مقتطفات من ترجمة كتاب المصادر الأصلية للقرآن-سان كلير تيسدال- الفصل الثالث2

عبدالجواد سيد
2017 / 1 / 27

مقتطفات من ترجمة كتاب المصادر الأصلية للقرآن- سان كلير تيسدال-الفصل الثالث2
ونأتى الآن إلى اليهود، والذين أخذ منهم محمد الكثير، بحيث يمكن وصف عقيدته بأنها مجرد شكل هرطقى من اليهودية المتأخرة ، ففى زمن محمد لم يكن اليهود كثيرى العدد فقط، ولكن كانوا أقوياء فى أجزاء عديدة من الجزيرة العربية أيضاً. وإنه مما لاشك فيه أن كثيراً منهم قد إستقر فى هذه البلاد عبر عصور مختلفة، أثناء فرارهم من غزاتهم الكثيرين ، كنبوخذ نصر، وخلفاء الإسكندر الأكبر، وبومبيوس ، وتيتوس ، وهادريان ، وآخرين ممن إكتسحوا ودمروا فلسطين. ولقد كانوا كثيريين فى مجاورات المدينة ، بشكل خاص، وهى المدينة التى إمتلكوها بالسيف ، فى زمن ما. وفى زمن محمد كانت القبائل اليهودية الثلاث الكبرى ، بنو قريظة ، وبنو النضير ، وبنو قنينقاع ، التى إستقرت فى مجاورات المدينة ، على قدر كبير من القوة ، لدرجة أن محمداً ، وبوقت قصير بعد وصوله هناك حوالى سنة 622م ، عقد معهم تحالفاً هجومياً دفاعياً، كما كان هناك مستوطنات يهودية أخرى فى مجاورات خيبر ووادى القرى، وعلى سواحل خليج العقبة. ولاشك أن حقيقة إمتلاك اليهود لكتب مقدسة، وأنهم كانوا من نسل إبراهيم ، الذى كانت قريش وقبائل أخرى يعتبرونه جدهم الأكبر، قد أعطى للإسرائيليين ثقلاً ونفوذاً، ومن ثم فقد كان من الطبيعى أن تتعرض الأساطير المحلية لعملية إنصهار مع تاريخ وتقاليد اليهود، وبعملية تعديل صغيرة ، أصبح تاريخ فاسطين ، هو تاريخ الحجاز. وهكذا قُدست أرباض الكعبة بصفتها مشهد محنة هاجر، كما قُدس بئر زمزم بصفته مصدر خلاصها، وهكذا أصبح الحجيج يهرعون بين الصفا والمروة إحياءً لذكرى هرولتها بحثاً عن الماء، كما أصبح إبراهيم وإسماعيل، هما اللذان بنيا الكعبة، ووضعا بها الحجر الأسود، وأسسا الحج إلى عرفا ، لكل جزيرة العرب. وكتقليد له ، كان رمى جمرات الحجيج ، وكأنها ترمى على الشيطان، كما كانت الأضحيات التى تقدم فى منا، وكأنها إحياءً لذكرى التضحية البديلة، التى قدمها إبراهيم ، أى الحمل. وهكذا، وبرغم أن الشعائر المحلية، كانت قليلة ، على فرض أنها وجدت أصلاً ، فقد تغيرت بتبنى الأساطير الإسرائيلية ، وأصبحت تُرى بشكل مختلف تماماً ، حيث إرتبطت فى المخيلة العربية بشئ من قداسة إبراهيم ، خليل الله. لقد كان تأسيساً على هذه الأرضية العامة ، أن إستعد محمد ، وأعلن على شعبه نظام روحى جديد ، كان يمكن لكل الجزيرة التجاوب معه، وإحتفظ بتقاليد الكعبة كما هى ، والتى ورغم تجردها من كل التوجهات الوثنية ، فمازلت تغطى ، بكفن عديم المعنى غريب ، يلف توحيد الإسلام الباق.
وقد أدخل الإنتساب إلى الأجناس الإبراهيمية ، عقيدة خلود الروح والبعث من الموت أيضاً ، ولكن ذلك إرتبط بكثير من الأفكار الخيالية لتطور الفكر العربى. وقد صور إنتقام الروح القتيلة كطائر يزقزق من أجل القصاص من القاتل، وأحياناً كان يًترك جمل للموت جوعاً على قبر سيده ، بحيث يمكن أن يكون مستعداً لحمله مرة أخرى عند بعثه من الموت. كان هناك كثير من اللغة الإنجيلية فى إستخدام شائع أيضاً، أو على الأقل، شائعة بقدر يكفى لإن تكون مفهومة بشكل عام. إن الإيمان والتوبة والجنة والجحيم ، والشيطان وملائكته ، والملائكة السماويين ، وجبريل المبعوث الإلهى، هى نماذج مأخوذة من أحد المصادر اليهودية ، سواء كان متداولاً أو لا. وبالمثل كانت قصص سقوط الإنسان من الجنة، والفيضان، وتدمير مدن السهل ، قصصاً معروفة ، بحيث يمكن أن يقال أنه كان هناك مادة غزيرة من الأفكار الروحية الخام ، جاهزة تحت تصرف محمد. ويخبرنا الكتاب العرب الأوائل ، أنه عند ظهور محمد ، كان اليهود فى إنتظار قدوم المسيح ، وأنهم قد إعتادوا تهديد أعدائهم بالإنتقام الذى سيوقعه بهم النبى المنتظر. ولقد كان لذلك ، بالتأكيد، تأثيره فى دفع بعض العرب ، وخاصة بنو الخزرج أهل المدينة ، كما يخبرنا إبن إسحاق ، لقبول محمد ، كذلك النبى المنتظر.
