اللي إختشوا ماتوا! عن ترامب وحقوق المواطنة لدينا

إلهام مانع
2017 / 2 / 2



اللي إختشوا ماتوا! عن ترامب وحقوق المواطنة لدينا

"وأكثر ما أدهشني آفة النفاق والنكران.
هناك… بعيداً… في الغرب… كل الآفات.
هناك… بعيداً… في الغرب… كل الموبقات.
وهناك تُنتهك الأعراض ويعيش الشواذ وينام الأخ مع أخته.
وهنا؟
قلتها، فبَصقوا في وُجهي." (صدى الأنين، دار الساقي، 2005)

-----

فعلاً!
وماذا عن هنا؟

تابعت، و بشغف اذا اردتن الصدق، الضجة التي اقمناها في بلداننا العربية والإسلامية بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمنع دخول مواطني ومواطنات سبع دول عربية وإسلامية إلى الولايات المتحدة لمدة تسعين يوماً.

وَقرأت، وانا اكاد ابتسم، إدانة القيادات الدينية المسلمة التقليدية لما أسموه إستهدافاً للمسلمين/ات في الولايات المتحدة.
و هَدأت نفسي وانا استمع إلي قيادات إسلامية من قوى الإسلام المتطرف والسياسي تحدثنا عن أهمية المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان، التي يجب أن تُحترم.

ثم أشحت بوجهي، كي لا أنفجر.

ولم أتعجب.
ولم استغرب.
ولم أندهش.

فقد كان ذلك عهدي في الماضي.
عقلي يضج مَوجوعاً من الأسئلة، يصرخ من منطق الخيار والفقوس.
ولأنه منطق عام غالب سائد، كنت أجد نفسي مضطرة إلى خنقها، كتمها، ابتلاعها، وَعيناي مغمضتان.

إذن، أكثر ما كان يُذهلني هو آفة النفاق والنكران.
ومَقدِرتنا العبقرية على الخداع،
خداع أنفسنا.
مرآة لواقعنا الفكري والحقوقي المزري.
الكذب على النفس هو أساسه.

وأرجو أن لايُفهم حديثي على أنه دعم للرئيس ترامب وقراره.
موقفي معروف.
حددته في مقال نُشر بالإنجليزية (وصلة المقال مُرفقه في نهاية هذا الحديث) و انتقدته بكلمات واضحة في مقابلة مع تلفزيون محلي سويسري.

أدنتُ القرار وإن اختلفت في توصيفه.

قلت إنه من ناحية التوصيف ليس حظرا على دخول المسلمين، فقد استهدف سبعة دول فقط من أكثر من خمسين دولة ذات أغلبية مسلمة. ولأن المسلمين والمسلمات من الدول الأخرى يمكنهم/ن الدخول إلى الولايات المتحدة بلا مشاكل فإن القول إن القرار حظرٌ على المسلمين يُجانبُ الصواب.

رغم ذلك فإن القرار تمييزي:

1. لأنه يستهدف أشخاصاً بشكل عام، لا لجريمة ارتكبوها/إرتكبنها، بل بسبب انتمائهم/ن إلى دول معينة.
2. لأنه ينتهك معاهدات جنيف التي تنص على ضرورة توفير الحماية واللجوء إلى الفارين/ات من جحيم الحروب والدمار. 3. لأنه ينتهك سيادة القانون عندما يمنع من حصل على التأشيرة والبطاقة الخضراء، وفقا للقانون الأمريكي، من الدخول إلى الولايات المتحدة. فأساس أية دولة تحترم نفسها هو احترامها لقانونها وسيادته (طبعاً على افتراض أن القانون عادل).

ما قلته هنا يشير إلى اتساقٍ في المواقف.
حقوق الإنسان لاتتجزاً.
ليست خياراً وفقوساً. اختار منها ما يناسبني، واترك ما لا يعجبني.
فكما ادافع عنها هنا، اطالب بها هناك.

لكننا لا نفعل هذا هنا.
ليس هذا موقف علمائنا الأجلاء ولا شيوخ وقيادات الإسلام السياسي والسلفي المتطرف.
يطالبون بحقوق متساوية للمسلمين والمسلمات، بحدةٍ وبحرقة.
ويَّذكرون العالم بحقوق الإنسان، أهمية احترامها… وتحديداً هناك.
تحديداً هناك.
هناك… وليس هنا.
لكن عندما يتعلق الأمر بحقوق المواطنة المتساوية لدينا هنا، في بلداننا، يحط عليهم صمت القبور.
صمتٌ يندىّ خجلاً.

ولذا وددت لو طرحت السؤال على الداعين إلى احترام حقوق المسلمين والمسلمات... هناك.
وماذا عن هنا؟
ماذا عن هنا؟

وماذا عن حقوق المواطنين والمواطنات من أصحاب الأقليات الدينية لدينا؟
وماذا عن حقوق المواطنين والمواطنات من اللادينيين لدينا؟
وماذا عن حقوق المواطنين والمواطنات ممن قرروا/ن ترك الإسلام لدينا والتحول إلى دين اخر؟
وماذا عن حقوق المواطنين والمواطنات في التعبير عن ارائهم/ن وافكارهم/ن كما هي دون رقابة لدينا؟
وماذا عن حقوق المواطنات في المساواة في الحياة العامة والخاصة، وحقهن في الزواج بغير المسلم لدينا؟
ثم ماذا عن حقوق المواطنين والمواطنات من المثليين والمثليات لدينا؟

ماذا عن حقوق المواطنة الكاملة لكل هؤلاء؟
هنا؟
هنا، لا هناك.

طبعا، هنا، الوضع بالنسبة لهم مختلف.

شيوخ الإسلام التقليدي وقيادات الإسلام السياسي والسلفي المتطرف سيردون علينا متذرعين بخصوصية الإسلام والشريعة الإسلامية.

وفي الواقع سيكون صعباً ان نتوقع منهم موقفا مختلفاً في الوقت الذي يرفضون فيه إحترام حقوق من يخالفهم في المذهب، فما بالك في الدين، الفكر، النوع والميول الجنسية؟

خيار وفقوس.
وكيل بمكيالين.
نطالب بالحقوق عندما تتعلق بنا، ونلعن سنسفيلها عندما تتعلق بكل ما هو مختلف عنا.

ولذا وددت لو استحينا قليلاً.
نخجل ولو إلى حد.
نتعلم مما يحدث الآن من حولنا. من هؤلاء الذين يسميهم شيوخ التطرف "كفاراً".
نتعلم من اعتراضهم/ن ومظاهراتهم/ن على قرار المنع في الولايات المتحدة والدول الغربية، وتحديهم/ن له، بالقول وبالفعل.
وكان القول والفعل نتاجَ منطقٍ إنساني حقوقي.
نابع من مبدأ بسيط، حقوق الإنسان لاتتجزاً.
إنسان يدافع عن إنسان.
لا يكيل بمكيالين.
كشيوخ الإسلام التقليدي وقيادات الإسلام السياسي والسلفي المتطرف،
الذين يسمون المسلم فقط إنسانا، وغيره بعير.


الوصلة الخاصة بمقال نقد قرار ترامب: http://www.huffingtonpost.com/entry/it-is-not-a-muslim-ban-but-it-is-discriminatory_us_58907b73e4b02c397c178bf7