الاقتصاد المصري قبل يوليو 52: تركيز للثروة في أيدي أقلية وأجانب.. وشقاء وبؤس للعامة

السيد شبل
2017 / 1 / 27

تظهر، بين حين وآخر، ولأغراض «غير نبيلة» عمليات ترويج ممنهجة للاقتصاد في زمن الحكم الوراثي، قبل يوليو 52، وهو العصر الذي كانت فيه مصر تحت الاحتلال الانجليزي المباشر لمدة 70 سنة، أي نصف العصر تقريبًا الممتد من (1805 حتى 1952)، وعليه فإن أي ترويج لهذا العصر، خاصة في نصف الأخير (لأنه من العسف دمج مؤسس الأسرة، مع خلفائه)، يعني بالتبعية الترويج للاحتلال، أو على الأقل تمييع الموقف منه، وتمهيد الأرض لقبوله من جديد سواء في صورة صريحة أو مستترة في الاستعمار الاقتصادي، كما تعاني أغلب دول العالم الثالث اليوم.

وتنوعت مواعيد التلميع للفترة المكلية، في السبعنيات، مثلا، حركتها قوى الردّة على انجازات ثورة يوليو (التصنيع، التنمية المستقلة، مجاينة التعليم، المشاريع القومية، والقضية الفلسطينية..)، وكان من الضروري، التمجيد في العصر الملكي، ليلائم مزاج طبقة الانفتاحيين «الإقطاعيين الجدد»، وكذلك للخفض من حجم إنجاز حركة الضباط الأحرار، التي جاءت كثمرة لنضال شعبي وسياسي مستمر منذ لحظة الاحتلال الذي ولج إلى البلاد متحالفًا مع القصر الملكي ممثلا في الخديوي توفيق وكبار الإقطاعيين، وعلى مدار الأربعين عامًا الفائتة كان الوضع على مثل هذا.

حتى جاءت الألفينات، وبرز «جمال مبارك» كوريث محتمل للعرش، وهنا برز التناقض الرئيسي مع مشروع يوليو، التي أنهت «توريث الحكم» في مصر، وعليه أنبرت الأقلام لـ «شيطنة» يوليو عبر تمجيد «الملكية»، وفي هذا السايق جاء مسلسل "الملك فاروق" تأليف: لميس جابر.

وفي كل الأوقات حاولت تلك الأكاذيب الترويج لنفسها، على قاعدتين الأولى، أن الأحوال الاقتصادية كانت أفضل، وهي خرافة، سنجتهد للرد عليها، والثانية أن قيم الحداثة والمدنية كانت متجذّرة بدرجة أكبر في المجتمع، وعند مقارنتها بالأوضاع الحالية تميل الكفة للعصر الملكي، لكن الحقيقة أن ما يُسقطه هؤلاء، أن هذه القيم كانت لـ «أقلية» محصورة داخل شريحة دقيقة، مرتبطة بالمحتل الأنجليزي، داخل أسوار عالية تشبه ثقافة «كمبوندات» هذا الزمن، لكن هناك أيضًا ما لا يتلفت إليه كثيرون، وهو أن يوليو لم تقدم مشروعًا سلفيًا في هذا الاتجاه أبدًا (وصور الشوارع والناس تشهد)، بل أنها «عمّمت وأمّمت» هذا السلوك والمظهر الحداثي المعصرن وأدخلت قطاعات عريضة من الشعب فيه (تثوير اجتماعي)، حتى على مستوى المسكن قدّمت مساكن حضارية مخططة بمساحات خضراء للعمال ومهندسي المصانع، وللطبقات الشعبية في المساكن العامة، وأن الردة الحقيقية على هذه الروح، كانت في السبعينات، حينما تم تمكين "الوهابية" من المجتمع، واختصار الدين في مظاهر، والشروع في التجارة بمبادئه السامية لتحقيق أغراض سياسية وتجارية، هذا مقترنًا مع الحديث عن «أخلاق القرية» وقوانين «العيب» وهي من نوع الحق الذي يراد به باطل، ونعني أنها شرعنت التسلط الاجتماعي والتخلّف الحضاري، والريفيّة على حساب المدنية، والواقع يؤكد أن المشروع الثقافي في الخمسينات والستينات هو الذي كان أقرب فعليًا للروح الشعبية، وهو الذي أعاد إحياء التراث، وأسس فرقة النيل الشعبية، وأطلق باحثيه في النجوع لتسجيل التراث وتجسير الفجوة بينه وبين العصر الحديث، على العكس من السبعينات التي رفعت شعارت فارغة من كل المضامين، وكان الفن فيها «فضيحة» متكاملة الأركان، وتشهد على هذا أفلام المقاولات بغرائزيتها وسفاهة موادها، وامتد الخط في عصر مبارك، وتُرجم ذلك، على سبيل المثال، في النمو السكني العشوائي، الناتج عن انصراف الدولة عن دورها في التخطيط العمراني وتقاعسها عن توفير السكن، فأُخليت المساحة للناس لتصريف أنفسهم، والسلطة تبارك وتُغمض عيونها ما دامت لا تتكلف بشيء!، وشاعت قيم الأنانية والفردانية، وظهرت العشوائيات التي استجلبت مع عصر «رجال الأعمال»، ونمو التفسخ المجتمعي، وانهيار كامل لمنظومة التخطيط الاقتصادي، ردة فعل متطرفة أخرى تُرجمت في عشرات «الكمبوندات: المجمّعات السكنية» لا تحمل واحدة منها اسمًا (عربيًا) في خطوة اغترابية صريحة، تعزز العنصرية الاجتماعية من خلف «الأسوار» العالية، والبوابات الشاهقة التي يحرسها مصريون فقراء يعملون لدى «شركات أمن مملوكة لأجانب»، ونحن هنا لا ننتهز الفرصة للنيل من منظومة الحكم في السبعينات وما بعدها، ولكن للفت النظر للنوعية التي يصدر عنها تمجيد لـ «الملكية»

عن الوضع الاقتصادي قبل يوليو

سنقدم في الفقرات القادمة، عرضًا موجزًا، للوضع قبل يوليو 52، عبر اقتطاف مواقف من سيرة الحكم أو الطبقة الاقتصادية التي تقع على قمة الهرم الاجتماعي وتتحالف مع السلطة من جهة وتتودد للمحتل من جهة أخرى، مع إيماننا أن «محمد علي» على ما كان منه، في قضايا التملك (حيث وضع الأراضي كلها تحت تصرفه، واختصر الدولة فيه، ثم وزّع منها ما يشاء على من يريد، بدون أي مجاز)، وفي العنف القاسي تجاه الفلاحين دفع بعضهم إلى الفرار للشام؛ إلا أنه كان صاحب مشروع حداثي وتصنيعي كبير، وترجم المشروع مدى إدراكه لأهمية مصر وإمكانياتها، ويُحسب له إرسال البعثات للخارج، وليس عبثًا أن يُسمّى بباني مصر الحديثة.. لذا وجب التنبيه.

ومن اللطيف أن أغلب المعلومات التي سنعرضها، ننقلها بـ «نصّها» عن موقع يحمل اسم «الملك فاروق»، بعد التثبّت من أغلب المراجع، ويبدو أن واضعها لم ينتبه إليها، أو أنه يؤمن في ضميره، أن جمهوره «دوغمائي» و«عاطفي» لا يبني انحيازه على أساس من المعلومة، ولا يبحث عنها، وإن وجدها فهو منصرف عنها. ولن تتوقف المادة عند سياسة الحكام وحدهم، بل ستطال عرض لبعض أبناء الطبقة «الإقطاعية» و«الأجنبية» التي نمت في ظلهم، ومارست نهبًا منظمًا، واكتنازًا للثروات، تحديدًا منذ زمن الخديوي إسماعيل، ثم مع الاحتلال الإنجليزي.. وسنختم بعرض لوضع الإقطاع في مصر استنادًا على ما كتبه جمال حمدان، ومحمد حسنين هيكل.

عصر محمد علي:

مع انفرد محمد علي بالسلطة، وقضائه على المماليك، فرض نفسه كمالكٍ فعلي وحيد للبلاد، وكسيد لمصائرها الحيوية ، وبعد مضي ثلاثة أعوام فقط من حكمه ، أى فى عام 1808 ، أصبح مالكاً لجميع أراضي القطر المصري ، كما احتكرت الدولة في عصره تجارة المحاصيل الزراعية والسلع الصناعية.

وليس بمستغربٍ أن تكون رؤية محمد علي لمصر على أنها من أملاكه ، حتى أنه أصدر مرسوماً لأحد حكام الأقاليم جاء فيه (البلاد الحاصل فيها تأخير في دفع ما عليها من البقايا أو الأموال يضبط مشايخها ويرسلون للومان (السجن) والتنبيه على النظار بذلك ، وليكن معلوماً لكم ولهم أن مالي لا يضيع منه شيء بل آخذه من عيونهم ) .

(مالي)، هي مفتاح فهم شخصية وسياسات محمد علي ، ولفرط ضخامة ثروة محمد علي وقع خلافٌ بين أفراد أسرته بعد وفاته بشأن تقسيم الميراث ، مع أنه منح أفراد أسرته وقواده والمقربين منه مساحاتٍ شاسعة من الأراضي ، صحيحٌ أنه تزوج في شبابه من أمينة هانم وهي مطلقة ذات ثروة واسعة، وتفرغ لتجارة الدخان فربح منها، قبل أن يعود إلى الحياة العسكرية عندما أغار نابليون على مصر ، غير أن الثروة الطائلة التي تركها بعد حكم مصر كانت في غالبيتها ثمرة سياسة الاحتكار وفرض الضرائب وإرهاق المصريين بالسخرة .

