قصة مصر فى العصر الإسلامى ، وأكذوبة المدينة الفاضلة

عبدالجواد سيد
2017 / 1 / 20

قصة مصر فى العصر الإسلامى، وأكذوبة المدينة الفاضلة
( 40 هـ - 358هـ)

مقدمة!!!


التاريخ الإسلامى ، فى صيرورته أو ثباته ، حالة من العنف والفوضى ، أكذوبة كبرى ، مازلت مستمرة ، نروى هنا ، بعض سطور منها !!!
-------------------------------

بعد وفاةعمرو بن العاص آلت مصر إلى حكم الأمويين، الذين إستتب لهم ملك العرب بعد مصرع على إبن أبى طالب سنة 40هـ ، وتنازل إبنه الحسن عن مطلب الخلافة فى السنة التالية، فنقلوا عاصمة الخلافة من المدينة إلى دمشق ، وولوا على مصر عتبة بن أبى سفيان أخو الخليفة معاوية ، بدلاً من عبدالله بن عمرو ، الذى كان قد تولى مكان أبيه مؤقتا، وظلت مصر بأيديهم إلى أن خرج عليهم عبدالله بن الزبير بالحجاز وإنتزع منهم مصر والعراق.
كان عبدالله بن الزبير قد أعلن نفسه خليفة فى العراق ، بعد مصرع الحسين بن على بن أبى طالب فى كربلاء سنة 61هـ،على يد القوات الأموية التى أرسلها الخليفة يزيد بن معاوية بقيادة زياد بن أبيه. نجحت دعوة إبن الزبير وتمت له البيعة فى الحجاز وتهامة وكذلك فى العراق وبعض مناطق الشام ، كما بايعه عرب مصر فولى عليهم عبدالرحمن بن جحدم الفهرى سنة 64هـ ، وإجتمع الأمويون بعد وفاة الخليفة يزيد بن معاوية على مروان بن الحكم سنة 64هـ ، وشرعوا على الفور فى محاولة إسترجاع سلطانهم فى البلاد التى إنضمت إلى دعوة إبن الزبير، وإستطاعوا فى نفس العام هزيمة قوات عبدالله بن الزبير فى موقعة مرج راهط 64/65هـ ، ثم تقدم مروان بقواته إلى مصر ونجح فى الإستيلاء عليها بعد أن أمن من بها من العرب ، ودفع إلى عبدالرحمن بن جحدم مالاً وكسوة ، ودخلها فى سنة 65هـ وأسند ولايتها إلى إبنه عبدالعزيز بن مروان الذى ظل يحكمها لحوالى عشرين سنة بعد ذلك.

وعاد الأمويون يحكمون قبضتهم على مصروالشام والعراق وبلاد المغرب مرة أخرى، وتشددوا فى طلب الجزية والخراج من الأهالى وبالغوا فى ذلك، وإتبع الحجاج بن يوسف الثقفى واليهم على العراق سياسات فى غاية القسوة تجاه الموالى، فرفض وضع الجزية عمن أسلم منهم وإعتبرهم عبيداً ومنعهم من مغادرة أراضيهم حتى يسهل إحصائهم وتقدير الجزية المستحقة عليهم، وكذلك فعل عبدالله بن الحبحاب واليهم على مصر والمغرب بعد ذلك. والواقع أن ملوك بنى أمية كانوا يعتبرون الأقباط عبيداً لهم وأنكروا منذ أيام معاوية بن أبى سفيان(40-60هـ) أن يكون لهم أى عقد أو عهد مع العرب ، وقد عزل معاوية مولاه وردان عن ولاية مصر بسبب رفضه أن يزيد الخراج على الأقباط إعتقاداً منه بوجود عهد لهم مع العرب، لكن الأمويين شغلوا عن الشعوب التى غزاها العرب بصراعاتهم الداخلية حتى عهد عبدالملك بن مروان، ثم بعد أن إستقرت لهم الأحوال مرة أخرى ، عادوا إلى سياسات القمع والتشدد مع الأقباط وغيرهم من شعوب الإمبراطورية العربية.
وقد أورد المقريزى فصلاً خاصاً فى كتابه الخطط عن إضطهاد الدولة الإسلامية للأقباط منذ أيام الأمويين وحتى أخريات عصر الدولة المملوكية الأولى الذى عاش فيه، فذكر أن عبدالعزيز بن مروان والى مصر(65-85هـ) قد أمر بإحصاء الرهبان فأحصوا وأخذت منهم الجزية عن كل راهب دينار وهى أول جزية أخذت من الرهبان ، ولماولى مصر عبدالله بن عبدالملك بن مروان سنة 85هـ إشتد على النصارى ( وهو الذى تم فى عهده تحويل الدوواوين من القبطية إلى العربية) وإقتدى به قرة بن شريك أيضاً فى ولايته سنة 90هـ وأنزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا بمثلها.
وكذلك فقد إشتد أسامة بن زيد التنوخى متولى الخراج فى ولاية عبدالملك بن رفاعة(96-99هـ) على النصارى، وأوقع بهم وأخذ أموالهم ووسم أيدىالرهبان بحلقة حديد فيها إسم الراهب وإسم ديره وتاريخه وكل من وجده بغير وسم قطع يده ، وكتب إلى الأعمال بأن من وجد من النصارى وليس معه منشور أن يؤخذ منه عشرة دنانير ثم كبس الديارات( الأديرة) وقبض على عدة من الرهبان بغير وسم فضرب أعناق بعضهم وضرب باقيهم حتى ماتوا تحت الضرب، ثم هُدمت الكنائس وكُسرت الصلبان ومُحيت التماثيل وكُسرت الأصنام بأجمعها وكانت كثيرة فى ولاية حنظلة بن صفوان الأولى سنة 105هـ. وفى سنة 107هـ زاد عبدالله بن الحبحاب متولى الخراج فى ولاية الحر بن يوسف (105-108هـ) على الأقباط قيراطاً فى كل دينار، فإنتفض عليه عامة الحوف الشرقى منهم فحاربهم المسلمون وقتلوا منهم عدة وافرة وكانت هذه أول إنتفاضة مسلحة للأقباط منذ إنتفاضة لإسكندرية سنة 25هـ ، ثم توالت إنتفاضاتهم بعد ذلك طوال القرن الثانى الهجرى وبلا إنقطاع تقريباً حتى سنة 216/217هـ التى شهدت أكبر وآخرإنتفاضاتهم.
وعندما قدم حنظلة بن صفوان أميراً على مصر فى ولايته الثانية (119-121هـ) تشدد على الأقباط وزاد فى الخراج وأحصى الناس والبهائم ، وجعل على كل نصرانى وسماً صورة أسد وتتبعهم فمن وجده بغير وسم قطع يده. وفى ولاية حنظلة الثانية سنة 121هـ إنتفض الأقباط بالصعيد فحوربوا وقُتل كثير منهم. وفى ولاية عبدالملك بن مروان بن موسى بن نصير سنة 132هـ خرج رجل قبطى يدعى يحنس بسمنود وحارب وقُتل فى الحرب وقُتل معه كثير من الأقباط. وفى أخريات عصر الدولة الأموية ثارالأقباط برشيد أثناء لجوء مروان بن محمد إلى مصر فبعث إليهم مروان وهزمهم ، وقبض واليه عبدالملك بن موسى بن نصير على البطريرك ميخائيل بطريرك الكنيسة القبطية فإعتقله وألزمه بمال ، فسار بأساقفته فى أعمال مصر يسأل أهلها فوجدهم فى شدائد فعاد إلى الفسطاط ودفع إلى عبدالملك ماحصل له فأفرج عنه ، فنزل به بلاء كبير من مروان وبطش به وبالنصارى، وأحرق مصر وغلاتها وأسرعدة نساء من المترهبات ببعض الديارات ، وراود واحدة منهن عن نفسها فإحتالت عليه بحيلة قتلت بها نفسها حتى لاينال منها، ومازال البطريرك والأقباط فى الحديد مع مروان إلى أن قُتل ببوصير سنة 132هـ فأُفرج عنهم. كان هذا ماذكره المقريزى فى الخطط عن أحوال مصر والأقباط فى العصر الأموى أما العصرالعباسى فقد تدهورت فيه الأحوال أكثر ، بسبب ثورات القبائل وتنازع الولاة على المال والسلطة.
وقد بدأ العباسيون حكمهم لمصر بمصادرة بعض الأراضى وتوزيعها إقطاعات على أنصارهم ، وقد ذكر الكندى فى ولاة مصر أن صالح بن على أول وال عباسى على مصر قد وزع الأراضى هدايا على من ساند دعوة العباسيين فقال( وأقطع صالح بن على الذين سودوا) أى الذين لبسوا السواد شعار العباسيين- فأقطع شرحبيل بن مذيلقة الكلبى ، أقطعه منبوبة ، والأسود بن نافع الفهرى ، أقطعه منية بولاق ومنازل زبان بالإسكندرية وأقطع عبدالأعلى سعيد قطائع بالميمون( فى الواحات الخارجة) وقرى إهناس بالصعيد الأدنى من أعمال البهنسا.
وقد كان من الطبيعى أن تستمر ثورات الأقباط فى العصر العباسى الذى إنحدرت فيه أوضاع المجتمع المصرى إلى الأسوء ، حيث غلب عليه الفوضى وإنعدام الأمن بسبب الخروج المستمر للقبائل العربية التى سكنت منطقة الحوف الشرقى ( شرق الدلتا) وصراع هذه القبائل مع حكومة الفسطاط من جهة وإغاراتها المستمرة على القرى القبطية من جهة أخرى.
وقد ذكر المقريزى فى نفس الفصل الخاص بثورات الأقباط فى الخطط أن اول ثورة للأقباط فى العصرالعباسى قد حدثت سنة 150هـ ، حيث ذكرأن الأقباط قد خرجوا بناحية سخا وأخرجوا العمال وصاروا فى جمع فبعث إليهم يزيد بن حاتم بن قبيصة أمير عسكر مصر فأتاهم الأقباط ليلاً وقتلوا عدة من المسلمين وهزموا باقيهم. ويبدو ان المقريزى قد نسى ذكر ثورة أبى مينا القبطى بسمنود بالوجه البحرى سنة 135هـ فى ولاية ابى عون عبدالملك بن يزيد وكيل صالح بن على على مصر والتى ورد ذكرها فى ولاة مصر للكندى.
ويستطرد المقريزى فيقول( وإشتد البلاء على النصارى وإحتاجوا إلى أكل الجيف فُهدمت الكنائس المحدثة بمصر، فُهدمت كنيسة مريم المجاورة لأبى شنودة وهُدمت كنائس محارس قسطنطين فبذل النصارى لعلى بن سليمان العباسى أمير مصر فى تركها خمسين ألف دينار فأبى، فلما ولى بعده موسى بن عيسى قبل المبلغ وأذن لهم فى بنائها، ثم يذكر المقريزى أحداث سنة 156هـ فيقول بأنه( فى سنة 156هـ خرج الأقباط ببلهيب فبعث إليهم موسى بن على أمير مصر وهزمهم). ويستطرد فى نفس النص فيقول( وفى أيام فتنة الأمين والمأمون إنتهبت النصارى بالإسكندرية وأحرقت لهم مواضيع عديدة وأُحرقت ديارات (أديرة)وادى هبيب ونُهبت فلم يبق من رهبانها إلا نفر قليل).

