غزو العرب لمصر، وأكذوبة الجهاد المقدس

عبدالجواد سيد
2017 / 1 / 13

غزوالعرب لمصر ، وأكذوبة الجهاد المقدس
مقدمة!!!
حديث قديم متجدد ، لن نمل منه أو نيأس ، حتى نحسم أمره ، ونضع فى مكانه الصحيح من التاريخ ، بعيداً عن عالم الخرافة والأساطير، كيف تحولت السياسة إلى دين ، وكيف تحولت الحرب إلى جهاد مقدس، والغزوات البربرية إلى فتح مبين ، فى أكبر قصة خداع عرفها تاريخ مصر والشرق الأوسط؟
أ-قيام دولة العرب فى المدينة
إستقر فى الوعى الجمعى المصرى- على مر السنين - أن العرب قد غزوا بلادهم وغيرها من بلاد الشرق الأوسط ، قبل مايزيد على أربعة عشر قرنا جهاداً فى سبيل الله ورغبة فى نشر دينه فقط لاأكثر، كما أصبحت الإنتصارات التى حققها الغزاة العرب فى حركة الغزوات العربية الإسلامية، والمدينة الإسلامية (الفاضلة) التى أقاموها على أثر ذلك مصدراً للإلهام ونموذج للإهتداء فى كل التاريخ الإسلامى بعد ذلك.
وبالطبع فقد لعبت الكتابة التاريخية دوراً أساسياً فى ترسيخ ذلك الوعى المزيف وذلك - بطبيعة الحال- لإن الغازى الذى إستعمر البلاد وإستعبد أهلها هو نفسه الذى كتب التاريخ بعد ذلك ، كما أن المصريين -وغيرهم من الشعوب - وبعد أن غزيت بلادهم وذابوا فى تيار العروبة والإسلام وفقدوا هوياتهم الوطنية والدينية الأصلية ، قد ساهموا بدورهم فى كتابة تاريخ الغازى على حساب تاريخهم أنفسهم.
والآن ونحن فى مفترق الطرق نحو المستقبل يعاد - وبقوة – فتح ملف غزو وإستعمار العرب لمصر وملف الغزوات الإسلامية بشكل عام والبحث وراء أسبابها، أكانت سياسية أم إقتصادية أم دينية بحتة خالصة لوجه الله من أجل نشر دين الإسلام كما يزعم الإسلاميون اليوم ، والذين يحاولون - جاهدين - ربط شعوبهم بهذا التراث الأسطورى ربطاً قوياً يشبه قيود السجان ، بحيث لايكون فى مقدورهم النظر إلى ماضيهم قبله أو نقده أو التطلع إلى مستقبلهم بعده.
ولكن الواقع أننا إذا ما ألقينا نظرة نقدية - خالية من المشاعر الدينية - على ذلك التاريخ فسوف يمكننا أن نرى فى سهولة ووضوح أن توحيد القبائل العربية فى دولة قومية واحدة وغزو العالم قد كان من الأهداف الأساسية للدعوة الإسلامية منذ البداية ، حيث يمكننا أن نلمح نبرة المشاعر القومية فى تعليق محمد - قبل إعلان رسالته الإسلامية - على هزيمة عرب بنى شيبان للفرس فى موقعة ذى قار سنة 614م بقوله( هذه أول مرة تنصف فيها العرب من العجم وبى نصروا) وكأنه كان يعد نفسه للدور المرتقب فى توحيدهم ، كما كان الوعد بكنوز كسرى وقيصر من وسائل الدعاية الناجحة التى إستخدمت لجذب قبائل العرب إلى الدعوة الإسلامية بعد ذلك ، حتى أن أحد العرب قد علق على هزيمة المسلمين فى موقعة أحد بقوله (لقد كان محمد يعدنا بكنوز كسرى وقيصر ونحن لانملك أن نذهب إلى الغائط – أى لانضمن حتى أن نذهب لقضاء حاجتنا) وذلك فى إشارة واضحة إلى الطبيعة السياسية البرجماتية لخطاب محمد إلى العرب، والذى يتضح أكثر فى ربطه بين دعوته الدينية التوحيدية ودعوته إلى الوحدة السياسية تحت رايتها ، عندما كان يدعو قومه قائلاً (تعالوا إلى كلمة واحدة تقولونها تدين لكم بها العرب وتؤدى إليكم بها العجم الجزية - الطبرى - تاريخ الرسل والملوك). والواقع أن الفترة السابقة على ظهور الإسلام قد شهدت نمواً ملحوظاً فى روح العرب القومية وإحساسهم بقوتهم بسبب النمو الإقتصادى الكبير الذى حققته حواضر الحجاز - فى مكة والمدينة - كمحطات لتجارة القوافل بين الشرق والغرب نتيجة لتعطل طرق التجارة القديمة فى الخليج الفارسى والبحر الأحمر بسبب الحروب الفارسية البيزنطية، وماترتب على ذلك من ظهور طبقة أرستقراطية من التجارالعرب أخذت ترى العالم حولها بشكل جديد وتدرك الفرص المتاحة للعرب بوراثة الإمبراطوريتين المتداعيتين بيزنطة وفارس - فى حالة توحدهم- وهى نفس الطبقة التى خرج منها محمد بعد ذلك ، كتاجر كبير وليس كراعى غنم كما تصوره كتب التاريخ . كما كان لإزدهار الشعر العربى أثره - كعامل ربط بينهم – فى تقوية تلك المشاعر القومية. ومن جهة أخرى فقد كان للظروف المعيشية القاسية التى عاش فيها بدو الجزيرة العربية - خارج الحواضر الكبرى - أثرا كبيرا فى إنجذابهم لدعوة الوحدة والتوحيد التى قادها محمد - بعد ذلك - ومناهم فيها بحياة أفضل فى أرضى الإمبراطوريتين المتداعيتين. والواقع أن الحروب الطويلة المنهكة بين هاتين الإمبراطوريتين - والتى كان التجار العرب على دراية تامة بأحوالهما - كانت من أكبر الأسباب التى أطمعت العرب فى القضاء عليهما ووراثة أملاكهما.