لقد قام اقتصاد مصر أيام محمد علي أساسا على احتكار الزراعة ، وتحجير الصناعة ، وتوجيههما نحو تلبية احتياجات الجيش الذي تجاوز عدد أفراده ربع المليون ، لتحقيق مهمات خارجية، ففي الزراعة ، ألغى محمد علي عام 1808 نظام الالتزام حيث كان بعض الوجهاء وشيوخ القبائل يلتزمون بدفع الخراج والجزية للمماليك ، مقابل قيامهم بتقسيم الأرض على جماعاتهم وأبناء قبائلهم لزراعتها ، وصادر محمد علي الأراضي الزراعية ، ثم أقتطعها لأفراد أسرته وخاصته وكبار موظفيه من أكراد وشركس وأقباط وشوام ، فوضع بذلك أساس الإقطاع الزراعي الذي ساد مصر بعد ذلك .

وكان الفلاحون يهربون من السخرة في مشروعات محمد علي أو من الضرائب المجحفة ، وعلى سبيل الاحتجاج أحرق فلاحو الصعيد محاصيلهم عام 1830 كي لا تقع في أيدي رجال محمد علي .

وامتدت الاحتكارات للصناعة، وتم ممارسة القسوة بحق بعض العمال، وسجنهم أحيانًا، إجبارهم كذلك على العمل في مصانع (الباشا).

وقد شكل ذلك عبئاً كبيراً على الفلاحين خاصة ، لأنهم كانوا مسؤولين عن الضرائب بصورة جماعية ، وبحيث أن القرية كلها كانت مسؤولة عن الضرائب المتأخرة ، ومتضامنة مع غيرها من القرى المجاورة في المتأخرات من الأموال ، بل إن هذا التضامن كان يمتد أحياناً ليشمل وادي النيل كله ، ولعل ما زاد الطين بله ، تطبيق نظام السخرة ، فقد كان الفلاحون يُستخدَمون إجباريا ً، لحفر الترع وتطهيرها ، وتقوية الجسور ، وحراسة شواطئ النيل أثناء الفيضان ، وكان يحق للدولة نقل عمال السخرة إلى أي مكان في مصر ، وكانت السخرة تتم خلال تسعة شهور في السنة ، وبلغ متوسط ماكان يساهم به كل فلاح من العمل بالسخرة شهرين من السنة .

إلا أن مشروع محمد علي الصناعي والزراعي الداخلي، والتوسعي العسكري خارج الحدود، مثّل ضغطًا على قوى الهيمنة الأوروبية، ولعل توحيده مصر والشام، كان من بين ما أوحي لهنري بالمرستون، وزير الخارجية الإنجليزي، بالتفكير في غرس كيان يقطع بين مصر العربية عن الشام العربي، وهذا من ضمن ما ولد «إسرائيل» فيما بعد، وكذلك كانت معاهدة لندن في 1840، بمثابة حصار لمصر داخل حدودها، وتقزيمها، وإجهاض أي مشروع لتوحيد المنطقة، وتكتلها في قوة واحدة.

كما أن احتكارات محمد علي، وإن مثّلت خطأ فادح، كونه اختصر الدولة في الحاكم (لم تكن الملكية عامة – قطاع عام)، ولم يتمتع العمال بقوانين تحميهم، إلا أنها تسببت في تطوير كبير صناعي وتجاري، وكان «كسرها»، إشارة صريحة لنفاذ الأجانب إلى مصر، وتوغلهم بهدف الهيمنة الاقتصادية.

حيث يُلاحظ أنه، وبحسب جمال حمدان، فإن هجرات قدمت إلى مصر من الأوربيين تحديدًا منذ منتصف القرن التاسع عشر (قبل 1840 كانوا حفنة أو بضعة آلاف).. وفدوا مع ضعف قبضة دولة محمد علي على التجارة والصناعة، فففك الاحتكارات كان إشارة الانطلاق فتضاعف عدد الأجانب 20 مرة في غضون عشر سنوات من 1836 إلى 1846، وأخذت حركة الهجرة - بحسب ما ينقل حمدان عن المؤرخ صبري السوربوني- «أبعاد الغزو».

الخديوى اسماعيل

الاقتصاد المصرى فى عصر الخديوى اسماعيل

يعد الخديو إسماعيل الحاكم الأخير في أسرة محمد علي باشا الذي يضع اسمه في قائمة أغنياء مصر خلال القرن التاسع عشر ، فقد بدأ الخديو إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي باشا ، حياته كأحد كبار الأغنياء في مصر ، حتى أنه اشترى أملاك أخيه الأمير مصطفى بمبلغ مليوني جنيه ، في وقتٍ كان فيه سعر الفدان لا يتجاوز 20 جنيهاً .

ويتحدث المؤرخ إلياس الأيوبي فى كتابه ( تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا ) الصادر فى سنة 1922، كيف راودت إسماعيل أحلامٌ بأن تكون مصر ( قطعة من أوروبا ) ، وسعى إلى بناء إمبراطورية مصرية في إفريقيا ، وفي سبيل تحقيق ذلك ، قرر الرجل الذي حكم مصر بدءاً من 18 يناير عام 1863 ألا يصطدم بالدولة العثمانية ، وأدرك أن المال أمضى من السيف في قضاء المصالح في الآستانة ، وهكذا نجح في عام 1867 في الحصول من السلطان العثماني على لقب ( خديو ) ، مقابل زيادة في الجزية ، إضافة إلى فرمان آخر يقضي بتغيير نظام وراثة ولاية مصر من أكبر أبناء أسرة محمد علي إلى أكبر أبناء إسماعيل ، ثم استصدر فرماناً آخر من السلطان يعترف بأن السودان وما يفتحه الخديو فيه من أملاك الخديوية المصرية .

كما حصل عام 1873 على فرمان يتيح له استقلالاً أكثر عن الحكم العثماني ، وعُرِفَ بالفرمان الشامل وقضى بمنحه حق التصرف بحرية تامة في شؤون الدولة ما عدا عقد المعاهدات السياسية وعدم حق التمثيل الدبلوماسي وعدم صناعة المدرعات الحربية مع الالتزام بدفع الجزية السنوية التي بلغت قيمتها 750 ألف جنيه .

غير أن خزانة مصر تكلّفت الكثير من الأموال (استُنزفت واستدانت) بسبب مشروعات إسماعيل التنموية - مثل حفر قناة السويس وإنشاء دار الأوبرا والسكك الحديد وخطوط البريد وحديقة حيوان الجيزة وإقامة الكباري وشق الترع - وبذخه الزائد عن الحد المعقول، ومن ذلك فاتورة الاحتفالات الأسطورية بافتتاح قناة السويس ، وأدى ذلك إلى تراكم الديون على مصر ، خاصة بعد انخفاض أسعار القطن انخفاضاً كبيراً بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية .

حاول إسماعيل أن يسد العجز في الميزانية عن طريق الضرائب المختلفة ، إلا أنه لم يفلح في ذلك ، فلجأ إلى الاستدانة من الخارج ، وتدافعت البنوك والمؤسسات المالية على إقراضه ، لكن سماسرة الديون وقناصل الدول أخذوا ما يقرب من 40 مليون جنيه إسترليني من قروض مصر البالغة 90 مليوناً ، فتعثرت مصر عن السداد ، واضطرت إلى بيع أسهمها في قناة السويس بمبلغ هزيل للإنجليز ، وهو ما جعلها على حافة الإفلاس والخراب المالي ، وفي ذلك يقول تقرير خبير الاقتصاد الإنجليزي ستيفن كيف الذي رأس لجنة لفحص مالية مصر في نهاية عام 1875 : ( إن المبالغ الحاصلة من ميزانية مصر عن المدة الواقعة بين سنة 1864 وسنة 1875 بلغت 94,21,400 جنيه ، خصص منها لحملة الأسهم نحو ستة ملايين من الجنيهات ، أي أن مخصصات الديون ابتلعت معظم الميزانية ، وظهر في ميزانية تلك السنة عجز مقداره 1,382,200 جنيه ، نشأ عن فداحة مخصصات الديون ) .

وما زاد الطين بِلة ، أن الخديو إسماعيل لم يضع حداً بين أمواله وأموال الدولة ، وكانت أملاك الدولة رهن إرادته ، الأمر الذي زاد من سوء الأوضاع في ظل غياب حسن الإدارة ، ويكفي أن نشير إلى أنه في عام 1873 بدأ الخديو إسماعيل في تشييد قصره الكبير بالزمالك (وقد صممه مهندس معماري ألماني وتم توفير أفخم ما يمكن الحصول عليه من ديكورات واكسسوارات من باريس و برلين في ذلك الوقت، ثم تم بيعه لسداد الديون في 1879!، وهو اليوم فندق ماريوت الزمالك، وقد كلف -زمنها- ثلاثة أرباع المليون جنيه)، واستلزم البناء تحويل مجرى نهر النيل لعزل جزيرة ( الزمالك ) وإحاطتها بالماء من كل جانب ، حتى يمر نهر النيل في قلب القاهرة على غرار مرور نهر السين بقلب باريس ، لتصير حياة الخديو لها خصوصية مميزة ، ويقول كثيرٌ من المؤرخين إن الضرائب ارتفعت في الفترة منذ نهاية حكم محمد على حتى عهد إسماعيل بدرجة كبيرة ، فعلى سبيل المثال ، بمقتضى القرار الأول الصادر في عهد سعيد ، ارتفعت الضرائب على الأراضي المتوسطة والضعيفة إلى ما يوازى ثلث محصولها ، وواصلت الضرائب ارتفاعها في عهد إسماعيل ، فإلى جانب الضرائب المقررة استحدثت ضرائب إضافية جديدة مثل ضريبة الإعانة وضريبة السُدس وضريبة الري ، وفق دراسة أعدها مركز الدراسات الاشتراكية بمصر ، وقد كتب القاضي الهولندي ( فان بملن ) الذي عاش في عهد إسماعيل يقول : ( إن الخديو إسماعيل هو أول من مهد السبيل لسيطرة أوروبا الاقتصادية على مصر ، فإن أوروبا وبخاصة باريس ، قد أفسدت على هذا الأمير دينه وأخلاقه وماله ، وفتنته فتنة شاملة ، فلم يعد يعنى إلا بكل ما هو أوروبي ، وبكل ما يراه الأوروبيين واعتزم من يوم أن تولى عرش مصر أن يعيش كملك إفرنجي في قصوره وأثاثه ، ومأكله ومظهره وملبسه ، ومن الأسف أن كل ما أنفقه في هذا السبيل لم يعد بالفائدة إلا على أوروبا ، إذ كان يستورد من مصنوعاتها تلك الأشياء الهالكة ، العديمة الجدوى ، وكان يدفع أثمانها أضعافاً مضاعفة ، ولأجل أن يستوفى مطالبه الخارقة في هذا الصدد ، لم تكفه الأموال التي يجبيها من شعبه على فداحتها فأمده أصدقاؤه الأوروبيون بالقروض الجسيمة ذات الشروط المخربة ) .

