ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (15)

طلال الربيعي
2017 / 2 / 5

الماركسيون المبتذلون, الذين اشرت اليهم في حلقة سابقة, يساوون بين الماركسية والعلم الطبيعي. وهذه الصورة لها وجهها الآخر والمعاكس, اي الماركسيين الذين يعادون العلم لكونه, بعرفهم, حتمي, قسري, ومضاد لارادة البشر وحرية القرار. وهؤلاء الماركسيون اعداء العلم يرتكبون بذلك جملة اخطاء هم الآخرون:
1. اعتبارهم العلم صنوا فقط للعلم الطبيعي, اي انهم لايعترفون بوجود علوم الانسان, التاريخ, الاجتماع, والنفس, على سبيل المثال ويعتبروها لاعلما, علوما كاذبة او, في احسن الاحوال, علوما ناعمة soft sciences, على عكس العلوم الصلدة hard sciences مثل علم الفيزياء. وعلوم مثل علم الاحياء تعتبر من قبلهم علوما وسطية intermediate, اي انها تقع بين العلوم الصلدة والعلوم الناعمة. واختزالية هذا الرأي واضحة ولا تحتاج الى تفصيل كبير, كما انه يعجز عن تصنيف التداخل بين علوم مختلفة, مثل علم النفس الرياضي, علم البيولوجي الاجتماعي, علم النفس العصبي, الخ. وكما ذكرت من قبل, يعتبر بعض فلاسفة العلم, مثل كارل بوبر, التحليل النفسي, والماركسية ايضا, لاعلما. وقد شرحت في الحلقة السابقة المثالب القاتلة التي تعتري فلسفة بوبر, علما ان التحليل النفسي اللاكاني, نسبة الى المحلل النفسي جاك لاكان, يستخدم نوعا من الرياضيات المسماة toplogy لتفسير مفاهيمه والتحقق منها. ولكن تطبيق منطق بوبر حتى على علوم الرياضيات لا بد ان يفضي الى تخطأة منطقه, لان تطبيق الرياضيات سيدخل عامل التأويل البشري في تعريفها, مما قد يضعها, بعرفه, خارج مجال العلوم (الصلدة). يقول عالم الرياضيات البريطاني G. S. Carr ان تجريد الحياة- الدنيا, كمعنى شخصي, هو الخطوة الأولى في معاملة الطبيعة رياضيا (1)، وينتج أشكالا مجردة. والخطوة الثانية هي تطبيق الرياضيات، الذي هو نوع من تأويل الأشكال المجردة. علما ان الرياضيات, على حد تعبير Mario D Garrett هي اكثر المواضيع قدرة على عكس الحاجة النفسية الى امتلاك النظام والنمطية (2) - لذا القول المأثور: الناس عبيد لعاداتهم, والطبيعة تكره الفراغ الذي هو صنو للفوضى نقيضة النظام-, وذلك عن طريق اختراع الرقم واحد. دون "واحد" لا توجد الرياضيات. ولذلك يتسائل Garrett هل ان الله والرياضيات وعلم النفس هم كيان واحد ويعنون نفس الشيء؟
ونحن نعلم ان العلم السوفيتي, المادي الاختزالي, اعترف فقط بفسيولوجية بافلوف وتجاربه على الكلاب واقرّ بعلميتها, على عكس التحليل النفسي الذي اعتبره العلم السوفيتي لاعلما او علما برجوازيا!
ثانيا, اعتبارهم العلم الطبيعي صنوا للفيزياء الكلاسيكية او فيزياء نيوتن, وبالتالي يغفلون التطورات الحديثة في العلم والفلسفة.
ثالثا, مساواتهم العلم بمنهجيته, اي انهم يساوون عادة بين العلم والمنهج الوضعي في العلم (حلقة فينا, فيتجنشتاين الاول, وعموم المنهج التجريبي) .
رابعا, خلق تناقض اصطناعي, كما اوردت في حلقة سابقة, بين ماركس الشاب وماركس رأس المال. فالاول بعرفهم هو ماركس الانسان الذي يرفع عاليا راية الحرية, والثاني هو ماركس الذي تقمع باسمه الحرية وتداس حقوق الانسان بالاقدام. وفي اطار يرفض التعارض المصطنع بين ماركس الاول والثاني يؤكد سمير امين ان "الأممية الضرورية تمرّ عبر مناهضة الإمبريالية، لا عبر الإنسانويّة" (3).