وقد صاحب ذلك النمو الإقتصادى الكبير ونمو الروح القومية لدى العرب تطور كبير آخر فى فكرهم الدينى متأثرين بذلك بشكل واضح بتراث أبناء عمومتهم اليهود ، الذين كانوا قد إستقروا بين ظهرانيهم منذ فترات مبكرة من التاريخ، وبشكل خاص بعد هدم الرومان لعاصمتهم أورشليم (القدس) سنة 70م، وحملوا معهم ثقافتهم وعقيدتهم التى تأثر بها العرب ، والواقع أننا لايمكن أن نفهم الإسلام أبداً دون الرجوع إلى أصوله التوراتية فى التاريخ والعقيدة والعبادات والشرائع ، كما أننا لايمكن أن نفهم شخصية محمد دون مقارنتها بشخصية موسى ، وهى المثل الأعلى الذى إحتزاه محمد فى توحيد قبائل العرب كما فعل موسى فى توحيد قبائل اليهود. كانت الحنيفية هى الخطوة الأولى نحو التوحيد قبل ظهورمحمد ، ثم كانت عبقرية محمد التى نسجت ذلك التراث التوراتى بثقافة العرب فى نسيج واحد هو الإسلام ، هى الخطوة الأخيرة نحو توحيد عربى خالص على دين إبراهيم إنتقل خلاله - وبضربة واحدة- كل تراث أبناء إسحاق إلى أبناء إسماعيل( قل هدانى ربى دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وماكان من المشركين).
كانت تلك هى الخطوة الحاسمة التى إحتاجها تطور العرب السياسى فى بدايات القرن السابع الميلادى لتوحيد قبائلهم تحت راية واحدة وقد قام مؤسس الإسلام بتحقيق تلك الخطوة ، فبعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوة السلمية فى مكة ، والتى نجح خلالها فى ضم كثير من وجوه قريش ومن أفراد قبيلته القوية بنى هاشم إلى دعوته تم وضع أساس دولة للعرب بعد هجرته وأصحابه من مكة إلى المدينة حوالى سنة 622م ، حيث بدأ محمد ببعض الإجراءات الموضوعية والرمزية لتأسيس قواعد دولته، كتأسيس المسجد الجامع(مقر الحكم)، وكتابة الصحيفة (دستوردولة المدينة)، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار( تدعيم الجبهة الداخلية)ن وإصدار تشريع الجهاد ( تقنيين الحرب)، ونقل قبلة إبراهيم من القدس قبلة اليهود إلى مكة قبلة العرب ، و تصفية قيادات اليهود وطرد قبائلهم من الحجاز بسبب رفضهم الإعتراف بزعامته، ثم، وبعد أن إنتهى من إخضاع المكيين وحواضر الحجاز الأخرى، إعطاء باقى القبائل العربية مهلة قصيرة للدخول فى الإسلام أو الحرب حتى أذعنت تلك القبائل كارهة، و هكذا ، و فى حوالى عشر سنوات فقط من تاريخ هجرته إلى المدينة نجح محمد فى توحيد قبائل العرب - شمالا وجنوبا - فى دولة عربية واحدة تتكون قمتها من الأرستقراطية التجارية المكية بينما تتكون قاعدتها من قبائل البدو الرهيبة.
والواقع أن محمد قد بدأ أيضاً تنفيذ الشق الثانى من برنامجه السياسى الخاص بغزو أراضى الدولتين البيزنطية والفارسية بنفسه ، وذلك بإغارته على المناطق البيزنطية فى جنوب الشام فيما عُرف بغزوة مؤتة ، وغزوة تبوك التى قادها بنفسه فى السنة الأخيرة من حياته(التاسعة للهجرة) ولكنه لم يحقق فيها نجاحا كبيراً ، ولم يمهله العمر طويلا بعد ذلك إذ توفى سنة 632م وتفرقت وحدة قبائل العرب بعده فيما عرف بإسم حركة الردة ، لكن خلفائه تمكنوا من قمعها وأعادوا الوحدة إلى دولة العرب ومباشرة بعد إخضاع هذه القبائل - للمرة الثانية - إستؤنفت حركة الغزوات العربية الإسلامية وذلك بتوجيه نفس هذه القبائل - التى رفضت الإسلام بشدة - إلى الجهاد فى سبيله بالهجوم على أراضى الإمبراطورية الفارسية فى العراق كذلك وفى نفس الوقت تقريبا بدأ الهجوم على أراضى الإمبراطورية البيزنطية فى الشام وقد إنتهى كل ذلك - كما هو معروف جيدا فى التاريخ - بإنتصارات ساحقة للجيوش العربية وإحتلالها لتلك الأراضى وتوجهها بعد ذلك - على فترات زمنية متقطعة - نحو مزيد من الغزوات بإتجاه فارس ووسط آسيا شرقا ، ونحو مصر وشمال إفريقيا وأسبانيا غربا. وهكذا تأسست أسطورة الغزوات العربية الإسلامية ، وأسطورة المدينة الإسلامية الفاضلة التى أسسها الفاتحون العرب على أنقاض العالم القديم الفاسد ، والذى تعلموا منه الحضارة بعد ذلك؟

ب- قصة غزو مصر

يروى الكاتب الإنجليزى بتلر قصة غزو العرب لمصر فى كتابه الشهير( فتح العرب لمصر) إعتماداً على مصدرين أساسين هما، حنا النقيوسى - الأسقف المصرى القبطى الذى ولد حوالى زمن الفتح - فى مذكراته عن تاريخ العالم ، وإبن عبدالحكم المتوفى فى القرن الثالث الهجرى فى كتابه فتوح مصر وأخبارها، وسوف نوجز هنا مارواه بتلر ونعلق عليه فى إختصار تقتضيه ظروف هذه القراءة السريعة.
بدأ غزو مصر أثناء حصار الجيوش العربية لقيسارية - آخر المعاقل الرومانية فى فلسطين - وكان عمرو قد حصل على موافقة الخليفة عمر بن الخطاب المبدأية على غزو مصر أثناء قدومه الثانى الى الشام سنة 17هـ. وهكذا إنسل عمرو فى ظلام الليل من أمام قيسارية ومعه مايتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة آلاف فارس وشق طريقه نحو مصر.