ولم يكن أمام الخديو إسماعيل بعدما فقد جميع وسائله لتدبير المال الكافي لسداد أقساط الديون إلا أن يعلن توقفه عن الدفع ، فأصدر مرسوماً في 6 إبريل نيسان 1876 تم الإعلان عنه في بورصة الإسكندرية ، يقرر فيه أن حكومته سوف ( تؤجل ) سداد أقساط ديونها لثلاثة شهور ، بالطبع لم يكن تحديد هذه الأشهر الثلاثة إلا لكي تحافظ الحكومة على شكلها العام ، إذ كانت الحكومة قد قررت أن تتوقف نهائياً عن السداد ، وبدا توقف الحكومة المصرية عن الدفع بمنزلة إعلان إفلاسها رسميا ، ومع تصاعد الأزمة المالية ، أنشأت الدول الدائنة ( صندوق الدَين ) في مايو 1876 ، ثم نظام ( المراقبة الثنائية ) في نوفمبر 1876 ، ثم ( لجنة التحقيق الأوروبية ) في يناير 1878 ، التي طالبت بضرورة تنازل الخديو عن أطيانه وأطيان عائلته كرهن لسداد الديون .

ويخبرنا المؤرخ عبد الرحمن الرافعي أنه مع اشتداد الأزمة المالية في مصر في عام 1874 ، خاف الخديو إسماعيل أن يحجز الدائنون الغربيون على أملاكه ، فوزعها على زوجاته وأولاده .

إنجلترا وفرنسا تديران الاقتصاد أواخر عهد إسماعيل

تم تعيين مراقبَين ماليين ، أحدهما إنجليزي ، والآخر فرنسي ، لمراقبة إيرادات ومصروفات البلاد ، بل إن وزارة نوبار باشا دخلها وزيران أوروبيان لأول مرة في تاريخ مصر ، وانتهى الأمر إلى طلب الدائنين فرض الوصاية المالية الكاملة على مصر ، وأن يكون لسداد الديون الأولوية المطلقة ، وأدى هذا التعنت الأوروبي إلى انتفاضة وطنية تلقائية في ( إبريل 1879م ) جمعت قادة وطوائف الشعب المصري المختلفة ، دعوا خلالها إلى اكتتاب عام لسداد قسط الدين الذي تعثرت الدولة في سداده ، ويبلغ 1.5 مليون جنيه إسترليني ، وتم تحصيله على الفور وسداده .

عزل إسماعيل.. بتوجيه من أوروبا

أدت سياسة الخديوى اسماعيل المالية ، الى تحالفت الدول الأوروبية مع السلطان العثماني على ضرورة عزله عن حكم مصر ، وأصدر السلطان فرمانه في 26 يونيو حزيران 1879 بعزل إسماعيل عن الحكم ، وتنصيب ابنه الأكبر محمد توفيق باشا على مصر ، وبالفعل تم عزل الخديوى اسماعيل نتيجة سياساته الماليه وديونه التى تراكمت عليه .
وبعدما قضى نحو 16 عاماً في منفاه ، لم يعد إسماعيل إلى مصر إلا ميتاً ، حيث دُفِنَ في مسجد الرفاعي ، وإذا كان إجمالي ديون عهد إسماعيل باشا بلغ 91 مليون جنيه ، فإن ( أفندينا ) ظل حتى وفاته ينعم بلقب أغنى رجال مصر .

رجال الثروة في العهد الملكي: وتضاعُف أعداد المهاجرين من الأجانب و«اليهود»

من رحم عصر الخديو إسماعيل، وُلِدَ أشهر رجال المال والأعمال في ذلك الزمان، وأبقوا على هيمنتهم حتى عصر فاروق الأخير ، ففي أواخر عهد إسماعيل برزت أسماء تجار ورجال بنوك أجانب و«يهود» امتلكوا مشروعات خاصة ووضعوا أيديهم على جزء كبير من ثروة البلاد ، والشاهد أن اليهود الذين زادت هجرتهم إلى مصر في عهد الخديو إسماعيل تمتعوا بكل الامتيازات الأجنبية ، ومن «تسعة آلاف» يهودي يقيمون في مصر في عهد محمد علي باشا ، ارتفع الرقم حسب تعداد السكان لعام 1898 إلى «25200» نسمة ، ثم زاد في تعداد 1927 إلى 55063 إلى أن أصبح «65639»، وفق تعداد عام 1947 ، ويرجع ارتفاع العدد إلى وجود مناخ اقتصادي يمكنهم من النهب والاستحواذ والأساليب الانتهازية لتحصيل ثروات المصريين والاستئثار بها.

رافائيل سوارس

وهكذا تردد اسم عائلة سوارس التي امتدت أذرعها براً وبحراً ، وسوارس عائلة سفاردية وفدت من ليفورنو في إيطاليا ثم استقرت في مصر النصف الأول من القرن التاسع عشر ، وحصلت على الجنسية الفرنسية ، وقد أسَّس الإخوة الثلاثة ، رافائيل ويوسف وفيلكس مؤسسة سوارس عام 1875 ، وفي عام 1880 قام رافائيل سوارس بالتعاون مع رأس المال الفرنسي ومع شركات رولو وقطاوي ، بتأسيس البنك العقاري المصري ، كما قام بالتعاون مع رأس المال البريطاني بتأسيس البنك الأهلي المصري عام 1898 وتمويل بناء خزان أسوان .
كما اشترك سوارس مع كاسل وعائلة قطاوي في شراء « 300 ألف » فدان من أراضي الدائرة السنية وإعادة بيعها إلى كبار الملاك والشركات العقارية ، كذلك اشترك سوارس مع رأس المال الفرنسي في تأسيس شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية عام 1897 والتي ضمتها عام 1905 شركة وادي كوم أمبو المساهمة ، وكانت من أكبر المشروعات المشتركة بين شركات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى ، كما كانت واحدة من أكبر الشركات الزراعية في مصر ، شارك سوارس في تأسيس شركة مياه طنطا ، وفي مجال النقل البري ، أسست العائلة شركة ( سوارس لعربات نقل الركاب ) ، حتى أن وسيلة النقل هذه سميت على اسم العائلة : السوارس .
وتعاونت سوارس مع عائلة قطاوي في إقامة السكك الحديدية ، كما امتلكت العائلة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وأراضي البناء في وسط القاهرة حيث سُمِّي أحد الميادين باسم ( ميدان سوارس ) نسبة إلى فليكس سوارس ، لكن اسم الميدان تغير إلى مصطفى كامل اعتباراً من عام 1939 ، كما امتلكت عائلة سوارس حصصاً وأسهماً في العديد من الشركات ، واحتل كثيرٌ من أفرادها مواقع رئاسية وإدارية في كثير منها ، فتولى ليون سوارس ( ابن فليكس سوارس ) إدارة شركة أراضي الشيخ فضل وإدارة شركة وادي كوم أمبو ، وعند وفاة أبيه ترك ليون مؤسسة سوارس ليخلف أباه في إدارة البنك الأهلي والبنك العقاري المصري .
وبمبادرة من إدغار سوارس - الذي تولَّى رئاسة الجماعة في الإسكندرية في الفترة من 1914 - 1917 اشترت شركة مساهمة كان من مؤسسيها آلاف الأفدنة ، وبعد استصلاحها تم بيعها بمساحاتٍ صغيرة للمزارعين وبقروض طويلة الأجل .

يعقوب قطاوى

وتقفز إلى الذاكرة عائلة قطاوي ، وهي عائلة مصرية يهودية برز عددٌ من أفرادها في النشاط السياسي والاقتصادي في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين ، وترجع أصولها إلى قرية قطا شمالي القاهرة .

بدأ دور هذه العائلة مع نزوح أليشع حيدر قطاوي إلى القاهرة في أواخر القرن الثامن عشر ، حيث حصل ابنه يعقوب ( 1801 - 1883 ) على امتيازات من الحكومة للقيام بأنشطة تجارية ومالية ، وكان أول يهودي مصري يمنح لقب: بك ) ، كما حصل على لقب ( بارون ) من الإمبراطورية النمساوية المجرية التي حملت العائلة جنسيتها ، وقد أوكلت إليه نظارة الخزانة في فترة حكم الخديو عباس الأول ( 1849 - 1854 ) ، واحتفظ بهذا المنصب خلال حكم الوالي سعيد والخديو إسماعيل .