وفى سنة 216هـ إشتعلت أكبر ثورة فى تاريخ مصرالإسلامية وهى ثورة أسفل الأرض أو الوجه البحرى، والتى تعرف فى تواريخ الأقباط بإسم ثورة البشمور ، وذلك بعربها وقبطها على السواء، مما إضطر الخليفة المأمون إلى الحضور بنفسه لقمعها . ونص الكندى بهذا الخصوص أكثر وضوحاً وتفصيلاً من نص المقريزى فيقول الكندى( فى بداية سنة 216هـ إنتفضت أسفل الأرض كلها بعربها وقبطها ، وأخرجوا العمال وخالفوا الطاعة وكان ذلك لسوء سيرة العمال فيهم فعاد الإفشين - القائد التركى الذى كان المأمون قد أرسله لقمع الثورة - من برقة وحاول القضاء على الثورة فلم يستطع فإضطر المأمون إلى الحضور بنفسه فى المحرم سنة 217هـ وعزل الوالى عيسى بن منصور، ثم رحل إلى سخا وقاتل أهلها ثم صار إلى البشرود وقد أوقع الإفشين بأهلها القبط فنزلوا على حكم أمير المؤمنين فرفض فيهم أى شفاعة ، وحكم بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال فبيعوا وسبى أكثرهم ، وأتى بالفهرى أحد زعماء العرب المتمردين بالحوف - والذى كان قد هرب إلى الصعيد - إلى سخا فقتله وتتبع كل من يومئ إليه بخلاف فقتله ، فقتل ناساً كثيراً ، ثم رجع إلى الفسطاط ومنها إلى حلوان حيث أقام ثلاثة أيام ورجع إلى الفسطاط ومنها خرج عن مصر فى صفر سنة 217هـ وتوفى بعد ذلك بفترة قصيرة بأرض الروم فى رجب سنة 218هـ).
ويبدو أن أحداث تلك الثورة وأسلوب قمعها كان عنيفاً لدرجة جعلت المقريزى يعلق عليها بقوله ( ومن حينئذ أذل الله القبط فى جميع أرض مصر وخذل شوكتهم فلم يقدر أحد منهم على الخروج ولا القيام على السلطان وغلب المسلمون على القرى). وعلى هذا تكون هذه الثورة هى نهاية المقاومة المسلحة للأقباط للغزو العربى والبداية الفعلية لغلبة تيار العروبة والإسلام على مصر، أى بعد حوالى قرنين من تاريخ غزو العرب لمصر سنة 21هـ ، مما ينفى الإعتقاد الشائع بأن الأقباط قد رحبوا بالعرب فى كل الأحوال ولم يبذلوا فى مواجهتهم أى مقاومة.
ولكن لماذا فشلت كل هذه الثورات التى قام بها الأقباط على مدى أكثر من قرن تقريبا ؟ والواقع أن تفرقها زمنياً ومكانياً وعدم إلتفافها نحو قيادة وطنية واحدة قد يكون أحد هذه الأسباب ، ومع ذلك فحتى لو توفرت هذه القيادة ، وإنتشرت تلك الثورات فى أى فترة من فترات إشتعالها فى كل أنحاء مصر مرة واحدة، فما كان يمكن أن تثمر أى منها عن شئ فى النهاية ، فقد كان العصر عصر قبائل العرب وسيادتهم فى الشرق الأوسط ، وقد هُزمت أمامهم شعوب جبلية أشد ًمن الأقباط مثل بربر شمال إفريقيا ، والذين كانوا أنداداً لهم وأوقعوا بهم كثير من الهزائم الكبرى ، ومع ذلك فقد إنهارت مقاومتهم فى النهاية وهُزموا أمام العرب وأصبحت بلادهم جزءً من إمبراطوريتهم الواسعة.
كانت حركة الغزوات العربية الإسلامية موجة هجرة سامية ضخمة غمرت الشرق الأوسط كله ، ولم تنحصر إلا بعد أن إستقرت معظم القبائل العربية فى البلاد التى غزتها، وتحضرت وفقدت خشونتها البدوية وحبها الغريزى للقتال ، تماماً كما حدث فى غرب أوربا التى تعرضت لغزوات بربرية مماثلة أدت فى النهاية إلى سقوط روما قبل نهاية القرن الخامس الميلادى، ولم تستقر أحوال الغرب الأوربى بعد ذلك إلا بعد أن تحضرت تلك القبائل وإستقرت فى غرب أوربا ، غرب الإمبراطورية الرومانية. ومع ذلك فهناك فرق أساسى بين ماحدث فى غرب الإمبراطورية الرومانية وبين ماحدث فى شرقها، فالواقع أن القبائل البربرية التى غزت غرب الإمبراطورية الرومانية فى القرن الخامس الميلادى قد ذابت فى نهاية الأمر فى حضارته فتكلمت بلغته وتثقفت بثقافته ، أما شرق الإمبراطورية والذى كان يشمل منطقة الشرق الأوسط وجنوب البحر المتوسط وتعرض للغزو العربى، فقد كان هو الذى ذاب فى ثقافة العرب وتكلم بلغتهم وتقثف بثقافتهم ، وهذا بالتحديد هو ماخلق الفجوة الحضارية بين شمال المتوسط وجنوبه حتى اليوم.

