قصة مصر فى العصر الحديت-الصعود والإنحدار

عبدالجواد سيد
2017 / 2 / 3

قصة مصر فى العصر الحديث/الصعود والإنحدار
مقدمة
ينقسم تاريخ مصر الحديث ، رغم عمره القصير ، إلى مرحلين متمايزتين ، هما ، عصر أسرة محمد على ، وعصر ثورة يوليو 1952 ، وقد مثل الأول عصر صعود وتقدم ، بينما مثل الثانى عصر إنحدار وتدهور ، ولقد كان لذلك أسباب مختلفة فى نظر المؤرخين، تبعاً لمناهجهم المختلفة ، لكن الواقع أن السبب الرئيسى هو أن كلا المرحلتين ، قد حدثت فى ظروف مختلفة ، أو فى نطاق حضارى مختلف ، لذلك فقد ظلت الأولى مشرقة، رغم أى سلبيات، بينما جاءت الثانية كئيبة، رغم أى إيجابيات، فتاريخ الأمم والشعوب جزء لايتجزء من النطاق الحضارى، أو النطاق الثقافى الذى تقع به، فمصر القديمة مثلاً،عاشت داخل النطاق الحضارى الشرق أوسطى القديم حوالى ثلاثة آلاف عام، لم تختلف فيه ملامح حضارتها الدينية كثيراً عن ملامح حضارة جيرانها الشرق أوسطيين،ثم إنتقلت ولنحو ألف عام، ونتيجة لغزوات اليونان والرومان، إلى النطاق الحضارى الأوربى ، والذى حمل طابعا يونانياً رومانياً إنسانياً ، ولم تختلف فيه ملامح حضارتها عن الملامح العامة لذلك النطاق الحضارى أيضاً، ثم عادت مرة أخرى، ولنحو ألف عام أخرى، ونتيجة لغزوات العرب والأتراك، إلى النطاق الحضارى الشرق أوسطى المتدين ، ولم تختلف فيه ملامح حضارتهاعن الملامح العامة لذلك النطاق العربى الإسلامى الدينى أيضاً، ثم خرجت بعد ذلك وبجهود محمد على وخلفائه إلى النطاق الحضارى الأوربى الحديث بأفكاره العلمانية الليبرالية فى العقد الإجتماعى وحرية العقيدة وفصل الدين عن الدولة وصيانة الحريات الشخصية ، وكادت أن تصبح بالفعل شريكاً حقيقياً فى ذلك النطاق الحضارى الليبرالى، لكنها عادت مرة أخرى إلى النطاق العربى الإسلامى المتدين قبل أن تحقق ذلك، بسبب أفكار وسياسات جمال عبدالناصرالعروبية المعادية للحضارة الغربية، وبسبب سياسات أنور السادات الدينية، وكذلك بسبب الثروة النفطية التى جعلت من جزيرة العرب مركز الثقل الاقتصادىوالسياسى فى الشرق الأوسط مرة أخرى. وسواء كان محمد على وخلفائه قد إستخدموا المصطلحات التى نستخدمها هنا أم لا، فإن مافعلوه فى الواقع، لم يكن أكثرمن محاولة جادة لنقل مصرمن النطاق الحضارى الإسلامى المتدين، إلى النطاق الحضارى الأوربى العلمانى ، فالتطور التاريخى هو تطور أفكار، لإن الأفكار الكبرى هى فى النهاية التى تصنع القفزات الحضارية الكبرى فى حياة الشعوب، كما تصنع الأفكار السلبية الإنتكاسات الكبرى أيضاً، كما حدث فى تاريخ مصر الحديث تحديداً.
1-عصر اسرة محمد على والنطاق الحضارى الأوربى
حكم محمد على مصر فترة طويلة من الزمن (1805-1849م)إستطاع خلالها غرس بذور الحضارة الأوربية، والبدء فى نقل مصرمن النطاق الحضارى الإسلامى إلى النطاق الحضارى الأوربى، وذلك من خلال الركائز الخمس الرئيسية التى إعتمد عليها فى تأسيس دولته الحديثة، وهى إرسال طلبة البعثات، ،وتشجيع نزوح الأوربيين إلى مصر،وتأسيس نظام تعليم مدنى، وتجنيد المصريين فى الجيش، وأخيراً خلق طبقة رأسمالية زراعية، من خلال التخلى عن جزء من أملاك الدولة ، لكبار رجال الدولة الأتراك، وعمد ومشايخ القرى المصريين. وبرغم محاولة خلفه عباس الأول إيقاف عملية الإنتقال الحضارى تلك بسبب كراهيته للأوربيين، وتأثره بالأفكار الوهابية، فقد فشل فى مسعاه، فقد كانت فترة حكمه قصيرة(1849-1854م)، إنتهت بعد خمس سنوات بإغتياله فى قصره فى بنها. وفى عهدسعيد (1854-1863م) إكتسبت عملية الإنتقال الحضارى زخماً جديداً، ومضت شوطاً أبعد،حيث إستأنف سياسة الإنفتاح على الغرب، وتشجيع نزوح الأوربيين إلى مصر، خاصة بعد منح إمتياز قناة السويس،كما أصدربعض من أهم القرارات فى تاريخ مصر الحديث، مثل إلغاء النخاسة،ورفع الجزية عن الأقباط، وتجنيدهم فى الجيش، إرساءً لمبدأ المواطنةعلى حساب مبادئ التمييز الإسلامية،وكذلك قراره بإعطاء الجنود المصريين الفرصة بالترقى إلى مراتب الضباط، شأنهم فى ذلك شأن زملائهم الأتراك والشراكسة، بل أنه قد قربهم إليه ومنحهم الوظائف العليا، فوضع المبادئ القومية الليبرالية التى بشر بها رفاعة الطهطاوى(أهم طلبة البعثات) موضع التنفيذ الفعلى، وخلق منهم طبقة من الإنتليجينسيا العسكرية الوطنية، قامت بتفجير الثورة العرابية بعد وقت قصير من عهده، كما عمل سعيد على تقنيين ملكية الأراضى الزراعية، التى منحها محمد على للطبقات المذكورة، فأصبحت ملكاًخالصاً قابلاً للتوريث، بعد أن كانت مجرد حق إنتفاع مدى الحياة، مما ساهم فى تثبيت قوة الطبقة الرأسمالية الزراعية، ومكنها من قيادة حركة النهضة المصرية حتى ثورة 1919م.وقد رأى سعيد التاريخ المصرى كما يراه بعضنا اليوم، فكان يقول فى خطبه العامة، أن المصريين قد ظلموا عبر التاريخ، إذ خضعوا لكل أنواع الإستعمار، وكان عندما يأتى على ذكر المراحل الإستعمارية التى عرفتها مصر، ويصل إلى مرحلة غزو العرب لمصر، كان يصفهم بالعرب (الرعاة)، وقد عبر كثيراً عن عزمه على تطوير مصر والترقى بها إلى مصاف الدول المتقدمة، وكان أحد أطيب الحكام الذين عرفهم تاريخ مصر، ومع ذلك فقد كان خلفه إسماعيل (1863-1879م) هو الذى أسس للطفرة الحضارية الثانية، التى عرفتها مصر بعد حكم محمد على، وقد كان إسماعيل واضحاً فى نيته وعزمه على نقل مصر- حضارياً- من إفريقيا إلى أوربا، وهو مايوازى تماماً المصطلحات التى نستخدمها فى هذه الدراسة، أى من النطاق الحضارى الإسلامى، إلى النطاق الحضارى الأوربى.
شهد عصر إسماعيل تطورأ كبيراً فى حياة مصر، إذ حصل على مزيد من الإستقلال عن الدولة العثمانية، وإستطاع بناء جيش قوى كبير العدد مرة أخرى، كما شجع نزوح مزيد من الأوربيين إلى مصر، خاصة بعد إفتتاح قناة السويس سنة 1869م، وكذلك فقد رحب بنزوح الشوام إلى مصر، حيث ساهموا فى بناء نهضتها الحديثة، ولعبوا دوراً كبيرا فى إزدهار الصحافة، التى ساهمت بقوة مع حركة الترجمة الأدبية التى قادها محمد عثمان جلال - أحد تلاميذ رفاعة الطهطاوى- فى دفع علمنة الحياة الثقافية والسياسية المصرية، إلا أن أهم تطور شهده عهد إسماعيل كان فى مجال نظام الحكم، فقد قام إسماعيل بإنشاء مجلس شورى النواب سنة 1866م،ورغم أن المجلس كان إستشارياً خالصاً فى بدايته، قاصراً على عمد ومشايخ القرى وأعيان المدن، إلا أنه سرعان ماتحول إلى مجلس نواب حقيقى على النمط الأوربى، يمتلك صلاحيات الإشراف على أعمال الحكومة، وقد شجع إسماعيل هذا الإتجاه كى يتخذ من المجلس قوة يستند إليها فى صراعه مع الدول الأوربية، بعد أن سقطت مصر فريسة للديون الأجنبية فى عهده، وأصبحت عرضة للتدخل الأجنبى، وقد أصبح تأسيس هذا المجلس والحفاظ عليه ومنحه دستوراً، محور الحركة الوطنية المصرية، والمطلب الأول للثورة العرابية، وذلك حتى وقوع مصر تحت الإحتلال البريطانى سنة 1882م. ورغم كل ماقيل عن فساد عهد إسماعيل، فقد كان عهده صفحة مشرفة فى تاريخ مصر، فهو العهد الذى تفجر فيه وعى الشعب المصرى،وأعلن عن نفسه وعن رغبته فى المشاركة فى حكم بلاده مشاركة حقيقية لأول مرة فى تاريخه. ويكفى دفاع رفاعة الطهطاوى عنه حين قال(إذا كان إسماعيل لم ينجز فى كل تاريخه سوى تأسيس مجلس النواب، فإن هذا يكفى لجعل إسمه خالداً فى تاريخ مصر).ولقد تآمرت الدول الأوربية على عزله، بسبب عطفه على مطالب النخبة المصرية، فى المشاركة فى الحكم والتصدى للنفوذ الأجنبى، حتى نجحت بالفعل فى إستصدارقرار عزله من السلطان العثمانى فى يونيو 1879م، قبل إقراره للدستورالذى قدمه شريف باشا، أول دستورفى تاريخ مصر. وبعد عزله خلفه إبنه توفيق(1879-1892م) الذى قامت الثورة العرابية فى عهده.
