خلاصة المشروع النيتشوي

عماد الحسناوي
2017 / 1 / 8

إن المشروع النيتشوي كله مكرس لفهم ما يطلق عليه نيتشه ظاهرة الانحطاط أو الروح الإنكارية. وتمثل الميتافيزيقا رمزا من رموز هذا الانحطاط، لهذا نجد نيتشه يقدم تعريفات سلبية للميتافيزيقا، لأنها تحاول أن تفعل ما لم يستطيع اللاهوت فعله من جهة، ومن جهة أخرى يرى أنها تستعمل الأخلاق لكي تحقق مجموعة من الغايات. ومن بين هذه أفلاطون الذي يمثل بنية الميتافيزيقا في نظر نيتشه، لأنه أو فيلسوف قسم العالم إلى قسمين، وهو صاحب نظرية التذكر التي تعتبر الأساس الصلب للنظرية المثل. وهناك نموذج ديكارت، وهو مؤسس الفلسفة الحديثة وذلك بجعل الفلسفة تقوم على مبدأ الذاتية، وجاء بمنطق يطعم العقل بمفاهيم جديدة من أجل تدمير الحياة والجسد.
تكمن قوة الفلسفة النيتشوية في طابعها النقدي، ومصدر هذه القوة هو النقد الجينالوجي، الذي يختلف عن النقد التقليدي، كون النقد التقليدي نقدا محدودا، بينما النقد الجينالوجي يروم إلى خلخلة الخطاب الميتافيزيقي ليكشف عن آلياته و يفصح عن فجواته وفراغاته، و يفصح ألاعيب وما يمارسه من كبت للجسد و حجب للأخلاق واللاهوت.
يشتغل النقد الجينالوجي على ثلاث مستويات وهي كالآتي:
* المستوى السيميولوجي: حيث يتم التعامل مع النصوص و الخطابات باعتبارها شبكة من العلامات و الرموز، حيث يتم تفكيك سننها و شفراتها، و بارجاعها إلى القوى التي تصدر عنها أو تستعملها أو تستحوذ عليها.
* المستوى التيبولوجي: هو نوع من النمذجة، أي أنه يتم ترتيب القوى وتنظيمها في نماذج، وهناك نموذجين من القوى؛ النموذج الارتكاسي و النموذج الفاعل.
* المستوى الجينالوجي: وفيه يتم الصعود بتلك النماذج إلى أصولها التفاضلية و تحديد قيمتها فنتساءل عن كيف تظهر القيم و تختفي؟ وكيف تتناوب القوى على المعاني؟ وكيف يتأسس تاريخ المعنى و الحقيقة؟
يسعى إذن النقد الجينالوجي إلى نقد الميتافيزيقا من الداخل و تفكيكها و الكشف عن آليات اشتغالها. وأكبر صنم تنتقده الجينالوجيا هو العقل، لأنه يقدم ذاته كقدرة على اكتشاف الحقيقة والوجود، ويقدم مبادئه كحقائق مستخلصة من قوانين الطبيعة.
بعد هذا النقد الجينالوجي يسعى نيتشه إلى تجاوز الميتافيزيقا، وذلك بقلب الأفلاطونية، حيث سيتم إعادة الاعتبار لسيمولاكر و الاختلاف من جهة وتغيير طريقة الكتابة من جهة أخرى.
و خلاصة القول إن الطرح النيتشوي أسس لمرحلة ما بعد البنيوية مم خلال تبني نقدها لها، خاصة جاك دريدا الذي استمد صورته التفكيكية من الهدم النيتشوي، وحمل الجهاز الدلالي الخاص به. ولا يختلف إثنان أن نيتشه دشن فجر التفكيك بتحطيمه صنمين جبارين هما اللاهوت و العقل، بمقتضى إرادة الحياة، بالإضافة إلى النقد المعاصر الذي اتجه صوب إزالة بعض المفاهيم المرتبطة بمحيط النص، والانتقال من الخلاف حول وظيفة الدليل المتحصل من التحليل النقدي للنص و علاقته بالدال و المدلول، أي تفعيل الدال و تعدد المدلول -مع رولان بارت- و إلى تفعيل الدال و توالده مع غياب المدلول عند -جاك دريدا- ضمن ما يصلح عليه بنظرية اللعب الحر.