وبعد وفاة المأمون بايع الناس أخاه أبا إسحاق المعتصم بالخلافة ، فإتخذ المعتصم واحداً من أخطر قرارات التاريخ الإسلامى ، وهو إسقاط العرب من ديوان الجند وإحلال الأتراك محلهم ، وكما يذكر الكندى ( وأكثر المعتصم من الأتراك وبنى لهم مدينة سامراء لتكون مركزاً لهم إلى الشمال من بغداد وأرسل إلى كيدر واليه على مصر وأمره بإسقاط من فى الديوان من العرب وقطع أعطياتهم ففعل ذلك كيدر). وقد أسقط ذلك القرار العرب عن منزلتهم كطبقة حاكمة تحترف الحرب والسياسة ، ودفع كثير منهم إلى الإستقرار فى البلاد التى غزوها وإلى الإنخراط فى ميادين العمل المختلفة والإختلاط والتزاوج بالسكان، مماأدى إلى سرعة تحول هذه البلاد إلى العروبة والإسلام منذ ذلك التاريخ فصاعداً.
كان المعتصم من أم تركية ولذا فقد فضل الأتراك على غيرهم لكى يكونوا جنود الدولة العباسية الجدد، ولكن يبدو أنه كان قد إقتنع أيضاً أن السلام والإستقرار لايمكن ان يتحقق فى الإمبراطورية العباسية فى ظل ثورات القبائل العربية المستمرة ، خاصة أنه كان قد حضر إلى مصر سنة 214هـ وإشترك فى قمع ثورات أهل الحوف فى عهد أخيه المأمون. ومهما كانت دوافع المعتصم فقد كان قراره هذا بمثابة البداية لنهاية دور العرب فى قيادة الدولة الإسلامية وصعود نجم الأتراك فى التاريخ الإسلامى، وسيطرتهم على العالم السنى، بينما سيطر لفرس على العالم الشيعى ، ومنذ ذلك التاريخ أيضاً بدأ ميزان التركيبة السكانية فى مصر يميل بشدة فى صالح العرب المسلمين على حساب الأقباط المسيحيين ، وظل هذا الإتجاه فى تصاعد مستمر خلال العصر الإسلامى وحتى عصر الحملة الفرنسية،عندما وُضعت بذور الوطنية المصرية الحديثة ، وبدأ هذا التمييز فى الإنحسار تدريجيا ، خلال عصر أسرة محمد على، حيث بدأ المصريون يجتمعون حول رابطة الأرض وليس الدين، تأثراً بالأفكار القومية الليبرالية للقرن التاسع عشر الأوربى ، و هو التأثر الذى بلغ مداه فى أحداث ثورة 1919م فى بدايات القرن العشرين ، والذى بدأ فى الإنحسار مرة أخرى مع ظهور حركة الإخوان المسلمين سنة1928.

بدأ إستعمار قبائل العرب لمصر بإنشاء مدينة الفسطاط وتقسيمها خططاً( أحياءً) بين قبائل الغزو بعد إحتلال الإسكندرية مباشرة ، بهدف جعل المدينة معسكراً لإقامة الجيش العربى فى مصر بناء على تعليمات الخليفة عمر بن الخطاب، ثم توالى تدفق قبائل العرب على مصر خلال القرنين الأولين للهجرة بصفة خاصة ، وحتى النصف الأول من القرن الثالث الهجرى ، حيث هاجرت قبائل ربيعة إلى مصر زمن الخليفة المتوكل سنة 240هـ آخر هجرة (بالإضافة قبائل هلال وسليم التى نقلت إالى مصر فى العصر الفاطمى بعد ذلك). وقد إشتركت القبائل العربية فى مصر فى الصراعات السياسية التى عصفت بالدولة العربية الإسلامية فى القرن الأول الهجرى وكان لها دوراً ملحوظا فى فتنة الأمصار والصراع بين على ومعاوية ثم فى ثورة عبدالله بن الزبير وإستيلائه على الخلافة من الأمويين سنة 72هـ ، ولكن ومع إستتاب الأمور لصالح الدولة الأموية فى عهد عبدالملك بن مروان هدأت حركة القبائل العربية فى مصر حيث كانت تتمتع بكافة الإمتيازات السياسية والاقتصادية والإجتماعية، فقد كانت الدولة الأموية دولة عربية قلباً وقالباً قامت على أكتاف العرب، وكانت القبيلة العربية مرتكزها وقوامها الأساسى، ولذا وبإستثناء بعض ثورات العلويين فى العصر الأموى لم تذكر المصادر التاريخية شيئاً ملحوظاً عن ثورات القبائل العربية فى مصر، لكن وبعد سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية على أكتاف الفرس بدأ إضطراب القبائل العربية فى مصر وغيرها من مناطق الإمبراطورية العباسية ، وبدأت المصادر التاريخية تشير إلى الفتن والثورات وحالة الفوضى الشديدة التى أحدثوها فى مصر وفى منطقة الحوف الشرقى بشكل خاص.
وتبعا لرواية الكندى فقد بدأت هذه الثورات حوالى سنة 165هـ فى ولاية مصعب بن موسى الخثعمى ، ومع ذلك فإن أبوالمحاسن يشير فى النجوم الزاهرة إلى ولاية يحيى بن داوود سنة 162هـ فيذكر أنه كان أحد من مهد الديارالمصرية وأباد أهل الحوف من قيس ويمن وغيرهم من قطاع الطرق ، مما يدل على أن الفوضى وإنعدام الأمن فى منطقة الحوف حيث سكنت كثير من القبائل العربية كانت ظاهرة طبيعية فى مصر الإسلامية. ويروى الكندى قصة الفوضى الرهيبة التى اثارها العرب فى مصر منذ ذلك الوقت وحتى حضورالمأمون إلى مصر سنة 216/217هـ فى سرد ربما يكون من الصعب تكراره فى دراسة مختصرة كهذه، ولكن يمكن القول بشكل عام أن هذه الفوضى تنفى تماماً الصورة المثالية المرسومة للعصر الإسلامى فى مصر، والأهم من ذلك أن هذه الفوضى سوف تظل ملمحاً رئيسياً من ملامح تاريخ مصر الإسلامية.
كان رفض دفع خراج الأرض أو قبول أى تعديل يجرى عليه من قبل حكومة الفسطاط هو السبب المباشر لثورات القبائل العربية فى منطقة الحوف ، لكن هذه القبائل وفى صراعها مع حكومة الفسطاط كانت تغير على القرى القبطية وتفرض عليها الخراج بدورها وتشيع حالة من الفوضى الشديدة فى البلاد. وعندما نشبت فتنة الأمين والمأمون سنة 195هـ إشتركت القبائل العربية فيها فأخذت قبائل الحوف العربية جانب الأمين ضد حكومة الفسطاط الفارسية المعينة من قبل المأمون ، وظهر فى هذه الأثناء بيتنان متصارعان كبيران هما بيت عبدالعزيز الجروى زعيم قبائل لخم وجذام فى منطقة الحوف ، وبيت السرى بن الحكم زعيم الجند الفارسية فى مصر، وقد أعان كلاهما حكومة الفسطاط فى بداية الأمر على إخماد ثورات أهل الحوف ، لكنهما مالبثا أن تصارعا ثم إستوليا على مصر وإقتسماها فيما بينهما فإستولى آل الجروى على الوجه البحرى بينما إستولى آل السرى على الفسطاط والوجه القبلى ، وإستمر الصراع ناشبا بين البيتن حتى وصول قائد المأمون عبدالله بن طاهر إلى مصر سنة 210هـ والذى تمكن من طرد عبدالله بن السرى من مصر بالتحالف مع على بن عبدالعزيز الجروى.
وبعد رحيل عبدالله بن طاهر عن مصر سنة 212هـ عين الخليفة المأمون أخاه ألأمير أبا إسحاق( الخليفة المعتصم فيما بعد) على ولاية مصر سنة 213هـ ، وفى ولايته تجددت ثورات أهل الحوف مرة أخرى ، مما إضطره للحضور إلى مصر بنفسه سنة 214هـ وإخماد تلك الثورات وقتل وأسر كثير من زعماء التمرد، ولكن بعد رحيله تجددت الثورات مرة أخرى فقدم القائد التركى الإفشين وتمكن من إخماد ثورات أهل الحوف بالتعاون مع على بن عبدالعزيز الجروى سنة 215هـ ، لكنه طالبه بالأموال التى كانت عنده والتى جمعها من تحصيل خراج الوجه البحرى بعيداً عن حكومة الفسطاط ، لكن على رفض تسليم الأموال فقتله الإفشين بعد عيد الأضحى بثلاثة أيام سنة 215هـ بناء على أوامر المأمون. ثم خرج الإفشين إلى برقة وولى على مصر عيسى بن منصور الرافقى فى بداية سنة 216هـ.
وفى عهد ذلك الوالى إنتفض الوجه البحرى كله بسكانه العرب والأقباط على السواء وأخرجوا العمال وخالفوا الطاعة لسوء سيرة العمال فيهم فعاد الإفشين من برقة وحاول القضاء على الإضطرابات إلا أنه فشل فإضطر المأمون إلى الحضور بنفسه فى المحرم سنة 217هـ وعزل الوالى عيسى بن منصور وقمع الثورة بمنتهى العنف والقسوة ورفض الشفاعة فى كل من إشترك فيها عربياً كان أم قبطياً، كما سبق ذكره. وقد مثلت إنتفاضة 216/217هـ ذروة الأزمة التى وصل إليها المجتمع المصرى فى القرن الثالث الهجرى، تلك الأزمة التى ظلت فى تفاقم مستمر طوال العصور الإسلامية، وحتى عصرمحمد على.

قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس- فى البداية - ولكن الخلفاء الأوائل كانوا أقوياء للدرجة التى مكنتهم من السيطرة على أمور الحكم فى الإمبراطورية التى ورثوها عن الأمويين ، وقد عمدوا منذ البداية إلى التخلص من منافسيهم المحتملين وحتى من حلفائهم الفرس الذين ساعدوهم على إقامة دولتهم مثل أبى سلمة الخلال - رئيس الدعاة العباسيين فى الكوفة - والذى قُتل على يد أبى العباس السفاح أول الخلفاء العباسيين ، وأبى مسلم الخراسانى - قائد الدعوة فى خراسان وصاحب الفضل الأكبر فى إقامة الدولة العباسية - والذى قُتل على يد أبى جعفر المنصور ثانى الخلفاء العباسين ، وأخيراً اسرة البرامكة الفرس - يحيى بن خالد البرمكى وأبنائه الفضل وجعفر - والذين وبرغم كل ماقدموه لدولته من خدمات فقدقام الخليفة هارون الرشيد بالتخلص منهم بالحبس والقتل والمصادرة بعد أن تعاظم نفوذهم وأصبحوا مصدر تهديد لسلطاته، لكن قصة الأتراك أخذت منحى آخر لم يكن متوقعاً بحيث آل إليهم ميراث محمد على حساب أصحابه العرب فى النهاية ، وبالتحديد بعد قتلهم المتوكل إبن المعتصم سنة 248هـ ، فمن الواضح أن هدف المعتصم كان مجرد إدخال عنصر نشط جديد إلى التركيبة السكانية فى الدولة العباسية يوازن به نفوذ العرب والفرس ، فإختار الأتراك لإن أمه كانت منهم ولإنهم كانوا أيضاً جنوداً أشداء ، ولكن يبدو أنهم كانوا أشداءًا أكثر مما كان يتصور، بحيث سيطروا فى النهاية على مؤسسة الخلافة العباسية نفسها وسيطروا بعد ذلك تدريجياً على العالم الإسلامى السنى كله منذ عصر المتوكل، وحتى سقوط الإمبراطورية العثمانية التركية فى أوائل القرن العشرين.
وبالطبع فقد كان لموقف المعتصم بإسقاط العرب من ديوان الجند أثره الفورى فى مصر، فبعدما كتب إلى واليه كيدر بإسقاط العرب من ديوان الجند خرج يحيى بن الوزير الجروى فى حوالى خمسمائة رجل من لخم وجذام وقال( هذا أمر لانقوم فى أفضل منه لإنه منعنا حقنا وفيئنا) فخرج إليه الوالى التركى مظفر بن كيدر وقاتله فى بحيرة تنيس وأسره فتفرق عنه أصحابه وذلك سنة 219هـ وبذلك إنتهت قصة آل الجروى من تاريخ مصر الإسلامية وقضى عليهم بعد ذلك نهائياً وإستصفيت أموالهم فى عهد الخليفة العباسى المتوكل (205-247ه). وفى سنة 238هـ تولى على مصر عنبسة بن إسحاق الضبى فكان آخر وال عربى عليها وتولى بعده يزيد بن عبدالله التركى الذى يمكن إعتبار ولايته بداية عصر الولاة الأتراك لمصر.

لم تشهد فترة حكم الولاة الأتراك تغييراً جوهرياً فى حياة المجتمع المصرى فى العصر الإسلامى، فقد ظل نفس المجتمع المتأزم الذى يعانى ثورات القبائل العربية الدائمة وإضطهاد أهل الذمة والصراع الضارى على السلطة بين الأحزاب المتنافسة، بإلإضافة إلى القحط والفقر والغلاء وهى ظاهرة مصرية قديمة إرتبطت بإنخفاض فيضان النيل لكنها تفاقمت فى العصور الإسلامية بسبب قلة إهتمام الدولة. لكن عصر الولاة الأتراك شهد فى الواقع تطوراً فى وضع مصر السياسى نفسه ، إذ إستطاع بعض هؤلاء الولاة الأتراك الإستقلال بمصر وإتخاذها قاعدة لدولة شبه مستقلة عن الخلافة العباسية فى بغداد وهو ماستؤدى إليه الأحداث بعد ذلك فعلاً فى العالم الإسلامى بعد قيام الخلافة الفاطمية فى المغرب ثم إنتقالها إلى مصر وإتخاذها قاعدة لإمبراطوريتها الجديدة التى عاشت لأكثر من قرنين من الزمان.
وفى ولاية يزيد صدر أمر المتوكل ببناء المقياس الهاشمى( مقياس النيل) وبعزل النصارى عن قياسه ( يقصد الأقباط) ووضع أسرة عربية على قياسه هى أسرة أبى الرداد ، وكان المتوكل قد إتبع سياسة عامة فى إضطهاد أهل الذمة وأصدر بذلك مرسوماً إلى الولايات سنة 235هـ (يمكن الرجوع إلى نص المرسوم فى صبح الأعشى). وفى ولاية يزيد أيضاً خرج رجل من العرب يدعى جابر بن الوليد المدلجى بأرض الإسكندرية سنة 252هـ وأحدث فى مصر فوضى شديدة وإنضم إليه كثير من بنى مدلج ومواليهم وكثير من المجرمين والخارجين عن القانون، فلم يتمكن يزيد من القضاء على تمرده فُعزل بمزاحم بن خاقان سنة 253هـ الذى إجتهد فى محاربة جابر وأصحابه حتى تمكن من القضاء على تمردهم فى أوائل سنة 254هـ. وبعد أن أتم مزاحم بن خاقان القضاء على ثورة جابر بن الوليد شرع فى القضاء على باقى العناصر العربية المنازئة للدولة. ويصف أبوالمحاسن بن تغرى بردى أحداث تلك الفترة فى النجوم الزاهرة فيقول( وأخذ مزاحم فى إظهار الناموس وإقماع أهل الفساد فخرج عليه جماعة كبيرة من المصريين ( يقصد العرب ) فتشمر لقتالهم وجهز عساكره وأنفق فيهم فأول ماإبتدأ بقتال أهل الحوف من الوجه البحرى فتوجه إليهم بجنوده وقاتلهم وأوقع بهم وقتل منهم وأسر ثم عاد إلى الديار المصرية فأقام بها مدة يسيرة ثم خرج أيضاً من مصر ونزل بالجيزة ثم سار إلى تروجة ( كوم تروجة) بالبحيرة وقاتلهم وأوقع بهم وقتل منهم مقتلة كبيرة وأسر عدة من رؤوسهم وعاد بهم إلى ديار مصر فلم تطل إقامته بها وخرج إلى الفيوم وقاتل أهلها ووقع له بها حروب كثيرة وقتل منهم أيضاً مقتلة عظيمة وأمعن فى ذلك وكثر بعد هذه الواقعة إيقاعه بسكان النواحى).
ويمكن أن نستخلص من ذلك أن ثورة جابر بن الوليد المدلجى لم تكن آخر ثورات العرب فى مصر وأن بعض الثورات قد إستمرت بعد القضاء على ثورة جابر، لكن زمن ولاية مزاحم بن خاقان كان على اى حال هو آخر زمن ثورات العرب الكبرى فى مصر وقد تفرقوا على أثر ذلك ، فتمصر معظمهم وإستقر بين جموع الأقباط وإمتهن الزراعة والتجارة وغيرها من وسائل الحياة وظل بعضهم على حرفة الحرب والقتال تابعاً فى جيوش الأتراك ، بينما ظل البعض الآخر على حرفة الجريمة وقطع الطريق وذلك حتى عصر محمد على عندما بدأت قصة القبائل العربية فى مصر فى الإندثار النهائى. وفى نفس السنة التى قضى فيها مزاحم بن خاقان على ثورة جابر بن الوليد المدلجى مرض وتوفى بمصروتولى بعده مؤقتاً إبنه أحمد ثم قائد الشرطة أزجور حتى صُرف عنها بالأمير التركى أحمد بن طولون فى رمضان سنة 254هـ.