كانت الثورة العرابية ، وشخص عرابى نفسه، تعبيراً عن ثورة الأفكار الكبرى التى شهدتها مصر خلال القرن التاسع عشر، إبان حكم أسرة محمدعلى، وعن كيف أن الغرس المستمر لمبادئ الحضارة الأوربية، قد بدأ يأتى ثماره .كان أحمد عرابى باشا(1841-1911م)إبناً لأحد مشايخ محافظة الشرقية، وقد تعلم فى صباه مبادئ القراءة والكتابة فى كتاب القرية، شأنه شأن أبناء القرى فى ذلك الزمن، ثم ألحقه أبوه بالمعلم ميخائيل غطاس، صراف القرية، وتركه فى عهدته خمس سنوات ليتعلم على يديه مبادئ المحاسبة، ثم أرسله بعد ذلك إلى الأزهر لتلقى العلوم الدينية، لكنه لم يمكث فيه سوى أربع سنوات، إلتحق بعدها بالجيش كجندى عادى سنة 1854م، بناء على قرار الخديوى سعيد بإلحاق أبناء العمد والمشايخ بصفوف الجيش، وأخد يترقى فى صفوف الضباط حتى وصل إلى رتبة القائمقام (عقيد) سنة 1860م، ولفتت شخصيته الكاريزمية نظر الخديوى سعيد، فقربه إليه وجعله ياوراً له، وإصطحبه معه فى رحلته إلى المدينة سنة 1861م، لكن عرابى فقد حظوة الحاكم بعد وفاة سعيد، فظل فى رتبة القائمقام فى عهد إسماعيل، ثم فُصل من الجيش بسبب خلاف حدث بينه وبين اللواء خسرو باشا الشركسى، أحد كبار قادة الجيش، وظل مبعداً عن الجيش لمدة ثلاث سنوات، إستطاع بعدها العودة إلى صفوف الجيش بواساطة بعض أصدقاء العائلة المالكة، لكنه ظل فى رتبة القائمقام حتى رقى فى أوائل عهد توفيق إلى رتبة الأميرالاى(عميد) وعين قائداً لفرقة المشاة الرابعة المرابطة بالقاهرة، والتى عرفت بآلاى العباسية.
إنضم عرابى إلى الحزب الوطنى- أول حزب سياسى فى تاريخ مصر- الذى تأسس فى نوفمبرسنة 1879م فى أوائل عهد توفيق، وجمع كل ألوان الطيف السياسى من مدنيين وعسكريين،ومن هناك بدأ صعوده السياسى الكبير،فسرعان ماأصبح رئيساً لذلك الحزب، الذى واصل كفاح الأمة من أجل الدستور والحكم النيابى.كانت أول مظاهرة سياسية كبرى تزعمها عرابى فى فبراير سنة 1881م، والتى عرفت بواقعة قصر النيل، مظاهرة فئوية، حيث قاد بعض وحدات الجيش من مقر وزارة الحربية بقصر النيل إلى ميدان عابدين حيث قصر الخديوى،وذلك للتعبير عن شكوى الضباط من تعصب وزير الحربية فى وزارة رياض باشا، عثمان رفقى الشركسى، ضد الضباط المصريين وحرمانهم من الترقيات، شأنهم شأن زملائهم الأتراك والشراكسة، وقد نجحت المظاهرة وإستقال عثمان رفقى الشركسى، وتم تعيين محمود سامى البارودى، الموالى للعرابيين، وزيراً للحربية بدلآ منه، لكن المظاهرة التالية مباشرة، والتى حدثت فى سبتمبر 1881م، وعرفت بواقعة قصر عابدين، كانت مظاهرة قومية بكل ماتعنى الكلمة، حيث قاد عرابى مرة أخرى، بعض وحدات الجيش من ثكناتها إلى قصر عابدين، لمطالبة الخديوى بعزل رياض باشا رئيس الوزراء، المعادى للحكم الدستورى، وإعادة تشكيل مجلس النواب، الذى كان قد إنفض بعد عزل إسماعيل، وإستئناف عملية وضع دستور للبلاد. وقد نجحت هذه المظاهرة أيضاً، وإستجاب الخديوى وعزل رئيس وزرائه، وكلف شريف باشا، أبو الدستور المصرى، بتشكيل الوزارة الجديدة، ووضع دستور للبلاد. ومن تلك اللحظة أصبح عرابى زعيما لاينازع لكل المصريين، لكنه قد أصبح أيضاًهدفاً للخديوى، الذى رأى فيه خطراً حقيقيا على حكمه، وللدول الأوربية، التى رأت فى إنشاء مجلس نواب يشرف على أعمال الحكومة، خطراً على مصالح الدائنين الأجانب.
مضت الثورة العرابية فى طريقها المأساوى بعد ذلك، فقد أعيد إنتخاب مجلس النواب، وإنتخب سلطان باشا كبير أعيان مصر رئيساً له ، وقدم شريف باشا إلى المجلس نسخة منقحة من دستوره، الذى كان قد قدمه فى أواخرعهد إسماعيل، لكن إنجلترا وفرنسا إعترضت على تخويل مجلس النواب حق الإشراف على الميزانية، وقدمت إنذارها الأول فى يناير سنة 1882م، وعندما أراد شريف تجنب تدخل الدول الأجنبية، وإقترح تأجيل مناقشة المادة الخاصة بالإشراف على الميزانية، إعترض عرابى وزملائه، ودفعوه إلى الإستقالة بمساعدة سلطان باشا وأعضاء مجلس النواب، وتم تشكيل وزارة جديدة برئاسة محمود سامى البارودى، عين فيها عرابى وزيراً للحربية، قامت بإعتماد كل مواد الدستور بما فى ذلك المادة التى تقضى بالإشراف على الميزانية، ووافق الخديوى وأقامت مصر الإحتفالات بدستورها ومجلس نوابها، لكن عرابى وزملائه إستمروا فى تحدى سلطة الخديوى بلا تقدير للموقف الدولى ، فقامت إنجلترا وفرنسا بتقديم إنذارها الثانى فى مايو من نفس السنة1882م، طالبت فيه بإقالة وزارة البارودى وإبعاد عرابى عن مصر، بحجة الحفاظ على سلطة الخديوى، وعلى النظام فى مصر، وهنا حدثت المأساة وإنشق الصف الوطنى إلى قسمين، قسم مع العرابيين،معظمه من العسكريين ، ويرى رفض مطالب الدولتين حتى لو وصل الأمر إلى عزل الخديوى توفيق ومواجهة إنجلترا وفرنسا، وقسم آخر مع الخديوى، معظمه من المدنيين ، إنضم إليه سلطان باشا ومعظم أعضاء مجلس النواب، يرى ضرورة أخذ تهديد إنجلترا وفرنسا على محمل الجد، والحفاظ على سلطة الخديوى.
وسرعان ماإستغلت بريطانيا إنشقاق الصف الوطنى، وإرتباك الموقف الدولى تجاه مصر، وتحركت سريعاً بمفردها، لتحقيق حلم الإستيلاء على مصر، الذى كان يراودها منذ أيام الحملة الفرنسية، فأرسلت الأسطول البريطانى، بقيادة الأميرالاى سيمور، إلى سواحل الإسكندرية فى مايو 1882م، بحجة حماية أرواح الأجانب فى ظل حالة الفوضى التى سادت مصر آنذاك ، وبمجرد أن وقعت مذبحة الإسكندرية فى الشهر التالى، والتى راح ضحيتها عدد كبير من الأجانب، وسواء كانت هذه المذبحة مدبرة أو تلقائية بسبب الإنفعالات التى أثارها وجود الأساطيل البريطانية فى المياه المصرية، فقد إستغلت بريطانيا الحادثة، وأخذ الأسطول البريطانى فى تنفيذ تهديده بضرب الإسكندرية فى يوليو 1882م، فهدمت الحصون والقلاع، وإشتعلت الحرائق، وإنتشرت الفوضى، وهاجر سكان الإسكندرية إلى داخل البلاد، بينما نزلت الجنود البريطانية إلى الإسكندرية، وبدأت فى إحتلال مصر.
تراجع العرابيون إلى كفر الدوار، وبدأوا تحصيناتهم هناك من أجل رد البريطانيين فى حالة زحفهم إلى داخل البلاد، بينما أرسلوا قوات محدودة لتأمين الجبهة الشرقية عند قناة السويس، ولم يعملوا على سد القناة، إعتمادا على حياد القناة الذى ضمنه لهم ديليسبس، وكان ذلك خطأ قاتلاً، فبمجرد أن وصلت التعزيزات الكثيفة، التى أُرسلت من بريطانيا،أبحر الجنرال ولسلى قائد الحملة بقواته وبأسطول الأميرالاى سيمورإلى بورسعيد، وإخترق قناة السويس، ووصل إلى الإسماعيلية وإحتلها، وسيطر على القناة، وفتح الطريق أمام التعزيزات القادمة من الهند، ثم بدأ هجومه المباغت على مواقع الجيش المصرى فى القصاصين والتل الكبير، حيث أوقع بها هزيمة كبيرة ، وتابع زحفه على القاهرة وبصحبته سلطان باشا، رئيس مجلس النواب، نائبا عن الخديوى، فدخلها فى سبتمبر 1882م ،وذلك فى الوقت الذى كان فيه عرابى وزملائه قد هربوا إلى القاهرة، وإجتمعوا فى مبنى وزارة الحربية بقصر النيل، حيث قرروا الإستسلام للقوات البريطانية التى إحتلت القاهرة. وهكذا وصلت الثورة العرابية إلى نهايتها المأساوية، وتم حل الجيش المصرى، ومحاكمة حوالى تسعة وعشرين ألف مواطن بتهمة الإشتراك فيها، والتمرد على السلطة الشرعية للبلاد، ونفى عرابى وزملائه إلى جزيرة سيلان.
