ماركس ووايتهيد والميتافيزيقيا والديالكتيك (3)

طلال الربيعي
2017 / 1 / 8

ان فلسفة الصيرورة لوايتهيد هي محاولة للتوفيق بين انواع الحدس المتنوعة المتواجدة في التجربة الإنسانية (مثل الدينية والعلمية والجمالية), ضمن مخطط متماسك وشامل. وهذه المصالحة للبديهيات الموضوعية والذاتية، مع الحرص على تماسك النتائج العلمية، تنتج تكهنات ميتافيزيقية خلاصتها أن العالَم، في مستواه الأساسي، يتكون بالاحرى من احداث مؤقتة او لحظية من التجارب, اكثر منه عالما ماديا دائميا. فلسفة الصيرورة تخمن أن هذه الأحداث اللحظية، التي تسميها "المناسبات الفعلية" أو "الكيانات الفعليه،" تتصف بكونها ذات تحّكم ذاتي, وتجريبية، وتتمتع بارتباط داخلي مع بعضها البعض.

تنطبق المناسبات الفعلية على جسيمات الذرة الدقيقة، ولكنها تنطبق أيضا على البشر. الفرد هو مجتمع ملياردي من هذه المناسبات (أي الجسم)، والذي يتم تنظيمه وتنسيقه من قبل مناسبة واحدة مهيمنة (أي العقل). وهكذا، تتجنب فلسفة الصيرورة الفصل الديكارتي الصارم في ثنائية العقل والجسم التي تم الاشارة اليها سابقا.

كما في حالة الفلسفة الماركسية, تقوم فلسفة الصيرورة على أساس ديناميكية الوجود والسعي الى جعل ديناميكية الطبيعة الأساس لأي تصور فلسفي شامل للواقع, وكذلك مكاننا في داخله. على الرغم من أن حدسنا ان عالمنا وأنفسنا متغيرة بصفة مستمرة، كان, ولا يزال, هاجس الميتافيزيقيا الغربية منذ فترة طويلة, هو توصيف الواقع بمثابة مُجّمع من افراد استاتيكيين (ثابتين) وان صفاتهم الديناميكية هي إما مظاهر او عرض ثانوي وجودي مشتق (1). مثلا, الفرضية الاستاتيكية العابرة للتاريخ بكون الانسان مجبول على التمسك بالملكية الخاصة تفضي الى استنتاج مناقض لفلسفة الصيرورة: الشيوعية معادية لطبيعة الانسان لمعاداتها للملكية الخاصة, هذا طبعا اذا غضضنا البصر عن خطأ الزعم اساسا لكون الشيوعية معادية لملكية وسائل الانتاج فقط, وليس للملكية الخاصة كالبيت او السيارة مثلا. والتطبيقات السياسية للاستاتيكية المناقضة للديناميكية كصفة جوهرية لفلسفة الصيرورة متعددة الاشكال, مثل انكار رئيسة وزراء بريطانيا السابقة, من حزب المحافظين ورائدة السياسات النيوليبرالية في بريطانيا (2), وجود المجتمع واعتباره فقط مجموعة من الافراد لا اكثر (3). فهي تقول:
"أعتقد أننا مررنا بفترة تم فيها اعطاء الانطباع لعدد كبير جدا من الناس أنهم إذا كان لديهم مشكلة، فانها مهمة الحكومة التعامل معها. "لدي مشكلة، وأنا سوف احصل على منحة ". "أنا بلا مأوى، يجب على الحكومة توفير سكن لي". انهم يُسقطون مشاكلهم على المجتمع. وكما تعلمون، لا يوجد شيء اسمه المجتمع. هناك فقط افراد من الرجال والنساء، وهناك عائلات. ولا يمكن للحكومة أن تفعل أي شيء إلا عن طريق الناس، والناس يجب أن تنظر إلى أنفسها أولا. إنه واجبنا أن نعتني بأنفسنا ومن ثم أيضا أن نعتني بجارنا. لقد حصلت الناس على مستحقات كثيرة جدا من دون التزامات. ليس هناك شيء اسمه الاستحقاق إذا لم يؤدي الشخص واجبه اولا".

كما ان العديد من علماء الطبيعة قد الفوا كتبا وقدموا اطروحات مستندة على علم زائف او افكار مبتسرة, لاثبات, بشكل مباشر او غير مباشر, الطبيعة الانانية للانسان, وبالتالي استحالة تحقيق الشيوعية باعتبارها نقيضا للانانية والجشع.

