الدعم الأمريكي للخمير الحمر.. الجملة المفقودة في قصة كمبوديا

السيد شبل
2017 / 1 / 25

رغم أن سمعة الخمير الحمر، وقائدهم "بول بوت" السيئة، شائعة للغاية، إلا أن أحدًا لا يذكر أمرين عنهم: الأول: دعم الولايات المتحدة لهم، بعد إزاحتهم عن الحكم في نهايات 1978؛ الثاني، أن من أزاحهم عن السلطة هم جيرانهم الأبطال الفيتناميين، (الاشتراكيين الوطنيين) أبناء "هوتشي منه" (1890 - 1969)، الذين نجحوا في هزيمة أمريكا، وحلفيتها حكومة "سايغون" في جنوبي البلاد، ثم توحيد فيتنام في أواسط السبعنيات، بعد إجبار أمريكا على الانسحاب تجر أذيال الهزيمة في 1973، مخلفة وراءها ما بين (مليون إلى 4 مليون قتيل! -باختلاف التقديرات-).

الجانب الأكثر طرافة واستفزازاً، هو أن تاريخ، كمبوديا، يبدو للناظر من بعيد كأنه يبدأ وينتهي عند "بول بوت"، الذي حاول استنهاض بلاده، بأفكاره "الاشتراكية"، لكن تعسفه وقسوته في تطبيقها، أدوا بعدد كبير من المواطنين إلى الوفاة بسبب الإجبار على العمل والإهمال في الرعاية أو الإعدامات؛ لكن الحقيقة أن تاريخ كمبوديا أوسع من ذلك، ويكفي أن نشير فقط إلى أنه قبل وصول الخمير الحمر للحكم في السنوات الأخيرة من السبعينات، مرّت البلاد بحرب أهلية طاحنة، من 1970 وحتى 1975 (قتل فيها تقريبا ما بين 600 ألف إلى مليون كمبودي، وتحولت نسبة كبيرة من السكان إلى لاجئين)، وكانت الطائرات الأمريكية بطلة هذه الحرب، تحصد الأرواح حصادًا، وتسببت في سقوط العدد الأكبر من الضحايا، بهدف دعم عميلها في السلطة، الذي وصل إلى الحكم بانقلاب، الجنرال "لون نول" الذي كان محاطا بعشرات المستشارين الأمريكيين إلى جانب قوات من فيتنام "الجنوبية" - قبل هزيمتها- على يد "الشماليين"، ضد خصومه من الملكيين (أتباع سيهانوك) والشيوعيين (الخمير الحمر)، الذين جمعتهم الأقدار في معسكر واحد، ضد العميل الأمريكي. فالملكيين يدافعون عن ملكهم الذي انقلب عليه "لون نول" -بسبب سياسة الحياد التي تبناها سيهانوك ولم ترضِ الأمريكيين تماما-، والخمير الحمر، المدعومين من الصين وفيتنام الشمالية وقوات الفيتكونج، يريدون إزاحة "العميل الأمريكي" لتطبيق أفكارهم الثورية.

وطالما تتواطأ المنشورات الصحفية على أن "بول بوت" مدانًا، بسبب قسوته في التعامل مع المواطنين وخصومه، فلماذا لا يتم توجيه التحية لأولئك الفيتناميين "الشماليين" الأبطال، الذين خلصوا الشعب الكمبودي من حكمه، وحتى لو حمل التدخل الفيتنامي، ظلال من التنافس (السوفيتي/الصيني)، فيبقى أن خلاص الكمبوديين من حكم الخمير الحمر لم يأت على يد الولايات المتحدة والأوروبيين، بل على يد جيرانهم الفيتناميين؛ بل على العكس بقاء الخمير الحمر في الصورة، بعد إزاحتهم في ديسمبر 1978، وسيطرتهم على غربي البلاد، ثم إشراكهم في تحالف (ينافس على الحكم) منذ 81، كان بفضل الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة وأوروبا، وتايلاند العميلة للغرب، والتجار الذين عملوا في تهريب الماس والأخشاب، حتى أن مقعد الأمم المتحدة بقي في قبضة صديق "بول بوت"، وناضلت الولايات المتحدة حتى لا يكون هناك اعتراف بحكومة (كمبوتشيا الشعبية)، وهو التحالف اليساري الذي حكم كمبوديا، بعد إزاحة الخمير الحمر، وكان قريبا من فيتام والسوفيت.