تمكن أحمد بن طولون من الإستقلال بمصر عن الخلافة العباسية حيث تمكن - بعد وقت قصير من قدومه - من شراء موافقة الخليفة المعتمد بالمال وبمساندته فى صراعه مع أخيه الموفق أحمد مستغلاً فى نفس الوقت ظروف ثورة الزنج فى جنوب العراق، والتى شغلت الخلافة العباسية عما كان يجرى فى المناطق البعيدة من الإمبراطورية.
كانت ثورات العلويين هى أول تحدى واجه أحمد بن طولون فى مصر، ففى سنة 255هـ خرج رجل علوى يدعى بغا الأصغر بين برقة والإسكندرية بموضع يقال له الكنائس ومعه إبن عم لجابر بن الوليد المدلجى، لكن بهم بن الحسين أحد قواد إبن طولون إستطاع هزيمته وقتله سنة 255هـ. وفى نفس السنة خرج إبن الصوفى العلوى بصعيد مصر وكان تمرده قد بدأ سنة 253هـ ثم دخل إسنا فى سنة 255هـ فنهبها وقتل أهلها ، فبعث إليه أحمد بن طولون بقائد له يدعى إبن إزداد فواجهه ببهو وهى بلدة قديمة بالقرب من قوص سنة 256هـ فإنهزم إبن إزداد وجُرح ثم ظفر به إبن الصوفى فقطع يديه ورجليه ثم صلبه ، فعقد أحمد بن طولون لقائده بهم بن الحسين على جيش آخر فخرج إلى الصعيد فى نفس السنة وإلتقى بإبن الصوفى بناحية أخميم فإنهزم إبن الصوفى وقُتلت رجاله ، فهرب تاركاً جميع ماكان معه ومضى إلى الواحات فأقام هناك سنتين ثم خرج إلى الأشمونين سنة 259هـ ، فبعث إليه إبن طولون بقائد آخر يدعى أبى المغيث فى خمسمائة رجل فوجد إبن الصوفى قد سار إلى أسوان لمحاربة خصم له يدعى أبى عبدالرحمن العمرى، وهو من أحفاد عمر بن الخطاب ، فظفر به إبن العمرى وبجميع جيشه فقتل منهم مقتلة عظيمة، فرجع إبن الصوفى إلى أسوان فقطع لأهلها ثلاثة مائة ألف نخلة وأفسد بها، فبعث إبن طولون بقائد آخر يدعى بإبن سيما مدداً لبهم بن الحسين، فإضطرب أمر إبن الصوفى فترك أصحابه ومضى إلى عيذاب وركب البحر إلى مكة فأقام بها بعض الوقت إلى أن أعيد إلى مصر مرة أخرى ، فسجنه أحمد بن طولون ثم أفرج عنه بعد فترة قصيرة فرحل إلى المدينة فمات بها.
وفى سنة 256هـ توفى الخليفة المهتدى فبويع المعتمد بن المتوكل فأقر أحمد بن طولون على ولايته بمصر ومع خلافة المعتمد بدأ نجم إبن طولون فى الصعود ، فعندما أرسل إليه المعتمد يطلب مزيداً من الأموال أرسل إليه قائلاً ( لست أطيق ذلك والخراج بيد غيرى) ، فأرسل إليه المعتمد تقليداً بخراج مصر وكذلك بالولاية على الثغور الشامية ، لكن الموفق أحمد أخو الخليفة وصاحب النفوذ الفعلى فى بغداد إعترض على ذلك ، وطلب من قائده موسى بن بغا صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها ماجور التركى والى دمشق ، لكن موسى توفى ، ثم توفى ماجور التركى بعده بدمشق ، فشجع ذلك إبن طولون على الخروج إلى الشام بعد أن إستخلف إبنه العباس على مصر.
تمكن أحمد بن طولون من الإستيلاء على معظم مدن الشام، لكنه لم يمضى فى حملته إلى النهاية وإضطر إلى العودة على مصر بعدما بلغه خروج إبنه العباس عليه وهربه إلى برقة. حاول إبن طولون إسترضاء إبنه وإعادته إلى مصر لكن العباس رفض ودخل إلى تونس ونزل بمدينة لبدة فنهبها وقتل رجالها وفضح نسائها، لكن ثورته إنتهت بالفشل إذ إجتمع عليه حكام تونس وهزموه، وأرسل إليه إبن طولون جيوشاً هزمت ماتبقى من قواته وأعادته إلى مصر سنة 268هـ، حيث أمر إبن طولون بقتل من أسر من أتباعه على دكة عظيمة أعدها خصيصا لذلك بعدما ضربوا بالسياط وقُطعت أيديهم وحكم بحبس إبنه العباس.
وبعد تلك الأحداث تفرغ إبن طولون لأمر الشام مرة أخرى، فبعث قائده لؤلؤ فى جيش إلى هناك ، لكن لؤلؤ خان وإنضم إلى الموفق أحمد ن فإضطر إبن طولون إلى الخروج بنفسه سنة 269هـ بعد أن إستخلف على مصر إبنه خمارويه. وفى طريقه من دمشق إلى طرسوس وصله الخبر من الخليفة المعتمد بأنه هارب إليه فتوقف فى إنتظاره، لكن الموفق أحمد أحبط خطط الخليفة وتمكن قائده إسحاق بن كنداج من القبض على الخليفة المعتمد وإعادته إلى سامراء ، فكافأه الموفق بأن ولاه على مصر بدلاً من إبن طولون. فقام إبن طولون بعدما عاد إلى دمشق بإحضار القضاة والفقهاء وأمر بكتاب خلع فيه الموفق أحمد من ولاية العهد لما فعله بالخليفة المعتمد ، فرد الموفق على ذلك بان أمر بلعن إبن طولون على المنابرفى كل أنحاء الإمبراطورية العباسية. وبعد ذلك حاول إبن طولون متابعة حملته الشامية لكنه مرض فى المصيصة فأسرع بالعودة إلى الفسطاط حيث توفى فى آخر سنة 270هـ بعلة الكوليرا.
جمع أحمد بن طولون أموالاً هائلة من المصريين(الأقباط والعرب) إستطاع أن يحقق بها أهدافه فى إشباع شراهة الخليفة المعتمد إلى الأموال لتحقيق الإستقلال بحكم مصر، وكذلك فى تكوين جيش ضخم يحمى به ذلك الإستقلال. ويذكر المقريزى فى الخطط أنه عندما قدم أحمد بن طولون إلى مصر سنة 254هـ ألزم البطريرك ميخائيل بطريرك الكنيسة القبطية بحمل عشرين ألف دينار باع فيها رباع الكنائس الموقوفة عليها وأرض الحبش ظاهر فسطاط مصر وباع الكنيسة بجوار المعلقة من قصر الشمع لليهود وقرر الديارية (مساعدات للأديرة) على كل نصرانى قيراطاً فى السنة فقام بنصف المقرر عليه، كما يذكر أبو المحاسن فى النجوم أن إبن طولون أنفق على البيمارستان الذى أنشأه ستين ألف دينار، وعلى حصن الجزيرة الذى بناه تحسباً لهجوم موسى بن بغا عليه سنة 264هـ ثمانين ألف دينار، وعلى قصره المعروف بالمدائن - والذى بناه على أنقاض مقابر اليهود والنصارى - خمسين ألف دينار، وحمل إلى الخليفة المعتمد فى مدة أربع سنوات ألف ألف دينار، وهى مبالغ خيالية بحسابات ذلك الزمان، لدرجة جعلت بعض المؤرخين يروج لقصة الكنز الذى عثر عليه أحمد بن طولون فى منطقة الأهرام لتبرير حجم ثروته الكبيرة التى جمعها بالظلم والقسوة. ويمثل أحمد بن طولون الشخصية التقليدية للحاكم المسلم فى العصورالوسطى، ويعلق أبو المحاسن فى النجوم على شخصه وعصره بقوله( كانت جميع خصال إبن طولون محمودة إلا أنه كان حاد الخلق والمزاج فإنه لما ولى مصر والشام ظلم كثيراً وعسف وسفك كثيراً من الدماء ويقال أنه مات فى حبسه ثمانية عشر ألفاً فرأى فى منامه كأن الحق سبحانه قد مات فى داره فإستعظم ذلك وإنتبه فزعاً وجمع المعبرين فلم يدروا فقال له بعضهم أقول ولى الأمان ، قال نعم ، قال أنت رجل ظالم ، قد أمت الحق فى دارك ، فبكى).
وبعد وفاة إبن طولون خلفه إبنه أبو الجيش خماريه سنة 270هـ، وكان أول مافعله هو التخلص من أخيه العباس بقتله وذلك بعد ان رفض العباس مبايعته ، ثم أرسل عساكره إلى الشام لتأكيد سلطانه عليها، لكن أبا العباس إبن الموفق تصدى لهم وقاتلهم حتى هزمهم ودخل دمشق فإضطر خمارويه إلى الخروج إليه بنفسه سنة 271هـ وإلتقى معه بنهر ابى فطرس بفلسطين فتقاتلا فهزم خمارويه وهرب عائداً إلى مصر، لكن قائده سعد الأعسر تمكن من تحويل الهزيمة إلى نصر ودخل دمشق لكنه طمع فى ملك الشام لنفسه فخرج إليه خمارويه وهزمه وقتله سنة 272هـ ثم توجه لقتال إسحاق بن كنداج قائد العباس فهزمه وقتله أيضا سنة 273هـ. ويذكر المقريزى أن عدد أفراد الجيش الذى خرج مع خمارويه إلى الشام بلغ حوالى أربعمائة ألف جندى معظمهم من الأتراك مع بضعة آلاف محدودة من العرب، مما يدل على عظم ثروة آل طولون والتى سمحت لهم بتكوين مثل ذلك الجيش الضخم من جهة، وعلى مدى تزايد أعداد ونفوذ الأتراك بمصر مقابل إضمحلال مكانة العرب ونفوذهم السياسى من جهة أخرى. وبعد تلك الأحداث كتب خمارويه إلى أخى الخليفة أبى أحمد الموفق يسأله فى الصلح فأجابه الموفق على ذلك وكتب لخمارويه بولايته على مصروالشام والثغور ثلاثين سنة ، فسر خمارويه بذلك وعاد إلى مصر وأمر بالدعاء لأبى أحمد الموفق وترك الدعاء عليه.
وفى سنة 278هـ مات الموفق أحمد أخو الخليفة ، ومات الخليفة المعتمد بعده فى سنة 279هـ وبويع المعتضد أبوالعباس إبن الموفق خليفة ، فبعث إليه خمارويه بتحف وهدايا فرد عليه المعتضد فى سنة 280هـ بولايته هو وولده ثلاثين سنة من الفرات إلى برقة ، وجعل إليه الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال على أن يحمل إليه من المال فى كل عام مائتى ألف دينار عما مضى وثلاث مئة ألف دينار عن كل عام فى المستقبل ، ثم توج هذا التحالف السياسى بزواج الخليفة المعتضد من قطر الندى إبنة خمارويه سنة 282هـ. أرسل خمارويه إبنته إلى بغداد فى جهاز أسطورى أنفق عليه بسخاء من أموال المصريين فبنى لها على كل منزلة تنزل بها فيما بين بغداد ومصر قصراً فكانت فى مسيرها إلى بغداد كأنها فى قصرأبيها فى مصر وذلك حتى وصلت إلى بغداد فى أول المحرم سنة 282هـ. ومن الغريب أن المصريين مازالوا حتى اليوم يعتبرون هذا الزواج الإستفزازى من مفاخر تاريخهم الإسلامى.
مات خمارويه فى آخر تلك السنة، قتله خدمه فى الحمام. ويذكر أبوالمحاسن فى النجوم عن مقتله أن خمارويه( كان كثير الفساد بالخدم ، فدخل الحمام مع جماعة منهم فطلب من بعضهم الفاحشة فإمتنع الخادم حياءً من الخدم فأمر خمارويه أن يُضرب فلم يزل يصيح حتى مات فى الحمام فأبغضه الخدم). وكان قد بنى قصرا بسفح ماسيون بالقرب من دمشق أسفل دير مران ليشرب فيه الخمر، فدخل فى تلك الليلة الحمام فذبحه خدمه ، وقيل ذبحوه على فراشه وهربوا وقيل غير ذلك ، وأن بعض خدمه كان يولع بجارية له فتهددها خمارويه بالقتل فإتفقت مع الخادم على قتله. وكان ذلك فى آخر سنة 282هـ.
تولى بعد خمارويه إبنه أبوالعساكر جيش فى نفس السنة بدمشق لكن قواد أبيه كرهوا ماكان منه من قتل عمه نصر إبن أحمد بن طولون ولإقباله على الشرب واللهو مع بعض العامة الذين جعل منهم بطانته وأصحاب الرأى عنده ، فخلعوه سنة 283هـ وبايعوا أخاه هارون بن خمارويه وقتلوا أبو العساكر فى سجنه بعد ذلك بعدة أيام.
كان أول تحدى واجه هارون فى حكم مصر هو خروج عمه ربيعة بن طولون والى الإسكندرية وهجومه على الفسطاط ، لكن قواد هارون تمكنوا من أسره وقتله بعد ذلك سنة 284هـ. وقد شهد عهد هارون أحداثاً حاسمة بعد موت الخليفة المعتضد صهر الطولونيين سنة 289هـ ومبايعة إبنه المكتفى بالله.
كان المكتفى ينوى القضاء على ملك آل طولون بمصر، ولذا فقد إنتهز فرصة عجز جيوش الطولونيين عن مواجهة القرامطة لتحقيق هدفه( وهم فرقة باطنية إنتسبت فى البداية إلى فرق الشيعة الإسماعيلية ثم إنفصلت عنها قبل قيام الدولة الفاطمية بالمغرب وإحترفت القتل والسلب والنهب وأشاعت الفوضى فى المشرق العربى لأكثر من قرن من الزمان قبل أن تقضى عليها جيوش العباسيين والفاطميين فى المعارك المنفصلة التى خاضتها ضدها فى حدود النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى) فأرسل قائده محمد بن سليمان الكاتب إلى الشام لحرب القرامطة فإلتقى بهم محمد بن سليمان وهزمهم سنة 291هـ، وقتل زعيمهم يحيى بن زكرويه القرمطى بينما هرب أخوه الحسن بن زكرويه لكنه أدرك وقُتل بعد ذلك أيضاً. بعد ذلك أمر الخليفة المكتفى محمد بن سليمان بالتوجه إلى مصر لقتال هارون بن خمارويه، وإسترداد مصرالى تبعية الخلافة المباشرة، وبالفعل سار محمد بن سليمان إلى مصر، كما كان كثير من قواد هارون قد إنضموا إليه ، وسار الجميع نحو مصر.
تهيأ هارون للقتال وجمع جيوشه فى منطقة العباسة على حدود مصر الشرقية ، ولكن بينما كان ذات ليلة فى معسكره بالعباسة وقد شرب وثمل وثب عليه بعض غلمانه وذبحوه ، وعلى أثر ذلك دعى عمه شيبان إلى نفسه فبايعه الناس سنة 292هـ، وعندما وصل ذلك الخبر إلى محمد بن سليمان حث السير إلى مصر ووصل إليه أيضاً قائد الأسطول دميانة فى أسطول ضخم مشحون بالرجال والسلاح ، فخرج إليهم شيبان لكن محمد بن سليمان كتب إليه يؤمنه، فلما رأى شيبان قلة من معه إستأمن وجمع إخوته وبنى عمه فى الليل وتوجهوا إلى محمد بن سليمان فحبسهم عنده ثم دخل بعساكره مدينة الفسطاط بدون مقاومة فى صفر سنة 292هـ ، فطاف بها وراح يقتل كل من وجده من المصريين، بمختلف أعراقهم ، ممن إشتبه فى أنه هرب أو قاتل، وأحرق مدينة القطائع سكن العسكرالطولونية، وقتل كثيراً من الجند السودان الذين كان أحمد بن طولون قد إستكثر منهم مع الأتراك. ويقول أبو المحاسن فى النجوم عن دخول محمد بن سليمان إلى مصر وزوال دولة بنى طولون( ثم دخلت الأعراب الخراسانية من عساكر محمد بن سليمان الكاتب إلى مدينة مصر فكسروا جيوشها وأخرجوا من كان بها ثم هجموا على دور الناس فنهبوها وأخذوا أموالهم وإستباحوا حريمهم وفتكوا فى الرعية وإفتضوا الأبكار وأسروا المماليك والأحرار من النساء والرجال وفعلوا فى مصر مالايحله الله من إرتكاب المآثم ثم تعدوا على أرباب الدولة وأخرجوهم من دورهم وسكنوها كرهاً وهرب غالب أهل مصر منها وفعلوا فى المصريين مالايفعلونه فى الكفرة وأقاموا على ذلك أياماً كثيرة مصرين على هذه الأفعال القبيحة).
وبعد غزو مصر على يد محمد بن سليمان الكاتب جاء أمر الخليفة المكتفى بتولية عيسى النوشرى عليها وخرج عنها محمد بن سليمان وأخرج معه كل من بقى من الطولونية، وعندما وصل إلى حلب وافاه رسول الخليفة بأن يسلم ماكان معه من الأموال والغنائم مما حمله من مصر، ويبدو أن الخليفة لم يهتم بغير ذلك إذ لم يأت ذكر للطولونيين الذين كانوا مع محمد بن سليمان لذا، فقد تركهم يذهبون إلى حيث شاءوا، فقرر بعضهم المضى إلى العراق وقرر البعض الآخر العودة إلى مصر. وكان ممن رجع إلى مصر رجل يدعى محمد بن على الخليجى، وكان من جنود آل طولون وقد حزن لما آل إليه أمرهم وعزم على إسترجاع ملكهم، فدعى الناس فإلتف حوله بقايا الطولونية ، وتقدم إلى الرملة وهزم قائد الحامية العباسية وقتله ودعى هناك لإبراهيم بن خمارويه ثم لنفسه وزحف على مصر.
ولما بلغ ذلك عيسى النوشرى أرسل إليه جيشاً عند العريش، لكن الجيش هُزم وتقهقر إلى الفرما حيث هُزم مرة أخرى، فتراجع النوشرى إلى مصر ثم أحرق جسرى مدينة الفسطاط وعبر إلى الجيزة خوفاً من الخليجى، وترك المدينة بلا حاكم عليها فأصبحت مأوى للغوغاء وعاثت فيها اللصوص فساداً بدون رادع. ودخل الخليجى مصر فى آخر سنة 292هـ وظلم الناس وصادر أموالهم للوفاء بإحتياجات العسكر، وأرسل رجلاً من أصحابه يدعى خفيف النوبى فى أثر النوشرى ، ثم أرسل إليه مدداً عليه رجل من أصحابه يدعى محمد بن لمجورفى ستة مراكب مشحونة بالسلاح والرجال فدخلوا ألإسكندرية فى ذى الحجة من نفس السنة وأخذوا كل ماوجدوه بها لعيسى النوشرى، وخلصوا الكتاب الذين كان النوشرى قد حبسهم كى لايعرف إبن الخليجى بأمور الخراج وباقى شئون الدولة، فهرب النوشرى إلى كوم تروجة ( فى البحيرة) وتتبعه خفيف النوبى إلى هناك لكن النوشرى هزمه فعاد خفيف إلى مصر(الفسطاط). وأثناء ذلك وصل الخبر بمسير العساكر من العراق بقيادة فاتك المعتضدى، فلم يكترث إبن الخليجى وجهز جيشاً آخر إلى النوشرى الذى كان قد هرب إلى الصعيد ، بينما خرج هو لمواجهة فاتك عند العريش. ووقع لإبن الخليجى مع جيوش العراق وجيوش النوشرى وقائع كثيرة هُزم فيها فى النهاية، ولكن بعد أن خربت مصر وعم فيها الغلاء وعدمت الأقوات وكثرت الفتن وإنتشر الفساد ، فلما رأى الخليجى أمره فى إدبار عاد إلى مصر وقرر الهرب مع قائده محمد بن لمجور فى بعض مراكبه الحربية، لكن إبن لمجور غدر به وتركه وهرب وحده فرجع الخليجى إلى مدينة مصر وإختفى عند صاحب له يُدعى ثُريك، ولكن ثُريك خانه بدوره وأبلغ الوالى فقبض عليه وأرسله إلى الخليفة فى بغداد حيث أُعدم هناك. ويذكر أبو المحاسن فى النجوم عن فترة تسلط محمد هذا على مصر( وأمر محمد هذا من العجائب فإنه أراد أخذ ثأر بنى طولون والإنتصار لهم غيرة على ماوقع من محمد بن سليمان الكاتب من إفساد الديار المصرية فوقع منه أيضاً اضعاف مافعله محمد بن سليمان الكاتب).

