ماذا لو ألبسنا الحيوان النقاب؟

إلهام مانع
2017 / 1 / 21




"هل يمكنني ان اشرح لكي وجهة نظري تجاه النقاب"؟
قالت لي الشابة السويسرية.
فقلت لها نعم.
جاء حديثها بعد إنتهاء الندوة.
وقد ترك أثره في.
أثرأً قد يغير الكثير في.

الندوة كانت في باسل، وعنوانها "التطرف ونحن". كنت ضيفة فيها ومعي الكاتب الإسرائيلي العربي المعروف أحمد منصور، وتوماس كيسلر رئيس فريق عمل كانتون زيوريخ ـ المدينة لمواجهة التطرف الديني، والباحث المتخصص في العلوم الدينية يوهانيس سال.

كلٌ أدلى بدلوه.

وعندما فُتح المجال للنقاش ُطرح موضوعُ قانون حظر النقاب هنا في سويسرا.
الشابة السويسرية هي من طرحت السؤال في الواقع.
قالت إنها من الحزب الإشتراكي الديمقراطي وأنها تجد صعوبة ً في قبول موقف حزبها الرافض لحظر النقاب في سويسرا لاسيما وأن حزبها يفُترض فيه الدفاع عن حقوق المرأة.

كان سؤالها في الواقع لأحمد منصور. وكان هو كعهده واضحاً في موقفه ومطالبته بمنع النقاب.
وأنا رددت علي السؤال ايضاً.
ولعلي خَيبُت املها.

قلت لها أني مع قوانين واضحة فيما يتعلق بمنع النقاب في المدارس، الجامعات، المستشفيات، والمؤسسات الحكومية. لكني اجد صعوبة في قبول تغيير الدستور السويسري كي يتضمن بنداً بهذا الشأن.
وأوضحت موقفي بعدها.

عادت إلي بعد الندوة. وسألتني: "هل يمكنني ان اشرح لكي وجهة نظري تجاه النقاب"؟
رحبت بها وبسؤالها مبتسمة.
قالت لي "أنا سأدعم استفتاء لمنع النقاب حتى لو كان يتعلق بمنع الحيوانات من لبس النقاب".
نظرت إليها مُستغربة، وأصغيت.
قالت لي: "انا تربيت في مزرعة ولدينا حيوانات كثيرة. لو قمت وضع النقاب على الحيوانات لدينا في المزرعة، ستتحرك السلطات السويسرية على الفور وتمنعني من فعل ذلك. وفوق ذلك ستفرض علي غرامة لأن هذا يعتبر إساءةً وأذىً للحيوان. وإذا كان الأمر مؤذياً للحيوان أليس من الأولى أن نبدأ بالمرأة؟"

عبارتها جعلتني انظر للموضوع من جانب ادهشني.
قلبته رأساً على عقب.
بالفعل.
تخيلن معي عزيزاتي، لو فرضنا النقاب على الحيوانات، كيف ستكون ردة فعلنا؟
ستقوم القيامة لحماية الحيوانات من هذا القهر.
وسأكون أنا أول من يرفض هذا القهر.
استأذنتها في إستخدام عبارتها في مقال. وأذنت لي.

عبارتها ظلت معي.
تنخر في عقلي إلى الصباح حتى قررت أن اكتبَ مقال الجمعة عنه.

قلت أني أوضحت موقفي من النقاب فيما بعد.
كيف؟

قلت للجمهور المتحمس إن الأجدى في رأيي هو مواجهة الفكر نفسه لا أعراضه فقط.
كيف؟
من خلال قوانين تمنع تدفق الأموال الخليجية من تمويل المساجد لدينا في سويسرا.
من خلال قوانين تمنع استيراد الأئمة من الخارج؛ أئمةٌ غاضبون كارهون حاقدون على من إستضافهم؛ وتصر على تأهيل الأئمة في سويسرا نفسها بصورة تحترم القيم الإنسانية الديمقراطية التي يقوم عليها المجتمع السويسري.
من خلال قواعد ورقابة صارمة تمنع مدارس القرآن في المساجد من تدريس الأطفال قبل التأكد من نوعية المناهج التي تُدرس فيها، خاصة وان التدريس السلفي او الديوباندي او الإسلاموي السياسي للقرآن لن يؤدِ إلا إلى قولبة أطفالنا على نهج أصولي متطرف يدعو إلى الجهاد ويلغي عقولهم ويمنع إندماجهم في بلدانهم الجديدة.

