المسيحية كشكل من أشكال الإنحطاط عند نيتشه

عماد الحسناوي
2017 / 1 / 9

يمكن القول أن النقد النيتشوي للمسيحية ينتمي إلى ما يعرف لدى نقاد الفلسفة و مؤرخها بالحدث البروتستانتي، نسبة إلى الإصلاح الديني البروتستانتي الذي انطلقت شرارته من ألمانيا على يد الألماني مارتن لوثر. وقد شاركت الفلسفة الألمانية في هذا النقد في مختلف المجالات، اختلفت بحسب الإتجاهات الفلسفية للفلاسفة الألمان الذين قاموا بهذا النقد. ويلاحظ أن نقد نيتشه للمسيحية طال تاريخ النقد الألماني بكامله.
نحن هنا إنطلاقا مما كنا قد أتينا على ذكره سنحاول إبراز طابع النقد النيتشوي للحداثة عموما و للفلسفة الألمانية خصوصا من خلال نقده للدين المسيحي و تحديدا في كتابه "عدو المسيح" الذي لا نستطيع أن نعتبر عملا نقديا كلاسيكيا على غرار الأعمال النقدية الأخرى التي تناولت الدين بشكل عام. إذا كان هذا الكتاب يشن هجوما نقديا على المسيحية، فهو من جهة أخرى لا يمثل بحال من الأحوال الأعمال النقدية الكبرى التي تناولت الدين في نقدها التاريخي، ونعني بذلك، على سبيل المثال العمل النقدي التاريخي لريتشارد سيمون الذي نشر عام 1678 كتاب بعنوان "التاريخ النقدي للعهد القديم" و هو العمل الذي اعتبره النقاد عملا نقديا بامتياز للكتاب المقدس، و الذي رأى فيه هؤلاء كتابا في غاية الصغار إذ إن سيمون إهتم بهذا العمل بالمخطوط نفسه و بجبره و حروفه. و الأمر كذلك يتعلق بالنقد الذي أقدم عليه اسبينوزا، حيث حاول في كتابه "رسالة في اللاهوت و السياسة" إن يقدم نقدا للكتاب المقدس على مستويات عدة، من حيث مناسبات الروايات الواردة فيه، و زمن القصص واستخدامات اللغة بشكل يفصح عن تاريخية النص الديني بالكامل، و ينسف فكرة القداسة جملة و تفصيلا، ويعمل على إلغاء المفارقة و التوحيد بين النبوة والمعرفة الفطرية بشكل لا يسمح بإظهار النبوة كمعجزة سماوية. بالنسبة إلينا فإن نقد نيتشه المغاير لأشكال النقد السالفة، يغدو مفهوما من حيث كونه نقد يمهد لنقد الميتافيزيقا، بنقد انحطاطها التاريخي. إذ ان نيتشه هذا جاء متجاوزا لنقد الدين المسيحي كنص مقدس، وهو ليس معنيا بالكشف عن تاريخية النص المسيحي، بقدر ما كان معنيا بالانحطاط في شكله المسيحي، ومنه إلى الإنحطاط في شكله الميتافيزيقي الفلسفي الناجم عنه أصلا.
إنطلاقة نيتشه في معالجته للانحطاط المسيحي تبدأ مع عده المسيحية تطورا معكوسا ضمن مسيرة التاريخ، المسيحية التي رأى فيها نيتشه تطورا إلى الوراء، و بالمناسبة فإن نيتشه لا يرى أن هذا التطور المعكوس كان قد اختصر على المسيحية فقط، بل إن التاريخ عموما لم يخل من حالات مماثلة، فبدلا من السير بخط تصاعدي من الأدنى إلى الأعلى، صار التاريخ بعكس هذه الوجهة من الأعلى إلى الأدنى. فالبشرية كما يقول نيتشه "لا تمثل تطورا نحو الأفضل أو نحو الأكثر قوة، أو نحو الارفع. ولعل فكرة الترقي فكرة حديثة، بمعنى فكرة خاطئة، فالأوروبي اليوم صار أدنى قدرا من أوروبي عصر النهضة. و التوسع المتتالي لا يعني إطلاقا ولا بأية ضرورة تساميا أو تناميا أو اقتدارا.