والمثالب والعيوب الخطرة لكلا الماركسيتيين, الماركسية "العِلمانية" المبتذلة, والماركسية المعادية للعلم او "الانسانية!", تؤكد بكامل الالحاح الحاجة الى خلق ماركسية اخرى, تحمع بين ماركس وفلسفة الصيرورة لوايتهد, ويسميها Philip Clayton و Justin Heinzekehr ال Organic Marxism, الماركسية العضوية, وذلك في كتابهما الصادر بنفس العنوان (4).

وقد يتسائل العديد ما هي "الماركسية العضوية "؟ ان الكتاب Organic Marxism هو في الواقع أول محاولة جادة للمزاوجة ين فلسفة وايتهيد في الصيرورة والماركسية. والنتيجة هي ما يسميه الكاتبان "الماركسية العضوية". نشر الكتاب في اطار التحضير لمؤتمر وايتهيد الدولي العاشر المنعقد في Claremont, CA في يونيو 2015 (5).

جوهر الكتاب هو الاقتناع بأن "الرأسمالية العالمية قد خلقت أعظم كارثة بيئية وإنسانية في تاريخ الحضارة الإنسانية" (4, 4). في كتابهما الماركسية العضوية، يقدم المؤلفان سلسلة من الحجج القوية والمقنعة بكون الماركسية العضوية تقدم افضل الحلول للمشاكل الهائلة التي تواجهها البشرية حاليا على صعيد البيئة والاقتصاد وعلى الصعيد الاجتماعي-سياسي، وهي تؤكد على ضرورة خلق "هجين [اقتصادي] لنظام يجمع بين الأنشطة الهادفة للربح مع لوائح فعل تهدف إلى منع الفساد وإلاساءة الى البيئة، ومع كبح اكتساب عدد قليل من المواطنين لمبالغ هائلة" (236, 4). من خلال إعادة تفسير ماركس وبالضد من المفاهيم الغربية المهيمنة, يؤكد الكتاب أنه "يمكن للنظام الاشتراكي الاحتفاظ بمكان مناسب لأنشطة ومشاريع رجال الاعمال, وان قوى السوق المقيّدة يمكن أن تعود بالنفع على الصالح العام" (4,74).

لذلك تعارض الماركسية العضوية وجهة نظر الماركسية التقليدية المعارضة لكل اشكال قوى السوق والمنافسة والملكية الخاصة. وتعتقد ان أهمية استمرار افكار ماركس لا تكمن في جهوده لإثبات مادية ديالكتيكة صارمة, بل "باعتباره منظّر اجتماعي، ومؤرخ اقتصاد، وباحث للصراع الطبقي" (60, 4). والكاتبان يرفضان ايضا اعتقاد الماركسية الكلاسيكية بكون الأفكار والفلسفة والدين عاجزة وعقيمة ومجرد ظواهر ثانوية (تابعة للاقتصاد) "epiphenomenal"، خالية من أية قدرة تحريرية.

فحسب المنظور العضوي وفلسفة الصيرورة في منظور العضوية, ان علوم ما بعد الحداثة وفلسفتها تحارب الاختزالية العلمية, كما عرّفتها من قبل, وذلك لصالح علائقية, كما في فلسفة الصيرورة, أكثر انفتاحا, و تعددية، وسياقية تأخذ بنظر الاعتبار حضارة او درجة تطور الشعوب ضمن السياق الاجتماعي والسياسي, اضافة الى كونها تعني عناية فائقة بالبيئة وتحول دون دمارها.