كان عمرو قد زار مصر تاجراً قبل الإسلام وخبر غناها ومواطن قوتها وضعفها ، فتمنى أن يغزوها وأن تكون له طعمة ، وهو ما تحقق له بعد ذلك بالفعل أثناء الحرب الأهلية التى نشبت بين على ومعاوية فى أعقاب مصرع الخليفة عثمان بن عفان سنة 35هـ. وصل عمرو إلى العريش فى ذى الحجة سنة 18هـ أى فى ديسمبر سنة 639م ، وبعد أن أقام مع جنوده شعائر عيد الأضحى الذى تصادف حلوله فى نفس التاريخ ، تقدم معهم عبر الصحراء نحو مدينة بلوز القديمة( الفرما) ، فوصلها فى يناير سنة 640م وألقى عليها الحصار لنحو من شهر، حتى تمكن من أحد أبوابها فدخلها وقتل من فيها وأحرق مينائها وكنائسها، ثم واصل مسيره نحو مصر حتى بلغ مدينة بلبيس، حيث إنتصر على البيزنطيين فى معركة كبيرة أخرى، ومن هناك واصل زحفه على جانب الصحراء حتى وصل مدينة هليوبوليس الواقعة إلى الشرق من حصن بابليون ، ونصب معسكره هناك فى إنتظار وصول الإمدادات من المدينة. تجمع الرومان فى حصن بابليون - أكبرحصون مصرالرومانية وكان يقع على الجانب الشرقى من الضفة الشرقية للنيل فى مواجهة الصحراء - ومن هناك راحوا يخرجون لشن الغارات على قوات عمرو لمنع تقدمه إلى الضفة لغربية للنيل. إستطاع عمرو صد هذه الغارات وإستمر على حصار الحصن لحوالى ستة أشهر قبل أن تصله الإمدادات التى أرسلها له الخليفة عمر بقيادة الزبير بن العوام( إبن عمة محمد) والتى قُدرت بحوالى إثنى عشر ألف فارس. وبعد وصول تلك القوات أخذ عمرو يستعد لإقتحام الحصن وتأهب الرومان بدورهم لمواجهة قوات العرب فى معركة كبيرة فاصلة بقيادة تيودور قائد القوات الرومانية فى مصر، لكن نتيجة المعركة كانت إنتصاراً كبيراً آخر للعرب وهزيمة ساحقة أخرى للرومان فروا على أثرها عائدين إلى الحصن مرة أخرى.
وبعد معركة هليوبوليس قرر عمرو التحرك للإستيلاء على مدينة الفيوم وكان قد هاجمها قبل وصول قوات الزبير وفشل فى الإستيلاء عليها ، لكنه هذه المرة تمكن من الإستيلاء عليها ودخلتها قواته وأحدثت فى أهلها وفى أهالى منطقة أبويط القريبة منها مذبحة رهيبة ، وإحتل عمرو منطقة دلامى الواقعة إلى الشرق من الفيوم وإتخذها قاعدة لقواته على الضفة الغربية للنيل فى مصر الوسطى، وأخذ فى تجميع قواته إستعداداً لغزو مصر السفلى. ذكر حنا النقيوسى أن عمرو (أمر الناس بمساعدة العرب فى بناء القناطر والجسور نظراً لإمتلاء أراضى الدلتا بالترع وأن الناس أخذوا يساعدون العرب إلا أن ذلك لم يكفهم وأن عمرو أمر بأن يؤتى بالحكام من الرومان مجموعة أيديهم فى الأصفاد وأرجلهم فى القيود ثم أخذ من الناس أموالاص عظيمة وضاعف عليهم الجزية وامرهم بأن يأتوا له بالأعلاف لخيله وظلمهم ظلما كبيراً).
تقدم العرب بعد ذلك ففتحوا مدن الدلتا واحدة فى أثر الأخرى حتى وصلوا إلى مدينة نقيوس الواقعة على فرع النيل الغربى فى منتصف الطريق إلى الإسكندرية ، ويعلق حنا النقيوسى على تلك الأحداث قائلاً ( وغلب الرعب على كل بلاد مصر وأخذ الناس يفدون أفواجاً من كل صوب إلى الإسكندرية تاركين أرضهم وبيوتهم وكل مايملكون). لم يستطع عمرو تتبع هذه الأفواج الهاربة نظراً لإرتفاع النيل فى ذلك الوقت فإضطر إلى العودة لمحاصرة الحصن مرة أخرى، وفى نفس الوقت كان قيرس حاكم مصر وبطريرك المذهب الملكانى - مذهب الدولة البيزنطية الرسمى المؤمن بطبيعتين بشرية وإلهية للمسيح بعكس مذهب الأقباط المونوفيزيتى المؤمن بالطبيعة الواحدة للمسيح - والذى يسميه العرب بالمقوقس قد حضر إلى الحصن من الإسكندرية ليشرف على مجريات الأمور بعد موقعة هليوبوليس، وليفتح باب المفاوضات مع عمرو وكان ذلك فى حوالى أكتوبر سنة 640م.
إنتهت مفاوضات قيرس وعمرو إلى طريق مسدود بسبب رفض أصحاب قيرس لشروط العرب فى الإسلام أو الجزية أو الحرب ، وقرر الجنود الرومان إستئناف الحرب فقاموا فى اليوم الرابع بعد إنتهاء مهلة الثلاثة أيام التى أعطاها لهم عمرو للرد على عرضه بالخروج من الحصن والإغارة على معسكر العرب ، إلا أن العرب لم تأخذهم المفاجأة وتماسكوا وكانت النتيجة إنتصاراً آخر لهم وهزيمة أخرى للرومان. وعلى أثر تلك الهزيمة إنهارت معنويات الحزب المناوئ لقيرس وقرروا الإذعان لشروط العرب على أن يبعثوا بها إلى الإمبراطور هرقل فى القسطنطينية فإذا ماأقرها نُفذت على أن تبقى الجيوش أثناء ذلك فى مكانها حتى يأتى رد الإمبراطور.
