمه قد أُحرقت خلال المعركة العربية البيزنطية التى نشبت فى الإسكندرية.
وفى تلك الرواية ، يدخل قائد سفينة فى خدمة الدوق اللاخلقدونى سانوتيوس (شنودة) الكنيسة بعد أن نُهبت وينقذ رأس المقدس مرقس سرا. وفيما بعد إستقبل بنيامين نفسه رؤية فى حلم ظهر فيها رجل يرتدى ثياب التلاميذ ورجاه أن يُفسح له مكانا معه بحيث يُمكن له أن يقيم فيه ذلك اليوم. ومباشرة بعد هذه الرؤية أعيد إكتشاف الأثر الثمين عندما رفضت سفينة قائد البحر أن تبحر حتى يفصح لها الكابتن عن سره. وفى غمرة الإحتفالات التالية قدم الدوق سانوتيوس مالا إلى البطريرك كى يعيد بناء كنيسة المقدس مرقس. وهذه الأحداث المشار إليها – الإنقاذ الأصلى لأثر رأس القديس مرقس وإكتشافها المعجز – تعمل كعناصر روائية تدعم وتلقى الضوء على رواية عهد بنيامين مع عمرو وعودته إلى الإسكندرية.
فإذا ماكانت تلك القصة تعود إلى زمن ولاية بنيامين( وأعتقد أنها كذلك) فمن المرجح أنها تُمثل محاولة من بنيامين – وقد نُصب حديثا فى الإسكندرية - لإن يطالب مرة أخرى بالميراث الرسولى للقديس مرقس من خلال ترويج آثاره. ويسجل تاريخ البطاركة انه قد دبر خططا (وحصل على مصادر تمويل) لإعادة بناء كنيسة القديس مرقس ولكنه لم يشر أبدا أن هذا العمل قد أكمل تحت إشرافه. وربما كان بنيامين قد بحث أيضا على ترويج التقديس لآثار مرقس فى تزامن مع مشروعات بناء أخرى مثل بناء وتكريس لكنيسة جديدة فى دير القديس مقار فى وادى النطرون(سيتس القديمة). كانت واحدة من كنائس القرن السابع مهداة أصلا إلى القديس مرقس وربما كانت رأس الإنجيلى(مرقس) فقد نُقلت إلى ذلك الموضع مؤقتا وسكنت هناك خلال تلك الفترة.
كانت رعاية بنيامين المعمارية لدير القديس مقار طريقة أخرى إستطاع من خلالها تصوير نفسه كوريث للماضى البطريركى والديرى الغنى. وقد إحتفل بتكريسه لمحراب جديد فى الدير (وهو محراب مازال حتى اليوم مكرسا بإسمه) فى عمل بعنوان( كتاب تكريس محراب بنيامين) والذى عاش فى خمس مخطوطات مختلفة على الأقل من المكتبة الديرية فى القديس مقار وأيضا فى تاريخ البطاركة. ويعود أقدم مخطوط (باللغة القبطية) إلى القرن العاشر ولكن الدليل النصى الداخلى (خاصة الإستخدام الواسع للمفردات الإغريقية والتفاصيل الإجتماعية والطبوغرافية الخاصة) يدل على أن النص الأصلى يعود إلى فترة أقدم من ذلك، ربما فى حدود جيل من حياة بنيامين. ويدعى الكتاب نفسه بأنه يرتكز على شهادة بنيامين نفسه لكنه سُجل بواسطة محسوبه وخلفه البابا أجاثون.
وفى تلك الرواية يستقبل بنيامين رؤية خاصة للقديس مكاريوس وهو يدشن كنيسة. وبينما كان يتأمل (الناس والرهبان والكهنة) المتجمعين حوله فقد رأى واحدا يشع وجهه نورا. وبعد أن أدرك أنه القديس فقد عظمه على أنه ( أبو البطاركة والأساقفة والأب الروحى لجميع الرهبان). وبعد أن إنتهى التكريس نقل أخبار رؤيته فى مفردات مشابهة فقال( لقد رأيت أبا البطاركة والأساقفة وكل أساتذة الأرثوذكسية واقفين بيننا اليوم).
ومن الممكن جدا أن هذا الوصف لرؤية بنيامين كان بالفعل مستوحى من البرنامج الأيقونى المعهود به إلى الكنيسة. وهناك مخطوط قبطى آخر(محفوظ فى باريس) يقدم بالفعل تفاصيل عن الزخرفة الداخلية لكنيسة القرن السابع التى يُفترض أن بنيامين قد إستقبل فيها رؤيته. وتبعا لذلك المخطوط فإن صور مشاهير الرهبان والبطاركة كانت تزين أصلا جدران المقام وقد تميز مكاريوس بشكل واضح فى أحد زوجى الرسومات الأيقونية المصفوفة حول مكان العبادة وهم أنطونيوس وبولس وباخوميوس ومكاريوس ومرقس وبطرس(الأسقف والشهيد السكندرى) وأثناسيوس وليبيريوس( وهو بابا رومانى من القرن الرابع كان قد عُزل بسبب رفضه قبول إدانة أثناسيوس) وكيرلس وديسقوروس. وتُشكل هذه الشخصيات( بإستثناء ليبيريوس) بانثيون فعلى للأبطال الديرين والكنسيين المصريين وهم القديسون المبجلون الذين يظهرون بإنتظام فى البرامج الأيقونية فى الكنائس الديرية المصرية اللاحقة.
إن الرهبان فى كنيسة القديس مكاريوس الذين حفظوا تقليد التكريس هذا لابد أنهم كانوا على معرفة تامة بهذا البرنامج النظرى. وفى هذا السياق يمكنلنا أن نتساءل إذا ماكان تصوير الأب بنيامين وهو يكرس الكنيسة فى الحضور الوجدانى لمكاريوس مع البطاركة والأساقفة والرهبان فى صحبته كان فى الواقع يعنى إلقاء الضوء على ذلك الجمع الديرى وليس فقط على النسب الرسولى والشهادى لبنيامين ممثلا فى مرقس وبطرس ولكن أيضا تضامنه مع الرهبان المصريين ممثلين فى أنطونيوس وبولس وباخوميوس ومكاريوس وإخلاصه لميراث التعاليم الكريستولوجية التى كانت تُقرأ من منظور المقاومة اللاخلقدونية ممثلة فى أثناسيوس وكيرلس وديسقوروس. إن إعادة البناء التصورى هذا للطريقة التى كان سيقرأ بها الرهبان القدامى شخصية بنيامين فى (كتاب التكريس) يُظهر كيف – وعلى حافة حقبة جديدة - إستمر البابوات المصريين فى العمل كمجازات حية للتقوى والممارسة المحلية. وفى شخص بنيامين يمكن لنا أن نرى أخيرا كيف أن الخطابات التى شكلت بشكل كبير تصورات الكنيسة المصرية عن نفسها وعن قيادتها على مدى القرون السابقة فيما يخص - الرسولية والشهادة والرعاية الديرية والمقاومة الكريستولوجية – قد ظلت علامات محددة للذات بالنسبة للأقباط وهم يكيفون أنفسهم مع الحقائق الجديدة للحكم العربى وظهور الإسلام.