وبرغم تلك النهاية المأساوية للثورة العرابية، وبرغم الإتهامات التى يوجهها لها المؤرخون أحياناً، بأنها كانت السبب فى إحتلال إنجلترا لمصر، فقد كانت حدثاً كبيراً فى تاريخ مصر الحديث، ينطوى على كثير من الدلالات، نعم كان للعرابيين أخطاؤهم الكثيرة، فقد أخطأوا عندما لم يستجيبوا لنصيحة شريف باشا بتأجيل النظر فى المادة الخاصة بالإشراف على الميزانية فى الدستور، لتفويت الفرصة على التدخل الأجنبى، أخطأوا حين لم يكتفوا بنجاحهم الكبير فى فرض الدستور وإعادة مجلس النواب، وتمادوا فى مطالبهم إلى حد المناداة بخلع توفيق، وهو مالم تكن تسمح به ظروف العصر السياسية ، ولا الدول الأجنبية الضامنة لإتفاقية 1840م ، أخطأوا حين هددوا أعضاء مجلس النواب بالسيف إذا لم يوافقوهم الرأى على خلع توفيق، فحولوهم إلى أعداء بعذ أن كانوا حلفاء ، وجعلوا بذلك من حركتهم إنقلاب عسكرى وليس ثورة ، ، ثم أخطأوا حين فشلوا فى الدفاع عن مصر، حين إنسحبوا من ألإسكندرية، وأشعلوا فيها النيران، وحين تحصنوا بكفر الدوار ونسوا تحصين الجبهة الشرقية، وسد قناة السويس، فكانت الثغرة التى هاجم منها الإنجليز، وأحدثوا مذبحة فى الجيش المصرى فى القصاصين والتل الكبير، أخطأوا مرة أخيرة حين هربوا من ميدان المعركة، وسلموا أنفسهم للإنجليز تسليم الجبناء. كل ذلك حقيقى، ومع ذلك فسوف يبقى إسم عرابى وزملائه خالداً فى كتاب التاريخ المصرى، فهم الذين حولوا مطالبهم الفئوية، بالترقى وزيادة الرواتب وتحسين ظروف العمل فى الجيش، إلى مطالب الأمة بتأسيس الحكم الدستورى النيابى فى البلاد، سابقين فى ذلك كل أمم الشرق ،هم الذين تمثلوا روح العصروإستجابوا لثورة الأفكار العظيمة للقرن التاسع عشر الأوربى، ورفعوا شعار الحرية والإخاء والمساوة، والمطالبة بالدستور والحكم النيابى، بدلآً من شعارات الجامعة الإسلامية التى عفا عليها الزمان، والتى كان يبشر بها فى ذلك الوقت رجل قوى الشكيمة عظيم التأثير كجمال الدين الأفغانى، وأخيراً وفى حدود المصطلحات التى نستخدمها فى هذه الدراسة، فهم الذين حاولوا أن يخطو ببلادهم خطوة عملية كبرى على طريق نقلها من النطاق الحضارى الإسلامى إلى النطاق الحضارى الأوربى ، وقد مهدت ثورتهم العسكرية المجهضة تلك، للثورة المدنية العظيمة،التى كانت مصر على وشك أن تشهدها فى بدايات القرن التالى مباشرة، ثورة 1919م.
كان من الطبيعى أن يستسلم توفيق للإنجليز بعد أن أنقذوه من سيف عرابى، فإستولوا على مصر، وألغوا الدستور ومجلس النواب، ووضع اللورد دفرين سفيرهم فى القسطنطينية، نظاماً تشريعياً جديداً للبلاد، تتركز فيه السلطة فى يد الحاكم، ويتكون من هيئتين عرفتا بإسم مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، وعينوا اللورد كرومر، عضو صندوق الدين السابق، مندوباً سامياً لتنفيذ السياسة الإنجليزية فى مصر.قضى كرومر وقتاً طويلاً فى مصر، وأجرى كثيراً من الإصلاحات خاصة فى مجال الزراعة والإدارة، لكنه لم يكن متحمساً لتعليم المصريين تعليماً عالياً، وكان يرى أن التعليم الجامعى لايناسب الشرقيين، وأن الجامعات لن تعدو أن تكون مكاناً لتخريج المتطرفين والمتعصبين. كان كرومر من غلاة الإستعماريين العنصريين، وقد عزل من منصبه سنة 1907م على أثر مذبحة دنشواى، ومع ذلك فقد حافظت سياسة نجلزة التعليم والإدارة التى إتبعها، مع إستمرار نزوح الأجانب إلى مصر، وإستمرار إرسال طلبة البعثات، على بقاء مصر داخل النطاق الحضارى الأوربى، بحيث أنه ومع بدايات القرن العشرين عندما ظهرت الأحزاب السياسية المصرية، وتمايزت من تيار الحزب الوطنى القديم الجامع لكل التيارات، كان للتيار القومى الليبرالى، الذى تمثل فى حزب الأمة الذى أسسه أحمد لطفى السيد سنة 1907م، الغلبة على تيار الجامعة الإسلامية،الذى تمثل فى الحزب الوطنى الذى أسسه مصطفى كامل فى نفس سنة 1907م.
وفى سنة 1913م ألغى اللورد كتشنر المندوب السامى البريطانى، وقائد الجيش المصرى السابق، نظام الهيئتين التشريعيتين، ووضع للبلاد نظاما تشريعيا جديدا، تمثل فى هيئة واحدة عرفت بإسم الجمعية التشريعية، يختار معظم أعضائها بالإنتخاب. كان للجمعية التشريعية رئيس ووكيلين، وكان من سلطات الخديوى تعيين الرئيس وأحد الوكيلين، بينما كان الوكيل الآخر يختار بالإنتخاب.وإلى هذا المنصب ترشح سعد زغلول فى دائرتين بالقاهرة ففاز فى كلاهما، وأصبح الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية، وبهذا أصبح أيضاً الممثل الشرعى للأمة المصرية.وفى الجمعية التشريعية تجلت قوة شخصية سعد زغلول، ومواهبه الخطابية ، فسلم له زملائه بالزعامة المطلقة ، لكن أعمال الجمعية التشريعية لم تستمر إلا لدورة واحدة فقط، إذ قامت بريطانيا بتعطيلها على أثر قيام الحرب العالمية الأولى فى أغسطس 1914م، وفرض الأحكام العرفية وإعلان الحماية البريطانية على مصرفى ديسمبر 1914م.توقفت الحياة السياسية المصرية خلال سنوات الحرب،وساهمت مصر فى دعم الحلفاء، ولزم سعد زغلول وأعضاء الجمعية التشريعية الهدوء، ولكن وبمجرد أن وضعت الحرب أوزارها فى نوفمبر 1918م، فجر سعد وزملائه أكبر ثورة فى تاريخ مصر الحديث.
جاء سعد زغلول ، مثله مثل أحمد عرابى، من نفس طبقة الملاك الزراعيين التى نشأت من إصلاحات أسرة محمد على، فقد كان أبوه أحد أثرياء قرى محافظة الغربية، وقد تلقى سعد زغلول تعليماً أزهرياً فى بداية حياته، وعمل بالمحاماة ثم عين قاضيا، ثم إلتحق بجامعة باريس بفرنسا، وحصل على ليسانس الحقوق، وحقق لنفسه شهرة واسعة كمحامى نابغ وقاضى عادل، وقد تزوج من صفية زغلول إبنة رئيس الوزراء مصطفى فهمى، فأكسبه ذلك مزيدأً من المكانة الإجتماعية، وعين وزيراً للمعارف سنة1906م، ثم وزيراً للحقانية سنة 1910م، لكنه إختلف مع محمد سعيد باشا رئيس الوزراء بسبب إعتراضه على إجراءت محاكمة الزعيم محمد فريد، فإستقال من الوزارة مما أكسبه شعبية كبيرة بين المصريين، وعند إنتخابه وكيلاً للجمعية التشريعية كان قد تجاوز الستين من عمره، لكنه هنا فقط كان قد بدأ الشوط الثورى الحاسم من حياته، وتخلى عن الإعتدال الذى لازمه طوال مسيرة حياته السياسية . كان سعد زغلول يكره الإحتلال الإنجليزى، لكنه لم يكن يكره الحضارة الغربية، بل كان إبناً مخلصاً لها ولمبادئها التنويرية العظيمة، وكان برغم أصوله القروية وتعليمه الأزهرى المبكر،ضد الأفكارالإسلامية والعروبية على طول الخط ، فقد عارض فكرة إحياء الخلافة التى كانت تراود الملك فؤاد بعد إلغائها فى تركيا، كما عارض فكرة الجامعة العربية، التى كان يروج لها عبدالله عزام، وطرح عليه سؤاله الإستنكارى الشهيرعن تلك الفكرة(صفر زائد صفر يساوى كام ياعزام؟) فقد كان شديد الإيمان بالقومية الليبرالية المصرية، عقيدة مصر السياسية طوال عصر أسرة محمد، على وبقيادته حققت مصر أول خطوة حاسمة فى الإنتقال الحضارى الفعلى، من النطاق الحضارى الإسلامى، إلى النطاق الحضارى الأوربى.