وتولَّى في أواخر أيامه رئاسة الجماعة اليهودية في القاهرة التي كانت تُسمَّى ( الطائفة الإسرائيلية ) ، وبعد وفاته في قصره بشبرا في 13 إبريل نيسان 1883 ، خلفه ابنه موسى قطاوي ( 1850-1924 ) في رئاسة الطائفة ، واختير عضواً في البرلمان المصري ، كما مُنح لقب الباشوية .

وكان موسى قطاوي من كبار رجال المال والبنوك ، وتولَّى إدارة عدد من الشركات وساهم في تمويل مشروعات السكك الحديد في صعيد مصر وشرق الدلتا ومشروعات النقل العام في القاهرة بالتعاون مع عائلات سوارس ورولو ومنَسَّى (مشروع السكة الحيد كان بالأساس، لدعم المجهود الحربي للجيش الأنجليزي) .

لعبت هذه العائلة دورا كبيرا في تشييد معبد اليهود في شارع عدلي أحد أشهر أحياء القاهرة التجارية عام 1899 والذي تم تجديده عام 1988 بتبرع من المليونير اليهودي نسيم جاعون ، وافتتح رسمياً بحضور شمعون بيريس - رئيس الكيان الصهيوني لاحقاً - عام 1990 .

عائلة رولو

ويتعين عدم إغفال عائلة رولو ، وهي عائلة يهودية جاءت إلى مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر واحتفظت بالجنسية البريطانية ، وقد امتلك روبين رولو مؤسسة تجارية تخصَّصت أساساً في استيراد النيلة ( صبغة ) ، وفي عام 1870 ، أسس ولداه جياكومو ( يعقوب ) ( 1847 – 1917 ) وسيمون ، مع بعض الشركاء مؤسسة مالية وتجارية باسم ( روبين رولو وأولاده وشركاهم ) ، وتعاونت عائلة رولو من خلال هذه المؤسسة مع عائلتي قطاوي وسوارس في العديد من المشروعات التي أقاموها بالتعاون مع المالي البريطاني سير إرنست كاسل - خصوصاً مشروعات الدائرة السنية وإقامة سكك حديد حلوان وتأسيس البنك العقاري المصري والبنك الأهلي المصري

وأثناء الأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 1907 ، صفَّى جياكومو المؤسسة ثم أقام مع أبنائه الثلاثة مؤسسة رولو وشركاه والتي جمعت بين الأنشطة المصرفية والمالية وتجارة الجملة في القطن والسكر والأرز والفحم والبن ، كما امتلكت حصصاً كبيرة في بعض الشركات العقارية الكبرى مثل : شركة وادي كوم أمبو وشركة أراضي الشيخ فضل وشركة مصانع السكر ، وعند وفاته ترك جياكومو رولو ثروة من العقارات تُقدَّر بنحو 70 ألف جنيه ، أما ابنه الأكبر روبير جياكومو رولو، فقد انتُخب رئيساً للطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة 1934 – 1948 ، وكان روبير جياكومو مناهضاً للصهيونية ، واستقال من رئاسة الطائفة عام 1948 قبل اندلاع حرب فلسطين مباشرة بسبب خلافه مع حاخام الإسكندرية المؤيد للصهيونية .

أما روبير رولو، فحقق مكانة مهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر ، إذ تولَّى رئاسة عدد من مجالس إدارة الشركات التي ساعد أباه في تأسيسها ، وكان مستشاراً قانونياً للملك فؤاد الأول ومقرباً له فقام بدور الوسيط بين القصر ودار المندوب السامي البريطاني ، وحصل على لقب ( سير ) عام 1938 .

عائلات أخرى

وهناك أيضاً عائلة ( منَسَّى ) ، لكن النطق الشائع في مصر هو ( منشه ) ، ويُوجَد شارع في الإسكندرية يُسمَّى ( شارع منشَّه ) ، ومنَسَّه عائلة يهودية جاءت إلى مصر من إسبانيا ، ويعود أول ذكر لوجودها في مصر إلى القرن الثامن عشر ، حيث بدأ يعقوب دي منَسَّى ( 1807 – 1887 ) حياته صرَّافاً في حارة اليهود ، وتدرَّج في عمله حتى أصبح صراف باشا للخديو إسماعيل ، ثم أسس بالتعاون مع يعقوب قطاوي مؤسسة مالية وتجارية ( بيت منَسَّى وأولاده ) أصبح لها أفرع في مانشستر وليفربول ولندن وباريس ومارسيليا وإسطنبول ، كما اشترك بالتعاون مع الخديو إسماعيل في تأسيس البنك التركي المصري ، وارتبط نشاطه بكثير من شركات ومشروعات عائلتي قطاوي وسوارس .

ومابين عامى 1872 و 1873 مُنح يعقوب دي منَسَّى الحماية النمساوية ، وفي عام 1875 مُنح لقب البارونية والجنسية النمساوية المجرية تقديراً للخدمات التي قدمها للتجارة النمساوية المجرية – المصرية ، وترأَّس يعقوب دي منَسَّى الطائفة اليهودية في القاهرة عام 1869 ، ثم انتقل عام 1871 إلى الإسكندرية حيث أسَّس معبد منَسَّى ومقابر منَسَّى ومدارس منَسَّى ، ورأس ابنه بيهور ( ديفيد ) ليفي دي منَسَّى ( 1830- 1885 ) الطائفة في الإسكندرية وخلفه في رئاستها ابنه جاك ( 1850 – 1916 ) الذي احتفظ بها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى حينما اعتبرته السلطات البريطانية عدواً لأنه كان يحمل الجنسية النمساوية المجرية .

وقد نقل جاك أعمال الأسرة من الأعمال المالية والمصرفية إلى تجارة القطن والسكر المربحة ، واشترى مساحات واسعة من الأراضي في دلتا وصعيد مصر ، ووصلت ثروته عند وفاته إلى ما بين 300 و500 ألف جنيه مصري

أما الشقيق الأصغر فليكس يهودا ( 1865 - 1943 ) ، فدرس في فيينا وأسَّس فرع بيت منَسَّى في لندن ورأس الطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة ما بين عامي 1926 و1933 .

دور «اليهود» بمصر فى انشاء البنوك :

ولا يجاوز أحدٌ الحقيقة حين يقول إن اليهود كانوا يقفون وراء إنشاء العديد من البنوك في ذلك الوقت ، ومن أهم البنوك التي لعبوا دوراً في إنشائها البنك العقاري المصري الذي تأسس عام 1880 فقد اشترك في تأسيسه سوارس ورولو وقطاوي ، وقد كان رأسمال البنك عند تأسيسه 40 مليون فرنك فرنسي ، وصل إلى 8 ملايين جنيه عام 1942 ، وقد لعب هذا البنك دوراً مؤثراً في الاقتصاد الزراعي المصري ، إذ إنه نتيجة القروض التي منحها للملاك الزراعيين أصبح يتحكم في أكثر من مليون فدان مصري ، كما تأسس البنك الأهلي المصري عام 1898 بقيادة ميشيل سلفاجو وإرنست كاسيل ورافائيل سوارس ، وكان رأسماله 3 ملايين جنيه إسترليني ، وأسس جاك سوارس البنك التجاري المصري والذي عُرِفَ وقت تأسيسه عام 1905 باسم ( بنك التسليف الفرنسي ) ، ثم تحول إلى شركة مساهمة مصرية باسم البنك التجاري المصري عام 1920 وكان رأسماله مليوناً و200 ألف جنيه إسترليني ، كما تأسس بنك سوارس عام 1936 .

انشاء بورصة القاهرة :

وساهموا كذلك في ميلاد بورصة القاهرة ، ففي يوم الخميس الموافق 21 مايو 1903 قامت اللجنة الخاصة برئاسة موريس قطاوي بك باختيار المبنى القديم للبنك العثماني ( وهو الآن مبنى جروبي - فرع عدلي ) الكائن بشارع المغربي كمقر رسمي - ولكن بصفة مؤقتة للشركة المصرية للأعمال المصرفية والبورصة - المؤسسة حديثاً- شركة ذات مسؤولية محدودة .
وكان الأعضاء المؤسسون لبورصة القاهرة في عام 1903 هم : موريس قطاوي بك - الرئيس أربيب - كوكسن - جناروبولو أوزيول - ماكليفري - أدولف قطاوي ) هذا بالإضافة إلى ممثل عن كل من بنك كريدي ليونيه ، بنك مصر ، البنك الإمبراطوري العثماني ، البنك المصري البريطاني والبنك الأهلي المصري ، وكان السكرتير العام للبورصة في عام 1903 يدعى بوتيني .

أثرياء مصريون آخرون:

غير أن قوائم الأغنياء في مطلع القرن العشرين شهدت أسماء مصرية مثل أحمد المنشاوي باشا ، وهو من أعيان الغربية ، والذي قُدِرَت ثروته بنحو مليوني جنيه ، وخُصِصَ جزءٌ منها لأعمال الخير ، ويعد المنشاوي باشا والأمير عمر طوسون من أكثر المصريين في العصر الحديث إنفاقاً في المشروعات الخيرية، وتخصيص الأوقاف.
ولابد أن نشير هنا إلى إسهام الأوقاف في شراء أراضي الدولة التي بيعت أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، وفاء لبعض أقساط الديون الأجنبية ، ذلك أن الحكومة اضطرت لبيع مساحات شاسعة من أراضي الأملاك الأميرية الحرة لمواجهة تلك الديون ، وكان المتنافسون الرئيسيون على شراء تلك الأراضي هم الأجانب من ناحية ، وكبار الملاك المصريين من ناحية ، وديوان عموم الأوقاف من ناحية ثالثة ، وهكذا اشترى بعض الأثرياء، هذه الأرض، وأوقفوها للعمل الخيري، هذا كهوامش بجوار ما اكتنزوه لأنفسهم.