وبعد وفاة الخليفة المكتفى سنة 295هـ تولى المقتدر جعفر فأقر عيسى النوشرى على عمله بمصر وفى تلك الأثناء قدم على عيسى زيادة الله بن العباس بن الأغلب آخر أمراء الأغالبة بتونس، هرباً من الفاطميين بعد هزيمته من داعيتهم أبى عبدالله الشيعى سنة 296هـ ، ويُمثل ذلك أول ذكر للفاطميين فى تاريخ مصر الإسلامية بعد حلولهم فى المغرب. ولم تطل أيام الأمير عيسى بعد ذلك ومرض ومات فى شعبان سنة 297هـ ، وتولى من بعده إبنه أبو الفتح محمد بن عيسى مؤقتاً إلى أن وليها تكين الحربى. وفى ولاية تكين هذا قام الفاطميون بأول هجوم كبير لهم على مصر من المغرب ، فسار قائدهم حباسة بن يوسف بجيوش عبيدالله المهدى حتى دخل برقة والإسكندرية وإستولى عليها سنة 302هـ. أرسل تكين إلى الخليفة يطلب المدد فأمده بجيش عليه مؤنس الخادم وسار الجميع نحو الإسكندرية لمواجهة حباسة وتمكنوا من هزيمته فعاد بمن بقى معه من عساكر إلى المغرب فى حال سيئة ، حيث أمر أول خلفاء الفاطمين عبيدالله المهدى بإعدامه بعد ذلك.
وفى آخر سنة 302هـ صُرف تكين عن ولاية مصر وتولاها ذكا الأعور الرومى، فأخذ يتتبع كل من إشتبه فى تعاطفه مع الفاطميين وأجلى أهل لوبية ومراقية( وهما مدينتان قديمتان كانت تقعان بين الإسكندرية وبرقة) عن الإسكندرية خوفاً من الفاطميين. وأثناء ذلك قدمت عساكر المهدى عبيد الله الفاطمى للمرة الثانية، ووصلت إلى لوبية ومراقية بقيادة أبوالقاسم محمد بن عبيدالله الشيعى ودخلت الإسكندرية سنة 307هـ، ففر كثير من الناس من مصر إلى الشام براًوبحراً وهلك كثير منهم فى فلسطين. وبينما كان ذكا يبنى خندقاً ويستعد لمواجهة الفاطميين مرض ومات فى الجيزة، وتولى بعده أبومنصور تكين الحربى للمرة الثانية. وصل تكين إلى مصر وتجهز بسرعة ونزل بالجيزة وبنى عليها خندقاً ثانياً غيرالذى بناه ذكا ، وإنتظر حتى وصلت جيوش الفاطميين من الإسكندرية فإلتقى بهم وتمكن من هزيمتهم إلا أن القوات الفاطمية تمكنت من العبور نحو الصعيد وسيطرت على الفيوم وجزيرة الأشمونين وعدة بلاد أخرى من الصعيد. ثم قدمت على تكين النجدات من العراق بقيادة مؤنس الخادم سنة 308هـ وتمكنوا فى النهاية وبعد حروب كثيرة من هزيمة محمد بن المهدى وإجباره على الرحيل إلى برقة.