كانت أحداث ثورة 1919م أقل تعقيداً من أحداث الثورة العرابية، وقد تمحورت حول نفى سعد زغلول مرتين، المرة الأولى فى مارس 1919م، بعدما ألح فى طلبه بالتصريح له بالسفر إلى فرنسا لعرض مطالب الأمة المصرية فى الإستقلال على مؤتمر الصلح المنعقد هناك، فتم نفيه إلى جزيرة مالطة مع زملائه محمد محمود وإسماعيل صدقى وحمد الباسل، وكانت الثانية فى ديسمبر سنة 1921م، بعد قيادته لموجة ثانية من الإحتجاج على أثر فشل مفاوضات عدلى يكن فى لندن، ورفض بريطانيا لمطالب مصر فى الإستقلال، وقد نفى هذه المرة إلى جزيرة سيشل مع زملائه فتح الله بركات وعاطف بركات ومصطفى النحاس ومكرم عبيد وسينوت حنا، ثم نقل وحده بعد ذلك إلى جبل طارق نتيجة لظروفه الصحية. لكن وحدة الشعب المصرى خلال الثورة كانت قاطعة لامحل فيها لأى خلاف، بعكس الثورة العرابية ، وكانت نتائجها ، وهذا هو المهم ، أشد خطورة من نتائج الثورة العرابية كثيراً، فقد نجحت مصر ليس فقط فى تحقيق الإستقلال المشروط الذى نالته بموجب تصريح 28 فبراير 1922م، ولكن أيضاً فى تحقيق الحكم الدستورى النيابى وإرساء قواعد الديموقراطية، التى كانت تتطلع إليها منذ فنرة طويلة، فبالشعارات العلمانية التى رفعتها الثورة فى (الدين لله والوطن للجميع)، والتى وضعتها بعد ذلك موضع التنفيذ الفعلى فى دستور 1923م، إستطاعت مصر أخيراً أن تضع قدمها بثبات، وبعدأكثر من قرن من الغرس الثقافى المستمروالكفاح السياسى المتواصل، على طريق الإنتقال الفعلى من النطاق الحضارى الإسلامى إلى النطاق الحضارى الأوربى. ويجب أن نلاحظ هنا ، أن الشعب المصرى قد حقق ذلك الإنتقال الحضارى بتلقائية وبساطة، وبقيادات مدنية خالصة، دون أن يحتاج مثلاً إلى الإجراءات الإستبدادية التى قام بها ديكتاتور عسكرى كمصطفى كمال فى تركيا، أو إلى إنقلاب عسكرى ، كالذى قام به أحمد عرابى.
إن قصة دستور 1923م تحتاج إلى مزيد من التأمل، فلم يكن مجرد الحصول على دستور ذو مواد ديموقراطية علمانية هو الدليل على النقلة الحضارية الكبرى التى حققتها مصرفى ذلك الوقت، ولكن قصة التضحيات التى بُذلت من أجل الحفاظ على هذا الدستور وجعل مواده حقيقة على أرض الواقع، هى الدليل الفعلى على هذه النقلة الحضارية، فمنذ اللحظات الأولى تقريبا، وبعد إنتخابات سنة 1924م، التى فاز فيها الوفد بنحو تسعين فى المائة من مقاعد البرلمان، حاول الملك فؤاد أن يكسب لنفسه بعض الصلاحيات على حساب الشعب، فأراد تعيين ثلثى أعضاء مجلس الشيوخ، تبعاً لمواد الدستور التى تخوله هذا الحق، فتصدى له سعد زغلول بالمادة 48 من الدستور، والتى تنص على أن الملك يمارس سلطاته بواسطة وزرائه، بما يعنى أن الملك لايستطيع التعيين مباشرة، وأن مجلس الوزراء المنتخب هو الذى يعرض الترشيحات المناسبة، وأن على الملك أن يختار من بين هذه الترشيحات فقط. كانت تلك أول أزمة دستورية فى تاريخ الكفاح من أجل الحفاظ على الدستور، فقد تمسك الملك فؤاد بحقه وتمسك سعد زغلول بحق الأمة، وفى النهاية أًُقترح الإحتكام إلى البارون فان دى بوش، النائب العام البلجيكى لدى المحاكم المختلطة، فقد كان دستور 1923م نسخة منقحة من الدستور البلجيكى لذلك العصر. تدارس فان دى بوش الأمر، وفى النهاية حكم لصالح سعد زغلول، وقبل الملك فؤاد الحكم، وكان ذلك اول إنتصار للأمة ولعقدها الإجماعى ، لكن الصراع لم ينتهى ، فقد حاول الملك سنة 1925م فى عهد وزارة زيور، وسنة 1928م فى عهد وزارة محمد محمود، تعطيل الدستور، لكن الرفض الحزبى والشعبى أثناه عن عزمه، وعندما حاول سنة 1930م فى عهد وزارة صدقى إلغاء دستور 1923م بشكل نهائى، وإحلاله بدستور جديد يخوله مزيد من السلطات، كادت ثورة 1919م أخرى أن تشتعل، ممادفع بأفراد العائلة المالكة إلى التدخل لإثناء الملك عن عزمه، وإعادة العمل بالدستور إحتراماً لإرادة الأمة، فخضع فؤاد وأعاد العمل بدستور 1923م قبل وفاته سنة 1936م. وربما يكون من الغريب أن نلاحظ أن الشعب المصرى ، فى معاركه التى خاضها من أجل الحفاظ على دستور 1923م ، قد ضحى بمئات القتلى والجرحى، مسلمين ومسيحيين ، سقطوا فى كل محافظات مصر، فى مشهد مختلف تماماً عما كان يحدث فى العصور الإسلامية حين كانت كلمة الحاكم هى القانون، وماحدث بعد ذلك فى عصر ثورة يوليو، حين أصبح فى إستطاعة الحاكم أن يضع فى كل يوم دستور دون أن يلفت ذلك نظر أى مواطن.
لم يكن تثبيت حكم القانون هو الإنجاز الوحيد لثورة 1919م، ففى روح ثورة 1919م ودستور 1923م، تأكدت النزعة القومية المصرية، بعد ان دفنت تحت رمال القرون، وأصبح حزب الوفد الذى تشكل بزعامة سعد زغلول، هو القوة السياسية الحقيقية فى البلاد، وتمكن نسبياً من مواجهة الثورة المضادة التى قامت بها جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928م، حتى أن حسن البنا وزملائه الخمسة الذين خاضوا الإنتخابات البرلمانية لسنة1945م فى عهد وزارة أحمد ماهر، قد خسروا جميعاً فى الدوائر المتفرقة التى رشحوا بها، وذلك بعد نحو عشرين عاماً من قيام الجماعة وإنتشارها فى المجتمع المصرى. وفى تلك الروح الليبرالية العلمانية، أصبحت الوحدة الوطنية بن عنصرى الأمة من مسلمين ومسيحيين حقيقة واقعة لاشك فيها، وبرز من صفوف ألأقباط قمم شامخة كمكرم عبيد وويصا واصف وسينوت حنا وواصف بطرس غالى وسلامة موسى وغيرهم، ساهموا فى إثراء حياة مصر السياسية والثقافية بعد قرون من العزلة، كما ساد مبدأ التسامح الدينى فى روح الأمة بشكل عام ، حتى خارج ديانتيه الرئيسيتين، فلم تعد هناك كنيسة ولا معبد يحتاجا لحراسة ، فالجميع فى سلام آمن ، لدرجة سمحت حتى أن يكون رئيس الطائفة اليهودية بمصر(حاييم ناحوم أفندى) عضواً بارزاً بمجمع اللغة العربية، وقد ظهرت الطبقة الرأسمالية المصرية من رحم طبقة الإقطاع بعد تأسيس بنك مصرسنة 1920م على يد طلعت حرب، وبدأت تشق طريقها فى الإنتقال بالمجتمع المصرى من نمط الإنتاج الزراعى إلى نمط الإنتاج الصناعى، حتى وصل عدد المصانع المصرية سنة 1927م حوالى سبعين ألف مصنع، وفى سنة 1948م أكثر من 129ألف مصنع، وحتى إستطاعت مصرأن تقدم لحليفتها إنجلترا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية مساعدات بحوالى أربعمائة وخمسين مليون جنيه إسترلينى، كما تقررت مجانية التعليم الإبتدائى والثانوىوالمتوسط فى عهد وزارة الوفد سنة 1950م، وتحقق حلم طه حسين، أكبر الرموز الثقافية لذلك العصر، فى أن يكون التعليم كالماء والهواء ، متاحاً للجميع ، كما تغير شكل المجتمع المصرى وتجاوب المصريون مع المؤثرات الثقافية الأوربية بشكل كبير، فتطور ذوقهم الإجتماعى، وعرفوا فن المسرح والسينما، وتأسس ستوديو مصر سنة 1935م على يد مجموعة بنك مصر، وأنتج كثيراً من الأعمال الفنية الرائعة، التى راجت فى مصر والعالم العربى، وساهمت فى تدعيم مكانة مصر الثقافية وقواها الناعمة فى العالم العربى، كما برعوا فى الفنون والآداب، فولد فى هذا العصر وعاش به معظم مشاهير الأدب والفن فى مصر الحديثة، كطه حسين والعقاد، والمازنى، ومحفوظ، وإحسان، وسيد درويش، وأم كلثوم، وعبدالوهاب وغيرهم، وخرجت المرأة المصرية إلى الحياة العامة، بعد أن شاركت فى ثورة 1919م ونزعت الحجاب، وإلتحقت بالجامعة وتخرجت منها فى أول دفعة خريجات سنة 1929م، فأعلنت للعالم عن وجودها القوى على مسرح الحياة قبل كل نساء الشرق ،وبدت مصر وقد تفوقت على أمم الشرق جميعاً، بعد أن تفاعلت مع ثورة الأفكار الكبرى التى فجرتها الحضارة الأوربية، وعرفت طريق الديموقراطية والحكم الدستورى،وتمثلت المبادئ العلمانية العظيمة لهذه الحضارة وكان إختيار القاهرة كأجمل مدن العالم فى الثلاثينيات بمثابة تأكيد لتلك الحقيقة.