ومن أثرياء مطلع القرن العشرين ، ( فخري بك عبد النور ) الذي استغل موقع مدينة جرجا التجاري فنّمى ثروته ، و (عمر سلطان ) الذي ورث عن أبيه ( محمد سلطان باشا: رئيس المجلس التشريعي الذي خان أحمد عرابي ووضع يده في يد الاحتلال الإنجليزي ) مساحاتٍ شاسعة من الأراضي والأموال ، إلى جانب ( إدريس بك راغب ) الذي تخلى له الخديو محمد توفيق باشا عن رئاسة المحفل الأكبر الوطني المصري ( الماسوني ) في جلسة عُقِدَت في يناير كانون ثانٍ عام 1891.

كان هناك ايضا ( إميل عدس ) الذى أسس الشركة المصرية للبترول برأسمال 75000 جنيه في بداية عشرينيات القرن العشرين ، في الوقت الذي احتكر فيه اليهودي إيزاك ناكامولي تجارة الورق في مصر ، كما اشتهر اليهود في تجارة الأقمشة والملابس والأثاث حتى أن شارع الحمزاوي والذي كان مركزاً لتجارة الجملة كان به عدد كبير من التجار اليهود ، كذلك جاءت شركات مثل شركة شملا ، وهي محال شهيرة أسسها كليمان شملا كفرع لمحال شملا باريس ، وقد تحولت إلى شركة مساهمة عام 1946 برأسمال 400.000 جنيه مصري.

مورينو شيكوريل

أما ( شيكوريل ) فقد أسستها عائلة شيكوريل الإيطالية الأصل عام 1887، وكان رأسمال الشركة نصف مليون جنيه ، وعمل بها 485 موظفاً أجنبياً و142 موظفاً مصرياً .

وفي عام 1909 ، افتتح محلاًّ جديداً في ميدان الأوبرا والذي حوَّله أبناؤه سولومون ويوسف وسالفاتور إلى واحد من أكبر المحال التجارية في مصر ، وفي عام 1936 ، انضمت إليهم عائلة يهودية أخرى ، فأصبحوا يمتلكون معاً مجموعة محلات أوريكو .

كان يوسف ( بك) شيكوريل من مؤسسي بنك مصر ( عام 1920 ) ، كما كان أخوه عضواً في مجالس إدارة العديد من الشركات وعضواً في مجلس إدارة الغرفة التجارية المصرية ثم رئيساً لها ، وكان ضمن البعثة الاقتصادية المصرية التي سافرت إلى السودان بهدف تعميق العلاقات التجارية بين البلدين وفتح مجالات جديدة أمام رؤوس الأموال المصرية في السودان .

وقد كان شيكوريل متجراً للارستقراطية المصرية بما في ذلك العائلة الملكية ، لكنه احترق بكرات لهبٍ ألقيت عليه أثناء حرب فلسطين الأولى عام 1948 ، ثم دَُِمر مرة أخرى في حريق القاهرة يناير عام 1952 ، وفي المرتين أعيد بناؤه بمساعدة الحكومة ، وبقي على حاله حتى وَُِضعَ تحت الحراسة بعد نشوب حرب السويس 1956 ، وسرعان ما تخلى أصحابه عنه ببيع أسهمه لرجال أعمال .

احتكارات واستثمارات «يهودية – أجنبية»

كما احتكر اليهود (الأجانب) صناعات أخرى مثل صناعة السكر ومضارب الأرز التي أسس ( سلفاتور سلامة ) شركة تحمل اسمها عام 1947 برأسمال 128.000 جنيه مصري ، وكانت تنتج 250 طناً من الأرز يومياً ، وشركة الملح والصودا التي أسستها عائلة قطاوي عام 1906 .

كذلك استثمر اليهود في قطاع الفنادق ، إذ ساهمت عائلة موصيري في تأسيس شركة فنادق مصر الكبرى برأسمال 145.000 جنيه وضمت فنادق كونتيننتال ، مينا هاوس ، سافوي ، سان ستيفانو ، و( موصيري ) هي عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي استقرت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، وقد احتفظت العائلة بالجنسية الإيطالية ، وحقَّق يوسف نسيم موصيري ثروته من التجارة .

حقَّق إيلي موصيري مكانة مرموقة في عالم المال والأعمال في مصر ، وكان قد درس الاقتصاد في إنجلترا وتزوج من ابنة فليكس سوارس ، وكانت تربطه علاقات وثيقة بإسماعيل صدقي ، كما كانت له مصالح عديدة في فرنسا وعلاقات وثيقة ببيوت المال الأوربية اليهودية مثل بيوت روتشيلد (من أكبر العائلات التي قدمت عدمًا لـ«إسرائيل» عبر تاريخها، وكان ليونيل روتشيلد من أسباب ظهور وعد بلفور، للنور) ولازار وسليجمان ، كما كان يمثل المصالح الإيطالية في مصر .

واشتركت عائلات يهودية أيضاً في تأسيس الشركات العقارية العديدة التي أقيمت في إطار مبيعات أراضي الدائرة السنية ثم في إطار الحجوزات العقارية بعد تَراكُم الديون على كبار وصغار الملاك المصريين نتيجة انخفاض الطلب على القطن المصري ، وقد تأسَّس أكثر هذه الشركات في الفترة ما بين عامي 1880 و1905 ، وقامت بامتلاك الأراضي واستغلالها وبإقامة المشروعات العقارية والصناعية عليها وكذلك المضاربة فيها لتحقيق تَراكُم سريع لرأس المال .

ومن أهم هذه الشركات شركة أراضي الشيخ فضل ، وشركة وادي كوم أمبو التي تأسست في 24 مارس آذار 1904 بامتياز مدته 99 عاماً ، ورأسمال 300.000 جنيه أسترليني ، وكان كبار المساهمين السير إرنست كاسل والسير إلوين بالمر والخواجات سوارس إخوان وشركاهم وفليكس سوارس ورافائيل سوارس ويوسف أصلان قطاوي بك وروبيرس رولو ، امتلكت هذه الشركة 30.000 فدان في كوم أمبو ، بخلاف 21.000 فدان ، وشقت 91 كيلومتراً من المصارف والترع و48 كيلومتراً من السكك الحديد ، كذلك برزت شركة مساهمة البحيرة التي تأسست في يونيو حزيران 1881 برأسمال 750.000 جنيه مصري وامتلكت 120 ألف فدان .
ويمكن تقدير مدى مساهمة أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في الشركات والقطاعات الاقتصادية المختلفة من خلال عضويتهم في مجالس إدارة الشركات المساهمة التي سيطرت على أهم قطاعات الأعمال في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر ، وتشير بعض الإحصاءات إلى أن اليهود احتلوا 15,4% من المناصب الرئاسية و16% من المناصب الإدارية عام 1943 ، وانخفضت هذه النسبة إلى 12,7% و12,6% عامي 1947 و1948 ، وإلى 8,9% و9,6% عام 1951 ، وتشير إحصاءات أخرى إلى أن نسبة اليهود في مجالس إدارة الشركات المساهمة كانت 18% عام 1951 ، والواقع أن هذه نسب مرتفعة إذا ما قورنت بنسبتهم لإجمالي السكان والتي بلغت عام 1950 نحو 0,4% فقط .

ويمكن القول إن اليهود االوافدين على مصر استطاعوا تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة بلغت أقصاها في الفترة من 1940 وحتى 1946 في الوقت الذي كان الاقتصاد العالمي يعاني فيه ركوداً نتيجة ظروف الحرب العالمية الثانية ، واستطاع يهود مصر أن يصبحوا أغنى طائفة يهودية في «الشرق الأوسط»، ولم يتأثروا بإلغاء الامتيازات الأجنبية عام 1937 أو انخفاض معدلات الهجرة إلى مصر ، أو حتى صدور قانون الشركات رقم 138 والذي صدر في يوليو تموز 1947 لتنظيم الشركات المساهمة ، لكن كان قيام »إسرائيل» عام 1948 كان له أثره في تحديد دور طائفة اليهود في مصر .

وبعد قيام ثورة يوليو 1952 ، ازداد الموقف اضطراباً ، فتغيرت موازين القوى بين العائلات اليهودية الإقطاعية والثرية والمستفيدة من تحالف السلطة الملكية معها وإغماضها العيون عن نشاطاتها الاحتكارية، والسلطة الحاكمة في مصر التي تبنت خيارات وطنية وعروبية وشعبوية في اتجاه التنمية المستقلة وتوسيع قاعدة الملكية وضرب الاحتكارات وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة.. فهاجر معظمهم، بعد أن انتفخت أحشاءهم من فيض ما نهبوه على مدار قرن أو نحو ذلك من الزمن، فتلك العائلات أغلبها، إن لم تكن كلها، وفدت إلى مصر تحت عباءة الاحتلال، وبعد تقهقهر مشروع محمد علي وتراخي قبضته ثم مرضه وتراكم همومه ووفاته في 1848.
ثم أن بروز تضاد مصر مع الكيان الصهيوني، أثر عليهم سلبًا، كون علاقات وثيقة جمعتهم مع عائلة روتشيلد، صاحبة الدور البارز في تمويل الهجرات اليهودية، ووعد بلفور، حتى أنها تولت تمويل المشاريع الإقتصادية في فلسطين المحتلة، وكذلك مبنى «الكنيست الإسرائيلي» الحالي في القدس.

الاقتصاد المصرى فى عصر الخديوى عباس حلمى الثانى

منحت السلطات في مصر ابتداءً من عهد الخديو إسماعيل العديد من الأجانب تصريحاً بإنشاء شركات لإدخال المياه وتوصيل الكهرباء والغاز في القاهرة والإسكندرية ومدن أخرى ، الأمر الذي در على هؤلاء الأشخاص مبالغ ضخمة وأرباحاً طائلة انتعشت بها ثرواتهم .

