ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (8)

طلال الربيعي
2017 / 1 / 18

انسجاما مع اطروحة المؤرخ الماركسي Chris Harman, المتوفي في مصر في عام 2009, والذي هو المؤرخ الوحيد في العالم الذي قدم قراءة ماركسية مفصلة وشاملة لتاريخ العالم منذ القدم وعبر العصور وقبل ظهور الطبقات وبعده, وذلك في كتابه A People s history of the World الذي يمكن تنزيله بالكامل في 1, يقول وايتهيد (2) "ان العبيد كانوا هم الضحايا الذين كدحهم جعل التقدم ممكنا".

ويؤكد Richard Curtis من جامعة Claremont Graduate في الولايات المتحدة, وهي جامعة تعني باجراء البحوث فقط, في دراسته الممتعة والمنشورة في عام 2003 في المجلة الاكاديمية العالمية Process Studies (دراسات الصيرورة) (3), ألتي تعني بتطبيق فلسفة الصيرورة لوايتهيد في مجالات مثل الجماليات, البيولوجي, علم الكون, الرياضيات, السياسة, علم النفس, والفيزياء, ان ميتافيزيقيا الصيرورة لوايتهيد تدعم، بل وحتى تدعو، الى تأكيد أكثر إلحاحا وعملية على دور العبيد من دور المثقفين (العبيد بمفهوم ديالكتيك هيغل العبد-السيد, او البروليتاريا غير المالكة لوسائل الانتاج بمفهوم ماركس) (4). هذا التركيز يكتسب تشابها ملحوظا مع المادية التاريخية. وهذا التشابه يمكّن, بل ويحتم على, فلسفة وايتهيد في الصيرورة الاستفادة من الاستنتاجات الماركسية، بما في ذلك الاستنتاج بأن الخطوة القادمة الكبيرة إلى الأمام في التاريخ البشري تتطلب ثورة اجتماعية لإسقاط هيمنة الرأسمالية العالمية. ويضيف Curtis أن الأرض خصبة بما فيه الكفاية لان تخاطب فلسفة الصيرورة الجياع والمظلومين ومعذبي الارض, وذلك في اشارة ضمنية الى اطروحة الطبيب النفسي والفيلسوف والثوري الكبير فرانز فانون, التي تضمنها كتابه "معذبو الارض" (5), الذي في مقدمة له يقول جان بول سارتر "اما ان نحقق الاشتراكية الثورية معا في كل مكان, واما ان يصرعنا, واحدا بعد واحد, الطغاة الذين... يحكموننا" ص. 5. وكأن سارتر يتحدث هنا عما يحدث في دول مثل عراق الاحتلال وما بعده وعما تقوم به الميليشات فيه من قتل وترويع بحق الناس, بقوله في مخاطبته لقوى الاستعمار "تتظاهرون بانكم تنسون ان لكم مستعمرات وان هناك اناسا يقومون باعمال القتل الجماعي باسمكم ...تسلحوا بالجرأة واقدموا على قراءة هذا الكتاب. لهذا السبب الاول والذي سيشعركم بالخجل, والخجل (كما قال ماركس) عاطفة ثورية" ص. 7. لذا ان انعدام الشعور بالخجل من قبل مَن عمل مع محتلي العراق يؤكد من جديد لاثورية ولاماركسية شيوعيي السلطة الذين اشتركوا في مجلس الحكم وصنيعته "العملية السياسية".

ان طريقة وايتهيد في فهم دور الأفكار مشابهة الى حد كبير لطريقة هيغل. وايتهيد نفسه علق على التشابه بينه وبين هيغل على النحو التالي: "هذا التطور (غير المحدود للثابت او غير المتغير), الذي يكتسب سمة جديدة من خلال الصيرورة, هو لا شيء آخر غير التطوير الهيغلي للفكرة (6, ص. 167). ولكن في مجال تطور الوعي الذاتي البشري في التاريخ, فان معظم الناس ركزوا على الفروق بين الاثنين, هيغل ووايتهيد. ومن المعلوم ان هيغل في كتابه The Phenomenology of Spirit, فلسفة الروح (7) ,اكد ان العبد او الرقيق هو الذي سيعتلي عرش التاريخ باكتسابه الوعي كانسان حر. أو على الأقل هو الذي يبدأ هذا الطريق (يشرح هيغل هذا في قسم الكتاب الخاص باستقلال الوعي الذاتي او عدمه). لأن العبد منتج ويواجه الخوف من سيده، فان هذا سيؤدي, حسب هيغل, الى الحالة التي يكون فيها السيد هو الذي يعتمد على العبد, وليس العكس, وذلك بتقدم مسيرة العبد. قد لا تكون اطروحة هيغل صحيحة تاريخيا، ولكن الفكرة المهمة هنا هو أن المظلوم يٌحرّك عجلات التاريخ إلى الأمام من خلال تمرده ضد سيده. ويمكن ان نلاحظ بشكل عابر هنا, ان اية دعوة للمصالحة بين العبد والسيد, كما في حالة الدعوة في العراق الى ديمقراطية توافقية او "تسوية تاريخية!", تعني وضع عراقيل كأداء امام العبد, او الانسان المهمش, لاكتسابه وعيه بنفسه وقمع لدوره كمحرك لعجلة التاريخ, ويناقض بالتالي مسعى اطروحة غرامشي لدمج العامل البشري كعنصر ديناميكي ضمن الفلسفة الماركسية, كما وضحت ذلك في الحلقة السابفة.