أليس هذا أجدى من إدراج مادة في الدستور تمنع النقاب؟
ستمنع النقاب، لكنها لن تمنع من انتشار الفكر الذي يروج لها.
هذا هو سبب عدم تحمسي للموضوع.

ونعم.
أنا ضد النقاب قولا وتفصيلاً.
لماذا؟

لأنه نتاجُ فكرٍ يقتطع للمرأة من قماشٍ كفنَها، ويقول لها "إن لم تتكفنينِ به سُتلعنين دنيا وأخره".
فكرٌ يقول للمرأة أن عليها ان تطمس روحها، كيانها، وجودها كي تحمي الرجل من نفسه. "غيبي عن الوجود وكونك لاشيء!"
فٌكر يقول للمرأة إنها قطعةُ لحم، تَجبُ تغطيتُها. كي تحميها من الذباب. كلُ ما فيها مثير للشهوة. معجون بالرغبة. ليست إنسان. بل عورة.
عورة.
أما عقلها فحبذا لو هوت عليه بمطرقة، ثم دفنت اشلاءه كي يَصمُتَ عن السؤال.
وهي المسكينة تصدق. تصدق أن عليها أن تحمي ذلك الرجل، ذاك الضعيف المسكين المهزوز، من غرائزه.
فكرٌ يقول لنا إن الرجل حيوانٌ جنسي مهووس بكل ما يظهر من المرأة، عقله في عضوه الذكري. مربوط به في الواقع.
لا يستطيع أن يكون مع امرأة دون أن يهجم عليها يريد أن يمارس معها الجنس. كأنه ليس إنسان، غير قادر على التحكم في غرائزه.
فكرٌ يسيطر على المرأة بقطعة قماش.
فاشيٌ شمولي، لكنه يتحول بقدرة قادر إلى مُدافعٍ شرس عن الحرية الشخصية في الدول الأوروبية وشمال أمريكا، ويصر أن ارتداء النقاب "حريةً شخصية".
يقول هذا وهو يقهقه.
يقول هذا وهو يَجلد في البلدان التي يتحكم فيها كلَ من تُسول لها نفسها أن تمارس حريتها الشخصية في لبس ما تريد.
ويقهقه وهو يفعل.
والحمقي يصدقون.


هذا رأيي عن النقاب.
فأنا لست ساذجة حتى ادافع عن إرتداء النقاب.
لكني مصرةٌ أن مواجهة النقاب تستلزم محاربة الفكر والأيديولوجية التي تروج له. هي الأخطر وهي السرطان. ولذا تجب مواجهتها.
وأفضل لذلك أن أستثمر وقتي في الترويج للقوانين التي اشرت لها لمنع انتشار هذا الفكر وهذه الأيديولوجية بدلا من الدخول في حديث عن إدراج مادة في الدستور تمنع النقاب.

كل هذا لازلت مقتنعة به.
إلى أن حدثتني الشابة السويسرية الصادقة.
تقول لي "ماذا لو ألبسنا الحيوان النقاب؟"
"كيف ستكون ردة فعلنا؟"
وانا اندهشت من عبارتها.
لأني ادركت فوراً أن ردة فعلي ستكون واضحةً لا لبس فيها، وهي الإصرار على نزع النقاب عن الحيوان.
لأن النقاب فيه أذى للحيوان.
فيه أذى للحيوان.
وهي اصرت.
تقول لي: "وإذا كان الأمر مؤذياً للحيوان أليس من الأولى أن نبدأ بالمرأة؟؟"
سؤالها لازال يرن في إذني.
اردده عليكم/ن متأملة.