ومع ذلك فلم تكن التجربة كلها وردية، ففى ذلك الشوط من تطور مصر الحديثة، برزت عقبات أربع رئيسية عطلت تطورها الطبيعى، وتمثلت فى النمو الكبير لطبقة الإقطاع المصرية على حساب فقر الفلاح، مما خلق هوة سحيقة بين الأغنياء والفقراء، وبين حياة الريف وحياة المدينة ، وبين إستمرار نمو الإستثمار الزراعى على حساب الإستثمار الصناعى الضرورى لنقل المجتمع المصرى النقلة الحاسمة فى تطوره الطبيعى، ثم فى الصلاحيات الكبيرة التى ظل دستور 1923م يمنحها للملك، فمكنته من العبث بالحياة السياسية وتعطيل إرادة الجماهير، مثل حق حل مجلس النواب، وإقالة الوزارات المنتخبة، وتعيين وزارات تابعة للقصر أو لأحزاب الأقلية، ثم عقبة الإحتلال الإنجليزى،التى سيطرت على الحياة السياسية المصرية دون إمكانية التوصل إلى حل لها ، وأخيراً عقبة جماعة الإخوان المسلمين التى هددت مشروع مصر الحديثة كله، وهكذا كان على النظام أن يعالج هذه العقبات الأربع أو يرحل، وفيما يخص العقبة الأولى، فقد طرح محمد بك خطاب عضو مجلس الشيوخ حلاً مناسباً لها سنة 1945م، فى مشروع يقضى بوضع حد أقصى لملكية الأرض الزراعية بخمسين فدان للفرد، على أن لايطبق ذلك بأثر رجعى، مما يترتب عليه تفتت الملكيات الزراعية على المدى الطويل، ورخص الأرض الزراعية، وتمكن الفلاح من شراء بعضها، بحيث تحدث عملية إعادة توزيع تلقائية للثروة الزراعية، وفى نفس الوقت تدفع بملاك الأرض إلى الإستثمار فى الصناعة، بدلاً من مزيد من الإستثمار فى الزراعة، وقد ظل المشروع محل تداول بين مجلسى الشيوخ والنواب على مدى عامين، حتى تم رفضه بشكل نهائى سنة 1947م، فى قرار تميز بعدم الحكمة وإنعدام الرؤية المستقبلية، وفيما يخص العقبة الثانية، فقد فكر الوفد فعلاً فى إلغاء ملكية محمد على وإعلان الجمهورية فى البرلمان، لكنه لم يقدم على تنفيذ الفكرة فى النهاية، كذلك فلم يستطع النظام القائم إيجاد حل عملى لنمو جماعة الإخوان المسلمين فى المجتمع برغم هزيمتها فى إنتخابات 1945، حيث بدأت فى ممارسة الإرهاب وإستخدام العنف فى السنة التالية مباشرة ، أما مشكلة الإحتلال الإنجليزى، فقد بدت ألأكثر صعوبة، وقد فشل حزب الوفد فى تعديل شروط معاهدة 1936م وتحقيق الإستقلال عن بريطانيا، حتى إضطر النحاس إلى إلغائها فى وزارته الأخيرة سنة 1951م، تحت ضغط الجماهير، بشكل متسرع غير مدروس ، مما ترتب عليه إشتعال الحرب فى القناة، وإرتكاب الإنجليز لمذبحة الشرطة فى الإسماعيلية فى 25 يناير 1951م، والتى أثارت الغضب الشعبى، وأدت إلى حريق القاهرة فى اليوم التالى مباشرة، والذى مثل المؤشرات الفعلية على تصدع النظام الليبرالى القائم.
وهكذا فعندما فشل النظام فى تجاوز تلك العقبات الأربع الرئيسية،التى إعترضت هذا الشوط من تطور مصرالحديثة، أصبح الطريق مفتوحاً أمام القوى التى كانت تنمو خارج النظام، كى تقدم الحلول العملية لهذه العقبات. كان هناك قوتان رئيستان تنموان خارج نظام الدولة ، هم جماعة الإخوان المسلمين التى تأسست سنة 1928م، وجماعة الضباط الأحرار التى تأسست بعد حرب فلسطين مباشرة سنة 1948م، كانت جماعة الإخوان المسلمين قد قطعت شوطاً كبيراً فى الإنتشار داخل المجتمع الليبرالى القائم آنذاك، وقد تقدم حسن البنا وخمسة من زملائه للإنتخابات التشريعية التى جرت سنة 1945م موقنين بتحقيق فوز كاسح، لكنهم خسروا جميعاً، وكان ذلك مؤشراً واضحاً على تخلف الطروحات الإسلامية التى كانوا يبشرون بها، فى إعادة بعث نظام الخلافة الإسلامية بعد سقوطها فى تركيا، وفى تطبيق الحدود الإسلامية، والتى لم تكن تمثل فى الواقع أى معالجة حقيقية للمشاكل التى كان يعانيها المجتمع آنذاك.وقد كانت أيضا مؤشراً على صمود النظام الليبرالى القائم، رغم كل عوامل الضعف التى كانت قد بدأت تسرى فيه.أما جماعة الضباط الأحرار،وبالإضافة إلى ميزة القوة العسكرية التى كانت تتمتع بها، فقد بدت، من خلال المنشورات التى كانت توزعها، أكثر قرباً ووعياً من مطالب الشارع فى تحقيق الإصلاح السياسى، والعدالة الإجتماعية وطرد الإحتلال، ولذا فقد كان من الطبيعى أن تكون هى القوة المنوط بها معالجة تلك العقبات، والمضى بالتاريخ المصرى قدماً إلى الأمام، كما كان من الطبيعى أن يتجاوب معها الشعب المصرى بعد إستيلائها على السلطة فى 23 يوليو سنة 1952م، على أثر إنهيار النظام القديم الذى تمثل واضحاً فى تعيين أربعة وزارات متعاقبة خلال خمسة أشهر فقط منذ حريق القاهرة فى يناير 1952م، وحتى قيام الثورة فى يوليو 1952م.

2- عصر ثورة يوليو1952، والنطاق الحضارى الشرق أوسطى

كان على رأس ثورة يوليو شخصية أبوية طيبة هى شخصية اللواء محمد نجيب، ولكن الشخصية صاحبة القوة الحقيقية بين الضباط، كانت هى شخصية البكباشى(المقدم)جمال عبدالناصر. أسس جمال عبدالناصر حركة الضباط الأحرار رداً على هزيمة الجيش المصرى فى حرب فلسطين، وثبوت تورط الملك فاروق فى الفساد الذى تفشى فى الجيش، خاصة بعد عزله للنائب العام الذى أمر بفتح التحقيق فى قضية الأسلحة القديمة، وإقالة مدير جهاز الرقابة الإدارية الذى بدأ يضع يده على بعض الحسابات فى بلجيكا، والتى تعود إلى بعض رجال حاشية الملك المتورطين فى هذه التجارة ، وكذلك كإعتراض على إستيلاء اليهود على فلسطين، وطرد سكانها العرب منها.
كانت حرب فلسطين هى البداية إلى فكرة القومية العربية التى مثلت الشق الأول من فكر جمال عبدالناصر السياسى، ثم مثلت فكرة الإشتراكية التى طرحتها الحضارة الغربية كعلاج لمشاكل المجتمع الرأسمالى، وحصلت على قوة دفع كبير بظهور قوة الإتحادالسوفيتى بعد الحرب العالمية الثانية، الشق الثانى من ذلك الفكر.وهكذا تأكدت لدى جمال عبدالناصر نزعة الكراهية الشديدة للنظام الليبرالى القديم، وأخذ يعمل على هدم تاريخه ودعائمه الأساسية بكل قوة، وبناء صرح مصر الإشتراكية العربية الجديدة على أنقاضه، وبرغم كل النجاح الذى حققه فى البداية، فسرعان ماأثبتت الأحداث، أنه لم يكن على حق فى تلك التصورات والقناعات، فلم يكن النظام القديم كله شراً، وكان يجب إصلاحه لاهدمه ، كما أنه إذا ماكان هناك مايبرر تبنى الطروحات الإشتراكية، فلم يكن هناك مايبرر تبنى الفكرة القومية العربية، لقد كانت تلك الفكرة وماترتب عليها من سياسات كارثية، هى التى أودت بتجربته الإشتراكية فى النهاية.
قام ناصر وزملائه فى سبتمبر سنة 1952م بإصدار قوانين الإصلاح الزراعى التى طال إنتظارها، وفى سنة 1953 ألغيت ملكية أسرة محمد على وأعلنت الجمهورية، وفى سنة 1954م تم توقيع إتفاقية الجلاء وبدأ رحيل القوات البريطانية عن مصر، وهكذا تحققت المطالب الأساسية للشعب المصرى فى ذلك الوقت، وفى نفس السنة 1954م كان ناصر قد تمكن من التخلص من جميع منافسيه السياسيين، نجيب والوفد والإخوان ووضعهم جميعاً فى السجون، وأصبح مسيطراً على مصر تماماً ، كما تم تحييد خطر الإخوان مؤقتاً. وفى سنة 1956م إتخذ قراره الشهير بتأميم قناة السويس، الذى أثار عدوان إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على مصر، والذى إنتهى بالفشل نتيجة لتدخل الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتى .خرج ناصر كبطل منتصر من حرب السويس ، ومنذ ذلك التاريخ أصبح معبوداً، ليس فقط للجماهير المصرية، ولكن للجماهير العربية أيضا، وأصبح الطريق مفتوحاً أمامه ليضع على أرض الواقع الأفكار التى عبر عنها فى كتابه(فلسفة الثورة) الذى نشر سنة1954م، وحدد فيه ثلاثة دوائر حضارية فقط لتفاعل مصر الحضارى، هى الدائرة العربية، والإسلامية والإفريقية، متجاهلاًُ الدائرة الأوربية المتوسطية التى نشأت فى أحضانها مصر الحديثة وعاشت وإزدهرت وتقدمت طوال عصر أسرة محمد على.
كانت الوحدة مع سوريا سنة 1958م، بالإضافة إلى أسباب أخرى، هى بداية الطريق إلى كارثة 1967م.
