تطور مفهوم الوطنية في العراق (القسم الثالث)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 1 / 6

النمط الوطني الرابع 1963 – 2003 .
وفيه حصلت عودة للتلازم بين الوطنية والسلطات الحاكمة واحزابها وقادتها ورموزها , كما حصل في النمط الوطني الثاني 1921 – 1945 من خلال التبني الكامل والمفرط للتوجهات القومية ورؤيتها الخاصة والمحددة للوطنية , واعتبار الانسان الذي يستحق صفة الوطني هو الانسان الذي يؤيد السلطات الحاكمة والوحدة العربية او يؤمن بالايديولوجية القومية واحزابها وممارساتها . فقد سيطرت هذه المفاهيم والتوجهات بعد انقلاب شباط 1963 على مقاليد السلطة والحكم في البلاد , وكان تنظيم حزب البعث هو من اسس هذا النمط من الوطنية خلال فترة حكمه وهيمنته على مقدرات الدولة بين شباط وتشرين الثاني من نفس العام , الا ان انشغال قادته وكوادره بالصراع بين اليسار واليمين من جانب وبين العسكر والمدنيين من جانب اخر, ادى الى استغلال عبد السلام عارف الموقف , والقيام بالانقلاب عليهم وطردهم من البلاد, وحل الحرس القومي التابع لهم , وتسلم السلطة حتى عام 1966 , ثم اخيه عبد الرحمن عارف حتى عام 1968 , وتبنى النمط القومي الناصري من خلال اعلان الاتحاد الاشتراكي العربي الذي يضم جميع الاحزاب الناصرية في العراق , الا ان سيطرتهم لم تدم طويلا , اذ سرعان ماعاد تنظيم حزب البعث للسلطة من جديد بعد القيام بانقلاب عسكري في تموز 1968 , واستمر قابضا على الحكم لوحده وبمفردة حتى سقوطه عام 2003 .
تميز هذا النمط باستغلالة لمقدرات الدولة للترويج لهذا المفهوم الوطني / القومي الذي ينادي به , واعتبار كل من يقف بالضد من الايديولوجية القومية العربية او السلطات الحاكمة خلال الفترة المذكورة هو (شعوبي) او (رجعي) او غيرها من المصطلحات التي استخدمت لاول مرة في تاريخ العراق الحديث , والصقت تحديدا في بداية الامر بالحزب الشيوعي العراقي الذي يشكل الشيعة والكورد والمسيحيين اغلبيته الساحقة , ثم عمم لاحقا على الاحزاب الشيعية الاسلامية التي برزت في عقد الثمانينات وباقي الفئات المعرضة الاخرى واهمها الاحزاب الكوردية , واصبح مفهوم الوطنية مقتصرا على قاعدة او عصبة السلطات الحاكمة وهم الاقلية السنية في العراق . وهذا النمط الوطني /القومي هو اقوى الانماط الراسخة في العراق , لان الحكومات الشمولية والاحادية بعد انقلاب 1963 اعتمدت في ترسيخه والترويج له على خمسة اليات وطرائق لم تعتمدها الحكومات السابقة وهى :
الاول : التربية والتعليم في المدارس والجامعات واعتماد المناهج الدراسية الخاصة التي تصب في صالح الترويج لهذا النمط الوطني /القومي , والاستعانة بالتاريخ العربي الرسمي في تعزيزه وترسيخه , فضلا عن المكملات الاخرى التي تعمل على تدجين وصناعة الجيل الجديد بعد فترات الدوام الرسمي كتنظيمات الطلائع والفتوة والكشافة واتحادات الطلبة والشباب وغيرها , واستخدام طريقة الايحاء بهذا الصدد (وهى اعتقاد المتلقين من الطلبة والشباب ان هذه الطروحات والمفاهيم الوطنية /القومية التي ينادون بها ,انما جاءت باختيارهم وقناعاتهم وليس فرضت عليه من قبل قوى فوقية او سلطوية اخرى) .
الثاني : وسائل الاعلام المختلفة والمتعددة كالاذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات والمؤلفات الادبية والفكرية الاخرى, خصوصا بعد السيطرة الكاملة على وزارة الاعلام واحتكارها لحزب السلطة , وقيامها بالمهرجانات والفعاليات الفنية والادبية وشراء الكتاب والادباء والفنانين من العراقيين والعرب (وحتى الاجانب) لتبييض صفحة الانظمة القومية الحاكمة وتحسين صورتها وتعزيز مشروعيتها .
الثالث : خلق مبررات الهيمنة - بلغة غرامشي - والرضوخ لها من خلال الاموال السهلة التي استطاعت الحكومات المتعاقبة الحصول عليها بفضل تعظيم ايرادات النفط , لاسيما بعد قرارات التاميم عام 1972 , وتوظيف مئات الالاف من ابناء المجتمع وربطهم بعجلة الدولة السياسية والايديولوجية وكسب او شراء الطبقة الوسطى المعروفة تاريخيا بانتهازيتها لصالحها في مواجهة التوجهات المتضادة معها .