وصل رد الإمبراطور بالرفض فى نهاية سنة 640م وإستدعى قيرس إلى القسطنطينية ووبخه وإتهمه بالخيانة والإنحياز للعرب ثم حكم عليه بالنفى. وأخذ العرب - بعدما عرفوا بذلك - فى تشديد الحصار على الحصن وبدأوا فى شن الهجمات على أسواره مرة أخرى. ويفهم من خطاب الإمبراطور هرقل إلى قيرس أن كثيراً من الأقباط كانوا قد إنضموا إلى عمرو بالفعل كراهية فى الرومان. وأثناء محاصرة الحصن عرف عمرو أن تيودور قائد الجيش الرومانى فى مصر قد أعاد تجميع الجيوش الرومانية فى الإسكندرية وأخذ فى إسترداد مدن الدلتا التى كان عمرو قد إستولى عليها فأسرع عمرو على أثر ذلك ومعه جزء من قواته تساعدها أعداد كبيرة من الأقباط لمهاجمة تيودور أثناء زحفه على الدلتا ، لكن الهزيمة كانت من نصيبه هذه المرة وقتل أعداداً كبيرة من رجاله منهم عدد كبير من الأقباط الذين إنحازوا إليه. قرر عمرو العودة إلى مواصلة حصار الحصن ولم يسعى تيودور إلى مطاردته بعد هزيمته له بسبب قلة القوات التى كانت معه وبسبب خوفه من الأعداد الكبيرة من الأقباط التى ضمها جيشه أيضاً والتى كانت قد أخذت تميل إلى العرب بسبب الدعاية الناجحة التى إستطاع عمرو بثها بينهم. عاد عمرو بفلول قواته لمواصلة حصار حصن بابليون وظل على حصاره حتى شهر مارس سنة 641م عندما وصل نبأ وفاة الإمبراطور هرقل والذى إنهارت على أثره معنويات جنود الحصن وسهل لعمرو فرصة إقتحامه وكما يعلق إبن عبدالحكم ( وكسر الله بموته الروم).
ومع ذلك فقد صمدت قوات الحصن لحوالى شهر آخر بعد وفاة هرقل وعندئذ قرر العرب القيام بهجوم إنتحارى- بالمصطلح الحديث - لإقتحام الحصن بقيادة الزبير بن العوام، والتى تُنسب إليه التواريخ الإسلامية كثيراً من أعمال البطولة المشابهة. ورغم فشل المحاولة التى قام بها الزبير فقد بثت الرعب فى نفوس جنود الحصن فقرروا قبول الصلح على أن يخرج الجنود من الحصن خلال ثلاثة أيام فينزلون بالنهر، ويحملون ما يلزم لهم من القوت لبضعة أيام وأما الحصن ومافيه من الذخائر وآلات الحرب فيأخذه العرب غنيمة ويدفع من يبقى من أهل مدينة بابليون الجزية للعرب، وبالمصادفة كان ذلك اليوم هو التاسع من إبريل الموافق لعيد الفصح لسنة 641م. ويذكر حنا النقيوسى أن الرومان قبل جلائهم عن الحصن قد أوقعوا بكثير من الأقباط ممن كانوا فى سجون الحصن فضربوهم بالسياط وقطعوا أيديهم وعذبوهم كل عذاب قبل أن يطردوهم من الحصن ، وربما كان هؤلاء السجناء من ضحايا الخلاف الدينى مع الرومان أو من أهالى القرى المجاورة الذين شك الرومان فى ولائهم وإتهموهم بالتعاون مع العرب. وتوضح هذه الرواية التى وردت عن كاتب قبطى إلى أى حد كانت العلاقات قد تأزمت بين الأقباط والرومان مما كان له أثر كبير فى تحقيق هدف العرب فى إستمالة الأقباط إلى جانبهم. وبإستيلاء عمرو على حصن بابليون ضمن لقواته أهم قاعدة إستراتيجية فى مصر فى ذلك الوقت ، وبدأ فى الإستعداد لغزو مصر السفلى مرة أخرى وإحتلال الإسكندرية.
تقدم عمرو نحو نقيوس وفى الطريق إعترضته قوات الرومان عند موقع مدينة طرنوطة القديمة التى يسميها العرب الطرانة، إلا أن عمرو تمكن من هزيمتهم وإستأنف سيره نحو نقيوس وتمكن من إسقاطها ودخولها وإحداث مذبحة كبيرة فى سكانها فى الثالث عشر من مايو سنة 641م ، وأصبح الطريق مفتوحاً أمامه إلى ألإسكندرية. تقدمت قوات عمرو نحو الإسكندرية لكن قوات الرومان إعترضتها عند المنطقة التى سُميت بعد ذلك بكوم شريك نسبة إلى أحد رجال عمرو، ثم عند مدينة سنطيس جنوب دمنهور الحالية ، لكن قوات عمرو إستطاعت هزيمتها وإستمرت فى تقدمها نحو الإسكندرية حتى وصلت إلى حصن الكريون القريب من الإسكندرية، وكان آخر سلسلة الحصون الواقعة فى الطريق بين الإسكندرية وبابليونن وهناك قرر الرومان بذل محاولتهم الأخيرة لصد العرب عن الإسكندرية وقاتلوا وأتتهم الإمدادات من وراء البحر ومن داخل مصر من سنطيس وخيس وسخا وبلهيب وغيرها من القرى القبطية وإستمر القتال لعدة أيام، ولكن الهزيمة كانت من نصيب الرومان هذه المرة أيضا، وإقتحم العرب حصن الكريون وإرتد الرومان إلى مدينة الإسكندرية. ويمكن أن نلاحظ هنا مرة أخرى إختلاف مواقف الأقباط من العرب فبينما هاجم عمرو قوات الرومان فى الدلتا ومعه جموع كثيرة من الأقباط فقد هاجم تيودور بدوره مدن الدلتا بعد ذلك ومعه أيضا جموع كثيرة منهم، وهنا نجد الإمدادات تأتى للروم من القرى القبطية فى سنطيس وخيس وسخا وبليب وغيرها مما يزيد غموض عملية الفتح كلها ومع ذلك فالتفسير قد يكون بسيطا ، وهو أن موقف الأقباط قد إختلف من غزاتهم العرب ، فبينما كان البعض يؤيدهم بقوة كان البعض الآخر يبغضهم بقوة أيضاً، وقد إتضح ذلك جلياً من أقوال حنا النقيوسى والذى يبدو أنه كان من مبغضيهم ، لكنه مع ذلك لم يستطع إنكار أن كثيراً من الأقباط قد إنضموا إليهم بالفعل بل وإعتنقوا عقيدتهم أيضا. أما موقف العرب أنفسهم من الأقباط بعد أن تمكنوا من بلادهم فسوف يتضح فى نهاية قصة الغزو.
