ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (10)

طلال الربيعي
2017 / 1 / 22

علق وايتهيد على التشابه بينه وبين ماركس وذلك في معرض إشارته إلى هيغل "ومن الواضح الآن أن التشابه مع فلسفات المدرسة الهيغلية، المشار اليها في التمهيد ل(كتابه) "الصيرورة والواقع"، هو ليس من قبيل الصدفة" وفي الطريقة التي دمج بها (هيغل ) التجربة في النظام يأخذ هذا التشابه طابعا حتى اكثر قربا إلى ماركس منه الى هيغل: "الحقائق النهائية هي، قبل كل شيء، كيانات فعلية على حد سواء، وهذه الكيانات الفعلية هي قطرات من الخبرة وهي معقدة ومترابطة مع بعضها البعض". (1)

ولذلك يمكن القول أن هنالك اتفاق متبادل بين وايتهيد وماركس بشأن مسألة الوعي الطبقي وكذلك الاتجاه العام للتاريخ وفي الاتجاه نحو الحرية والانعتاق, وهنالك ايضا اتفاق عام بين الاثنين بخصوص وجود وطبيعة الصراع الطبقي. وببدو ان كلا الطرفين يتفقان على أن سلوك الأفراد الجماعي عبر التاريخ يؤدي الى إحداث تغيير اجتماعي حقيقي. وفي حين أن وايتهيد لم يستخدم لغة الاقتصاد السياسي, وبالتالي لم يناقش الاشتراكية في حد ذاتها، الا انه اقترح رؤية تتضمن القيم التي تعتمد على الاشتراكية من اجل تحقيقها عبر تاريخ البشر.

ومن المثير للدهشة بشكل خاص ان هناك ثروة من المواد التي يرجع تاريخها إلى ما قبل اكثر من 50 عاما و التي عالجت العلاقات بين فلسفة وايتهيد ونظرية ماركس للتاريخ. ومع ذلك، فان هذه النظرية النقدية للتاريخ لم تؤخذ على محمل الجد وحتى انها لم توضع ضمن نطاق فلسفة الصيرورة. ولذلك يقترح باحثون أن المنهج الاجتماعي والتاريخي لماركس يمكن إدراجه بسهولة نسبيا في فلسفة الصيرورة. ومن اكبر الذاهبين بهذا الاتجاه هم باحثون مثل James L. Marsh. فقد كتب Marsh "سوف اُظهر كيف تتطلب ميتافيزيقيا وايتهيد نظرية راديكالية اجتماعية متجذرة في استخلاص الإلهام الأساسي لماركس" (2). لذلك يمكن التساؤل: لماذا كانت فلسفة الصيرورة مترددة في استخدام فكر ماركس؟ البعض يعتقد ان سبب ذلك يعود الى ان اللاهوتيين من اتباع وايتهيد لم يأخذوا بجدية النظام الإلحادي المعلن من قبل ماركس باعتباره منهجا تاريخيا مناسبا تماما لاستخدامه من قبل فلسفة الصيرورة. ان هذا خطأ. أن دراسة التاريخ والمنهجية الماركسية مرنتان بما فيه الكفاية لأن تدرجا معا بسلاسة مع فلسفة الصيرورة. كما ان أفكار وايتهيد يمكن اعتبارها منفتحة بشكل كاف للتلاقح مع فلسفة ماركس.