شهدت مصر بعد ذلك فترة من الفوضى بسبب ثورات الجند وتصارع الولاة على الحكم إنتهت بتولى الأمير محمد بن طغج الإخشيد لولايتها - فى عهد الخليفة الراضى - وتأسيس حكم وراثى فيها سنة 323هـ إستمر حتى دخول الفاطميين مصر سنة 358هـ. ويذكر المقريزى فى الخطط عن أحوال الأقباط فى تلك الفترة( أنه فى سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة قدم الوزير على بن عيسى بن الجراح على مصر فكشف البلد وألزم الأساقفة والرهبان وضعفاء النصارى بأداء الجزية فأدوها ومضى طائفة منهم إلى بغداد وإستغاثوا بالمقتدر فكتب إلى مصر بأن لايؤخذ من الأساقفة والرهبان والضعفاء جزية وأن يجروا على العهد الذى بأيديهم).
وبعد دخول محمد بن طغج إلى مصر وقع بينه وبين أصحاب الوالى السابق أحمد بن كيغلج فتنة أدت إلى القتال والحرب هُزم فيها أصحاب إبن كيغلج وخرجوا من مصر إلى برقة ، ثم خرجوا من برقة إلى القائم بأمر الله بن المهدى الفاطمى بالمغرب وحرضوه على أخذ مصر وهونوا عليه أمرها فأرسل معهم جيشاً عليه رجل من كتامة إسمه يعيش ، لكن محمد إبن طغج تصدى لهم وأرسل أخاه الحسن إبن طغج على رأس جيوشه فهزمهم وإسترد منهم الإسكندرية وأحضر كثيراً منهم أسرى إلى الجيزة حيث قتلهم. وشُغل الإخشيد بعد ذلك بالصراع مع أمير الأمراء محمد بن رائق فى محاولة إستقلال الأخير بالشام وهجومه على مصر، فخرج إليه الإخشيد بأمر الخليفة الراضى وإالتقى به فى معركة كبيرة فى العريش قُتل فيها أخو الإخشيد لكنها لم تسفر عن نصر حاسم لأى منهما ، فإتفقا على أن يترك بن رائق الرملة للإخشيد مقابل أن يدفع له الإخشيد مائة وأربعين ألف دينار فى كل سنة ويظل باقى الشام فى يد إبن رائق وذلك فى سنة 329هـ. وقد إستمرت سياسة إضطهاد الأقباط فى عهد الإخشيد أيضاً إذ يذكر المقريزى فى الخطط أنه( بعد موت بطريرك الملكان سعيد البطريك سنة 328هـ بعث الأمير أبوبكر محمد بن طغج الإخشيد أبا الحسين من قواده فى طائفة من الجند إلى مدينة تنيس حيث ختم على كنائس الملكية وأحضر آلاتها إلى الفسطاط وكانت كثيرة جداً فإفتكها الأسقف بخمسة آلاف دينار باعوا فيها الكثير من وقف الكنائس).
وفى سنة 329هـ مات الخليفة الراضى وتولى أخوه المتقى فأقر الإخشيد على عمله بمصر وبعد ذلك بسنة واحدة 330هـ لقى محمد بن رائق مصرعه فى قتال مع بنى حمدان بالموصل، فإنتهز الإخشيد الفرصة وخرج بجيوشه وإستولى على دمشق لكن أثناء غيابه إنتهز رجل علوى يدعى إبن السراج الصوفى خلو الفسطاط من الجند فثار ومضى إلى الصعيد وإستولى على قرية شرونة بالصعيد الأدنى شرق النيل ونهب سمطا بالقرب من البهنسا غرب النيل ثم هرب إلى المغرب ودخل فى سلطان الفاطميين.
وبعد فترة قصيرة من تلك الأحداث سنة 332هـ بلغ الإخشيد خروج الخليفة المتقى إلى بلاد الشام مع بنى حمدان هرباً من إستبداد توزون التركى أمير الأمراء ببغداد ، فأسرع الإخشيد بالخروج إليه وإلتقى به فى الرقة وعرض عليه العودة معه إلى مصر هرباً من توزون التركى وبنى حمدان على السواء. ولاشك أن الإخشيد كان يقصد بذلك العرض ، الذى يشبه تماماً عرض إبن طولون للمعتمد ، تحقيق مكسب سياسى كبير بنقل الخلافة من بغداد إلى مصر. لكن المتقى رفض عرض الإخشيد وعاد إلى بغداد بعد أن إستأمن توزون ، لكن الأخير خان عهد الأمان ، وحبسه ثم سمل عينيه كى لايصلح للخلافة بعد ذلك ، ثم خلعه بالمستكفى بالله والذى أقر الإخشيد على ولايته بمصر والشام. وبعد ذلك بفترة قصيرة خرج الإخشيد لحرب بنى حمدان فى الشام ولكن أثناء وجوده فى دمشق مرض ومات بها آخر سنة 335هـ وتولى بعده إبنه أبو القاسم أنوجور بإستخلاف أبيه له. وعاد أنوجور إلى مصر بصحبة خادم أبيه كافورالإخشيدى الذى أصبح صاحب النفوذ الفعلى فى مصر، لكنه سرعان ماعاد إلى الشام مرة أخرى لقتال سيف الدولة الحمدانى الذى إستولى على دمشق بعد رحيل أنوجور عنها. وإلتقى الطرفان فى وقعة كبيرة بالرملة هُزم فيها سيف الدولة وهرب ثم إتفقا على الصلح على أن يقتسم الإخشيديين والحمدانيين السلطان على بلاد الشام كما كان الحال سابقاً.
وأثناء غياب أنوجور بالشام خرج متولى ريف الأشمونين المدعو غلبون فى جموع كثيرة فنهب مصر وإستولى عليها، ثم هرب عندما علم بعودة أنوجور من الشام فتتبعته قوات أنوجور حتى قُبض عليه وقتل. وأثناء تلك الفترة من غياب أنوجور عاد أيضاً الثائر العلوى إبن السراج من المغرب، ولكن يُفهم من كلام الكندى أنه مات بعد فترة قصيرة من عودته.
إستمر انوجور فى ولايته على مصر إلى أن وقع بينه وبين كافور خلاف سنة 343هـ فإحتجب فترة ثم عادت الأمورإلى طبيعتها، لكنه توفى بعد ذلك بمرض غامض آخر سنة 349هـ، فأقام كافور أخاه على أبى الحسين إبن الإخشيد مكانه، لكنه لم يلبث أن إعتل بنفس علة أخيه ومات فى المحرم سنة 355هـ مما يرجح سمه بأمر كافور أيضاً ، وظلت مصر أياماً بغير وال حتى تولى كافور بإتفاق أعيان البلاد لكنه لم يعش كثيراً بعد ذلك ومات فى سنة 357هـ ، وتولى بعده أحمد بن على بن الإخشيد الملقب بأبى الفوارس ، وأصبح إبن عم أبيه الحسن بن عبدالله بن طغج خليفته وأبو الفضل جعفر إبن الفرات وزيره ، فاساء أبو الفضل السيرة وقبض على جماعة من الأعيان وصادرهم ومنهم الوزير المشهور يعقوب بن كلس فهرب يعقوب إلى المغرب وحرض المعز على أخذ مصر.