الا انه في حين ان هيغل ووايتهيد اكدا كلاهما على الدور الذي يلعبه مفهوم الحرية، الا ان الفرق الظاهري بينهما يكمن في التساؤل بخصوص أية طبقة من الناس تُطور هذه الفكرة لأول مرة. ومع ذلك، ان هذا الاختلاف بين الاثنين يتقبله العديد بسبب ان وايتهيد ركز على دور الأفكار، ولكن ما كان يقوله حقا هو أقرب بكثير إلى هيغل مما يعتقده العديد من هؤلاء. والتشابه هو ليس فقط مع هيغل، ولكن, وهو الاهم بالنسبة لنا هنا, هو تشابه وايتهيد مع كارل ماركس ونظريته في الصراع الطبقي والثورة الاجتماعية، التي طورها ماركس استنادا الى ديالكتيك هيغل "العبد-السيد". كتب هيغل: "من خلال إعادة اكتشاف نفسه بنفسه، يدرك العبد أنه بالضبط من خلال عمله, الذي كان يبدو له كاغتراب, يكتسب هو وعيه الخاص به (7, ص. 118-119). وكانت فكرة هيغل (ووايتهيد أيضا) أنه من طبيعة الوعي ان يكون حرا ومدركا لنفسه self-knowing. في هذه الدينامية من السيد والعبد يمكن ان يكون احدهما فقط حرا، وفي نهاية المطاف سيحقق احدهما فقط ادراكه لذاته. والحجة هي أنه نظرا لأن العبد في الواقع هو الذي ينتج، أو, بتعبير اصح, يعيد انتاج حياته وحياة سيده معا, يمكن للعبد ان يتوصل الى ان يدرك انه هو الانسان المنتج وانه حر, على الاقل نظريا. ولكن عيش حياة القهر تناقض ادراكه بكونه هو المنتج, ومن ثم انه مع استمرار الاضطهاد على أيدي أولائك الذين لا ينتجون, وبسبب استخدام وسائل العنف والخوف، يصبح الظلم امرا لا يطاق ويتحتم عندها على العبد أن يثور، على الأقل فكريا إن لم يكن في الواقع. وبالتالي يطور العبد الشعور بالذات للخروج من هذا التناقض. ومن خلال النضال من أجل التحرر، يطور شعوره بالحرية. على العكس من ذلك، بحكم الاعتماد الرئيسي للسيد على العبد لاعادة انتاج وجوده، يفقد السيد شعوره بكونه انسان حر وواعي- ليكون واضحا ان هذه الديناميكية تنطبق على الطبقات الاجتماعية اثناء نضالها لتحقيق دورها التاريخي اكثر من انطباقها على الأفراد في حياتهم الخاصة-. هذا الكلام قد يبدو للوهلة الأولى مناقضا للبديهة. ولكن في الواقع لا يمكن للسادة ان يعيشوا بدون عبيدهم، وكذلك ان العبيد يعيشون على الرغم من أسيادهم. ولكن كون ان الأفكار السائدة في أية ثقافة, كما اكد ماركس, هي افكار الطبقة الحاكمة, تبدو الامور غير بديهية. هيغل كان يقول لنا أن تحقق الوعي الذاتي بالكامل يأتي من الجانب السفلي من التاريخ (الرقيق)، وليس من جانب الحكام. ثم اتفق ماركس مع هيغل على الرغم من الشعور المناقض الذي ترغب الطبقة الحاكمة في اسقاطه. ولكن في الواقع ان العبيد هم الاعلى منزلة لانهم يحققون وعيهم بذاتهم self-consciousness, وبالتالي فان المظلومين هم الذين يقودون التاريخ إلى الأمام وهم يكافحون من أجل تفعيل وعيهم كبشر أحرار.
يتبع
..........
المصادر ذات الصلة
1. A People s History of the World
http://digamo.free.fr/harman99.pdf
2. Alfred North Whitehead, Adventures in Ideas. New York: P. 2, The Free Press, 1933
3. Dr Barry Whitney: Process Studies Editor s Page for 1996-2009
http://drbarrywhitney.com/blw-12resources-3.html
4. :Process Via Marx
Marx s Potential Contribution to Whiteheadian Social Theory
http://www.richardcurtisphd.com/pdf/academic/Process%20Via%20Marx.pdf
5. معذبو الارض
https://docs.google.com/file/d/1gLzdbtvBaJBJ49jSwphiDRcbQRAEannoiit672Xu-Z0i3zt98VCbhqko19LG/edit
6. Alfred North Whitehead, Process and Reality Corrected Edition. New York: The Free
Press, 1978
7. G.W.F. Hegel, The Phenomenology of Spirit. New York: Oxford University
Press, 1977