يعتقد باحثون مثل Russell Kleinbach ان هذا العمل من شأنه أن يعزز الماركسية (3). واقترح Marsh ان وايتهيد وماركس بحاجة الى بعضهما البعض على حد سواء. اي ان افكار وايتهيد هي ميتافيزيقا في حاجة الى نظرية اجتماعية ملائمة، وان افكار ماركس هي نظرية اجتماعية في حاجة الى ميتافيزيقيا, وان كان هذا لا ينفي احتواء الماركسية لميتافيزيقيتها الخاصة بها, والتي معالجتها هنا هي خارج نطاق الموضوع قيد النقاش. ومع ذلك يعتقد Richard Curtis أن فلسفة الصيرورة هي في حاجة للماركسية من اجل مواجهة جدية للاوضاع الاجتماعية والسياسية التي نعيش فيها، والتي ازداد اهتمام لاهوتيي الصيرورة بها (1). فمن المعروف أن لاهوت التحرير (4) في أمريكا اللاتينية اوجد وسائله الخاصة به للمزج بين الماركسية واللاهوت. بعض اللاهوتيين, مثل غوستافو غوتيريز، وهو كاهن من بيرو, وخوزيه ميراندا، وهو عالم لاهوت مكسيكي، وخوسيه ميغيز بونينو، وهو بروتستانتي أرجنتيني, على سبيل المثال لا الحصر, اقترحوا رؤية للعملية التاريخية تتضمن اعتبار الماركسية بكونها أحد جوانب العلاقة الإلهية مع الإنسان, وكذلك بكونها خيار الله المفضل مع الفقراء. ماذا كانوا يفعلون، في جوهره، يتضمن دمج موضوعة الصراع الطبقي في الفكر الاجتماعي, وبذلك اكتشفوا أن منهج المادية التاريخية كان فعالا ومفيدا للغاية في هذا السياق. يعتقد لاهوتيو التحرير ان على الممارسة الأثودوكسية Orthopraxis أن تأخذ الأولوية على العقيدة Orthodoxy,، وكثيرا ما كان ينظر الى التحليل الاقتصادي والاجتماعي الماركسي بكونه ورقة رابحة في العهد الجديد‎ (الجزء الثاني من الكتاب المقدس لدى المسيحيين). وقد أستوجب ذلك أيجاد طريقة جديدة لممارسة التأويل, حيث اُعتبرت الأساليب التأويلية لماركس وإنجلز وسيلة فعالة في التعامل مع الفقر والقمع في مختلف بلدان أمريكا اللاتينية.

وأول من استخدم تعبير "لاهوت التحرير" هو اللاهوتي جوستافو جوتييريز سنة 1967 في محاضرته التي ألقاها في مونتريال، ثم محاضرته التي ألقاها في بيرو سنة 1968 خلال مؤتمر ميدللين، وبرَّر جوتييريز "موقفه من صبغ تحرير الإنسان بصفة اللاهوت بأن اللاهوت ليس مجرد معرفة نظرية، بل هو موقف عملي وإن اللاهوت يتجه إلى واقع الإنسان، ولذلك عندما نبحث في علم المسيح يجب أن ننطلق من الأرض، أي من صفة السيد المسيح الإنسانية، ووضعه البشري، وتضامنه مع الفقراء ولا ننطلق من السماء، أي من صفة السيد المسيح الإلهية، ولذلك على الكاهن أن يتضامن مع الفقراء، ولا ينحاز للسلطات، وإن الهدف من البشارة بالإنجيل ليست العقيدة، بل تغيير الوضع الاجتماعي للإنسان، وإن الحياة المسيحية تنبع من الأرض وليست من السماء" (5).

وكان اعتماد لاهوتيي التحرير كبير جدا على الفكر الماركسي في عناوين الكتب الخاصة بهم, وعلى سبيل المثال، كتاب ميراندا: "ماركس والكتاب المقدس" Miranda: Marx and the Bible, وكتاب ميغيث بونينو "المسيحيون والماركسيون: التحدي المتبادل للثورة" Miguez-Bonino: Christians and Marxists: The Mutual Challenge to Revolution.

في مقالته, يسعى أ حلمي القمص يعقوب (5) الى الاجابة على التساؤل "ما هو مفهوم لاهوت التحرير ولماذا دعوا تحرير الإنسان لاهوتًا؟ وهل هو لاهوت أم أنه نظرية"؟ حسب يعقوب, يهتم "لاهوت التحرير بالوضع الاجتماعي للإنسان، فهو يسعى نحو تحرير الفقراء والمقهورين اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، ويعمل على تحرير الكنيسة مما لحق بها من شوائب وأساليب تسلطية، فلاهوت التحرير يجعل الإنسان هو المحور بدلًا من الله، وبتحويل المركزية من الله للإنسان يصبح كل شيء قابل للتفاوض والحوار، حتى نصوص الكتاب المقدَّس تؤوَّل لصالح الفقراء والمظلومين."

ويرى الدكتور القس صموئيل حبيب (6, ص. 25) أن "لاهوت التحرير" هو لاهوت نبوي أي يقوم بعمل الأنبياء الذين حاربوا الظلم، وأنه يحمل في داخله الإعلان الإلهي فيقول " لاهوت التحرير لاهوت نبوي، فالنبؤة هي أن يرى النبي الواقع، ثم يعلن رأي الله فيه، ويتخذ القرارات العملية لمواجهته. فلاهوت التحرير ضمن هذا المنطلق يحمل المسئولية النبوية للتاريخ، وبالتالي للمجتمع ككل, ولما كان لاهوت التحرير يدعو إلى تحرير المظلوم والفقير، ليسترد الإنسان إنسانيته، فإن تحرير المظلوم يتضمن في داخله على إعلان إلهي".

