النزعات الميكافيلية في فلسفة الأحزاب السياسية الإسلامية

صادق إطيمش
2017 / 2 / 2

نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي (بالإيطالية: Niccolò di Bernardo dei Machiavelli)‏ (3 مايو 1469 - 21 يونيو 1527) ولد وتوفي في فلورنسا، كان، كما تصفه موسوعة الويكييبيديا ، مفكرا وفيلسوفا سياسيا إيطاليا إبان عصر النهضة. كما ويشير بعض الكتاب والمؤرخين إلى دوره الإيجابي في عصر النهضة ألأوربية، بالرغم من بعض الطروحات السلبية التي تبناها في منهجه السياسي. فقد هاجمه البعض حتى أصبح اسمه ملازماً للشر دائماً حتى في الفنون الشعبية. وأول من هاجم مكيافيلي هو الكاردينال بولس مما أدى لتحريم الإطلاع على كتاب الأمير ، اهم ما ترك من مؤلفات، وللحيلولة دون نشر أفكاره . ووضعت روما كتابه عام 1559 ضمن الكتب الممنوعة وأحرقت كل نسخة منه. ولكن وعندما بزغ نور عصر النهضة في أرجاء أوروبا ظهر هناك من يدافع عن مكيافيلي ويترجم كتبه. ولم يصل مكيافيلي وفكره لما وصل إليه الآن إلا في القرن الثامن عشر عندما مدحه جان جاك روسو، وفيخته، وشهد له هيغل بالعبقرية. ويُعتبر مكيافيلي أحد الأركان التي قام عليها عصر التنوير في أوروبا.
ربما استندت الشهادة له بالعبقرية من قبل هيغل إلى ما ابتكره من فنون التعامل مع الواقع السياسي الذي يعيشه العامل في هذا الحقل. تلك الفنون التي ابتعدت عن كثير من مستلزمات توفر القيادة الإنسانية الحقيقية لدى شخص ما على حساب السلوك الأخلاقي والإلتزام المبدئي. وانطلاقاً من كثير من المبادئ الميكافيليّة اصبح العمل في الحقل السياسي مشوباً بالصفات التي لا تنم بالضرورة عن الثقة او الصدق.
لقد طرح ميكافيلي كثيراً من تصوراته حول ما يجب ان يكون عليه السياسي شخصياً وما ينبغي عليه ممارسته عملياً ، إذا اراد النجاح في حقله هذا، بغض النظر عن النتائج الإجتماعية وردود الفعل الأخلاقية. إلا ان البعض ذهب في تحليل طروحات ميكافيلي هذه الى انه اراد بذلك وصف حالة الحاكم في تلك العصور التي عاشها وإرجاع سبب استمرار الحكام في مناصبهم إلى هذه الصفات التي ارتبطت بسياساتهم. ومهما يكن من امر فإن ارتباط كل ذلك باسم ميكافيلي جعل من التشبه باسمه اشارة إلى التردي في الأداء السياسي خاصة من الناحية الأخلاقية.
وحينما نتطرق إلى بعض هذه التصورات ونحاول مقارنتها بواقعنا اليوم في المجتمعات العربية والإسلامية ، خاصة بما يجري في وطننا العراق في الوقت الحاضر، فسنجد انعكاسات هذه التصورات على الواقع السياسي الذي لم ينتج سقوطاً اخلاقياً لدى الساسة والقياديين في شؤون الدولة فقط، بل وسبب انهيارات اجتماعية تجلت في الفقر والجهل والفاقة والتخلف الفكري.
فمن جملة ما دعى له ميكافيلي مثلاً:
• مبدأ الغاية تبرر الواسطة.
• الفصل بين الأخلاق والسياسة.
• البيروقراطية والعزلة التامة عن الجمهور.
• المتعة المضاعفة عندما تخدع المخادع.
• إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس. كان المواطن الروماني يخشى حنث اليمين أكثر من القوانين، لأنه يهاب أولئك الذين يمثلون سلطات الرب أكثر من الرجال.
• حبي لنفسي قبل حبي لبلادي.
هذه وغيرها من المبادئ التي نجد لها صدى قوياً اليوم ليس في بلاد الرومان التي نشأت عليها في القرون الوسطى ، بل في بلاد العربان وعباد الرحمن في القرن الحادي والعشرين.
