ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (7)

طلال الربيعي
2017 / 1 / 16

علق الزميل Almousawi A.S على مقالتي
ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (6)
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=544636
بقوله:
"وضع الدكتور طلال يدة بشكل مباشر وغير مجامل
على علل اجتماعيية وامراض نفسية لا تعالج بالادوية فقط
بدون معالجة الاسباب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المسببة لها
مثلما فند بطلان وعدم واقعية او دلالة للعدالة الاجتماعية
واليوم يدك حصون ما يسمى دولة الرفاه الاجتماعي
فما اعمق وواقعية ومنفعة
هذة السلسة التي ستعزز وتعمق مفاهيم الاشتراكية"
ولكون تعقيبي بخصوص الموضوعة الاهم هنا, العدالة الاجتماعية, مطول بعض الشئ ولا يستوفيه حجم التعليق, ارتأيت نشره كمقالة. وصلته بالموضوع قيد النقاش, ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك, تتحدد باشارتي الى موضوعة العدالة الاجتماعية كجزء من البناء الاديولوجي للحفاظ على النظام الطبقي (الرأسمالي), حسب مفهوم الشيوعي الايطالي انطونيو غرامتشي. ولذلك فان هذه المقالة, الى حد ما, هي ذات صلة بمقالتي السابقة حول العدالة الاجتماعية (1). وهي لا تهدف الى استعراض شامل لمفهوم العدالة الاجتماعية عبر التاريخ. وانما تسعى الى ابراز هذه النقاط فقط:
اولا, العدالة الاجتماعية ليست مفهوما ماركسيا.
ثانيا, النقد الموجه الى مفهوم العدالة الاجتماعية.
ثالثا, مفهوم غرامشي للهيمنة واعتبار مفهوم العدالة الاجتماعية جزءا من السعي لفرض ايديولوجية الطبقات السائدة على عموم الشعب. وهذه النقطة بالذات, اكثر من غيرها, هي التي تبرر ادراج تعقيبي على التعليق ضمن هذه السلسلة, وذلك لكون غرامتشي كان معاديا للاختزالية الاقتصادية في الماركسية المبتذلة, او اية اختزالية, لا عضوية, حسب فلسفة وايتهيد في الصيرورة.
..........
اولا, ان فكرة العدالة الاحتماعية قديمة جدا, وهي موجودة في كل الاديان السماوية او غير السماوية, بهذا الشكل او ذاك. وفريضة الزكاة في الاسلام هي احدى تجليات هذا المفهوم الذي يهدف في المحصلة الى الحفاظ على الوضع القائم وخلق الوهم الاديولوجي بكون الزكاة كفيلة بحل مشاكل كالفقر والعوز الاقتصادي. وقد نادت الثورة الفرنسية في اعوام 1789 – 1799, والثورة الاميركية في اعوام 1783–1775, الى حد اقل, بالعدالة الاجتماعية. وكما نوهت في الحلقة السابقة, ان مفهوم العدالة الاجتماعية لا علاقة له بمفهوم الاشتراكية لدى ماركس, لان ماركس اعتبر سد العوز الاقتصادي جزءا من عالم الضرورة الذي لا يكفل اشباع الحاجات الروحية وتحقيق التطور الشامل للانسان الذي ينبغي ان يكون هدف اي نظام يسعى لتحقيق المجتمع الاشتراكي.

ان مفهوم العدالة الاجتماعية ليس مفهوما ماركسيا, ايضا بدليل ان العديد من الحركات والاحزاب غير الماركسية, او حتى المعادية للماركسية, قد تبنت هذا المفهوم. فقد كنب زعيم الاخوان المسلمين في مصر سابقا, سيد قطب, كتابا حول العدالة الاجتماعية في الاسلام (2). كما كتب الدكتور زهير الاعرجي كتابا حول "العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة في الاسلام" (3), وقد تصدره بالآية القرآنية:
"بسم الله الرّحمنِ الرّحيمِ
( وَلَن تَرضى عَنكَ اليَهودُ وَلا النَّصارى حَتّى تتَّبِعَ مِلَّتَهُم قُل إنَّ هُدَى الله هُوَ الهُدى وَلَئن اتَّبَعتَ أَهواءَهُـم بَعدَ الّذي جاءَكَ مِنَ العِلمِ ما لَكَ مِنَ الله من وَّليٍّ وَّلا نَصيرٍ ) البقرة : ١٢٠. هذا رغم ان المؤلف نفسه يقول, على النقيض من الآية, "ان هذا الكتاب موجّه الى الانسانية جميعاً" ص11.

كما ان حزب البعث العربي الاشتراكي ينادي ايضا بالعدالة الاجتماعية. فهو يقول (4):
"ومن أهم أهداف " البعث " أيضا تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق ترسيخ مفهوم " الاشتراكية " ورفض كل ما يشوه المسيرة ويحول دون استغلالها. فهو يرفض استغلال الطبقية مهما كانت ويرفض استئثارها بالسلطة والجاه والنفوذ، واستغلال الثروة على حساب الطبقات الأخرى في المجتمع".

ثانيا, ان النقد الموجه الى مفهوم العدالة الاجتماعية, بالاضافة الى ما ساذكره ادناه في "ثالثا", متعدد الاوجه. العديد من الكتاب ينتقد فكرة العدالة لاجتماعية لعدم وجود معيار موضوعي لها. ويعتقد آخرون ان مثالية الفكرة هي تعزيز للوضع الراهن, وهي فكرة دينية, متناقضة, ولا معنى لها. ولعل الرفض الأكثر اكتمالا لمفهوم العدالة الاجتماعية يأتي من Hayek من المدرسة النمساوية للاقتصاد (5), فقد اعتبر العدالة الاجتماعية فذلكة لغوية لا قيمة لها non sense.