ان الماركسية العضوية مدركة تمام الادراك لوجهات نظر العديد من الناس بان الماركسية حتمية، معادية للدين, انسانوية Anthropomorphism ((انسانوية هنا بمعنى اعلاء شأن الانسان على حساب الرب او الآلهة)، وذلك لكونها اختزالية، شمولية, وطوباوية. وهي تؤكد على الأهمية المستمرة لماركس, ولكن ماركس المحرر من قيود أطروحات الحداثة والصور النمطية لفكره. تركز الماركسية العضوية بشكل خاص أيضا على بعض المحاولات الأخيرة لإحياء الماركسية في اعمال جاك دريدا، سلافوي جيجك، وديفيد هارفي. على الرغم من أنها تدرك قيمة كل من هؤلاء المفكرين في المجال النقدي والتفكيكي، الا انها تخلص, في نهاية المطاف, الى الاستنتاج أن كل واحد منهم يتجنب معالجة المسائل العملية التي تواجه صنّاع القرار.

تحتوي الماركسية العضوية على العديد من العناصر المشتقة مما يسمى الماركسية البيئية والمادية الجديدة.

تصّلح الماركسية البيئية (6) الخظأ الذي وقع فيه التقليد الفلسفي المعروف باسم الماركسية الغربية (7) بفصلها الماركسية والديالكتيك عن مسائل الطبيعة والعلوم. فقد اعتقدت الماركسية الغربية ان الافكار هي انعكاس مرآتي للواقع حالها حال انعكاس صورة الجسم في المرآة. ولذلك اعتقدت فقط بامكانية تطبيق المنطق الديالكتيكي على الوعي البشري, وبعدم امكانية تطبيقه على الطبيعة الخارجية والمجتمع البشري. وتعتبر مدرسة فرانكفورت من ابرز ممثلي الماركسية الغربية, لان نقدها يتميز بالتجريد والوعظ الاخلاقي, وبانفصال عن علوم الييئة والمادية.

اما المادية الجديدة (8), فتفيد ان التطورات الاقتصادية والبيئية والجيوسياسية والتكنولوجية المعاصرة تتطلب ثورات جديدة لتصوراتنا حول الطبيعة، والدور البشري، والعلاقات الاجتماعية والسياسية. كما انها تعتقد ان اعلاء شأن الذاتية او النفسانية ليس كافيا لتحقيق هذه المهمة- وقد ناقشت قصور النفسانية او المنهجية الفردية لبوبر في تفسير الاحداث السياسية والتاريخية في الحلقة السابقة, وذلك في معرض تعليقي على قيام احد المعالجين النفسيين بتشخيص الرئيس الامريكي ترامب بكونه مصاب بمرض نفسي خطير يستدعي اقالته. فالنفسانية لا تستطيع تفسير امورا مثل لماذا ازدادت ثروة اغنى اغنياء العالم بمقدار 77 مليار دولار في الاسبوع الاول من تولي ترامب منصب الرئاسة (9)، او لماذا ارتفع سعر الدولار مقابل اليورو بعد تولي ترامب منصب الرئاسة (10). تؤكد المادية الجديدة على الحاجة إلى فلسفات مادية جديدة مناسبة للتعقيدات البيولوجية والسياسية وللاقتصاد السياسي في القرن الحادي والعشرين. أنها تثير تساؤلات جوهرية حول موقع البشر كجزء من العالم المادي، وكذلك بخصوص الطرق التي ننتج فيها ونعيد انتاج واستهلاك العناصر البيئية. وتهدف المادية الجديدة الى اعادة تركيز الاهتمام في الابتكارات النقدية المادية التي تظهرالى حيز الوجود في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية, اضافة الى سعيها الى إعادة صياغة الافكار التقليدية القديمة بخصوص المادية، آخذة لنظرالاعتبار المناقشات النظرية المعاصرة والتقدم في المعرفة العلمية في معالجة التحديات الملحة, الأخلاقية والسياسية. فهي تهدف الى اعادة النظر بالمادة واعتبارها بمثابة كائن حي وذو ارادة, وكذلك الى إعادة الانخراط مع كل الحقائق المادية للحياة اليومية والهياكل الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية على نطاق أوسع.