الرابع : القوات المسلحة والجيش الشعبي ومعسكرات الطلبة وغيرها , والتي لم تكن وسيلة ضبط وترويض وتدجين فقط , بل كانت مؤسسة تربية وتقويم وتلقين للجنود والمتطوعين من ابناء المجتمع , التي يلتحق بها على الاعم افرادا من اهل الريف في مقتبل العمر , وهم صفحة بيضاء من اجل البحث عن فرصة للعيش , فتقوم السلطة بتدوين ماتريده من اراء ومفاهيم قومية وسياسية عليه, وتحدد له مايحبه ومايكرهه من الاحزاب والتنظيمات والفئات الاجتماعية الاخرى , واذا عرفنا مقدار عدد المتطوعين المعروفين بالنواب ضباط والعرفاء من اهل الجنوب لعرفنا مقدار الضبط والتدجين والترويج للمفهوم القومي في نظامهم المعرفي .
الخامس : الارغام والقسر والترهيب في فرض هذا النمط الوطني /القومي على العراقيين , وتهميش واقصاء واعتقال كل كل من يعارض او يرفض هذا النسق الحكومي – السلطوي , فحصلت من جراء ذلك تضخما غير معقولا في اجهزة السلطة الامنية والمخابراتية والعسكرية هدفها الاساس مواجهة معارضي الداخل , وان كان اعلامها يهدد الاعداء المفترضين في الخارج .
اعتمد هذا النمط الوطني الرابع على اطروحتي المقدس sacred والمدنس secular في الحكم والتقييم على التوجهات السياسية والفكرية والفئات الاجتماعية والاثنية والمذهبية في البلاد , او على الشعوب والمجتمعات والدول الاقليمية والدولية . فالمقدس عندها( التوجهات القومية الوحدوية والاشتراكية , والاقلية السنية الحاكمة , والدول العربية , وتركيا وريثة الدولة العثمانية , والانظمة الاشتراكية الشمولية ), وتبلور هذا التقديس من خلال اسطرة تاريخها وتبييض افعالها والتعمية على اخطائها والتغطية على سلبياتها . وهذه التوجهات والفئات والدول تدخل في دائرة التابو والمقدس الذي لايجوز نقدها او مسها بكلمة من خلال الاعلام او المناهج الدراسية وغيرها . واما المدنس فهو يشمل التوجهات السياسية والفكرية المتضادة مع السلطة القومية (كالليبرالية والماركسية والفئات الاجتماعية المقصية عن الادارة والحكم كالشيعة والكورد وباقي الاقليات الاخرى كاليهود والمسيحيين وغيرهم , فضلا عن الدول التي توصف بالمعادية للنظام السياسي الحاكم مثل ايران والدول الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا )(وان كان هذا التصرف مع الدول الغربية يخضع للمساومة والتخادم السياسي كما حصل في في عقد الثمانينات) , ويكون هذا التدنيس من خلال ابراز سلبياتها والتعمية على ايجابياتها والطعن في مواقفها وتشوية تاريخها وتبخيس افعالها , وهذه التوجهات والفئات والاقليات والدول المدنسة يتم الهجوم عليها والنيل منها بنسق وتنظيم مستمر ودون انقطاع في الاعلام والتعليم وغيرها من القنوات التي تصل السلطة بالمجتمع , حتى اصبحت بمرور الزمن مثال الشر والسوء في المخيال الاجتماعي والسياسي عند العراقيين .
وهذا النمط الرابع من الوطنية هو من اقوى الانماط رسوخا وانتشارا في تاريخ العراق الحديث والمعاصر , حتى انه مازال حتى الان يشكل النظام المعرفي والسياسي والبنية اللاشعورية للانتلجنسيا العراقية , واخترق ليس الاحزاب والتوجهات والفئات السياسية والفكرية المعارضة لنظام حزب البعث والمفاهيم الايديولوجية التي ينادي بها كالحزب الشيوعي العراقي والاحزاب الاسلامية فحسب , بل وحتى الفئات الاجتماعية (الاثنية والمذهبية) التي جعلها هذا النمط في خانة المدنس والاستهداف المنظم كالشيعة والكورد والمسيحيين وغيرهم , فرغم ان هذا النمط من الوطنية قد اعتبرالشيعة والكورد(عجم , شعوبيون , خونة , غرباء , هنود , عملاء ....الخ ) الا انه مازال اكثر من 90% من الانتلجنسيا الشيعية والكوردية والمسيحية تعتبر هذا النمط مرتكزا دلاليا في الحكم والتقييم عندها , وهذا لايرجع الى قاعدة ابن خلدون الشهيرة (بان المغلوب دائم الاقتداء بالغالب ) فقط , بل يرجع الى تعدد القنوات والطرائق والممارسات والسلوكيات التي قامت بها السلطات القومية الحاكمة في سبيل ترسيخ هذا النمط من الوطنية والتي يمكن اجمالها بالعوامل الاتية :
العامل الاول : طول الفترة الزمنية التي اخذها هذا النمط من الدوام والاستمرارية والحكم التي قاربت الاربعين عاما (1963 – 2003) وهو اطول الانماط الوطنية عمرا في العراق .