ويبدو للناظر بعمق في هذه القضية كأن هناك تواطؤ على غسل سمعة كل المستبدين في شرقي آسيا، بثوب بول بوت، فمثلا، يتم القفز على جريمة فرنسا "حكومة فيشي"، في الأربعينات بفيتنام، وقت أن كانت فرنسا، بدورها محتلة من النازيين الألمان، وتوظف مستعمراتها في فيتنام لخدمة اليابانيين، وهذا تسبب في مجاعة شديدة الفظاعة في فيتنام بالعام 1944/1945، سقط فيها مابين نصف إلى ٢ مليون ضحية، لكن لا أحد يذكرها، ولا أحد يتوقف عند الإمبراطور الياباني شووا، الذي وقعت في عهده هذه المجاعة، بالإضافة إلى مجازر جيشه في الصين خلال الحرب "العالمية" الثانية (والصين سقط منها ما بين 10 إلى 20 مليون قتيل في هذه الحرب)، وإحدى تلك المجازر هي مذبحة "نانجينغ" التي قتل فيها أكثر من ربع مليون صيني، ورغم هذا لا يقف أحد كثيرا عند اسم الإمبراطور شووا أو قادة الجيش الياباني العسكريين في هذا الوقت!.. حتى جون كيندي، وجونسون، اللذان قادا بلادهما لحرب توسعية ولفرض النفوذ والهمينة على فيتنام، لا ينظر لهما أحد باعتبارهما مجرمي حرب، وكل هذه الجرائم يتم مسحها في ثوب "بول بوت"، أو قبرها أسفل التراب الكثيف الذي يثيره الحديث المستمر عن "بوت" الذي بالنهاية، يبقى هو وجماعته، أشخاص ثوريين طمعوا في تحسين أحوال بلادهم، وعلاج الأضرار الناتجة عن الحرب الأهلية، التي اشتركت فيها (صنعتها) الولايات المتحدة، وكانت أعنف الأطراف بها (في عام 1973 وحده تم إلقاء أكثر من 250 ألف طن من القنابل على كمبوديا)، وتسببت في تهجير أهل الريف إلى المدن، وانخفاض إنتاج الأرز (الطعام الأساسي)، لكن التطبيق الذي لجأ إليه الخمير الحمر، بإجبار سكان المدن على التوجه للمزارع بكثافة لتجنب المجاعة (وهي حقيقة)، وتأجيلهم لمشاريعهم الصناعية الثورية، بسبب واقع مزري اضطروا لمجاراته، كان فيه ممارسات تعسفية وعنيفة، وخلق تضاد وأعمال عنف بين الفلاحين وأهل المدن في بعض المناطق (خاصة الغربية ذات الأراضي القاحلة)، وإطلاق يد الإعدامات، وعدم تقديم الرعاية والغذء الكافيين، وهو ما أذى سمعة تجربتهم، ولطخها، هذا طبعًا مضاف إليه تهويلات خصومهم!.

بالعودة إلى قصة الدعم الأمريكي للخمير الحمر، فإنه وفقا، لويكيبديا، قدمت الولايات المتحدة الدعم للخمير الحمر، رغم إدانتها العلنية لهم، وبعد عام 1982، زادت مساعداتها للمقاومة الكمبودية من 4 إلى 10 ملايين دولار. انتهى.
وكان هذا الدعم بدافع الانتقام من فيتنام، ثم بهدف تقويض الوجود السوفيتي، بالإضافة إلى رغبة الولايات المتحدة في إيجاد موطيء قدم بعد طردها، وطرد عملائها، من جنوب فيتنام.

هذا الدعم يأتي، بطبيعة الحال تماشيًا مع الخط العام الحاكم للإدارة الأمريكية، في حبس تطور شعوب العالم الثالث، وفرض الهيمنة، وحرمانهم، من استكمال مراحل تطورهم، وتحقيق نهضتهم المستقلة.

وقد تخفى دعم الولايات المتحدة، لـ"الخمير الحمر"، خلف سردية شائعة، مفادها أنها تقدم التمويل والتسليح، لخصوم (كمبوتشيا الشعبية) على العموم طوال الثمانينات، وهم يشملون أنصار الملكية، والجبهة الوطنية، والخمير الحمر، لكن الحقيقة أن الأخيرين كانوا أقوى تلك الفصائل، على الأرض، وحتى في الشأن الدبلوماسي، حيث احتفظوا بمقعد الأمم المتحدة؛ هذا بالإضافة إلى أن الخمير الحمر، تلقوا دعمًا من الصين (بعد الماوية)، في سياق التنافس السوفيتي الصيني (وهو من أكثر الأمور المأسوف عليها في هذه المعركة، خاصة في بدايتها). والحقيقة أنه حتى لو لم تكن أمريكا راضية تمامًا عن الخمير الحمر، بسبب قربهم من الصينيين (وإن كان يجب ملاحظة، أننا نتحدث هنا عن الصين بعد ماو سي تونج، الذي توفى في 1976، وشهدت البلاد بعده انحرافا عن إرثه، وانفتاحا على وتقاربا مع الغرب، بالعديد من الملفات) أو أفكار الخمير الحمر "الاشتراكية" أو سمعتهم السيئة، فإنها باركت حضورهم ومدت لهم يد العون وعملت على تعويمهم على السطح، بهدف وحيد وهو الانتقام من الفيتناميين وحلفائهم الاشتراكيين، وإبقاء نفوذها قائمًا في جنوب شرقي آسيا (شبه جزيرة الهند الصينية).