فمبدأ الغاية تبرر الواسطة اصبح نهجاً ثابتاً في سياسة الأصل الذي نشأت عليه مختلف الأحزاب الإسلامية التي انشطرت عن حزب الأخوان المسلمين الذي اسسه الشيخ المصري حسن البنا عام 1924. ومثل هذا التوظيف لهذا المبدأ الميكافيلي لا يمكنه إلا ان يرتبط بالكذب على الناس وخداعهم للوصول إلى الهدف المنشود في النشاط السياسي وهو اإستيلاء على السلطة السياسية اولاً واخيراً وليس لتثبيت الدين او نشره او اي اكاذيب اخرى يتبجح بها رواد الإسلام السياسي عند التبشير بدعوتهم. فحركة الأخوان نشأت منذ بداياتها الأولى على تبني العنف كوسيلة لتحقيق الهدف، فوضعت شعارها السيوف المتقاطعة وعبارة " وأعدوا" تحتها.كما اباح فقهاؤهم استعمال العنف حتى وإن طال بعض المسلمين الأبرياء الذين لا دخل لهم بصراع الإسلاميين على السلطة، مفسرين ذلك بمفعول الدواء الذي يأخذه المريض للشفاء من مرض ما والذي قد تنشأ عنه اعراض جانبية مضرة للجسم بالرغم من شفاء الجسم من المرض المعني. فقتل انسان بريئ إذن هو عارض جانبي لابد منه إذا ما ارتبط ذلك بتحقيق هدف الإسلاميين بالإستيلاء على السلطة السياسية. ونفس هذا الحزب الإسلامي بادر إلى خداع الجماهير باعلانه التخلي عن العنف واعلن انه سيتبنى التجربة الإسلامية التركية بالعمل وفق نظرية الإسلام المؤسساتي الذي اعلنه حزب العدالة والتنمية التركي والذي يرى طريق الوصول إلى مؤسسات الدولة عبر ما توفره الديمقراطية من اساليب الإنتخابات وغيرها. وعلى هذا الأساس قدم حزب الأخوان المصري اعضاءه للإنتخابات البرلمانية المصرية على اساس انهم مستقلون ولا يمثلون اي حزب اسلامي وهم ذوي توجهات اسلامية فقط، شانهم شأن الأكثرية المسلمة للشعب المصري. وهذا هو الخداع بعينه الذي تجلى على احسن صوره حينما وصل حزب الأخوان المسلمين الى قمة السلطة عن طريق الإنتخابات التي تخلى عن اساليبها وانتهج القمع تجاه الآخرين الذيين كشفوا زيف ادعاءات الأخوان بعد وجودهم لفترة زمنية قليلة على قمة السلطة السياسية في مصر. وما مارسه حزب الأخوان في مصر من الكذب والخديعة لا يقل شأناً عما تمارسه بقية احزاب الإسلام السياسي اكان ذلك في ليبيا او في تونس او في الجزائر او في سوريا او في الأردن او في الصومال او في اي مجتمع اسلامي آخر للإسلاميين فيه تنظيم ناشط سياسياً. اما في وطننا العراق فلا حاجة للحديث عن اكاذيب احزاب الإسلام السياسي بكل توجهاتها المذهبية ومواصلة خداعها للجماهير منذ ان جاء بها الإحتلال الأمريكي لوطننا كخليفة لحكم البعثفاشية المقبور. فقد طبقت هذه الأحزاب كل المبادئ الميكافيلية بدءً بالخداع ومروراً بالسقوط الأخلاقي وسرقة اموال الشعب وخيرات الوطن والتجارة بالدين وتأجيج العنف الطائفي والإثراء الفاحش وتفشي الفساد بكل انواعه وانتهاءً ببيع الوطن وهويته لكل من يدفع الكثير لملئ بطونهم التي اصبحت كجهنم تنتظر المزيد دوماً.
لا فائدة من الإطالة في سرد سيئات احزاب الإسلام السياسي اينما وجدت في مناطق نشاطها السياسي وفي كل المجتمعات الإسلامية، إذ ان ذلك سيأخذ وقتاً لا نهاية له لأن هذه السيئات الملتصقة بسقوط دعاة الإسلام السياسي اخلاقياً وتخلفهم فكرياً وفشلهم اقتصادياً وانحطاطهم اجتماعياً قد لا تستوعبه كثير من المجلدات. ومن الممكن اتباع الطريق الأسهل للوقوف على حقيقة تجار الدين هؤلاء وذلك من خلال طرح السؤال على من يستطيع ان يسعفنا بمثال واحد فقط لا تتبنى فيه احزاب الإسلام السياسي تعاليم ميكافيلي في التخلي عن الأخلاق او في الكذب والخداع او في توجهاتها للتخلي عن الهوية الوطنية وابدالها بالهوية الطائفية وبيع الوطن واراضيه وشعبه وسرقة خيراته أو اي مبدأ ميكافيلي آخر سواءً في وطننا العراق او في اي بلد آخر تمارس فيه هذه الأحزاب نشاطها السياسي ؟؟؟ فمن يجد في نفسه الكفاءة لإثبات غير ذلك ، ولو بمثال واحد كما ذكرنا اعلاه، فسأضمن له طوبى.