ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (4)

طلال الربيعي
2017 / 1 / 10

تؤكد فلسفة الصيرورة لوايتهيد على "الاهمية إلملحة في التوصل إلى رؤية العالم على أنه شبكة من العمليات المترابطة التي نحن جزء لا يتجزأ منها، ولذلك تمتلك جميع خياراتنا وأفعالنا عواقبا بالنسبة للعالم من حولنا" (1).

وبالتالي تنافض فلسفة الصيرورة الزعم بسرمدية وثبات الطبيعة البشرية, وتتفق مع اطروحة ماركس السادسة حول فيورباخ (1845) (2)، التي ترفض المفهوم التقليدي ل"الطبيعة البشرية"، كما لو انها "نوعا" يجسد نفسه في كل فرد، وبدلا من ذلك ترى الاطروحة أن مفهوم الطبيعة البشرية ينبغي ان يتضمن مجمل "العلاقات الاجتماعية ". ان الطبيعة البشرية ليست كما تفهمها الفلسفة المثالية الكلاسيكية باعتبارها دائمة, غير متغيرة. وهي لا تخص كل الناس وفي كل الاوقات, وانما يتم تشكيلها دائما من خلال التكوين الاجتماعي والتاريخي, اضافة الى التأثير البيولوجي.

الا انه كما رأينا من قبل, ان العديد من علماء الطبيعة, وخصوصا في مجال البيولوجيا التطورية والجينات وعلم الوراثة, يسعون الى اختزال الطبيعة البشرية الى مواصفات سرمدية تمليها جينات الشخص او شفرته الوراثية.

الا ان العديد من معطيات العلوم البيولوجية حديثا تكذب الزعم القائل بكون الجينات هي العامل الاول والاخير, او حتى كونها العامل الرئيسي في كل الحالات, في تحديد طبيعة الفرد او مظهره الجسمي. فالبحوث البيولوجية المشتقة من دراسة التوائم تؤكد ان التوائم الذين يمتلكون نفس الجينات, لكونهم نتاج بيضة مخصبة واحدة, يصبحون أكثر اختلافا مع تقدمهم في السن بسبب اختلاف البيئة. هذا الجانب الفريد من التوائم يجعلهم نموذجا ممتازا لفهم كيفية مساهمة الجينات والبيئة في تحدبد بعض الصفات، وخاصة السلوكيات المعقدة والأمراض. على سبيل المثال، عندما يصاب أحد التوأمين بمرض، يمكن للباحثين البحث عن العناصر البيئية المختلفة للتوأم. وعند اصابة كلا التوأمين, او كل التؤائم, بمرض، يمكن للباحثين البحث عن العناصر الوراثية المشتركة بين افراد التوأم . هذه الأنواع من البيانات قوية احصائيا وخصوصا عندما يتم جمعها من عدد كبير من التوائم. ويمكن لهذه الدراسات ان تساعد على تحديد الآلية الجزيئية للمرض وتحديد مدى التأثير البيئي، مما قد يؤدي إلى الوقاية والعلاج من الأمراض المعقدة. ولكن هذه الدراسات تشير ايضا الى انه حتى افراد التوائم الذين يمتلكون نفس الجينات, فان نسبة اصابتهم بمرض ما لا تكون متطابقة 100%. ولتوضيح ذلك، فان دراسة التوائم بخصوص مرض انفصام الشخصية تظهر ان نسبة الاصابة في التوائم المتماثلة وراثيا هي 50%، في حين أن فقط ان 10 -15% من التوائم غير المتماثلة (الناتجة عن بويضتين ملقحتين او اكثر) تصاب بهذا المرض. هذا الفرق هو دليل على وجود عنصر وراثي قوي في الاصابة بمرض انفصام الشخصية. ومع ذلك، فإن حقيقة أن ليس كل افراد التوائم المتطابقة يصابون بالمرض 100٪ من الوقت تشير بالتأكيد الى ان عوامل أخرى ذات صلة تلعب دورا في حدوث المرض او عدمه (3).