نشأت الفكرةالعروبية فى بلاد الشام خلال القرن التاسع عشركرد فعل ضد السيطرة العثمانية على المشرق العربى، وقد نالت تشجيع بريطانيا التى وجدت فيها إطاراً مناسباً لحشد الشعوب العربية ضد العثمانيين، وقد عاشت الفكرة وإزدهرت بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، وظلت تلقى تأييد بريطانيا التى وجدت فيها إطاراً مناسباً، هذه المرة أيضاً ، لحشد الدول العربية ضد التدخل الشيوعى المحتمل فى المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، ولذا فقد تبنت فكرة إنشاء جامعة للدول العربية بقيادة مصر، وتم تأسيس الجامعة فعلاً سنة 1945م أثناء حكم الوفد، ثم أعطتها حرب فلسطين دفعة أخرى، ووجدت لها تعبيراً أيدولوجياً فى حزب البعث العربى الإشتراكى، الذى تأسس فى سوريا سنة 1947م على يد ميشيل عفلق وصلاح البيطار، ورفع شعارات (حرية،إشتراكية،وحدة) وهى نفس الشعارات التى رفعها ناصر فى ميثاقة الوطنى بعد ذلك.كان من الطبيعى أن تلتقى أفكار البعثيين بأفكار ناصر، وكانوا قد بدأوا يحتلون مركزاً متفوقاً فى الحياة السياسية السورية فى وقت صعود ناصر السياسى، وعندما إشتد ضغط الغرب من جهة، وضغط الشيوعيين من جهة أخرى، وجد البعثيون أن أفضل وسيلة للسيطرة على سوريا، هى الوحدة مع ناصر. وهكذا إتحدت مصر وسوريا فى فبراير سنة 1958م فى كيان جديد عرف بإسم الجمهورية العربية المتحدة، إحتلت فيه سوريا مركز الإقليم الشمالى، بينما أصبحت مصر تعرف بإسم الإقليم الجنوبى، لكن آمال البعثيين خابت، فقد سيطر ناصر على كل مفاتيح السلطة، ولم يترك لهم منها إلا قشور بسيطة ، كما جرحت سيطرة المصريين على سوريا كبرياء الجيش السورى، وهكذا تحركت بعض وحدات الجيش السورى، وأعلنت الإنفصال عن مصر سنة 1961م، بعد حوالى ثلاث سنوات ونصف من الوحدة. كانت التجربة أليمة ومعبرة عن مدى وهم العروبة، ولكن ناصرعزاها إلى تحرك القوى الرجعية فى سوريا ضد تجربته الإشتراكية، فقام بالرد الإنتقامى فى مصر بإصدار قوانين يوليوالإشتراكية التى أمم فيها مزيد من الممتلكات، ووضع حدوداً أضيق على ملكية الأرض الزراعية، وهى القوانين التى قضت نهائياً على الطبقة الرأسمالية المصرية الوليدة بدون الإستفادة من خبراتها، كما تسببت فى رحيل الجاليات الأجنبية عن مصر، فأفقدت مصر بذلك أحد أكبر مصادر ثروتها البشرية التى تكونت فى العصر الليبرالى، ثم قام فى نفس السنة 1961م بإصدار ميثاقة الوطنى، الذى أعلن فيه شعارات ثورته(حرية إشتراكية وحدة)، وأصل فيه لعروبة مصر، وأنكر كل تاريخها القومى، وحمل على النظام القديم وسخر من الديموقراطية الليبرالية، التى عرفتها مصر خلال عصرة أسرة محمد، وأسس لنظام الحزب الواحد، الذى عرف بإسم الإتحاد الإشتراكى العربى، وظل محتفظاً، فى عناد ، بإسم الجمهورية العربية المتحدة، وسخر كل الطاقات الإعلامية والفنية للمجتمع للترويج لفكرة العروبة، التى أصبحت وكأنها دين جديد.
لم يستفد ناصرمن فشل تجربة الوحدة السورية، ففى السنة التالية مباشرة قام بعض ضباط الجيش اليمنى الناصريين بإنقلاب على الإمام البدر إمام اليمن، وأعلنوا الجمهورية وطلبوا مساعدة مصرالعسكرية ، وعلى الفورإستجاب ناصر، وبدأ فى إرسال قوات الجيش المصرى عبر البحر الأحمر إلى اليمن، حتى وصل عددهم إلى حوالى أربعين ألف جندى، سقطوا هناك فى مستنقع عميق عالى التكلفة، حيث دخلوا فى صراع ضارى مع قوات القبائل الموالية للإمام والمدعومة من السعودية، حتى عودتهم إلى مصر بعد كارثة 1967م. وفى سنة 1963م إستطاع البعثيون العراقيون بقيادة الكولونيل عبدالسلام عارف السيطرة على الحكم على حساب الشيوعيين، وأخذوا يضغطون من أجل الوحدة مع مصر، فدفع ذلك البعثيون السوريون للتحرك فى نفس الإتجاه مرة أخرى، وحضر الجميع إلى مصر يطلبون الوحدة مع ناصر، وأسفر ذلك عن مولد إتحاد وهمى آخر فى إبريل سنة 1963م ، بين مصر وسوريا والعراق، سرعان ماإنتهى إلى الفشل .
كانت القضية الفلسطينية هى حجر الزاوية التالى الذى إستند عليه ناصر فى سياسته العروبية، ففى سنة 1964م قامت إسرائيل بمحاولة لتحويل بعض روافد نهر الأردن إلى صحراء النقب، فكانت فرصة لتضامن العالم العربى، فدعى ناصر إلى مؤتمر قمة فى القاهرة سنة 1964م، وتلاه بآخر فى الإسكندرية فى نفس السنة، نتج عنهما تكوين قيادة عسكرية مشتركة لمواجهة إسرائيل برئاسة ضابط مصرى، كما أسفر عن إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية. وفى نفس السنة أيضا خلف الملك فيصل أخاه الملك سعود فى حكم السعودية، وبدأ فى مواجهة ناصر فى حرب اليمن وفى العالم العربى، بطرح إسلامى بديل عن الطرح العروبى، توج بإنشاء منظمة التعاون الإسلامى بمقرها فى جدة سنة 1969م.
بدأ الفدائيون الفلسطينيون فى شن غاراتهم على الأراضى الإسرائيلية، وبينما قام الملك حسين بالسيطرة على عملياتهم فى الأردن، فقد قام البعثيون بتشجيعهم فى سوريا، وهكذا أصبحت سوريا هدفاً لعدوان إسرائيلى محتمل، وعندما لاحت مؤشرات هذا العدوان حضر البعثيون إلى مصر وطلبوا الدخول فى معاهدة دفاع مشترك مع مصر، ومرة أخرى إستجاب لهم ناصر دون تقدير العواقب ، وتم توقيع المعاهدة فى نوفمبر سنة1966م. وفى الأشهر القليلة التالية بدأت الإستعدادات الإسرائيلية لضرب سوريا، وعندما حذرت المخابرات السوفيتية ناصر من هجوم إسرائيلى وشيك على سوريا، قام فى مايو سنة 1967م، بالطلب رسمياً من السكرتير العام للأمم المتحدة يوثانت، سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء، ودفع بوحدات الجيش المصرى إليها، كما أغلق مضائق ثيران فى وجه الملاحة الإسرائيلية، وهكذا أصبح الطريق مفتوحاً أمام كارثة 1967م، ففى صباح يوم 5 يوينو أغارت الطائرات الإسرائيلية على جميع المطارات العسكرية المصرية، ودمرتها تدميراً كاملاً بكل طائراتها القابعة على الأرض، ثم توجهت إلى الفرق المصرية المرابطة فى سيناء، ودمرتها هى الأخرى تدميراً شاملاً، فقتلت مايزيد على عشرة آلاف جندى، بينما تشتت الباقون، وعاد منهم من عاد الى شواطئ القناة، ومات من مات فى الصحراء.
كشفت كارثة 1967م عن مدى فساد النظام الوهمى الذى أقامه جمال عبدالناصرعلى أنقاض النظام القديم الذى كان يسخر منه ويشوه تاريخه فى كل مناسبة، وبمجرد إعلانه عن التنحى عن السلطة خلال أيام من الهزيمة، خرجت الجماهير المصرية الحزينة تهتف بإسمه وتطالبه بالبقاء لقيادتها فى معركة التحرير، وعندما إستجاب وعاد للحكم مرة أخرى، أراد شريكه الفعلى فى الحكم والمسئول الأول عن الهزيمة ، المشير عبدالحكيم عامر، أن يعود بدوره إلى منصبه فى قيادة الجيش، لكن ناصرتحداه لأول مرة ورفض طلبه، وعندما ألح رجال المشيرفى الجيش، رفض ناصر مرة أخرى، وأخيراً، و بأسلوب عصر المماليك ، قررالمشير الإحتكام إلى القوة، فقام فى شهر أغسطس بجمع سلاحه وأمواله وأفراد عائلته فى فيلاه بالجيزة، وأخذ يخطط للإطاحة بناصر من خلال رجاله فى الجيش، لكن رجال ناصركانوا الأقوى والأسرع، فأحبطوا المؤامرة، وقبضوا على كل رجال المشيرفى الجيش، وهاجموا فيلاه فى الجيزة حيث وجد منتحراً.