وبالرغم من محاولة الخديو عباس حلمي الثاني حاكم مصر من عام 1892 إلى عام 1914 (تم عزله بأمر من الاحتلال الإنجليزي) تنمية ثروته الشخصية ، فإن اسمه لم يتردد باعتباره أغنى رجل في مصر ، على غرار ما وُصِفَ جده الخديو إسماعيل وجد جده محمد علي باشا، وكانت له مواقف إيجابية في اتجاه التضاد مع المحتل الإنجليزي، وجمعته صداقة مع مصطفى كامل .

الحرب العالمية الاولى

أفرزت الحرب العالمية الاولى ( 1914 - 1918 ) عددا من الاغنياء الجدد الذين وصف ثرواتهم ( عزيز بك الخانكى ) بقوله :

( لا يمكن للعقل أن يدرك حجم الأرباح التي ربحها التجار ، تجار الأقمشة والمنسوجات أصبح الواحد منهم يستنكف أن يقال عنه إنه صاحب 100 ألف جنيه أو 200 ألف جنيه ويؤكد أن ربحه ناهز المليون ، أعرف واحداً منهم اشترى ألف فدان من الأطيان ، ودفع ثمنها عداً ونقداً ، وتجار الأخشاب مثلهم أصبح الواحد منهم يعتبر نفسه قارون زمانه ، اشترى واحدٌ منهم البنك المصري بحذافيره ، وتاجران من تجار التصدير ربحا في سنةٍ واحدة 1.600.000 جنيه جلباها من عرق الفلاح المسكين ) .

قصة بنك مصر.. وطلعت حرب:

كانت الحرب العالمية الأولى فرصة لظهور رأس المال المصري بشكل مغاير ، حيث كان كثيرون يفضلون العمل الزراعي فقط تاركين قطاع البنوك وأعمال المرابين للأجانب واليهود ولا يرحبون بالعمل في مجال التصنيع. غير أن توقف عملية الاستيراد والتصدير أثناء الحرب دفعتهم إلى إخراج أموالهم ومدخراتهم والتعامل بها ، حتى شهدت مصر نهضةً صناعية مصغرة ، وصار هناك استعدادٌ جِدي لإنشاء بنك برأسمال مصري تتجمع فيه الأموال المصرية .

وهذا يفتح سيرة البنوك المصرية ، ففي عام 1907 ونتيجة لرفض البنوك الأجنبية العاملة في مصر منح قروض للفلاحين المصريين ، تعالت أصوات المفكرين والسياسيين المصريين تنادي بأهمية إنشاء بنوك وطنية لتحل محل البنوك الأجنبية في تقديم قروض للفلاحين ، ونتيجة لذلك ، عقدت سلسلة من اللقاءات العلمية لبحث هذا الموضوع من الناحية الشرعية ، وكان من أهمها الملتقى العلمي الذي عقد في عام 1913.

وبعد مرور سنوات قليلة بدأت البنوك الوطنية في الظهور في مصر ، وكان أول بنك وطني مصري يتم إنشاؤه على غرار البنوك الأجنبية هو بنك مصر والذي أسسه محمد طلعت حرب عام 1920 ، وقد اختار طلعت حرب رئيس الطائفة اليهودية يوسف قطاوي ليكون نائباً لرئيس بنك مصر عام 1920 .

في 1939، سيتم إجبار طلعت حرب مؤسس بنك مصر على الاستقالة من بنك مصر بجهده ، فقد اشترك أحمد باشا عبود وفرغلي باشا ملك القطن في تنفيذ سياسة قوامها سحب ودائعهما من البنك بمعدل نصف مليون جنيه يومياً حتى بلغ السحب ثلاثة ملايين جنيه ، كما هددت الحكومة التي يترأسها حسين سري وهو صديق عبود باشا، بسحب ودائع الحكومة فاضطر طلعت حرب للاستقالة حتى لا يهتز مركز البنك وترك إدارته لحافظ عفيفي طبيب الأطفال ، وصديق أثير للإنجليز ولعبود .

الاقتصاد التابع في الثلاثينات والأربعينات:

ضرب الكساد الكبير الولايات المتحدة والعديد من دول العالم في أكتوبر عام 1929 نتيجة للانهيار المالي الضخم في بورصة الأوراق المالية في نيويورك ، والمعروف باسم ( الثلاثاء الأسود ) ، وانتهى في أوقاتٍ متفاوتة بحسب كل بلدٍ ، ما بين ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي .

كان لهذه الكارثة الاقتصادية آثارها القوية على الاقتصاد المصري ، باعتبارها إحدى المستعمرات التي تدور فى فلك إنجلترا إحدى دول المركز ، وأيضاً لارتباط العملة المصرية بالجنيه الإسترليني .

بهذه المناسبة، نشير إلى ما قاله صلاح حافظ، في مقال له، يتعلق بوضع الجنيه قبل يوليو، وكان في سياق الرد على حالة من الحنين إلى الملكية، برزت في السبعنيات كذلك، فيقول: « كان الجنيه المصري فرعاً من الجنيه الاسترليني يصدِر بأمر من بنك انجلترا وبالكمية التي تسمح بها لندن وكانت سلعة التصدير الوحيدة هي القطن والمُشتري الوحيد : بريطانيا. و الأسعار تصدُر بها فرمانات من بورصة لندن. أمّا الصناعة فلم تكن قد وُلدت أصلاً، و كان القليل الموجود منها ( باستثناء صناعات بنك مصر ) جنيناً غير شرعي لمؤسسات أجنبية».

وقد ظهرت أولى آثار الأزمة الاقتصادية في مصر على شكل انخفاضٍ رهيب في أسعار القطن وصعوبة بالغة في تسويقه ، وليس مثل القطن من محصولٍ زراعي لعب دوراً خطيراً في التأثير على تاريخ مصر الاقتصادي .
والشاهد أن مصر بمدنها وريفها قد تأثرت بشدة بهذا الكساد العالمي ، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي.

في كتابه ( تطور الحركة الوطنية المصرية ) ، يقول شهدي عطية الشافعي تحت عنوان (سيطرة كبار رجال المال) : «وفي ظل الاستقلال الاسمي الذي فازت به مصر ، ظهرت نواةٌ بارزة من كبار الماليين المصريين ، المتصلين أوثق اتصال بالشركات الأجنبية ، برؤوس الأموال الاستعمارية ، إذ رأت هذه الشركات أنه من الخير لها أن تعين من بين أعضاء مجالس إدارتها بعض مستوزرين سابقين ، وبعض كبار الموظفين ليستخدموا جهاز الدولة في خدمة هذه الشركات ، كما أن بعض أثرياء التجار المصريين أمثال فرغلي ، وعلي أمين يحيى ، رأوا من صالحهم التعاون مع رؤوس الأموال الأجنبية لتحقيق مزيدٍ من الأرباح ، ومن ثم برزت فئةٌ جديدة شاركت كبار الملاك الحكم تحت سيطرة السراي والاستعمار» .

ويضيف شهدى عطية قائلا:

«هذه الفئة وأمثالها من كبار الماليين المتصلين أوثق اتصال بالاحتكارات الأجنبية اجتهدت أول الأمر أن تنشيء لها أحزاباً مستقلة ، كحزب الاتحاد عام 1925 الذي كان يرأسه يحيى إبراهيم باشا ( وهو من كبار الماليين) ونشأت باشا ، ثم حزب الشعب الذي كوّنه صدقي باشا 1931 ، ولكن هذه الأحزاب فشلت فشلاً ذريعاً ، لقد نشأت في أحضان السراي وبقوة البوليس ورجال الإدارة ، فلم تنجح في تضليل أحد ، وسرعان ما كانت تذبل وتموت بمجرد خروجها من الحكم ، ومن ثم اتبع كثيرٌ من كبار الماليين سياسة جديدة ، هي البقاء خارج الأحزاب تحت يافطة المستقلين وتحت طلب السراي والاستعمار ، كلما أراد انقلاباً جديداً » .

نموذج لإقطاعي «عصامي»، كون ثوراته عبر مصاهرة الضباط الإنجليز:

نعرض هذا لنموذج، كونه يسمى «عصاميًا»، أما الآخرين، فهم قد ورثوا أراضيهم الضخمة، من أهاليهم، التي حازوا عليها، بتخصيص مباشر من السلطة الملكية، أو حاباهم الإنجليز عند بيع أراضي «الدائرة السنية»، نكرًا لتعاونهم معهم.

أحمد عبود باشا:

ينتمي أحمد عبود باشا إلى جيل فرغلي باشا (ملك القطن) ، وسيد ياسين (ملك الزجاج) ، وإلياس أندراوس (ملك البورصة) وغيرهم ، غير أن أحمد عبود باشا ، يختلف عن أقرانه بأنه مليونير عصامي بدأ من القاع ، أو تحته قليلاً.

كيف بدأ؟

من مجرد فتى يملك أبوه حماماً شعبياً في حي باب الشعرية ، أصبح رجل أعمال يملك إمبراطورية ضخمة من صناعة السكر والصناعات الكيميائية والورق والشحن والقطن ، تبلغ قيمته 100 مليون دولار .
ظل أحمد عبود يساعد والده في إدارة الحمام الشعبي حتى تخرج في المهندسخانة ، وعمل بعد تخرجه في وابورات تفتيش ثري الفرنسي بأرمنت ، وفُصِلَ منه بعد فترة ليعمل مع أحد مقاولي الطرق والكباري بفلسطين ، وكان ينفذ بعض العمليات للجيش الإنجليزي ، وفي تلك الفترة تعرف إلى مدير الأشغال العسكرية للجيش الإنجليزي ونشأت بين عبود وبين ابنة هذا الضابط الإنجليزي، قصة حب انتهت بالزواج ، وهنا جاء التحول الكبير في حياة هذا المهندس الشاب ، حيث ترك العمل لدى المقاول واشتغل بالمقاولات ، وبمساعدة حميه أسندت إليه معظم أشغال الجيش الإنجليزي في فلسطين ومدن القناة حتى تكون لديه رأسمال استطاع به أن يشتري معظم أسهم شركة ثورنيكروفت للنقل بالسيارات بالقاهرة ، ثم شركة بواخر البوستة الخديوية ، حتى ظهر اسمه في عام 1935 في ذيل قائمة أغنياء مصر أيامها .