فمثلا, كتب عالم البيولوجيا التطورية البريطاني Richard Dawkins, ريتشارد دوكينز, كتابا بعنوان الجين الأناني (4) الذي حقق له شهرة كبيرة واثار جدلا واسعا بين العلماء المختصين في علم الجينات والوراثة, اضافة الى تأثيراته الايديولوجية والسياسية على النطاق الواسع. فقد حدد علماء البيولوجيا الجزيئية أهمية الحامض النووي DNA في تكرار نسخ من جزيئات هذا الحامض. فالحامض يمتلك تعليمات مشفرة التي تنتج اللبنات الأساسية للحياة، والأحماض الأمينية. وهذه تشكل البروتينات التي تكون الخلايا واعضاء الجسم . وبسبب هذا، جادل بعض علماء البيولوجيا الجزيئية وأيضا علماء الاجتماع البيولوجي Sociobiologists, على خلاف داروين, أن الانتقاء الطبيعي يعمل في النهاية على مستوى الحامض النووي. وقد أدى ذلك الى هوس العديد من العلماء بالطبيعة المدهشة للجينات، واصبحوا, بسبب خضوعهم الى اختزالية بيولوجية او جينية لعلوم النفس والسلوك البشري والاجتماع, غير قادرون على رؤية الغابة بسبب الاشجار. والبعض منح بعض الجينات صفات غامضة للتوصل من خلالها الى افكار ومعتقدات رجعية. بالتأكيد ان الاعتقاد القائل ان خصائص الشخص البدنية والعقلية والأخلاقية تنتقل دون تغيير, وبشكل غير قابل للتغيير, بواسطة الجينات من جيل الى آخر هو نتاج اعتقادات غير منسجمة مع حقائق علم الوراثة نفسه. ومع ذلك فقد عاودت هذه المعتقدات الظهور مرارا وتكرارا, وكان لها تأثيرا خطيرا على السياسات الاجتماعية طوال القرن ال20.

الجينات تنقل نفوذها من الآباء إلى الأبناء. ويمكن تعريف النفوذ كتعبيرات فيزيائية-جسمية مختلفة لنفس الجينات, وتسمى allelles- مثلا, allelles للون الاسود او الازرق للعين. يتم تحديد النفوذ عن طريق تحاليل بيوكيميائية, فسيولوجية, او سلوكية (بعد استبعاد مصادر أخرى من الاختلاف، مثل البيئة).

لسوء الحظ، يستخدم العديد من العلماء اختزالا مُضللا للتعريف أعلاه. بشكل خاص، أن الجين الذي يساهم في تصرف حيواني متغاير للافراد يصبح, على العكس, الجين الخاص بسلوكها المميز. دوكينز ليس العالم الوحيد الذي يقع في هذا الفخ. في 1970s تحدث كثيرون عن الجين المُحدد للخصائص الفيزيائية والسلوكية. أيضا يجب أن يقارن أحد الجينات مع آخر لنفس الصفة. ان الجينات, وانسجاما مع الديالكتيك الماركسي وميتافيزيقيا الصيرورة, ليست الجهة التي تقف وحدها في حد ذاتها. فكما أشار عالم الجينات الشهير J. B. S. Haldane بحق، ان علم الوراثة هو علم الاختلافات وليس علم أوجه التشابه (5).

يكتسب علم الوراثة اهمية كبرى في البحث العلمي، حيث يتم التعرف على الاضطرابات الجينية في معالجة امراض عصبية مثل رقص هنتنغتون Huntington’s chorea، وضمور عضلات دوشين Duchenne muscular dystrophy، وغيرها. ومع ذلك، هنالك تأكيدات على نطاق واسع أن بعض الجينات هي المسؤولة عن جميع أنواع الأشياء، مثل الجنسية المثلية او الإجرام. هذه الحتمية الوراثية تختزل جميع انماط السلوك البشري والمشاكل الاجتماعية إلى مستوى الوراثة.

في فبراير 1995، عُقد مؤتمر في لندن في علم الوراثة وعلاقته بالسلوك الجنائي والاجتماعي العدائي للانسان (6). وفي حين أن رئيس المؤتمر Sir Michael Rutter من معهد لندن للطب النفسي London Institute of Psychiatry قال "لا يمكن أن يكون هناك شيء من قبيل جين الجريمة", الا ان مشاركين آخرين، مثل الدكتور Gregory Carey من معهد علم الوراثة السلوكي في جامعة كولورادو, اكدوا أن الوراثة مسؤولة عن 40-50٪ في تسبيب العنف الإجرامي. على الرغم من ان Gregory Carey قال ايضا انه سيكون من غير العملي "علاج" الإجرام عن طريق الهندسة الوراثية. وقال ايضا ان هناك احتمالات جيدة لتطوير أدوية للسيطرة على العدوان المفرط وذلك بمجرد أن يتم العثور على الجينات المسؤولة. واقترح ايضا وجوب الإجهاض عندما يشير اختبار ما قبل الولادة الى انه من المرجح أن يكون المولود حاملا للجينات المهيئة للعدوانية أو السلوك العنفي. وأيد رأيه الدكتور David Goldman من مختبر علم الجينات العصبية التابع للمؤسسة العلمية المهمة جدا والواسعة النفوذ, US National Institutes of Health (المعهد الوطني الأميريكي للصحة).

يتبع
-------
المصادر
1. Process Philosophy
https://plato.stanford.edu/entries/process-philosophy/
2. Neoliberalism – the ideology at the root of all our problems
https://www.theguardian.com/books/2016/apr/15/neoliberalism-ideology-problem-george-monbiot
3. Epitaph for the eighties? "there
"is no such thing as society
http://briandeer.com/social/thatcher-society.htm
4. The Selfish Gene
https://www.amazon.com/Selfish-Gene-Popular-Science/dp/0192860925
5. ?What are your opinions on Dawkin s the Selfish Gene
http://www.revleft.com/vb/archive/index.php/t-81260.html
6. Authors Preface to the second Spanish Edition of Reason in Revolt
https://www.marxist.com/science-old/preface_spanish_2nd_ed.html