فشلت محاولة عمرو الأولى فى إقتحام أسوار الإسكندرية ، فقرر أن يترك الجزء الأكبر من قواته على حصارها وأن يعود بقسم من قواته إلى بابليون قبل إرتفاع النيل. وفى طريق عودته أغار على بعض قرى الدلتا - التى لم تكن موالية للعرب بطبيعة الحال - ونهبها وأحرق مزارعها ترهيباً للأهالى قبل أن يعود إلى بابليون. وبعد عودة عمرو إلى بابليون أرسل السرايا لغزو الصعيد ووصلت قواته إلى حدود مدينة طيبة ، التى سماها العرب بعد ذلك (الأقصر) لما رأوه من كثرة أعمدة معابدها الفرعونية. وتمكن عمرو من فرض سيطرته على هذه الجهات أيضاً. ويروى بتلر نقلا عن حنا النقيوسى أنه فى تلك الأثناء قدم قيرس على عمرو فى بابليون ليتداولا فى أمر الصلح مرة أخرى، وذلك بعد أن أعادته الإمبراطورة مارتينا( زوجة هرقل) من منفاه بعد وفاة الإمبراطور هرقل. وبعد مفاوضات دامت عدة أيام توصل الطرفان إلى شروط الصلح الذى سلمت به مصر للعرب ، وكُتب به عقد فى الثامن من نوفمبر سنة 641م وكان أهم شروطه ، توقيع هدنة لمدة إحدى عشر شهراً ليرحل فيها عن مصر من أراد الرحيل سواء من الرومان أو من الأقباط ، والإتفاق على جزية دينارين على كل رجل قادر يدفعها كل من يقرر البقاء سواء من الرومان أو من الأقباط هذا بالإضافة إلى خراج معلوم يُفرض على الأرض كان يمكن أن يُدفع عيناً بصفة مبدأية. وبرغم كل الخدمات التى أداها قيرس للعرب فإن عمرو لم يقدر له ذلك - كما فعل مع حلفائه الأقباط بعد ذلك - فبعدما تأكد من سيطرته التامة على مصر رفض شفاعته فى أمر الأقباط من أهالى القرى الذين فروا إلى الإسكندرية ورفض السماح لهم بالعودة إلى قراهم فأفقده بذلك إحترامه بينهم وبين الرومان على السواء. ومات قيرس أثناء فترة الهدنة حزناً وغماً على ما إقترفه فى حق نفسه وفى حق دولته. وهكذا كانت معاهدة الإسكندرية هى المعاهدة الرسمية التى سُلمت بموجبها مصر للعرب، لإن الإسكندرية كانت عاصمة مصر الرومانية آنذاك وكان من الطبيعى أن يعنى تسليم العاصمة تسليم البلد كله ، أما معاهدة بابليون فلم تكن أكثر من إتفاق محدود لتسليم الحصن والمناطق المجاورة له.
وأثناء فترة الهدنة عمل عمرو على تخطيط وبناء مدينة الفسطاط حتى يتخذها قاعدة لقواته فى مصر، كما عمل على إعادة حفر قناة تراجان القديمة التى كانت تربط النيل بالبحر الأحمر بقصد تسهيل نقل أموال الجزية والخراج إلى المدينة. وبعد الإنتهاء من ذلك تفرغ عمرو لإخضاع بعض بلدان مصر السفلى التى كانت قد ظاهرت الرومان على العرب فوجه إليها الجيوش فى ربيع سنة 642م فإحتلوها وأخذوا منها أسارى كثيرة بعثوا بها إلى الخليفة عمربن الخطاب فى المدينة. وفى التاسع والعشرين من شهر سبتمبر سنة 642م فتحت المدينة العظيمة أبوابها ودخلتها جيوش العرب ، وقد وصف عمرو مدينة الإسكندرية فى كتابه إلى الخليفة وصفاً يدل على عظمة المدينة وعلى دهشة البدوى من مظاهر الحضارة .وبعد إحتلال الإسكندرية أمر عمرو البطريرك بنيامين رئيس الكنيسة القبطية ( المونوفيزية) بالخروج من مخبأه بعد أن أمنه على نفسه وعلى دينه مقابل أن يساعده فى إدارة شئون البلاد.
لكن الأمر لم يستتب للعرب عند هذا الحد فقد كان الإمبراطور قنسطانز الثانى( 642-668م) - الذى خلف هرقلوناس إبن مارتينا - مصراً على إسترجاع مصر، كما كان الخليفة عمر بن الخطاب قد توفى فى آخر سنة 644م ، وتولى بعده عثمان بن عفان الذى عزل عمرو بن العاص وولى بدلاً منه الوالى سئ الذكر عبدالله بن سعد أخوه فى الرضاعة ، فزاد الضرائب على الأقباط وإشتد فى معاملتهم وظلمهم ظلماً كبيراً مما دفع بجماعة من أهالى الإسكندرية لإرسال الكتب إلى الإمبراطور قنسطانز يستنجدون به لكى يخلصهم من ظلم العرب فإنتهز قنسطانز الفرصة وأمر بتجهيز قوة كبيرة بقيادة القائد منويل وبالفعل تمكن الأسطول الكبير الذى بعث به قنسطانز من مفاجأ’ الحامية العربية بالإسكندرية والقضاء عليها وأعادة الإسكندرية إلى ملك الرومان حوالى سنة 645م ، مما إضطر الخليفة عثمان إلى إعادة عمرو إلى قيادة الجيش العربى فى مصر بسبب خبرته السابقة فى غزوها ، وذلك بينما ظلت الولاية لعبدالله بن سعد. وبالفعل رجع عمرو إلى مصر وتمكن من طرد الرومان وأعاد إحتلال الإسكندرية مرة أخرى وأخيرة فى صيف سنة 646م.

