هيرو هيتو: مجرم حرب ياباني.. غسلت سمعته واشنطن

السيد شبل
2017 / 1 / 29

في عدوان اليابان على الصين (1937 - 1945)، ارتكبت مجازر عنيفة للغاية، وانتهاكات حرب بالجملة، ضمن "الفضائع الثلاث": الحرق الشامل، والنهب الشامل، والقتل الشامل.. الصين خسرت ما بين (10 إلى 20 مليون) خلال هذه السنوات، بسبب هذا العدوان وعمليات القتل الجماعي التي صاحبته.

كان الإمبراطور الياباني الحاكم وقتها، هو هيروهيتو (أو شووا)، وكان حاكمًا فعليًا (فيما بعد لم يعد الإمبراطور يمارس سلطة فعلية)، الجرائم اليابانية بحق الصينيين، امتدت لإجراء تجارب "طبية" في وعلى الأسرى، بما يتضمن نزع أعضاء وبتر أطراف وإجراء عمليات بدون تخدير، هذا وحده قتل الآلاف (وفي مجزرة واحدة هي: نانجينغ قتل أكثر من ربع مليون).. لكن، رغم فظاعة الـ 3 سطور السابقة، يبقى نقطة في بحر جرائم ارتكبتها اليابان في الصين، وارتكبت مثلها، وبالتزامن في كوريا التي هيمنت عليها من (1910 إلى 1945).. لكن كل ماسبق لم يجعل من طوكيو مشهورة في العالم (على الأقل: الثالث)، كمجرمة حرب بحق الصينيين، ولم يجعل من إمبراطورها، هيرو هيتو أو (شووا) مُدرج ضمن السفاحين.. لماذا؟، السبب ببساطة، أن معسكر الحلفاء الذي خرج منتصرًا من الحرب العالمية الثانية، تزعمه غربيا (إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة)، أراد تهميش دور الصين، التي قادت عملة مقاومة شرسة بزعامة ماو سي تونج من جهة؛ والكومنتنانج من جهة (على ما كان بين الطرفين من احتراب أهلي قبل العدون الياباني واحتلا منشوريا -وسيستمر بعده-)، لكن هذه المقاومة القوية، لم تكن على مزاج الأنجلو/أمريكيين، خاصة وأن اشتراكية ماو، وطموحاته الاستقلالية، لا ترضيهم، لذا تم التشويش على الصين و"ملايينها" الذين سقطوا في الحرب، (وبالمثل تم التعمية على خسائر السوفيت على يد النازية، والبالغين نحو 20 مليون)، حتى منصب العضو الدائم في مجلس الأمن الممنوح للصين، سيتم وهبه لسلطة الكومنتانج المخلوعة في نهايات 1949 على يد ثورة "ماو" ورفاقه، والتي فرّت إلى تايوان، وحولتها إلى قاعدة أمريكية (على المستويين الاقتصادي والعسكري)، بما يعني، دع سلطة حكم مخلوعة، تحصنت في جزيرة محدودة المساحة، وعدم قبول ما قبله الشعب الصيني (واستمر الاوضع حتى 1971، حتى اتسردت الصين الماوّية كرسيها في مجلس الأمن).. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تم إعادة بناء تاريخ "الحرب اليابانية الصينية"، بحيث تبدو اليابان كأنها مشطوبة الجرائم ترفرف بجناحين.. لماذا، مرة ثانية؟، لأنه بعد العمل العداوني الذي قامت به إدارة هاري ترومان (مجرم حرب آخر، لا يشيع أسمه؟!) الرئيس لأمريكي بقصف هيروشيما وناجازاكي بالنووي، قبل الإمبراطور الياباني بالاستسلام، يعني لم يعلن المقاومة، بل خضع، وصافح من قصفوا شعبه بالنووي!، وصحب جيوش الحلفاء (الأمريكية) وهي تستبيح أرضه، وبارك دخول 350 ألف مقاتل إلى اليابان، هذا الموقف لاقى استحسان أمريكي، ونبههم، إلى أن الرجل مستعد لتطويع بلاده لصالحهم، أو بالأصح لصالح منظومة النهب التي يتربعون على عرشها، كما أن الجنرال الأمريكي، (دوجلاس ماكرثر)، الذي قاد القوات الأمريكية، في اليابان، أدرك أن الشعب متعلق بالإمبراطور تعلق وثني (عشرات اليابانيين انتحروا أمام قصر الإمبراطور، بعد استسلامه، لأنهم رأووا أنهم تسببوا بضعفهم في استسلامه!!، أو ربما بدافع وطني متطرف!!)، أيا ما كان، التقط دوجلاس الخيط، وعرف أنه سيكون عمل استفزازيًا للشعب، بالإضافة إلى أن الرجل على استعداد للتعاون، ومبادر بتحويل بلده لمحطة ومرتكز وقاعدة وثوب في الصراع مع الاتحاد السوفيتي، الخارج منتصرًا هو الآخر من الحرب الثانية، إن لم يكن هو صاحب الكلفة الحقيقية في النصر على النازية. إذن كان هيرو هيتو (شووا) مجرمًا تمامًا، بحق ملايين الصينيين، وكانت هناك مطالبات غربية حتى بعقابه (على خلفية بيرل هاربر) لكن دوجلاس، انتصر أو بالأصح انتصر في إيصال رأيه، الذي مفاده: "هذا رجلنا"، وتم عقاب بعض القادة العسكريين اليابانيين (في المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى)، وطويت الصفحة، حتى قائد الفرقة 731، التي ارتكبت الأعمال الإجرامية الفظيعة تحت شعار "البحث العلمي" بحق الأسرى والمدنيين الصينيين، لم ينفذ فيه حكم الإعدام، بعد أن اشترى من الأمريكيين، رقبته، بأن قدّم خلاصة تجاربه.