ملحوظة/نشرت الفصل الثالث من هذه الترجمة ، والخاص بالخلاف الدينى ، قبل ذلك فى الحوار المتمدن بتاريخ 15/7/2016



ملحق:

قائمة بأسماء البابوات الأقباط حتى الغزو العربى :

1. مرقس
2. أنانيوس ( حنانيا)
3. أبيليوس
4. سيدون( سيردو)
5.بريموس
6.جستوس
7. إيومينيوس ( إيومينيس)
8. مارسيانوس(مرقس)
9. سيلاديون
10. أجريبينوس
11. جوليان
----------------------------------------------------------------------------------------
التواريخ غير معروفة بالنسبة للمجموعة المذكورة أعلاه.

12. ديميتريوس الأول (189-231م)
13.هرقل (231-247م)
14. ديونيسيوس (247-264م)
15. مكسيموس (264-282م)
16. ثيوناس (282-300م)
17. بطرس الأول (300-311م)
18. أخيلاس 312م
19. إسكندر الأول (312-328م)
20. أثناسيوس الأول (328-373م)
21. بطرس الثانى (373-380م)
22. تيموثى الأول (380-385م)
23. ثيوفيلوس (385-412م)
24. كيرلس الأول (412-444م)
25. ديسقوروس الأول (444-454م)
26. تيموثى الثانى أليروس(القط) (457-477م)
27. بطرس الثالث مونجوس (477-490م)
28. أثناسيوس الثانى (490-496م)
29. يوحنا الأول هيمولا (496-505م)
30. يوحنا الثانى نيكيوتس (505-516م)
31. ديسقوروس الثانى (516-517م)
32. تيموثى الثالث (517-535م)
33. ثيودوسيوس الأول (536-566م)
34. بطرس الرابع (576-577م)
35. دميان (578-607م)
36. أنستاسيوس (607-619م)
37. أندرونيكوس (619-626م)
38. بنيامين (626-665م)

--------------------------------------------------