ج - سياسة العرب فى مصر

كان الخليفة عمر بن الخطاب وبمجرد أن أحكم العرب قبضتهم على مصر - وغيرها من بلدان الشرق الأوسط - قد عمل على وضع تنظيمات إدارية وإستعمارية من شأنها أن تعزل العرب عن أهالى البلاد المحتلة ، حتى لايفتر حماسهم الحربى ويفقدون خشونتهم البدوية، فأقام لهم المستعمرات الحربية فى الكوفة والبصرة فى العراق وفى الفسطاط بمصر كما أسكنهم الثغور العسكرية التى خلفها الرومان بسوريا، ومنعهم من الزرع والإستقرار كى لايذوبوا فى جموع السكان الأصليين ويظل عملهم محصوراً فى فرض هيبة الحكم العربى وفى تحصيل الجزية والخراج لصالح حكومة المدينة. وتوضح المراسلات التى دارت بين الخليفة عمر وقائده عمرو بن العاص بهذا الخصوص عن مدى حرص الخليفة على تحصيل أكبر قدر ممكن من الجزية من جهة ، وعلى مراوغة عمرو ومحاولة التملص من إلحاح الخليفة من جهة أخرى. كما تلقى هذه المراسلات الضوء على السياسات التى إتبعتها حكومة المدينة فى هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الدولة العربية الإسلامية ، والتى تبتعد تماماً عن أى توجهات دينية مزعومة وتعمل- على العكس من ذلك - على إستغلال الشعوب والبلاد التى غزاها العرب بأكبر قدر ممكن. وتوضح المراسلات - بشكل قاطع - أن الخراج كان هوالهدف الأكبر للخليفة عمر بن الخطاب من غزو مصر فلا ذكر فيها لدعوة ولا لنشر دين ولا اى إشارة لتلك الدعايات الدينية التى أطلقها العرب كمبرر لحركة الغزوات العربية الإسلامية ، حيث يذكر فيها إلى عمرو صراحة (ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك ولكنى وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك) ويمكن الرجوع إلى هذه المراسلات فى فتوح مصر وأخبارها لإبن عبدالحكم.
والواقع أن الخليفة عمر بن الخطاب كان حريصاً على تحصيل الجزية والخراج إلى درجة المغالاة ، فيروى أنه كان يقاسم عماله أموالهم إعتقاداً منه بأنهم كانوا يسرقون أموال الجزية والخراج، كما يروى أنه قد أمر بأن يختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص حتى يمكن إحصائهم ووضع الجزية عليهم بسهولة وذلك دون مراعاة لأى إعتبارات إنسانية - كما كان يتوقع من رجل إشتهر فى التاريخ بالعدل.
ويروى البلاذرى فى ( فتوح البلدان) أن عمر بن الخطاب كتب فى سنة إحدى وعشرين للهجرة إلى عمرو يعلمه ماكان فيه أهل المدينة من الجهد ، ويأمره أن يحمل مايقبض من الطعام فى الخراج إلى المدينة فى البحر وكأنه بذلك قد أعطى إشارة البدء لعمرو بإعادة حفر قناة تراجان القديمة التى كانت تربط النيل بالبحر الأحمر( والتى أعاد تسميتها بقناة أمير الؤمنين ) وسخر فى إعادة حفرها أعداداً كبيرة من الأقباط دون أن يكون لهم فى ذلك أى مصلحة تذكر. ولئن كان البطالمة والرومان قد أعادوا حفر هذه القناة الفرعونية القديمة ، فقد فعلوا ذلك من أجل تشجيع تجارة الإسكندرية والتى قد أصبحت - فى تلك العصور - من أكبر موانئ البحر المتوسط التجارية بالفعل ، أما العرب فلم يعيدوا حفر تلك القناة إلا لداعى نقل أموال وخراج مصر إلى المدينة، وهو هدف صغير ليس له علاقة بدعوة ولا بدين، وإنما مجرد رغبة فى إستغلال ونهب ثروات الشعوب التى غزوها، مما يؤكد أن الدافع الأكبر لحركة الغزوات الإسلامية كان سياسيا إقتصادياً وليس دينيا أبداً.
ومن مجريات الأحداث يمكن الإستنتاج أن العرب لم يلتزموا بقدر الجزية الذى ورد فى عهد الصلح الذى وقعه عمرو مع قيرس نيابة عن الأقباط ، وأن مافرضوه عليهم من إلتزامات أصبح يزيد عما كان يفرضه عليهم الرومان وقد إزداد الأمر سوءً بمرور الزمن بحيث لم يعد تحصيل الجزية والخراج يخضع لأى قاعدة أو قانون اللهم إرادة الوالى والقبائل العربية التى إستوطنت مصر، مما دفع بكثير من الأقباط إلى التحول إلى الإسلام هرباً من جحيم الجزية والخراج بالإضافة إلى ماكانوا يعانونه من وجوه الإضطهاد المادى والمعنوى الأخرى، والتى تركتهم فى حالة أسوء من تلك التى كانوا عليها فى أخريات العصر الرومانى. ولقد إحتفظ لنا التاريخ بشهادة الأسقف والكاتب المصرى القبطى حنا النقيوسى والذى قال فيها عن تلك الفترة( وكان نيرهم - أى العرب - على أهل مصر أشد وطأة من نير فرعون على بنى إسرائيل ولقد إنتقم الله منه إنتقاماً عادلا بأن أغرقه فى البحر الأحمر بعد أن أرسل صنوف بلائه على الناس والحيوان ونسأل الله إذا ماحل حسابه بهؤلاء العرب أن يأخذهم بما أخذ به فرعون من قبل). ويؤكد تعليق حنا النقيوسى هذا مارواه البلاذرى عن عروة بن الزبير فى قوله عن مصر( أقمت بمصر سبع سنين وتزوجت بها فرأيت أهلها مجاهيد قد حُمل عليهم فوق طاقتهم).
وقد إستن عمرو أسلوباً جديداً من أساليب النهب الإستعمارى لمصر وهو نظام الإرتباع ، الذى أطلق بموجبه جنوده ينهبون القرى ويروعون الأهالى كل ربيع ، وهو نظام ربما قد عُرف فى العصر الرومانى على نطاق محدود ولكن عمرو مضى به إلى حدود أبعد حيث أصبح يستغرق كل فترة الربيع من كل عام، وقد إستمر هذا النظام السئ طيلة العصر الإسلامى حيث وردت عنه إشارات فى كتابات العصر المملوكى.