على هذا النحو، يمكن اعتبار الماركسية العضوية نوعا من فكر ما بعد الحداثة البناءة، التي تؤكد على ضرورة تقديم مقترحات ملموسة في مجال السياسات التي من شأنها أن تكون مفيدة، ليس فقط للأكاديميين اليساريين، ولكن بصفة خاصة لصنّاع القرار، ولقادة الحكومات، وللناس عموما. انها تقدم سلسلة من الأفكار العملية والمبادئ التوجيهية السياسة المحددة حول قضايا تتراوح بين الزراعة والصناعة والمصرفية، وذلك بهدف خلق حضارة ايكولوجية. وجهة نظر الماركسية العضوية تعني, في نهاية المطاف, الالتزام الملموس بتحقيق الصالح العام ضمن إطار بيئي لا يتجنب ادراج قضايا الطبقة أو العرق أو الجنس على جدول الاعمال. وهي قراءة نقدية من وجهة نظر ما بعد الحداثة لفكر ماركس الثوري. انها قراءة فريدة من نوعها حقا وتستحق اقصى الاهتمام.

ويفرحني ان الماركسية العضوية تعزز قناعاتي التي عبرت عنها منذ سنوات عدة بخصوص الماركسية التقليدية (11), حيث اكدت ان الماركسية التقليدية تستند فكريا على معطيات علوم الحداثة: الغائية الداروينية والميتافيزيقيا الحتمية لفيزياء نيوتن (الفيزياء الكلاسيكية), وإن إيمان الحداثة بالمرجعية والسرديات أو المشاريع الكبرى لابد إن يفضي إلى الشمولية التي ينبغي شن حرب ضدها من خلال استخدام علوم ما بعد الحداثة (فيزياء الكم، نظرية الفوضى الرياضية، نظرية الكارثة الرياضية ومنطق غودل Goedel الرياضي) (12).

يتبع
..........
المصادر
1 G.C. Carr, quoted in: Psychoanalysis in a New Light, p. 34
http://www.cambridge.org/catalogue/catalogue.asp?isbn=9780521122443
2- God, Mathematics and Psychology
Are they all one and the same?
https://www.psychologytoday.com/blog/iage/201509/god-mathematics-and-psychology
3. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=546849
4. Organic Marxism
https://www.amazon.com/dp/194044702X/?tag=homebrechrist-20
5. 10th International Whitehead Conference
http://www.ctr4process.org/occasions/events/conferences/conference/10th-international-whitehead-conference-9th-international-forum-ecological
6. Marxism and Ecology
http://monthlyreview.org/2015/12/01/marxism-and-ecology/#en18
7. Russell Jacoby, “Western Marxism,” in A Dictionary of Marxist Thought, ed. Tom Bottomore (Oxford: Blackwell, 1983), 523–26
8. New Materialisms: Ontology, Agency, and Politics
https://www.dukeupress.edu/new-materialisms
9. Amerikas Superreiche profitierten von Trumps Sieg
http://derstandard.at/2000049955589/Trump-Bescherung-fuer-die-Reichen
10. Dollar tipped to reach parity with euro following Trump win
http://www.cnbc.com/2016/11/10/the-us-dollar-is-tipped-to-reach-parity-with-the-euro-following-trumps-win.html
11. http://www.althakafaaljadeda.com/talal_alruba2e.htm
12. Grant, L. H. (1998). Postmodern science and technology. In: S. Sim (Ed.), The Icon Dictionary of Postmodern Thought. London: Icon Books