كان عبود أحد أولئك الذين استفادوا من ظروف الحرب العالمية الثانية ليحقق ثروة طائلة من أرباح أسطول السفن الذي كان يملكه ، في ظل ارتفاع أجور النقل ارتفاعاً خيالياً ، وهكذا اشترى معظم أسهم شركة السكر والتكرير المصرية التي كان يملكها رجل أعمال بلجيكي يدعى هنري نوس ، وعندما مات هنري نوس أسندت إدارة الشركة إلى ابنه هوغ ، لكن عبود العضو البارز في مجلس إدارة الشركة استغل هذه الفرصة وأوعز لأصدقائه الإنجليز ليقوموا بتجنيد الابن رغم أنفه ، وتم ذلك فعلاً ويذهب هوغ نوس ليشارك في الحرب ولا يعود منها ، فقد قتل في إحدى المعارك ، وخلا الجو لعبود لينفرد بإدارة شركة السكر رئيساً والعضو المنتدب لها ، وظل رئيساً لمجلس إدارتها حتى تم تأميمها في عام 1961 .

امتدت إمبراطورية عبود باشا الذي أصبح أغنى أغنياء مصر إلى دائرة السياسة والرياضة والسياحة ، وكان يملك معظم أسهم شركة الفنادق المصرية ، إضافة إلى شركات الأسمدة في عتاقة والكراكات المصرية ، وغيرها.

وقد أنشأ عبود باشا عام 1939 أكبر وأعلى عمارة في مصر كلها في ذاك الوقت ، وكانت تتكون من 13 طابقاً ، وكان الناس يزورونها ليروا هذا البناء الشامخ في شارع المدابغ الذي أصبح فيما بعد اسمه شارع شريف في وسط القاهرة ، وهي تقع على ناصية شارعي شريف وقصر النيل ، وأطلق عليها اسم عمارة الإيموبيليا .

فرغلي وعبود.. أجبرا طلعت حرب على الاستقالة من بنك مصر

وبلغ من نفوذ عبود أنه أجبر طلعت حرب مؤسس بنك مصر وأشهر أعلام النهضة المصرية على الاستقالة من بنك مصر في 14 سبتمبر أيلول 1939 الذي أسسه بعرقه وجهده ، فقد اشترك عبود وفرغلي باشا ملك القطن في تنفيذ سياسة قوامها سحب ودائعهما من البنك بمعدل نصف مليون جنيه يومياً حتى بلغ السحب ثلاثة ملايين جنيه ، كما هددت الحكومة التي يترأسها حسين سري - صديق عبود باشا - بسحب ودائع الحكومة فاضطر طلعت حرب للاستقالة حتى لا يهتز مركز البنك وترك إدارته لحافظ عفيفي طبيب الأطفال ، وهو صديق أثير للإنجليز ولعبود .

وضعه بعد يوليو

قامت ثورة 23 يوليو 1952 لتتغير بعدها الخريطة السياسية والاقتصاية في مصر ، وفي 15 أغسطس 1955 ، وقعت أول مواجهة بين الثورة المصرية والرأسماليين ، إذ جرى فرض الحراسة على شركة السكر ، التي يمتلكها.
وبعد صدور قوانين يوليو الاشتراكية عام 1961 ، آثر عبود الهجرة إلى أوروبا لإدارة أعماله بجزء من أموال تمكن من تهريبها إلى هناك ، وكان قد علم أو أحس بأن الدولة مقبلة على التأميم ، ثم استطاع أن يحول بعض أمواله السائلة بالبنوك إلى بنوك سويسرية بطريقة أو بأخرى ، ثم سافر إلى نابولي في إيطاليا ليستدعي بواخره واحدة بعد الأخرى ليبيعها هناك ، وأصبحت لديه أصولٌ سائلة تكفيه هو وابنته الوحيدة .
مارس عبود باشا نشاطه التجاري في أوروبا ، وحقق نجاحاً كبيراً كتاجر ومستشار اقتصادي ، إلى أن وافاه الأجل المحتوم في لندن في مطلع يناير كانون ثانٍ 1964 بعد أن هزمته أمراض القلب والكُلى .

قصة الإقطاع في مصر:

يقول جمال حمدان في الصفحات ( 575 إلى 579) من شخصية مصر الجزء الثاني، متحدثًا عن ظروف ملكية الأرض في الأسرة العلوية، ونشوء الاقطاع في صورته الحديثة:

" لقد تسارعت عملية إقطاع الأرض للأسرة المالكة حاشيتها ومقربيها والأعوان والأذناب خاصة من الأتراك والشراكسة وبالأخص في عصر اسماعيل، وكثيرا ما شملت زمام قرى بأكلمها، كما شمل بعضها عشرات القرى دفعة واحدة، وفي هذه العملية نشأة تلك العائلات الكبيرة التي عرفت حتى الأمس بملكياتها الزراعية الضخمة".
ثم يستطرد، مفصّلا: " نستطيع أن تختزل جوهر النظام الجديد في هرم توزيع الملكية الزراعية، فالمقدر بصورة تقريبية عامة أن من بين الملايين الخمسة أو الستة من الأفدنة التي كانت تمثل رقعة مصر الزراعية، كان نحو المليون للأسرة المالكة، ونحو مليون آخر لطبقة الاقطاع، ومثله للاستعمار ولطفيليات الاستعمار ممثلا في الملكيات الأجنبية من أفراد وشركات عقار واستصلاح، وتلك عناصر أغلبها إما أجنبية أو من أصول أجنبية متمصرة، هذا بينما لم يكن لكتلة الشعب إلا البقية الباقية".

ثم يوضح أكثر، فيقول: "عدد الملاك في مصر قبل يوليو 52، حوالي 2,8 مليون، أكثر من 2 مليون منهم يملكون 13% من المساحة الكلية، بمتوسط نصف فدان لكل، أي أنهم كانوا معدمين، في المجمل كان 94% من الملاك يملكون نحو 35% (ثلث الأرض)، هذا بينما كان الثلثان المتبقيان حكرا لنحو 6% من الملاك، منهم نحو 3, %، أي 3 في الألف يبتلعون وحدهم أكثر من (ثلث الأرض)!".

على الهامش: يُرجي ملاحظة أن تعداد الشعب عام 52، يترواح ما بين 17 إلى ما فوق الـ 20مليون.

من جمال حمدان إلى حسنين هيكل، الذي تعرض إلى قضية ملكية الأرض، في كتابة "أزمة المثقفين" حيث يقول:

إن ملكية الأرض فى مصر فى العصر الحديث مرت بثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى: تبدأ من القانون الذى أصدره والى مصر محمد على باشا واعتبر فيه أن جميع الأراضى الزراعية ملك له... ملك خاص له، يتصرف فيه بالهبة كما يشاء، وينتقل عنه بالإرث إلى أبنائه وفق الشريعة!
من هذا القانون بدأت مشكلة الأرض فى مصر فى العصر الحديث.

ولقد انتقلت مساحات كبيرة من الأراضى من ملكية محمد على باشا إلى ملكية غيره من الناس، ولكن هذا الانتقال كله جرى وفق الإرادة السَّنِية، ولم تكن الإرادة السنية فى ذلك الوقت تعنى كثيراً بالفلاحين أبناء الأرض الأصليين.

كانت الإرادات السنية كلها تمنح ملكيات مساحات شاسعة من الأرض لأصدقاء محمد على من الباشوات الأتراك، لقواده وكبار موظفيه من الأرمن والشركس، بل لوصيفات القصر وللجوارى والأغوات.

وفى عهد من تلوا محمد على من الولاة زاد الحال سوءاً وهانت الأرض هواناً يثير الألم والحسرة.

وفى المحفوظات الرسمية، إرادات سنية للخديوى إسماعيل مثلاً، تثبت أن "ولى النعم" منح مساحات كبيرة من الأرض لبعض صديقاته، بل إن إحدى الوثائق تثبت أن خديوى مصر منح "بلانة" إحدى الصديقات ألف فدان بالتمام والكمال.

ثم جاءت المرحلة الثانية: وفيها بدأت مساحات من الأرض تنتقل إلى أيدى بعض أبناء البلاد، ومع ذلك ففى الغالب الأعم، كان الانتقال إلى أيدى عناصر لا تستحق أن تعيش على الأرض الخضراء فضلاً عن أن تملكها.
كان ذلك فى أعقاب إنشاء صندوق الدين الذى أقامته القوى الأوربية، وبريطانيا وفرنسا، فى مقدمتها، بقصد ضمان ديونها على الخديوى إسماعيل.

وكانت أرض "الدائرة السنية"، بعض الضمانات التى قدمها إسماعيل لدائنيه ليطمئنوا على قدرته، أو قدرتهم، على استيفاء ديونهم.

وبدأ صندوق الدين يبيع بعض الأراضى ثم زادت عملية بيع الأراضى بعد ضرب"الثورة العرابية" وبعد دخول الإنجليز إلى مصر سنه 1882 وإذا تساءلنا:

- لمَن مِن المصريين باع الإنجليز أملاك الخديوى إسماعيل؟

ستكون الغصة هى جواب ذلك التساؤل.
فإن الاحتلال أعطى الأفضلية فى ملكية الأرض الجديدة للذين تعاونوا معه.
ومرة أخرى - لولا أننى لا أريد التشهير- لنشرت قائمة بأسماء الذين كافأهم الإنجليز بعد الاحتلال بملكية الأرض، ولسوف تحوى القائمة مع الأسف أسماء عدد من أعرق العائلات المصرية قبل الثورة، أو هكذا كانوا يحسبون!.