ثالثا, ان اصالة غرامشي وتميزه الدائم يكمنان في مساعيه لدمج العامل البشري كعنصر ديناميكي ضمن الفلسفة الماركسية. والسؤال المركزي الذي كان يشكل مركز اهتمامه, وهو مركز اهتمام منظري الماركسية حاليا ايضا, هو: ما الذي يعطي الراسمالية القدرة على إعادة إنتاج نفسها وإعادة تأكيد هيمنتها على مر الزمن رغم تناقضاتها البنيوية المتأصلة فيها؟ غرامتشي, في سعيه للاجابة على هذا السؤال, توصل الى ابتكار مفهوم جديد, أو بشكل أدق إلى إعادة تعريف المفهوم القديم، وهذا المفهوم هو "الهيمنة"Hegemony. فقد قام غرامشي بتوسيع الفهم الماركسي لهذا المفهوم ليشمل جميع المؤسسات والممارسات التي تستطيع من خلالها الطبقة الحاكمة الحفاظ على تبعية توافقية للمحكومين من قبل السلطة- مثال ذلك الديمقراطية التوافقية او المصالحة التاريخية في العراق كتجريدات آديولوجية هدفها تعزيز النظام القائم وتثبيت دعائم سطوته. ان مفتاح كتابات غرامتشي هو مفهوم الهيمنة. لقد اثبت غرامتشي ان الطبقة المهيمنة ينبغي عليها, للحفاظ على سطوتها, الاستمرار في فرض القيم الأخلاقية والثقافية والسياسية السائدة - يتجلى ذلك في العراق, مثلا, في التداخل بين الاسلام والسياسة, وجود احزاب دينية تمارس نفوذها الايديولوجي من خلال مؤسسات الدولة او من خلال الاحزاب او ميليشياتها التي تفرض ثقافة هذه الاحزاب عن طريق الارهاب الفكري او الجسدي. الهدف من كل هذه الممارسات هو اعتبار ايديولوجية الاسلام السياسي فكرة مقبولة وبديهية لدى اغلب الناس, ان لم يكن كلهم. الم توافق ما يسمى القوى العلمانية في العراق على اعتبار الاسلام مصدر الدستور, وبالتالي اثبتت انصياعها لاولويات الاسلام السياسي؟ ان الاسلام السياسي في العراق هو ايديولوجية الكومبرادورية العراقية في عصر النيوليبرالية التي تتبرقع ببرقع الاسلام لمنح نفسها صفة القداسة والحفاظ بالتالي على اكثر المفاهيم قدسية في الجتمع الطبقي, وخصوصا المجتمع الراسمالي: الملكية الخاصة.

بخصوص الهيمنة بعرف غرامتشي, يلاحظ Miliband ان معوقات امتلاك الوعي الطبقي لدى غرامتشي هي اكبر مما كانت هي عند لينين (6). ويجب ملاحظة ان هذه المعوقات اكتسبت دورا اكبر بعد وفاة غرامتشي. ويقول Miliband انه ما دام هنالك لعبة كرة القدم في التلفزيون, فانه يجب تأجيل الثورة الى ما لا نهاية. وما يسمى لدى الساسة العراقيين مكافحة الارهاب قد يكون هو يمثابة لعبة كرة القدم في التلفزيون. وعندما يتكلم هؤلاء عن الارهابيين فهم بالطبع لا يقصدون انفسهم.

وبهذا الصدد يقول مؤرخ حياة غرامتشي Giuseppe Fiori ان المصدر الحقيقي لقوة الظام الرأسمالي لا تكمن في عنف الطبقة المتنفذة او في الاجراءات القمعية للدولة الرأسمالية, بل انها تكمن في قبول المحكومين لفلسفة الطبقة الحاكمة (7). وتستمر فلسفة الطبقة الحاكمة في بسط نفوذها من خلال نسيج معقد من البذاءات لتخرج بمحصلة من نوع ما هو شائع او متعارف عليه common sense, اي فلسفة الحشود (القطيع) الذين يتقبلون اخلاقيات وعادات وسلوكيات المجتمع القائم بدون مسائلة او تشكيك.

ان مفاهيما مثل العدالة الاجتماعية او اجراءات تثبيت ان الاسلام مصدر الدستور واعطاء دور مميز للهيآت الدينية في الدستور, في العراق كمثال, هي كلها نوع من انواع البذاءات التي تشكل مصدرا بالغ الاهمية لتعزيز نظام اللاعدالة بكل انواعها, الاجتماعية او السياسية او غيرهما.
يتبع
...........
المصادر
1. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=512498
2. http://www.noor-book.com/2015/01/SocialJusticeinIslam.html
3. http://books.rafed.net/view.php?type=c_fbook&b_id=275
4. حزب البعث العربي الاشتراكي
القطر الأردني
http://www.dhiqar.net/MakalatF/MK-FAlqudos05-11-08.htm
5. Hayek, F.A. (1982). Law, Legislation and Liberty, Vol. 2. Routledge. p. 78
6. Socialism for a Sceptical Age
https://www.amazon.co.uk/d/Books/Socialism-Sceptical-Age-Ralph-Miliband/0745614272
7. Gramsci s political thought
https://www.amazon.com/Antonio-Gramsci-Revolutionary-Modern-Classics/dp/0860915336