ويجيب د. ميلاد حنا على التساؤل: "لماذا دعوا تحرير الإنسان لاهوتًا؟", فيقول"على إن ما كان يحيّرني هو عبارة "لاهوت"، فقد قبلت لفظ التحرير لارتباطه سياسيًا بتحرير الإنسان من العبودية والقهر والتخلف غير إنني أدركت وفهمت لماذا أصرَّ مفكرو هذا التوجه على لفظ اللاهوت, وقد كان مرتبطًا في ذهني بالإلاهيات، فجاءتني الواردة... لتفسر لي هذا التناقض الظاهر، فالمقولة تقول اللاهوتي يدرس مسيرة الله المتحققة في الزمان والمكان، كما يدرس سلوك البشر في إطار الزمان والمكان نفسهما، ليعرف مدى تطابقهما مع قصد الله الخلاصي, وتعرَّفت أيضًا أن المجتمع الفاتيكاني الثاني 1963-1965 كان ملتقى التيارات اللاهوتية في أوربا، إذ وجد اللاهوت نفسه أمام تساؤلات إيمانية من نوع جديد فرضتها الاكتشافات العلمية الحديثة والمجتمعات الصناعية" (5).

ويعبر الدكتور القس صموئيل حبيب عن نظرة دعاة لاهوت التحرير الذي يدَّعون أن اللاهوت يبدأ من واقع الإنسان ويبحث عن تحريره من الظلم الاجتماعي، وأيضًا تحريره من الظلم الروحي أي من سلطان الإكليروس، فيقول " علم اللاهوت يبدأ عادة من الوحي إلى الواقع. أما لاهوت التحرير فهو يبدأ من الواقع إلى الوحي...وأن مصداقية اللاهوت تتحقق في مطابقتها للواقع... ولما كان علم اللاهوت يرتبط بالواقع، فهو لاهوت يمكن أن يكون محليًا. فالواقع في أمريكا اللاتينية هو الذي نبع منه لاهوت التحرير، هذا الواقع قد يتفق مع واقع آخر في موقع آخر.. ولذا فإن الأفارقة يمكنهم أن يكتبوا لاهوت التحرير من واقع أفريقيا.. بل يجوز أن يشكل علم اللاهوت نظرية أو يتبنى ويناقش قضية معينة.. فالسود ءفي أمريكاء في سبيل دفاعهم عن حريتهم، ربطوا علم لاهوت التحرير بقضيتهم، والمرأة في دفاعها عن حريتها في المجتمعات العربية أنشأت لاهوت تحرير المرأة.. علم اللاهوت التحريري لم يبدأ من الوحي، لكنه بدأ من الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع والبيئة.. وحيث أن لاهوت التحرير، واقعي، فهو يرتبط بالإنسان وبالإنسانية. إنه لاهوت الإنسانية... إن لاهوت التحرير ليس لاهوتًا ينتظر المستقبل، لكنه يحدد العمل المباشر والحاضر.. فلاهوت التحرير، من هذا المنطلق، لاهوت عمل في مواجهة الواقع الأليم للبشرية." (5)

ولاهوت التحرير من هذا المنطلق، ليس لاهوتًا إضافيًا، يضاف إلى ما قبله من أعمال، ولكنه لاهوت جديد، فهو اللاهوت الأول من نوعه في تاريخ الفكر اللاهوتي الذي يعتمد على الواقع التاريخي. لاهوت التحرير دعوة للعمل لأجل المطحونين والهامشيين من المجتمع البشري، والدعوة تحمل قيام المجتمع الكنسي بكل ما يمكن عمله لتحرير المطحونين، ليكونوا مستقلين، لهم سيادة على ذواتهم، دون اعتماد على الغير. لاهوت التحرير ليس مجرد دعوة للتحليل العقلاني فحسب، بل دعوة للعمل الرعوي والخدمة، نابعة من سماع أصوات الفقراء في كل عصر. من هنا نرى أن لاهوت التحرير، لاهوت عملي فهو يرتبط بالمجتمع وظروفه، ويدعو الكنيسة للقيام بدورها الفعَّال لتطوير المجتمع للأفضل . وتمتد المسؤولية، من داخل علم لاهوت التحرير، إلى ما يحدث داخل الكنيسة فالنظرة التحرُّرية للمطحونين داخل الكنيسة، تدعو للتحرر من سلطان الإكليروس، وسيادته، فالكنائس التي اتخذت لها أساليب دكتاتورية سلطوية، والتي تمارس نفس العنف، والسيادة القهرية في ممارستها لسلطاتها.. ولاهوت التحرير يدعو لتحرير المظلومين من أي نوع. ولما كان لاهوت التحرير يرتبط بالواقع، وبقضايا الإنسان الفقير والمظلوم، فإن الإنسان هو المركز الرئيسي لهذا اللاهوت, وهذا هو الواقع أن لاهوت التحرير يعتمد على العلوم الإنسانية وحيث أن لاهوت التحرير لاهوت عملي يرتبط بالإنسان وبالواقع، لذا فهو لاهوت متجدد يطالب باستمرار الدراسة والتأمل واكتشاف أساليب تحرير المظلومين والفقراء (5).