** ذكر هيكل واحدة من تلك العائلات، في موضع آخر، وهي عائلات سلطان باشا، الذي باعه الإنجليز، 38 ألف فدان بأجر رمزي، جزاء خيانة عرابي، أثناء قتال قوى الاحتلال الانجليزي.
وكان "سلطان باشا" هو رئيس الجمعية التشريعية أيام الثورة العرابية سنة 1882، وكانت الجمعية تؤيد عرابي، وفجأة وسط معركة التل الكبير، اتصل الإنجليز بسلطان باشاً، فإذا هو يصدر بياناً، والجيش يواجه النار، يقول فيه إن "عرابى" خائن!.

ثم جاءت المرحلة الثالثة: حين بدأ المصريون يملكون الأرض على نطاق معقول، وقد حدث ذلك فى أعقاب الارتفاع الخيالى فى أسعار القطن سنة 1919 فلقد كثرت الأموال السائلة فى أيدى حائزين الأرض من المستأجرين، ومن ثم أتيحت لبعضهم فرصة تملك الأرض!.»

الأجانب في مصر.. أنشطة احتكارية في حماية الاحتلال:

وقضية الأجانب، هي من القضايا التي يثيرها أولئك المرضى بالحنين إلى خليط (الملكية & الاحتلال) ضاربين عرض الحائط، بنضالات الشعب المصري العريضة ضدهما، وكم الشهداء الذين أُريقت دماؤهم في هذا المضمار، وحتى بهتافات الملايين في ميدان التحرير ضد حسني مبارك، في أيام الثورة الأولى مطالبين إياه بالرحيل كما فاروق الأول (أرحل أرحل زي فاروق .. شعبنا منك بقى مخنوق)

بحسب جمال حمدان..

فإن الأوروبييين قدموا إلى مصر في العصر الحديث تحديدًا في منتصف القرن التاسع عشر (قبل 1840 كانوا حفنة أو بضعة آلاف).. وفدوا مع ضعف قبضة دولة محمد علي على التجارة والصناعة –فك الاحتكارات كان إشارة الانطلاق فتضاعف عدد الأجانب 20 مرة في غضون عشر سنوات من 1836 إلى 1846-، ثم مع امتياز قناة السويس في عهد الخديوي سعيد، ثم بعده بالتزامن مع طموحات إسماعيل وتوسعاته ومظهريته وديونه!، ليقيموا - كنمط استيطاني، استعمار ديمغرافي- بالمدن المحيطة بالقناة والأسكندرية والقاهرة.. يقول المؤرخ صبري السوربوني: اتخذت حركة الهجرة الأوروبية "أبعاد الغزو"، وصل العدد في 1881 إلى 90 ألف.. تضاعف عدد الأوربيين تحت مظلة حامية شكلها الاحتلال البريطاني منذ 1882، والذي كان بمثابة الزناد والمحرك للموجة الثانية للهجرة، ليصل إلى أكثر من ربع ميلون في 1917.. فيما بعد ستؤثر ظروف الحرب وعمليات تجنيس الأجانب وتقييد عملية الهجرة على أعدادهم، بالسلب.

كان القادمون من أوروبا، في غالبيتهم -الاستثناء شدوذ نادر- من الأفاقين وأصحاب السوابق والمجرمين الهاربين من العدالة «نفاية أوروبا – حثالة البحر المتوسط»، بلا تعليم أو مهنة أوحرفة، كانوا مرابين وسماسرة وأصحاب أعمال مشبوهة، استهدفوا تحقيق الربح السريع في ظلال المناخ التمييزي الذي صنعه الاحتلال لصالح العنصر الأوروبي. ورغم أنهم كانوا بمثابة مافيا للنهب إلا أنهم كانوا «مافيا فوقية»، وفرضوا نفسهم كطبقة أرستقراطية، ومجتمع فوق المجتمع، متميز عنه محتقر له!. حتى ما يمكن تسميته بالإيجابيات التي صاحبت العملية جراء الاحتكاك الحضاري والتلاقح الثقافي و«الأوربة»، فإن مصر قد دفعت مقابلها ثمًنا رهيبًا وباهظًا، ماديًا ومعنويًا، إنسانيًا وبشريًا، جراء هذه الحضارة الحديثة!.

انعزلت الجاليات الأوروبية في عمومها عن المصريين، وتحاشوا الذوبان معهم أو الاختلاط بهم (كان مجتمعهم السكني أشبه بالمعسكرات). عاشوا في المدن الكبرى بالأساس (الأسكندرية – القاهرة – مدن القناة "ربع سكانها أحيانًا"). كانوا في المدن الكبيرة يتجمعون ككتل متراصة، وكانت لهم أحياء مميزة "معزولة" (الابراهيمية بالاسكندرية - المعادي بالقاهرة)؛ خرق هذه القاعدة –أحيانًا- اليونانيون (أقدم الأوربيين تواجدًا في مصر، تاريخيًا، منذ البطالمة) ثم الطليان، خاصة أقلهم ثرءًا، اختلطوا بالأحياء البرجوزاية المصرية وتواجدوا أحيانًا في الأحياء الشعبية والقرى، وعملوا في السمسرة والبقالة وأنشطة أخرى.

فيم كان نشاطهم؟

كان نشاط الأوربيين ترس في ماكينة التغلغل الاقتصادي وبالتالي الامبريالية والاستعمار، محصور على الغالب في التجارة (لهم السطوة على قلب المدينة التجاري، اجتماعيًا واقتصاديًا) والخدمات والسمسرة، وسائر النشاطات الكمبرادورية، بداية من التصدير والاستيراد، خاصة القطن، وحتى الأعمال المالية والسمسرة والرهونات.. إلى جانب عدد من النشاطات غير الشرعية أو غير الأخلاقية؛ كان لهم دور في إدخال عدد من الصناعات الاستهلاكية كالتقطير والخمور.. كانوا يحتكرون نصف النشاط الصناعي!، قليلًا ما انصرفوا إلى الحرفة الأولى (الزراعة)، واقتصر تدخلهم فيها على كبار الملاك وشركات الاستصلاح الاستغلالية (1500 أجنبي من فئة الملاك يملكون 600 ألف فدان).

وظيفة الجاليات الأجنبية في مصر، كانت هي التجسيم المباشر للاستعمار الاستيطاني، كانت الأداة المباشرة لاستعمار الاستغلالي، الذي كان بلا مواربة استغلالا هدميا وابتزازيا انتهازيًا.. "نزع قشدة" الاقتصاد الوطني، فلهم الزُبد وللوطنيين الزَبد.

(( يمكن التزود بمعلومات أكثر عن الأجانب في مصر أوروبيين بالأساس وغير أورببين الكتلة الشرقية، ونشاطاتهم؟ ونسبتهم؟، ومدى ارتباط هجرتهم العكسية (الأوروبيين، تحديدًا) باكتمال عملية التحرر الوطني، في الصفحات (من 664 إلى 689).. شخصية مصر الجزء الثاني)).

ختامًا:

ما الذي بقي لعموم المصريين، بعد كل ماسبق؟، نظنه سؤال في غير محلّه، وإجابته لا تحتاج إلى مزيد من الشرح، فلم يبق له إلا 80% نسبة الأمية، و45% مرضى بالبلهارسيا، ومئات الألوف يحصدهم وباء الكوليرا في ضربات متتالية آخرها في عصر فاروق عام 1947، وفوق ما سبق ومعه تهميش اجتماعي كامل، وسحق أسفل أقدام الطبقات الأعلى، وفقر وجوع وحفاء.. يكفي، فقط أن نشير إلى أنه ما بين الـ 12 مليون تعداد الشعب المصري في العقد الثاني من القرن العشرين، شارك حوالي مليون و200 ألف فلاح مصري، في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مع الجيش الإنجليزي ضد خصومه في الحرب العالمية الأولى، شاركوا في أعمال بناء وتشييد جسور ونقل معدات وأعمال عسكرية، شاركوا في فلسطين والعراق وجزر بحر إيجه وحتى فرنسا، كم خسرنا؟، تتفاوت التقديرات، بين ربع إلى نصف مليون (ماتوا هكذا.. في بلاد غريبة، في معركة لا تخصهم)، حتى الضوء لا يتم تركيزه عليهم اليوم، وتبقى العيون مسلّطة على خسائر مصر البشرية في جميع حروبها مع العدو الصهيوني على مدار 26 عام، واجترارها، وهي أرقام تافهة لا تستحق الذكر، ولا تساوي عُشر هذا الرقم (نحو 39 ألف شهيد من 48 خمسة آلاف.. وحتى 73 عشرة آلاف)، لكن الخطة تستهدف تشكيل التاريخ على الهوى، وتضبيب المشهد، وصرف العيون عن الأعداء، واختطاف ما يناسب الهدف وتركيز الضوء عليه.

مراجع لم يرد ذكر أصحابها في المادة أعلاه:

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ( د. عبد الوهاب المسيري ) .
جوانب غير معروفة من تجربة محمد علي باشا (د. ذوقان قرقوط ) .
سنوات الهوان من محمد علي إلى فاروق ( عبد القادر السعدني ) .
الطغاة يجهلون الجغرافيا ( شوقي رافع ) .
قصة الثروة في مصر خلال 200 عام ( احمد كمالي ) .
أزمة الكساد العالمي الكبير وانعكاسها على الريف المصري ( على شلبى ) .
-