المشكلة الأولى التي يلمسها نيتشه هي مع التاريخ عموما، الذي لا يسلك سلوكا مطردا نحو الأمام، بقدر ما يسير إلى الخلف. وجدير بنا أن نشير إلى كنا قد تحدثنا عليه سابقا حول موقف من التقدم التاريخي، فهو و إن كان يقول ما يقوله محاولا إبراز قوله هذا، وكأنه احتجاج على حركة التاريخ التي لا يؤمن بها، والتي تشير إلى الأمام، فإن هناك تلميحات تؤكد على رفضه التقدم التاريخي، وكذا الحتمية التاريخية التي قال بها ماركس.ولكي يخرج من هذا المأزق، ويتهرب من هذه المواجهة ولكي لا يوصف بالطابع الرجعي لمجمل إنتاجه الفلسفي، فإنه يلجأ إلى الإنحطاط لوصف حركة التاريخ تلك، على نحو يبرز أن تطور التاريخ و تاريخ التطور إنما هو تطور انحطاطي، وأن تاريخ التطور ليس سوى تاريخ تطور الانحطاط. إذا كان التاريخ بما له و ما عليه تاريخ انحطاط كما رأينا حتى الآن، فإن تحسس نيتشه لهذا الانحطاط مرده إلى أن نيتشه الذي يسعى إلى تحقيق الإنسان الأعلى، كان عليه أولا تصفية الحساب مع التاريخ، ومع التراكم التاريخي، وديالكتيك، طالما أن التاريخ لا يسير فيه التطور و تصاعد القوى في خط متوازي والاقتدار والتناهي، وأنه بدلا من ذلك غالبا ما أفضى اسبعاد تلك المعاني. إن التاريخ البشري اذ وصل إلى إنتاج المسيحية فإنه قد قضى على كل فرصة كان من خلالها يمكن إنتاج إرادة القوة و التسامي و الاقتدار. وهنا يظهر انحطاط المسيحية و التاريخ معا، في قطعهما الطريق أمام ولادة الإنسان الأعلى. فهذه المسيحية كما يقر نيتشه قامت "بحرب مستميتة ضد ظهور الإنسان الأعلى، ضد القوة، و انحازت إلى كل ضعيف و منحط وفاشل." وبهذا تكون المسيحية قد اعادت إنتاج الانحطاط. أما كيف فعلت ذلك؟ فهذا يعود لوقوفها بحسب نيتشه ضد القيم العليا و اعتبارها خطيئة و ضلالات، مما يشير إلى أن نيتشه يهدف من وراء ذلك إلى إعتبار المسيحية مشروعا و منهجا لتكريس الإنحطاط، الذي هو في تناقض مع المشروع النيتشوي السامي إلى تحقيق إرادة القوة، وهذا كله لا يجعل نيتشه يفهم المسيحية ضمن الشروط المادية التاريخية التي أفضت اليها، و بالقيمة نفسها التي تجعله يقدم المسيحية على هذا النحو. ومن خلال هذه الشروط المذكورة يقوم نيتشه بتقديم أسطورة العدمية وربطها بقيم الانحطاط في محاولة مقصودة لتحويل الأنظار عن الاغتراب الديني للإنسان الذي يعادل إغترابه الاقتصادي، والذي يجعله يناضل ضد الدين كما ضد الظروف الاجتماعية والاقتصادية لوجوده الدنيوي. إذ ان تاريخ المسيحية عند نيتشه يتحول إلى تاريخ العوز والاحتياج، وينتهي إلى نشر القيم العدمية تحت اسم القداسة. وهنا نقف عند محاولة نيتشه لجعل الدين عموما والمسيحية خصوصا نوعا من الإيديولوجيا، فهذا التزييف المشار اليه أفضى إلى عدمية مغلفة بالقداسة، وهو في نهاية المطاف طابع إيديولوجي يأخذ نيتشه على عاتقه أن يشرحه بإسهاب. لكن هذا الشرح النيتشوي بدوره لا يعدو أن يكون هو نفسه إيديولوجية أخرى تحتاج بدورها إلى شرح ونقد تاريخي.