أثارت تلك الأحداث والحقائق التى تكشفت عنها ، بالإضافة إلى الأحكام الخفيفة التى صدرت ضد الضباط المسئولين عن كارثة تدمير سلاح الطيران، حنق الشعب، فخرج الطلبة والعمال فى مظاهرات حاشدة فى العاصمة القاهرة فى فبراير سنة 1968م، تبعتها مظاهرات دموية أخرى بالإسكندرية فى نوفمبر من نفس العام، رفعوا خلالها مطالبهم فى الديموقراطية وإصلاح نظام الحكم، لكن ناصر إستطاع السيطرة على الموقف بالإجراءات البوليسية المعتادة، ومن خلال بيان خداعى عرف ببيان ثلاثين مارس، وعد فيه بإصلاح نظام الحكم، وتحقيق مزيد من الديموقراطية بعد إزالة آثار العدوان. لكنه لم يكن صادقاً فى هذه الوعود، فقبل توجهه إلى مؤتمر القمة العربى الذى عًقد فى الرباط سنة 1969م، عين الصديق الباقى الوحيد، أنور السادات، نائباً لرئيس الجمهورية، وكان هذا يعنى إصراره على إستمرار نظام الحكم العسكرى الإستبدادى الذى أسسه سنة 1954م، دون النية فى إقامة أى حياة سياسية حقيقية. إستمر غرام ناصر بالعروبة حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ففى سبتمبر سنة 1970م إشتعل القتال بين الفصائل الفلسطينية وقوات الجيش فى الأردن، وقام الجيش الأردنى بمذبحة كبيرة بين الفلسطينين، فتدخل بطل العروبة مرة أخيرة، ودعا إلى مؤتمر قمة عربى فى القاهرة، تمكن خلاله من رأب الصدع بين الفلسطيينين والأردنيين، وتأمين خروج آمن للقوات الفلسطينية من الأردن، لكنه وبينما كان يودع أمير الكويت، آخر المغادرين،أصيب بنوبة قلبية حادة نتيجة للإجهاد الشديد، توفى على أثرها، بمجرد نقله إلى منزله.وهكذا مات بطل العروبة وترك خلفه شعب مثخن بالجراح، جراح الجسد وجراح الروح، فأما جراح الجسد فقد كان يمكن معالجتها، وأما جراح الروح، فلم يمكن معالجتها حتى اليوم، وهذه هى حقا التركة الثقيلة لجمال عبدالناصر؟
إن مانعنيه بهذه التركة الثقيلة، هو الوعى السلبى الذى غرسه جمال عبدالناصر فى عقول المصريين، ومازال يتحكم فيهم حتى اليوم، فالطروحات الوهمية التى زرعها مثل ربط الأمن القومى المصرى بحتمية الوحدة العربية، وربط حتى التنمية بحتمية الوحدة العربية، وليس بمجرد التعاون ، قد أثبتت زيفها اليوم، فالدول الوحيدة التى إستطاعت الحفاظ على أمنها القومى، هى الدول التى لم تأخذ أبداً بأفكار الوحدة العربية، ناهيك عن التنمية والتى لم تتحقق إلا فى نفس هذه الدول، أما حتمية الحل الإشتنراكى ، فلم تكن تعنى فى الواقع سوى سيطرة الطبقة العسكرية على النصيب الأكبر من الإقتصاد المصرى، من خلال ترؤس الضباط مجالس إدارات وحدات القطاع العام التى انشأها ، أما حالة الإشتباك التى وضعنا فيها مع العالم، ومازلت تعيش إلى اليوم فى نظرية المؤامرة التى تسيطر على عقول المصريين، بأن العالم الإستعمارى يتآمر عليهم، فمن المضحك أيضاً أن الأمن والإستقرار لم يتحقق فى الشرق الأوسط، إلا لدى الدول التى لم تقطع أبداً صلاتها بهذا العالم الإستعمارى، ناهيك عن أن هذا العالم الإستعمارى الأوربى نفسه، قد تحول اليوم إلى أكبر منطقة إستقرار وسلام فى العالم، أما القضية الفلسطينية والتى لم يستطع أن يراها كما يراها العالم، بأنها قضية شعبين ، وليست قضية شعب واحد، وربط بها مصائر المصريين، فقد أصبحت بالفعل مصدر ضعف شديد فى وعيهم السياسى لايجدون لها حلاً ، بين مؤيد ومعارض، ولاحل وسط آخر ، أما تشويه التاريخ السابق على عصره، رغم كل ماإحتوى عليه من مقومات سياسية وإقتصادية وقيم علمانية متطورة، فربما يكون هذا هو خطيئته الكبرى، لإنه بهذا العمل كان قد مهد للطوفان الإسلامى القادم، فقد وضع ناصر أول معول فى هدم ثقافة العصر الليبرالى المصرى وإلغاء دولة القانون التى أسستها ثورة 1919، فمهد بذلك لإخراجها من ثقافة النطاق الحضارى الأوربى العلمانى، الذى عاشت فى رحابه لنحو قرن ونصف من الزمان، وإعادتها إلى ثقافة النطاق الحضارى الشرق أوسطى الدينى ، وكان على خلفه أنور السادات ، أن يضع المعول الثانى فى هدم ثقافة العصر الليبرالى، والتمكين لثقافة الشرق الأوسط الدينية مرة أخرى.

كان أنور السادات الذى عينه جمال عبدالناصر خلفاً له أكثر الناس إيماناً بعبثية التجربة الناصرية،وقد عمل منذ اليوم الأول لتوليه السلطة على محو كل آثارها، ولكن بأسلوبه الخاص المناقض، ففى سنة 1971م قام بالتخلص من كل رجال ناصر الباقين فى السلطة فيما عرف بإسم ثورة التصحيح، وبنفس أسلوب عصر المماليك، وفى سنة1972م قام بإطلاق سراح قيادات جماعة الإخوان المسلمين من سجون عبدالناصر، وترك لهم حرية العمل فى الشارع المصرى من أجل تحجيم نفوذ اليسار الناصرىوالماركسى المشبع بروح الأفكارالناصرية القومية أيضا، كما تخلص من المستشارين العسكريين السوفيت، وفى سنة 1973م قام بشن حرب أكتوبر من أجل تحرير سيناء وتحريك قضية الشرق الأوسط على المسرح الدولى، وفى سنة 1974م أصدر قوانين الإنفتاح الإقتصادى فأعطى إشارة البدء للتحول من نمط الإقتصاد الإشتراكى الذىساد فى عهد جمال عبدالناصر، وتمثل فى خلق قطاع عام كبير إلى الإٌقتصاد الرأسمالى الذى يعتبر القطاع الخاص الدعامة الرئيسية فيه، وفى سنة 1975م أعاد إفتتاح قناة السويس، وفى سنة 1976م سمح بعودة شكلية للأحزاب السياسية، وفى يناير سنة 1977م عندما ووجه بثورة الخبز قام بالرد عليها بمزيد من التحرك بإتجاه المصالحة مع العالم الغربى، فقام بزيارة إسرائيل فى نوفمبرمن نفس السنة، وفى سنة 1978م وقع معاهدة سلام مع إسرائيل فى كامب ديفيد، وفى السنة التالية تم التوقيع على المعاهدة رسمياً فى واشنطن، وفى سبتمبر سنة 1981م قام بإعتقال كل رموز الإتجاهات السياسية والدينية التى إنتقدت سياساته ، وفى أكتوبر من نفس العام 1981م أغتيل أثناء العرض العسكرى المقام بمناسبة حرب أكتوبر على يد مجموعة إسلامية متطرفة داخل الجيش. ليدفع أخيراً ثمن سياسة التناقضات التى إتبعها منذ بداية حكمه، السلام للغربيين، والإسلام للمصريين، وبإغتياله أعلن تيارالإسلامى السياسى السنى عن إنتصاره، وعن سيطرته أخيراً على مجرى تاريخ مصر الحديث، ومساهمته مع تيار الإسلام السياسى الشيعى بعد ذلك ، فى تدمير الشرق الأوسط كله.
كان عصر أنور السادات هو الحد الفاصل بين العصر الليبرالى الأوربى والعصر الإسلامى الشرق أوسطى فى تاريخ تجربة النهضة المصرية، فقد أنتج عصره معول الهدم الثانى لكل ميراث التجربة الليبرالية المصرية، بعد معول الهدم الناصرى الأول، حيث أطلق قيادات جماعة الإخوان من السجون وداعب غرائز الجماهير الدينية من خلال لقب الرئيس المؤمن الذى منحه لنفسه، وبتسمية دولة العلم والإيمان التى أطلقها على دولته، ثم بتلاعبه بمواد الدستور وإضافته مادة تقضى بأن تكون الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع وذلك مقابل تعديل المادة الخاصة بفترة الحكم وجعلها مفتوحة لأكثرمن فترتين، كما ساهم ولو بمجرد المصادفة التاريخية ، فى التمهيد لمعول الهدم الثالث والحاسم فى هدم ثقافة العصر الليبرالى فى مصر والشرق الأوسط كله، فقد كانت حرب أكتوبر التى قادها هى التى فجرت الثروة النفطية، ورفعت أسعار البترول أربعة أضعاف دفعة واحدة وزادت من الطلب الهستيرى عليه نتيجة للحظر الذى فرضته السعودية - ودول الخليج - على واردات البترول خلال هذه الحرب، حيث منح ذلك السعودية قوة وثروة خيالية، إنتقل معها، وبشكل قاطع، مركز الثقل الحضارى والسياسى فى العالم العربى، من بقايا مصر الليبرالية ، إلى السعودية الوهابية الصاعدة .

لم يكن فى مقدور حسنى مبارك، الذى خلف أنور السادات أن يغير من هذه الحقائق الجديدة على الأرض، ولاكان يريد أن يغيرها ، فرغم أنه قد بدأ عصره بداية طيبة، وإستطاع تهدئة الموقف داخل مصر بعد إغتيال أنور السادات، كما إستطاع الحفاظ على إتفاقية السلام مع إسرائيل فى نفس الوقت الذى أعاد فيه العلاقات الطبيعية مع العالم العربى، الذى كان قد ناصب مصر العداء بسبب السلام مع إسرائيل، إلا أنه فى معركته مع تيار الإسلام السياسى المتصاعد، ومع الهيمنة السعودية على مقدرات المنطقة ، لم يكن يملك سوى البندقية، لامشروع حضارى ناصرى، ولاحتى مناورات سياسية ساداتية، بل فقط البندقية، وعلى العكس من المرجو تماما،ً فقد شهد عهده أكبر حركة نزوح للمصريين إلى المملكة العربية السعوية بسبب تناقص فرص العمل بعد التدمير العشوائى للقطاع العام، أكبر منجزات العصر الناصرى، وأكبر قاعدة إقتصادية فى مصر، بدلآً من تحديثه بمشاركة رأس المال ، كما كان يجب ، ليعودوا بلحية وجلباب وأفكار متخلفة معادية للحضارة ، كما شهد عهده أيضاً، ظهور أكبر دجالين فى تاريخ مصر الحديث، هما الشيخ متولى الشعراوى، والداعية عمرو خالد، اللذان عملا بكل قوة - وبرعاية الدولة - على تغذية روح الهوس الدينى لدى الشعب المصرى، وتدعيم تيار الإسلام السياسى معها، وهكذا سيطر الإسلام السياسى وإمتد حتى بعد سقوط الإتحاد السوفيتى سنة 1990م، وتحول كثير من دول العالم إلى الديموقراطية، فقد ظلت مصر بعيدة عن كل تلك المؤثرات الدولية، يحكم تيار الإسلام السياسى أنيابه عليها كالثعبان القاتل، وبرغم الإجراءات القمعية الشديدة التى إتخذها حسنى مبارك ضد جماعات العنف الإسلامية فى بداية التسعينيات، فقد شهدت مدينة الأقصرسنة 1997م مذبحة كبرى لمجموعة كبيرة من السواح الأجانب على يد مجموعة إسلامية متطرفة، جعلت مصر، التى كان يعيش فيها كل أجناس العالم قبل ثورة يوليو، تبدو فى نظر العالم المتحضر أمة بربرية.