شهدت مصر فى السنوات الأخيرة من حكم الإخشيدين حالة شديدة من الفوضى ففى سنة 351هـ وقع غلاء شديد، وإضطربت الأحوال بمصروالإسكندرية بسبب المغاربة أعوان الفاطميين ، وتزايد الغلاء وعز وجود القمح بسبب إنخفاض النيل ثم هجم القرامطة على الشام سنة 352هـ وأحدثوا بها خراباً كبيراً، وعجز الإخشيديون عن دفعهم لشغلهم بالغلاء والمغاربة الفاطميين. وإشتد الإضطراب بالوجه القبلى أيضاً، وسار ملك النوبة إلى أسوان ووصل إلى أخميم وقتل ونهب وسبى وأحرق وإستمر الحال على ذلك الإضطراب إلى شهر رمضان سنة 358هـ ، حين دخل جوهر الصقلى قائد الفاطميين إلى مصر ومعه جيوش البربرالمغاربة من قبائل كتامة وزناتة ، وإنقرضت دولة الإخشيديين من مصر بعد أن حكمتها حوالى خمسة وثلاثين سنة وإنتهى بذلك عصر الولاة الأتراك فى تاريخ مصر الإسلامية وبدأ عصرها الفاطمى ليمتد بعد ذلك تاريخها الإسلامى على نفس الوتيرة من العنف واالفوضى حتى عصر محمد على، والإستعمار الأوربى.

أهم المراجع :

1-ولاة مصر – الكندى - دار صادر- بيروت
2- الخطط – المقريزى - دار الكتب العلمية - بيروت
3- النجوم الزاهرة - أبو المحاسن بن تغرى بردى- دار الكتب العلمية - بيروت