يؤكد علماء الوراثة البشرية أن "علم الوراثة البشرية ليس بأي حال من الأحوال نظرية كاملة ومغلقة, بل انها دائمة الخضوع لتغييرات عظبمة في مفاهيمها النظرية, وقد توجد حالات من الشذوذ والتناقضات ولكننا في كثير من الأحيان لا نتعرف علبها لأننا نشارك في "البقع العمياء" مع بقية أفراد المجموعة لدينا... وقد يكون مصدر الاختلافات المظهرية في الكائنات المتطابقة وراثيا واحدة من هذه البقعة العمياء بين علماء الوراثة" (4). وبصرف النظر عن الأمراض التي تصيب الإنسان، فقد أثيرت شكوك عديدة بشأن النواقص التي تعتري النموذج الوراثي المشتق من تأثير الحامض النووي في تحديد النسق الوراثي، وتم التأكيد على أهمية العوام الابيجينية Epigenetics- اي تفاعل الجينات مع الوسط المحيط او تأثر التركيبة الوراثية بعوامل مثل العمر وطراز حياة الفرد. كما ويؤكد Strohman أن هنالك معضلة مفاهيمية بخصوص الشفرة الوراثية التي اكتشفها عالما الوراثة واطسون و كريك (5). والجدير بالذكر ان جيمس ديوي واطسون اشتهر بوصفه واحدا من مكتشفي تركيبة الحامض النووي في عام 1953 مع فرانسيس كريك. وقد منحا كلاهما جائزة نوبل في عام 1962 في علم وظائف الأعضاء أو الطب لاكتشافاتهم المتعلقة بالبنية الجزيئية للأحماض النووية وأهميتها قي نقل المعلومات في المادة الحية. فهذه النظرية التي بدأت بوصفها نظرية مُحددة بدقة ومناسبة لنموذج من الجينات، قد رفعت خطأ الى مرتبة "النموذج الشمولي للحياة ". بطريقة مماثلة، يذكر Fedoroff وآخرون (6) أن الصورة الوراثية التقليدية التي تعنى على وجه الحصر تقريبا بالتأثير الذي يحدثه تغير تسلسل الوحدات الرئيسية الداخلة في الحامض النووي, او ما يسمى النيوكليوتيدات, على التعبير الجيني, هي غير مكتملة إلى حد كبير، وان تأثير العوامل الابيجينية هو أكثر أهمية مما يعتقد عموما. ويعتقد العديد من علماء الوراثة ان الدروس التي على علم الوراثة مراعاتها هي نفس الدروس التي تتعلق بعلوم اخرى مثل علم الفيزياء, وكما لخصها عالم الفيزياء الشهير والحائز على جائزة نوبل في عام 1979, Steven Weinberg, في مقالته الشهيرة "اربعة دروس ذهبية للعلماء", المنشورة في ارقى دورية علمية قاطبة Nature, والتي مفادها ان تحديد التناقضات أو الخلافات في اي علم ما قد يوفر فرصا جديدة لإعادة التفكير في القوانين الأساسية للعلم ، ويؤدي إلى تصاميم تجريبية جديدة، بل ويمكن ايضا أن يؤدي إلى تحولات نموذجية كبيرة تطول العلم باكمله (7) . واحد الدروس الاربعة تخص الاهمية الفائقة لدراسة تاريخ العلم. فعلى حد تعبير Weinberg, ان ما يعرقل بين الحين والآخر العلماء هو الإيمان بواحدة من الفلسفات التبسيطية في العلم التي تم اقتراحها من قبل فلاسفة مثل فرانسيس بيكون, توماس كون, او كارل بوبر. ولذلك ان أفضل ترياق لفلسفة العلم هو معرفة تاريخ العلم, وكلام Weinberg ينطبق بنفس الوقت ايضا على مجالات معرفية اخرى مثل الماركسية والتحليل النفسي, اللذان بعرف بعض فلاسفة العلم, مثل كارل بوبر, لا يُعتبران علما بزعم عدم امكانية تكذيب فرضياتهما, وهو كلام اثبت اكبر مؤرخ للعلم في القرن العشرين Paul Feyerabend خطأه بالكامل (8).

كما ان تجارب استنساخ الثدييات (Cloning) في مجموعة متنوعة من الأنواع، تقدم أيضا فرصة لتمييز آثار تسلسل الحامض النووي الصبغي عن العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر على النمط الظاهري للحيوان . على الرغم من أن نسل هذه التجارب المستنسخة لديهم نفس الجينات مثل الحيوانات المانحة، الا انهم , مع ذلك, يتعرضون الى مجموعة متنوعة من التشوهات المظهرية التي من الواضح أنه لا يمكن أن تعزى إلى أسباب وراثية (9).
 
لذلك يمكن الاستنتاج بكل ثقة ان آلية التطور تتحدد عن طريق الترابط الديالكتيكي بين الجينات والبيئة, وان التطور البشري كان "طبيعة" و"تاريخ" على حد سواء. فالمواد الخام الوراثية تدخل في علاقة ديناميكية مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ومن المستحيل أن نفهم عملية التطور عن طريق عزل الاولى عن الثانية, كما أن هنالك تفاعل مستمر بين البيولوجيا والعناصر "الحضارية" (10).
يتبع
--------
المصادر
1. C. Robert Mesle, Process-Relational Philosophy: An Introduction to Alfred North Whitehead, West
Conshohocken: Templeton Foundation Press, 2009,P. 9
2. Theses On Feuerbach
https://www.marxists.org/archive/marx/works/1845/theses/theses.htm
3. Insights From Identical Twins
http://learn.genetics.utah.edu/content/epigenetics/twins/
4. Vogel, F. and Motulsky, A. (1997) Human Genetics: Problems and Approaches (p. 195)). 3rd ed. Springer-Verlag, , Berlin, New York
5. Strohman, R.C. (1997) The coming Kuhnian revolution in biology. Nat. Biotechnol., 15, 194–200
6. Fedoroff, N., Masson, P. and Banks, J.A. (1989) Mutations, epimutations, and the developmental programming of the maize suppressor–mutator transposable element. Bioessays, 10, 139–144
7. Scientist: Four golden lessons
https://pdfs.semanticscholar.org/e922/30a26b04b4bffd0409d32ec961d992ab8c54.pdf
8. Paul Feyerabend
Against Method
Outline of an anarchistic theory of knowledge
https://www.marxists.org/reference/subject/philosophy/works/ge/feyerabe.htm
9. Edwards, J.L., Schrick, F.N., McCracken, M.D., van Amstel, S.R., Hopkins, F.M., Welborn, M.G. and Davies, C.J. (2003) Cloning adult farm animals: a review of the possibilities and problems associated with somatic cell nuclear transfer. Am. J. Reprod. Immunol., 50, 113–123
10. ?The Selfish Gene
https://www.marxist.com/science-old/selfishgene.html