وبعد إغتيال الخليفة عمر بن الخطاب وتولى عثمان بن عفان الخلافة بعده إزدادت أحوال مصر سوءً ، فقد كانت سياسة عثمان فى مصر وغيرها من الأمصار الإسلامية ترمى أيضا إلى إنتزاع أكبر قدر ممكن من الجزية والخراج ، فقام بعزل عمروبن العاص عن ولايتها سنة 24 هـ وولى بدلاً منه أخاه فى الرضاعة عبدالله بن سعد بن أبى السرح ، فزاد قدر الجزية والخراج على الأقباط حتى يرضى الخليفة ، مما جعل الأخير يعلق على ذلك قائلا فى مقولة شهيرة موجهة إلى عمرو بن العاص( لقد درت اللقحة بعدك ياعمرو) بمعنى لقد درت الناقة بعدك ياعمرو ، مشيراً إلى زيادة أموال الجزية والخراج بعد خروج عمرو بن العاص عن مصر، والذى كان الخليفة عمر بن الخطاب يتهمه صراحة بسرقتها. كانت ولاية عبدالله بن سعد على مصر احد الأسباب الرئيسية التى أدت إلى نشوب الفتنة الكبرى التى أدت فى النهاية إلى مصرع الخليفة عثمان ، فقد إستبد إبن سعد بأهل مصر من العرب والأقباط على السواء وأساء السيرة وظلم الجميع دون إستثناء، وقد ذكر بتلر أن قسوته فى معاملة الأقباط كانت هى السبب وراء ثورتهم وإستنجادهم بالروم سنة 645م/25هـ ( وهى الثورة التى إضطرت الخليفة عثمان لإستدعاء عمروبن العاص لإخمادها) وعلى كل حال فقد تأزم الموقف فى مصر نتيجة لسياسات بن سعد وكما ثار الأقباط فقد ثار العرب بعد ذلك سنة 35 هـ.
أرسل عرب مصر وفداً إلى المدينة بقيادة محمد بن أبى بكر إبن الخليفة أبوبكر وأخو عائشة وذلك لعرض شكواهم من سلوك عبدالله بن سعد على الخليفة عثمان ومطالبته بعزله ، وبالفعل قابلهم عثمان ووعدهم خيراً حتى إنصرفوا عائدين إلى مصر، لكنه وفى نفس الوقت أرسل فى أثرهم رسولاً من قبله يحمل خطابا إلى عبدالله بن سعد فى مصر يأمره فيه بقتل أعضاء الوفد إذا رجعوا إلى مصر، وكان من سوء حظ عثمان أن قبض أعضاء الوفد - فى طريق عودتهم - على ذلك الرسول وعثروا على الخطاب الذى يحمله وأطلعوا على محتواه فعادوا إلى المدينة غاضبين ، حيث إلتقوا بوفود أخرى جاءت من الكوفة والبصرة تعرض شكواها من عمال عثمان الأمويين - والذى كان عثمان منهم - لنفس سوء سلوكهم وظلمهم، وحاصر الجميع منزل عثمان وطالبوه بخلع نفسه فرفض فهاجم الثوار منزله وقتلوه فى ذى الحجة سنة 35هـ ، وهذه هى الأحداث التى تُعرف فى التاريخ الإسلامى بإسم الفتنة الكبرى أو فتنة الأمصار، والتى لم تكن فى الواقع سوى بداية للصراع الدموى الرهيب الذى بدأ بين الأمويين والهاشميين على زعامة العرب وميراث محمد.
وبعد مصرع عثمان آلت الخلافة إلى على بن أبى طالب ، فولى سعد بن قيس بن عبادة على مصر ثم عزله بالأشتر النخعى ثم عزل الأشتر بمحمد بن أبى بكر ودخلت مصر فى حوزته ، لكن معاوية بن أبى سفيان الأموى والى الشام القوى رفض الإعتراف بخلافة على وإتهمه علانية فى دم عثمان وإتخذ من ثأره حجة لمحاولة نقل الخلافة من البيت الهاشمى إلى البيت الأموى ، وهو ماكان يسعى إليه الأمويون بالفعل منذ وصول عثمان إلى الخلافة، وكان للأمويين عصبية قوية فى بلاد الشام منذ ماقبل الإسلام. وإزاء هذا الموقف من معاوية عزم على على غزو الشام للقضاء على تمرد معاوية وذلك بعد أن نجح فى القضاء على تمرد طلحة والزبير وعائشة زوج محمد فى موقعة الجمل سنة 37هـ ، والذين كانوا قد خرجوا على على بدورهم وإتهموه فى دم عثمان لأسباب تخص كل منهم على حدا - فقد كان كل من طلحة والزبير يطمح فى منصب الخلافة لنفسه ، أما عائشة فقد كانت تكره على منذ حادثة الإفك التى أشار فيها على على محمد بطلاقها، بالإضافة إلى إنقاصه العطاء الكبير الذى كان قد خصصه لها الخليفة أبو بكر وزاده الخليفة عمر بعده.
وأثناء تلك الأحداث أشار بعض الأمويين على معاوية بالإستعانة بعمروبن العاص ، والذى كان بعد عزله عن ولاية مصر معتزلا السياسة بضيعة له فى فلسطين. لبى عمرو النداء وحضر مع إبنيه وأبدى إستعداده لمساعدة معاوية بشرط أن يجعل له مصر - فى حالة إنتصاره - طعمة مدى الحياة ، أى حق حكمها لنفسه مدى الحياة. وافق معاوية على شروط عمرو ووضعه على رأس قواته التى واجهت قوات على فى صفين سنة 37هـ ، وفى بداية المعركة رجحت كفة قوات على على قوات معاوية فلجأ عمرو إلى حيلة كان قد إدخرها لتلك اللحظة فأمر الجنود برفع المصاحف على أسنة الرماح والمناداة بتحكيم القرآن ، وكان يهدف من وراء ذلك إلى إحداث الفرقة فى معسكر على ، وبالفعل أصر كثير من جنود على على إيقاف القتال وتحكيم القرآن وذهبت تحذيرات على لهم بأن عمرو ومعاوية ليسا بأصحاب دين ولاقرآن عبثا ، وأصروا على قبول التحكيم وإختاروا أبا موسى الأشعرى ممثلاً لهم - أى ممثلا لأهل العراق - بينما إختارأهل الشام أنصار معاوية عمرو ممثلاً لهم. وعلى هذا إجتمع الحكمان فى دومة الجندل سنة 37هـ وإتفقا على خلع على ومعاوية وترك الأمر شورى بين المسلمين ، لكن عمرو لم يكن يقصد بهذا الإتفاق سوى خديعة أبى موسى الأشعرى لإضعاف موقف على وتقوية موقف معاوية. وبعدما صعد أبو موسى منبر المسجد الجامع وأعلن خلع على ومعاوية تبعه عمرو وأكد خلع على وأنكر خلعه لمعاوية، وعندما حاول أبو موسى تكذيبه رد عليه قائلا( بل كذب عبدالله بن قيس) يقصد أبا موسى - قد خلع علياً ولم أخلع معاوية فإنسل أبوموسى من بين الناس وهرب إلى مكة وإنصرف عمرو وأهل الشام وسلموا على معاوية بالخلافة.