Jack Colhoun وقد قدم جاك كولهون
عرضًا مميزًا لقضية دعم الولايات المتحدة للخمير الحمر في مقال طويل، في صيف عام 1990، منشور حتى اليوم على موقع العالم الثالث، اتهم فيه الولايات المتحدة بالتحالف مع الخمير الحمر، ودعمهم على مدار 11 عام (أي منذ إزاحتهم عن الحكم) بهدف إسقاط الحكومة المدعومة من الفيتاميين (في شرقي البلاد بالعاصمة، بنوم بنه) طوال الثمانينات، وأن تحالفا نما بين الأمريكان وخصوم (كبوتشيا الشعبية)، بعد هزيمة الأولى في فيتنام، وأن الولايات المتحدة سمحت للخمير الحمر وكذلك الأمير نورودوم سيهانوك وأتباعه لاستخدام مخيمات اللاجئين في تايلاند كقاعدة لحربها ضد الحكومة الجديدة في بنوم بنه (عاصمة كمبوديا)، وسمحت لرئيس الوزراء السابق سون سان لتنظيم جيوش حرب العصابات الخاصة بهم من اللاجئين السكان في المخيمات، وخلص فيه إلى أن معظم الناس يعتقدون أن الولايات المتحدة قد أنهت تدخلها في جنوب شرق آسيا في عام 1975، لكن هذا غير حقيقي، حيث يتضح أن الولايات المتحدة مستمرة في دعم القوات القمعية وغير الديمقراطية في أدغال كمبوديا، وأن الولايات المتحدة مسؤولة بشكل مباشر عن ملايين الوفيات في جنوب شرق آسيا على مدى ال 30 عاما الماضية. الآن، تقدم حكومة الولايات المتحدة الدعم لحركة يدينها المجتمع الدولي.. متى يجب أن هذه السياسة من الكراهية تستمر؟.
ا
لخلاصة:
الولايات المتحدة، بسبب خشيتها من تنامي النفوذ الفيتنامي الاشتراكي بكمبوديا، بالشكل الذي من الممكن أن يسوق لوحدة أو تكتل بين البلدين المتجاورين، وبغرض إثبات نفوذها في هذه المنطقة بعد هزيمتها بفيتنام، قامت في كمبوديا بعد ديسمبر 1978، بتقديم الدعم لخصوم الحكومة الجديدة طوال الثمانينات (الهدف الرئيسي كان إجهاض تجربة كمبوتشيا الشعبية)، ومن ثم تقاطعوا مع "الخمير الحمر"، وهم أقوى الفاعلين على الأرض، واستفادوا من الدعم سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر، بل وعمل الأمريكيون على تعطيل اعتراف الأمم المتحدة بالحكومة الفيتنامية الجديدة، لذا بقي مقعد الأمم المتحدة في قبضة الخمير الحمر (بعد إزاحتهم عن الحكم)، وحتى عام 1982، حيث في هذا العام، تشكل تحالف جديد (أشارت إليه الأمم المتحدة بحكومة تحالف كمبوتشيا الديمقراطية: يتألف من الخمير الحمر، فصيل ملكى بقيادة سيهانوك، وجبهة التحرير الوطنية لشعب الخمير)، أي أن "الخمير الحمر" كانوا فيه ركنًا رئيسيًا، وبقي الحال على ذلك، حتى ضعف وانهيار الكتلة الشرقية في 1989، ومن ثم تصاعد نفوذ أوروبا، وساق البلاد إلى باريس، حيث رعت عملية "سلام"، حتى 1991، انتهت في 1993، بإقرار الملكية الدستورية، وتسليم السلطة لـ نورودوم سيهانوك (حليف الغرب وتايلاند طوال الثمانينات)، وبعد وفاته تسلم ابنه الحكم.

مراجع:
On the Side of Pol Pot: U.S. Supports Khmer Rouge
http://www.thirdworldtraveler.com/US_ThirdWorld/US_PolPot.html

Allegations of United States support for the Khmer Rouge
https://goo.gl/xjlCNY

خلال الثمانينات، قدمت الولايات المتحدة الدعم العسكري والإنساني للقوات الكمبودية المتمردة مثل المجموعات الملكية والجمهورية ولكن الخمير الحمر، بقيادة بول بوت كانت لا تزال أقوى الفصائل المتمرده الثلاث، وتتلقى مساعدات عسكرية واسعة من الصين ومن الاستخبارات العسكرية التايلاندية..
https://goo.gl/sUuPMX

How Thatcher gave Pol Pot a hand
https://goo.gl/uTbWJR

خلال الثمانينات، واصل الخمير الحمر المدعومون من قبل تايلند، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة السيطرة على معظم أنحاء البلاد وهاجموا أراض غير خاضعة لسيطرتهم..
https://goo.gl/By3pn9