حتى اليوم توجد قواعد أمريكية ومطارات عسكرية باليابان، والجنود لأمريكيين، متهمين في العديد من قضايا الاغتصاب بحق يابانيات وبعض تلك القضايا تتحرك، وبعضه يتم التشويش عليه وإماتته، رغم احتجاجات آلاف من سكان جزيرة أوكيناوا ضد القواعد (والجزيرة تحتضن 32 قاعدة عسكرية أمريكية.. 62% بالمئة من القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في اليابان).. أما تخفيض عدد الجنود الأمريكيين باليابان فيما بعد عام 50، فله قصة أخرى، لكن يجب التنبيه أولا، أن القوة العسكرية هي لضمان مصالح و تثبيت هيمنة، فإذا تحقق الاثنان، فالوجود العسكري الكثيف خارج الحدود يصبح عبئًا على الدولة، لكن السبب الرئيسي في التضاؤل التدريجي للعسكريين الأمريكيين باليابان حتى "انتهاء" الاحتلال بمعاهدة سلام في 1951، كان مرتبط بالأساس، باندلاع الحرب الكورية، بين الشمالية والجنوبية، وكانت الولايات المتحدة، كما هي حتى اليوم، تؤيد الجنوبية، وتمنع اتحاد الكوريتين، وعليه حركت قواتها في اتجاه كوريا الجنوبية لصد هجوم الشماليين، وطبعا اصطف كامل المعسكر الغربي وراء أمريكا، بالإضافة إلى تابعيها، في هذه المعركة (حتى عدنان مندرس التركي أرسل قواتًا من الأناضول للمساعدة!).

ومع تكاثف الدعايا حول الحرب "العالمية" لثانية، ومجهودات الدعايا المنظمة، في شيطنة أطراف، وتبرئة أطراف، صارت كتب التاريخ، أو المقالات التي تتناول هذه الحقبة تخلو من أمرين: الأول، إدانة هيرو هيتو (شووا)، الثاني، حجم ما أنفقته الصين من دمائها، جراء أطماع وهوس وفاشية النخبة الحاكمة في طوكيو!.. بل ما جرى هو الأسوأ، وهو حملات دعاية منظمة لتلميع وتسويق صورة اليابان عالميًا، فقط، لأنها ارتضت أن تضع نفسه في خدمة الولايات المتحدة، وتم دعمها كنموذج منافس ومكايد للسوفيت سابقا، وللصين حتى اليوم.
وإن كان لا ينكر تقدم اليابان التكنولوجي حاليا (رغم أن انعكاس الأمر شعبيًا مبالغ فيه إلى حد بعيد جدا.. يكفي مثلا أن تعرف أنك في طوكيو ستعاني من زحام في الشوارع وتكدس في مترو الأنفاق، شبيه بالقاهرة، على الأقل!).. لكن هناك شيء آخر يُسقطه كثيرون، خاصة هواة عقد مقارنات بين الصين التي ارتدت ثوب التحدي لأمريكا (على الأقل حتى رحيل ماو في 1976، ثم بنسبة أقل أو في سياق مختلف بعده) وبين اليابان التي دفعت ضريبة قاسية من كرامتها بانضوائها أسفل العباءة الأمريكية، في محاولة -مادية مجتزأة- للانتصار للنموذج الثاني، أن عدد سكان اليابان يساوي 130 مليون، وهو تقريبا 1/10 من سكان الصين البالغين نحو 1,4 مليار ، والصين قادرة على إطعامهم وتسكينهم وعلاجهم (ولو بحد متسوط، أو شبه)، وأن الصين تؤكد حضورها بمنتجاتها التي تتنوع من العالم الثالث حتى العالم الأول، وأن عائد التصدير يذهب للداخل الصيني (وهذا ما استفز ترامب، على الأقل، بينما لم يستفزه المنتج الياباني!).. وأن الصين، حاضرة كرقم مهم في العالم، وقطب دولي تنشد إليه العيون، وتتنوع أماكن بروزه في القارات الخمس، بينما اليابان تستعين، أو يُستعان لها بشركات علاقات عامة تفبرك أحيانًا وتروج أحيانًا أخرى لـ"بروبجندا" طفولية على الفيس بوك اسمها #كوكب_اليابان!!.