وبعد صدور قرار التحكيم على هذا النحو أرسل معاوية عمرو إلى مصر على رأس ستة آلاف مقاتل من أهل الشام، حيث تمكن بالتحالف مع أنصار عثمان هناك من هزيمة قوات محمد بن أبى بكر عامل على على مصر ثم قتله وأحرق جثته بالنار فى جيفة حمار، ودخلت مصر فى سلطة معاوية فولاها عمرو ومنحه حق إستغلالها مدى الحياة تبعا لإتفاقهما السابق. فظل يحكمها إلى توفى بها ودُفن بالفسطاط سنة 43هـ.
كانت مصر هى حلم عمرو بن العاص طيلة حياته السياسية، وكان قد دخلها تاجراً قبل الإسلام فعرف غناها ومواطن ضعفها ، وعندما جاء الإسلام إنضم إلى دعوة محمد قبل غزو مكة مباشرة، وإشترك بعد ذلك فى حروب الردة وحركة الغزوات الإسلامية حيث إستطاع إقناع الخليفة عمربن الخطاب بغزو مصر، حتى أحتلت فعلا على يديه سنة 21 هـ وكان له مع الأقباط حكايات ووقائع غريبة سجلها حنا النقيوسى وإبن عبدالحكم فى تاريخيهما المذكورين.
وظف عمرو كل ماعُرف عنه من مكر وحيلة فى عملية غزو مصر ـ ففى البداية راح يبذل للأقباط الوعود بالأمن والعدل حتى ضمن ولاء قطاع كبير منهم ، ثم بعد أن إستتب له الأمر وضمن سيطرته على البلاد تنكر لكل تلك الوعود ، وقد إحتفظ لنا التاريخ بكثير من الأمثلة الدالة على إخلاله لعهوده مع الأقباط ، فقد روى إبن عبدالحكم قصة صاحب إخنا ، الذى طلب من عمرو أن يحدد له قيمة الخراج المفروض على قريته حتى يستعد له ، فرفض عمرو قائلا وهو يشير إلى ركن إحدى الكنائس( والله لو أعطيتنى من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ماعليك إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم)، ويعتقد إبن عبدالحكم أن رد عمرو هذا هو الذى جعل صاحب إخنا يستنجد بالروم من ظلم العرب ولو أن رواية بتلر من أن ظلم عبدالله بن سعد هو الذى دفعهم إلى ذلك هى الأقرب إلى المنطق والسياق التاريخى.
وقد روى إبن عبدالحكم قصة أخرى عن قبطى من أهل الصعيد إسمه بطرس كان قد أخفى ذهباً له فعرف عمرو ذلك فقبض على بطرس المذكور ثم إحتال عليه بحيلة عرف بها منه مكان الذهب فإستخرجه ثم حكم بإعدام بطرس عند باب المسجد ، فخاف الأقباط وأظهروا ماعندهم من ذهب خشية أن يصيبهم ما أصاب بطرس ، وبالطبع تتعارض مثل تلك الحوادث مع عهد الأمان الذى بذله عمرو للأقباط - على النفس والمال - أثناء صراعه مع الرومان.
والواقع أن عمرو بعد أن إستتب له الأمر أنكر كل عهوده ، وراح يقول صراحة (لقد قعدت مقعدى هذا وليس لأحد على عهد فإن شئت سبيت وإن شئت قتلت وإن شئت خمست) وأثناء محاولة الرومان إعادة سيطرتهم على مصر مرة أخرى سنة 645م ، وأثناء تقدمهم من الإسكندرية عبر الدلتا بإتجاه حصن بابليون وإغارتهم على القرى التى ظاهرت العرب نجده يرفض إقتراح قائده خارجة بن حذافة السهمى بالتقدم بسرعة نحو الدلتا لنجدة هذه القرى قائلا( إتركهم لعل الله يخزى بعضهم ببعض) يقصد ألأقباط والرومان والذى لم يكن يفرق بينهم فى الواقع ، وذلك برغم كل ماقدمه له الأقباط من عون.
وبعدما إنتهى عمرو من إخماد ثورة الإسكندرية وإعادة مصر إلى حكم دولة المدينة إقترح عليه الخليفة عثمان أن يظل والياً بالمشاركة مع عبدالله بن سعد ، على أن يكون تحصيل الجزية والخراج من صلاحيات بن سعد ، فرفض ذلك قائلا قولته المشهورة( إننى إذن كماسك البقرة وغيرى يحلبها) فلم تكن مصر بالنسبة إليه ، ولا بالنسبة للخليفة عثمان ، ولا لمن جاء بعدهما فى الواقع أكثر من بقرة حلوب ، كان عليهم أن يعتصرونها لآخر قطرة ، وأن يتخذوا منها ومن مواردها قاعدة لغزوات أخرى أشد قسوة بإتجاه شمال إفريقيا.

أهم المراجع :
1.تاريخ الدولة العربية/ د. السيد عبدالعزيز سالم - دار النهضة العربية- بيروت
2.فتح العرب لمصر / الفريد بتلر - تعريب محمد فريد أبوحديد- المركزالعربى للنشر والتوزيع-الإسكندرية-القاهرة
1. فتوح مصر/ لإبن عبدالحكم - دار الفكر- بيروت
3.موسوعة تاريخ الرسل والملوك/ للطبرى- مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر- بيروت
5. فتوح البلدان/ للبلاذرى - دار ومكتبة الهلال-بيروت
6. تاريخ مصر لحنا النقيوسى- ترجمة وتحقيق د.عمر صابر عبدالجليل - عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية-القاهرة