ثم ينتقد الدكتور القس صموئيل حبيب أقوال دعاة لاهوت التحرير السابقة، فيقول " إلاَّ أن فكرة اللاهوت إنه يبدأ بالواقع، ثم يعود إلى الوحي، فكرة خاطئة من أساسها، فاللاهوت يبدأ بالوحي أولًا، ثم يتجه إلى الواقع. ولا يجوز لنا أن نظن أن الوحي يهمل الواقع، فمطابقة الوحي بالواقع، عمل من صميم اللاهوت، فعلم اللاهوت لا يعيش بمعزل عن الواقع (6, ص.34 ).

وحسب اللاهوتي جوستافو جوتييريز, كما ذكر اعلاه, ان لاهوت التحرير "يتجه إلى واقع الإنسان، ولذلك عندما نبحث في علم المسيح يجب أن ننطلق من الأرض، أي من صفة السيد المسيح الإنسانية". ولذا من الصعوبة بمكان امكانية الاعتقاد بظهور لاهوت تحرير في الاسلام فالله الاسلام لم يتجلى في هيئة انسان, ورأيي هذا يحتاج الى تمحيص وتدقيق اكبر بكثير. ومع هذا فاني اتفق مع رأي مهدي حسن في الغادرديان(7) , الذي يقول فيه:
"الإسلام ليس هو المسيحية. الديانتان ليستا متماثلتان. وأنه جهل بحق، ناهيك عن كونه نوع من الوصاية, التظاهر بخلاف ذلك, أو اية محاولة لفرض رؤية مركزية أوروبية خطية على البلدان المختلفة ذات الأغلبية المسلمة في آسيا أو أفريقيا. لكل دين تقاليده الخاصة ونصوصه. وقد تأثر أتباع كل دين من حيث الجغرافيا السياسية والعمليات الاجتماعية والاقتصادية في عدد لا يحصى من الطرق. لاهوتا الإسلام والمسيحية، على وجه الخصوص، هما عالمان متباعدان: الأول، على سبيل المثال، لم يكن له قط طبقة رجال الدين على الطراز الكاثوليكي المسؤولة امام البابا المُعيّن إلهيا. لذا من سيكون المستهدف في"الإصلاح الإسلامي"؟ وعلى باب مَن سيتم قير الفتاوى ال 95 (وذلك في اشارة لدق لوثر المسمار الاخير في نعش الأطروحات ال 95 على باب كنيسة القلعة في فيتنبرغ في 1517، وشجبه انتهاكات رجال الدين داخل الكنيسة الكاثوليكية).
يتبع
...........
المصادر
1. Process Via Marx
Marx s Potential Contribution to Whiteheadian Social Theory
http://www.richardcurtisphd.com/pdf/academic/Process%20Via%20Marx.pdf
2. James L. Marsh, Process, Praxis, and Transcendence. Albany: State
University of New York Press, 1999
P. 12
3. Russell Kleinbach, Marx via Process: Whitehead s Potential Contribution to Marxian
Social Theory. Washington, D.C.: University Press of America, 1982
4. Liberation Theology and Marxism
https://billmuehlenberg.com/2015/05/05/liberation-theology-and-marxism/
5. كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها - أ. حلمي القمص يعقوب
http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/134.html#(5)
6. كتاب : لاهوت التحرر دراسة و تقييم - دكتور صموئيل حبيب
https://coptic-books.blogspot.co.at/2015/09/blog-post_17.html
7. Why Islam doesn’t need a reformation
Mehdi Hasan
https://www.theguardian.com/commentisfree/2015/may/17/islam-reformation-extremism-muslim-martin-luther-europe