أعلن محمد أنه كان مفوضاً إلهياً ، ليس لتأسيس عقيدة جديدة ، ولكن لدعوة الناس لعقيدة إبراهيم ، ولهذا فقد كان من الطبيعى بالنسبة إليه ، أن يحاول كسب اليهود إلى جانبه. وقد حاول فعل ذلك فى المدينة، ولبعض الوقت، بدا وكأنه يملك فرصة معقولة من النجاح. إن إحدى الخطوات التى إتخذها فى ذلك الوقت تظهر هذا الهدف بوضوح، حيث إتخذ من أورشليم قبلة لعقيدته، بمعنى أنه قد أمر أتباعه بتقليد الممارسة اليهودية فى تولية وجوههم بإتجاه أورشليم عند الصلاة. وفى مرحلة لاحقة ، عندما إختلف مع اليهود ووجد أنه من الأفضل مراضاة العرب، فقد إختار مكة كقبلة ، والتى إستمرت قبلة المسلمين حتى اليوم. وبمجرد وصوله إلى المدينة، وعندما لاحظ إنهماك اليهود فى أداء طقس يوم الغفران، فقد فرض نفس الطقس على أتباعه ، متبنياً حتى نفس الإسم (عاشوراء) والذى كان يعرف به بين اليهود ( ذكرى نجاة موسى من فرعون). وبلاشك فإن الأضحيات التى كانت تقدم فى تلك المناسبة، كان يقصد منها أن تحل محل الأضحيات التى إعتاد العرب الوثنيون تقديمها فى وادى منا أثناء الحج إلى مكة، ولم يكن حتى أبريل سنة 624 ، وبعد خلافه مع اليهود ، أن أسس محمد إحتفال عيد الأضحى ، والذى يفترض أنه كان يقصد إلى إحياء ذكرى تضحية إبراهيم بإبنه إسماعيل(إسحاق عند اليهود ، إسماعيل عند العرب). وحتى هنا يمكننا رؤية تأثير اليهودية على الإسلام. ومازال المسلمون يؤدون هذه الشعيرة حتى اليوم. وقد أطلق محمد الممارسة اليهودية فى تقديم أضحيتين فى يوم العيد ، واحدة عن قومه والأخرى عن نفسه ، رغم أنه قد عكس الترتيب اليهودى ، والذى بموجبه ، كان الحاخام الكبير يقدم فى يوم الغفران ، أولاً لنفسه ، ثم لكل الشعب بعد ذلك. ففى هذه المسائل نرى المؤثرات اليهودية تعمل سواء من خلال تبنى محمد لشعائرها عندما أراد كسب اليهود ، أو فى تغييرها عندما لم يعد هناك أمل فى ذلك. وفى الحالة الثانية فقد كان يعود إلى عادات العرب الوثنيين، بشكل عام .
وبالنسبة لنظرية محمد عن المرجعية الإلهية للقرآن ، فإن هذه الظاهرة تستعصى على التفسير تماماً. إن معظم النصوص القرآنية، التى تم التأكيد فيها على أن القرآن يتبع عالم أنبياء إسرائيل ، وأن هذا يشكل دليلاً قاطعاً أنه من الله ، تعود، وتبعاً للرواة ، للفترة الواقعة قبل وبعد الهجرة بوقت قصير. وفى هذا الوقت أدخل محمد إلى السور التى جاء بها كثير من الأساطير اليهودية، كما ستظهر دراسة السور المكية والمدنية المبكرة التالية، ومع ذلك فسرعان ماوجد أن اليهود لم يكونوا مستعدين للإيمان به، رغم أنه قد وافق أهدافهم التظاهر، لفترة ما، بتأثرهم وإعترافهم بإدعائه. وقد كان محتماً أن ينشأ الخلاف ، إن عاجلاً أم آجلاً ، حيث لم يكن من الممكن لأى يهودى حقيقى أن يؤمن بأن المسيح ، أو أى نبى كبير آخر، قد توقع ظهوره من بين أبناء إسماعيل. ونحن نعلم كيف حدث الصراع ، وكيف ، وقد وجد محمد محاولة الإقناع غير مجدية ، أن إنقض فى النهاية على اليهود بمنطق السيف الذى لايقاوم ، وسواء قام بذبحهم أو طردهم من المدينة. ولكن قبل ذلك الوقت فقد كان قد أخذ عنهم الكثير، وحتى إذا لم نوافق مع بعض الكتاب، أن عقيدة التوحيد بالله ، قد أخذها الإسلام من التعاليم اليهودية، فلا يمكن أن يكون هناك شك فى أن إيمان محمد بتلك العقيدة ، قد تأثر كثيراً بالذى تعلمه من الإسرائيليين. ويمكننا أن نتقدم لنرى أن كثيراً من القرآن مشتق مباشرة من الكتب اليهودية. ومن التلمود وبعض الكتابات المتأخرة الأخرى بشكل أكثر من العهد القديم، فرغم أن اليهود العرب كانوا يملكون نسخهم الخاصة بالتأكيد، فلم يكونوا متميزين بالعلم ، ولذلك فقد أعطوا القيادة ، عملياً ، لتقاليدهم الكهنوتية، أكثر من كلمة الله. وعلى هذا فإنه ليس من المستغرب أن نجد قليلاً من المعرفة الحقيقية الخاصة بالعهد القديم فى القرآن، رغم أنه ، وكما سوف نرى، يحتوى على كم كبير من الأساطير اليهودية. أنه من المستحيل أن نستشهد بكل الفقرات التى تثبت ذلك ، ولكنا سنحاول الآن ذكر بعضها. يتبع!!!