وهكذا مضت ثلاثون سنة من عمر مصر، فى سلام ربما، ولكنه سلام يشبه الهدوء الذى يسبق العاصفة، فقد تفتق ذهن حسنى مبارك أخيراً عن آخر وأسخف مشروع حضارى يمكن أن تحتاجه مصر فى مواجهة تيار الإسلامى المتصاعد، وهو توريث إبنه الأكبر الحكم، وسرعان ماإلتف حول القائد الجديد مجموعة من المنتفعين والفاسدين بدأت فى عملية نهب منظم لثروات مصر، تمثلت بشكل واضح فى عمليات البيع العشوائى لوحدات القطاع العام، والإستيلاء على أراضى الدولة ، كماإستولت على حياتها السياسية تماماً، حتى أسفرت الإنتخابات التشريعية التى جرت فى أواخر سنة 2010م عن نتيجة تقترب من مائة بالمائة لصالح الحزب الوطنى الحاكم الذى يسيطر عليه الإبن، بحيث أسست لمجتمع الفساد وغياب القانون، الذى يستحيل معه تدفق أى إستثمارات رأسمالية كافية لتحقيق النمو الإقتصادى، وذلك فى نفس الوقت الذى دمرت فيه الأصول الإشتراكية القديمة، فبدأ الفقر يضرب المجتمع المصرى، و بدأ من ذلك الوقت تحديداً، تعطل نموه الإقتصادى، وإرتفاع الأسعار وإنعدام فرص العمل ، وكانت تلك هى القشة الحقيقية التى قضمت ظهر الجمل، وبصرف النظر عن تأثير الثورة التونسية التى إشتعلت فى الشهر السابق مباشرة، فقد إنفجر غضب الشعب المصرى، الذى كان يغلى منذ سنوات ، فى ثورة غضب كبرى بدأت فى 25 يناير سنة 2101م، وإنتهت بالإطاحة بحكم حسنى مبارك وعصره خلال ثمانية عشر يوم فقط.

لم تكن ثورة يناير ثورة متكاملة الأركان واضحةالمعالم والأهداف، ولكنها كانت إنتفاضة غضب عارم أكثر منها ثورة، كان الجميع متفقاً على الهدف العاجل منها وهو إسقاط نظام التوريث الفاسد، أما الهدف الآجل فقد إختلفت فيه التيارات السياسية المشاركة فى الثورة تبعاً لإنتمائاتها السياسية المختلفة، فبالنسبة للإسلاميين كان الهدف هو إقامة الحكم الإسلامى، وبالنسبة للعروبيين كان العودة إلى سياسات عبدالناصر القومية المناوئة للغرب، وبالنسبة لليساريين كان هو إقامة النظام الإشتراكى، وبالنسبة لليبراليين كان هو إقامة النظام الديموقراطى،أما الجماهير العريضة الغير مسيسة فقد عبرت عن مطالبها فى شعارات الحرية والعدالة الإجتماعية التى رفعتها بشكل عفوى،وقد إتفق الجميع ، بإستثناء الإسلاميين، على أن يشرف المجلس العسكرى الحاكم مؤقتا على وضع دستورمدنى جديد للبلاد قبل الدخول فى أى إنتخابات تشريعية أو رئاسية، لكن المجلس العسكرى خضع لضغط الإسلاميين، وقام بإجراء الإنتخابات فى ظل بعض المواد الدستورية التى قام بإصدارها، وترك مهمة وضع الدستور الجديد للسلطة الحاكمة الجديدة التى ستسفر عنها الإنتخابات، بمعنى أنه تركها للإسلاميين،أكبرالفصائل السياسية فى الشارع السياسى.وهكذا حكم على الثورة بالفشل مسبقاً، فقد إكتسح الإسلاميون، الإخوان والسلفيون، المجلسين التشريعين كما كان متوقعاً، كما فاز المرشح الإخوانى محمد مرسى بإنتخابات الرئاسة فى 30يونيو2012م ، ولو بصعوبة، ورغم وعود التنمية الخيالية، التى أطلقها أثنناء حملته الرئاسية بإحداث تطور فى مصر خلال مائة يوم فقط من توليه الحكم، وتحقيق مطالب الثورة فى الحرية والعدالة الإجتماعية، فالواقع أنه منذ اليوم الأول لحكمه لم يعد لديه شاغل سوى فرض الدستور الإخوانى على الشعب، والسيطرة على مفاصل الدولة، وتأسيس حكم إستبدادى طويل الأجل، وبدأ بالفعل فى العمل الدؤوب على تحقيق ذلك الهدف الوحيد مستهيناً بوعى الشعب المصرى، حتى إضطرته معارضة النخبة السياسية والقضاة والمثقفون والمؤيدة من قطاع عريض من الشعب، بإصدار إعلان دستورى فى نوفمبر 2012م يقضى بالتعطيل المؤقت لسلطة القانون حتى يتمكن من تمرير الدستور الإخوانى، فكان فى ذلك نهايته، فبرغم نجاحه فى تمرير الدستور بالفعل، فقد بدأت منذ ذلك اليوم حركة شعبية واسعة ضد حكمه، أعطتها المصاعب الإقتصادية المتصاعدة زخما كبيراً ، وصلت إلى ذروتها فى الخروج الكبير للشعب المصرى فى 30 يونيو2013م للمطالبة بتدخل الجيش وخلع مرسى، وكان أن إستجاب الجيش وقام بتنفيذ ذلك بالفعل فى 3يوليو2013م بالتحالف مع القوى السياسية والدينية فى المجتمع ، بما فيها التيار السلفى المنافس للإخوان ، وبناء على رغبة معظم قطاعات الشعب، ونتيجة لحركة الإرهاب الكبيرة التى فجرتها جماعة الإخوان منذ خلع مرسى،وخلو الشارع السياسى من أى قوى سياسية مدنية فاعلة، بعد إنسحاب محمد البرادعى المفاجئ بحجة الإعتراض على إستخدام العنف لفض إعتصام الإخوان فى مدينة رابعة العدوية ، أصبح قائد الجيش، الذى قاد عملية خلع الإخوان، عبدالفتاح السيسى، رئيساً لمصر فى مايو 2014م، بعد منافسة شكلية ضد مرشح من بقايا زمن الناصرية ، ووصلت ثورة يناير إلى نهايتها الرسمية بعودة المؤسسة العسكرية إلى الحكم ، وعودة مصر إلى حكم الملك الإله مرة أخرى.
فشلت ثورة يناير لإنه لم يكن هناك ثقافة تحميها ، فقد كانت مصر مازلت أسيرة لثقافة النطاق الحضارى الشرق أوسطى التى تبنته دولة يوليو ، ثقافة الحاكم الإله والدين ، وكان من الطبيعى أن تؤول الثورة فى النهاية إلى أحدهما ، لكن يناير مع ذلك قد كسرت حاجز الخوف ، وفجرت ثورة ثقافية كبرى، بدأت بها رحلة الخروج من ثقافة ذك النطاق المتخلف، إلى ثقافة النطاق الحضارى الأوربى الذى بدأت به نهضتها ، والذى قد أصبح ، فى الواقع ، نطاقاً عالمياً يشمل معظم دول العالم التى آمنت بالأفكار العلمانية العظيمة التى أطلقتها الحضارة الغربية ، فى العقد الإجتماعى وحرية العقيدة وفصل الدين عن الدولة وصيانة الحريات الشخصية ، وسارت بها قدما وحققت نهضتها وحريتها السياسية ، معركة شرسة فجرتها ثورة يناير لتحطيم المقدسات الشرق أوسطية ، الحاكم الإله والدين ، معركة قد تستغرق عام أو مائة ، لكنها بدأت ولن تتوقف ، وأصبح فى حكم المؤكد ، أنه حين تكتمل رحلة تحررها الثقافى ، سوف تنجح ثورتها القادمة !!!

أهم المراجع :
1-عصر محمد على- الرافعى- دار المعارف
2-عصر إسماعيل-الجزء الأول-الرافعى-دار المعارف
3-عصر إسماعيل-الجزء الثانى-الرافعى-دار المعارف
4-الثورة العرابية واحتلال الإنجليزى-الرافعى-دار المعارف
5-مصر والسودان أوائل عهدالإحتلال-الرافعى-دار المعارف
6-مصطفى كامل،باعث الحركة الوطنية-الرافعى-دار المعارف
7-محمد فريد رمز الإخلاص والوطنية-الرافعى-دار المعارف
8-ثورة 1919م-الرافعى-دار المعارف
9-فى أعقاب الثورة المصرية-الجزء الأول-الرافعى-دار المعارف
10-فى أعقاب الثورة المصرية-الجزء الثانى-الرافعى-دار المعارف
11-فى أعقاب الثورة المصرية-الجزء الثالث-الرافعى دار المعارف
12-مقدمات ثورة يوليو سنة 1952م-الرافعى-دار المعارف
13-ثورة 23 يوليو سنة 1952م-الرافعى-دار المعارف
14-ثورة 23 يوليو-أحمد حمروش-الهيئة المصرية العامة للكتاب
15- أوراق من تاريخ مصر- د.عبدالعظيم رمضان
-الدراسة الثامنة- ثورة يوليو فى الميزان التاريخى.
الهيئة المصرية العامة للكتاب.
16-تاريخ الشرق الأوسط - بيتر مانسفيلد - ترجمة- عبدالجواد سيد
- مطبعة الفتح - توزيع منشأة المعارف - الإسكندرية
17-مبارك وزمانه - محمد حسنين هيكل - دار الشروق- القاهرة