العامل الثاني : انتشاره في اوساط اجتماعية وشعبية وجغرافية كبيرة جدا امتدت على مساحة العراق باكمله , حتى وصل الى اقصى مناطق الريف والعشائر, من خلال الاستعانة بوسائل الاعلام الحديثة التي لم تكن متوفرة انذاك - واهمها التلفزيون - فيما لم تكن باقي الانماط الوطنية السابقة تملك هذا الانتشار الجغرافي والريفي الواسع , وانما كان يغلب عليها الطابع المدني او النخبوي . لذا نجد قوة هذا النمط من الوطنية ظاهرة عند اهل الريف او المهاجرين من الريف للمدينة , واذا عرفنا مقدار وكثافة الهجرات التي حصلت في السبعينات والثمانينات , وتراكم الاحياء العسكرية على اطراف المدن القديمة , لعرفنا مقدار قوته وانتشاره ورسوخه في الاوساط الشعبية.
العامل الثالث : انفراده في استخدام القوة الناعمة والحديدية على حد سواء في فرض ارادته واراءه السياسية والايديولوجية على المجتمع والدولة , فيما اقتصرت باقي الانماط الوطنية في استخدام القوة الناعمة فقط .
العامل الرابع : اعادة بلورة ذاكرة تاريخية جديدة ومحددة في سبيل ترسيخ هذا النمط من الوطنية مستندا على اطروحة المقدس والمدنس التي ذكرناها سابقا , فاذا كان النمط الوطني/ القومي الثاني الذي نظر له ساطع الحصري قد اعتمد التاريخ البطولي والاسطوري العربي , وابراز الاعمال التي يعدها امجادا ايجابية , فان هذا النمط اعاد كتابة التاريخ القديم والاسلامي والحديث باجمله , ليس من خلال الاصطفاء والتعمية والتاويل التي ترافق عادة كتابة التاريخ فحسب , بل حتى من خلال عملية التزييف والكذب والتضليل .
العامل الخامس : استخدامه القنوات والطرائق المتعددة التي ذكرناها سابقا في نشر ايديولوجيته القومية /الوطنية والتي لم يستخدمها اتباع الانماط الوطنية الاخرى او السابقة .
ان تعدد هذه القنوات والعوامل التي ساهمت في ترسيخ هذا المفهوم الرابع من الوطنية جعلت المثقف العراقي يردد المتبنيات التي نادى بها ضمن اطروحتي المقدس والمدنس ببغاويا او لاشعوريا , حتى ان البعض يصاب بالغضب والتوترعند فضح او نقد او تفكيك تلك المنظورات , ليس لقدسيتها ورسوخها في النظام المعرفي له فحسب , بل لاعتقاده انها من المسلمات التي تربى عليها او تعلمها منذ الصغر في المدرسة والجامعة والجيش والاعلام , او عن طريق الايحاء والانسياب اللاشعوري, ولايجوز بالتالي التجاوز عليها في يوم من الايام . فالشيوعي العراقي مثلا ورغم ان هذا النمط من الوطنية /القومية يجعله في خانة العمالة للدول الاجنبية والخيانة للدولة العراقية من خلال التحالف والتعاون مع القوى الاقليمية , كما حصل في حرب الانصار ايام الحرب العراقية - الايرانية , الا ان هذا الشيوعي يتبنى نفس المفهوم السابق من الوطنية عندما يريد الحكم على الاسلامي الشيعي , ويجعله بالتالي في خانة الاتهام بالعمالة لايران والخيانة للدولة العراقية والتعاون مع الاجنبي , وغيرها من الاتهامات والصفات التي الصقت به سابقا . ونفس المنهج اعلاه نجد ان الاسلامي الشيعي يتهم الكورد بالعمالة للاجنبي والخيانة من خلال الادوات السابقة التي ذكرناها في اطروحتي المقدس والمدنس , وكذا الامر مع المثقفيين من الاقليات الاخرى في العراق كالمسيحيين والتركمان واليهود والصابئة – المصابين بعقدة كيس الحاجة التي ذكرتها الكاتبة السورية وفاء سلطاني -- وغيرهم , فرغم ان هذا المفهوم من الوطنية يجعلهم في خانة الاقليات التي تشكل طابورا خامسا للاجنبي او الدول الغربية , الا انها تعتمد نفس هذا المفهوم في الحكم والتقييم على الشيعة والكورد والشيوعيين , بل قد تصل في حالات معينة من تجليات هذا المفهوم من الوطنية الى قيام نفس الشيعي او الكوردي او الشيوعي او المسيحي الى اتهام طائفته او اثنيته او حزبه او جماعته من ابناء جلدته بالمقولات الاقصائية السابقة , ليس بسبب رسوخها اللاشعوري الذي ذكرناه سابقا , بل من اجل ابعاد التهمة المزمنة عن نفسه , واثبات وطنيته وقوميته وعروبته عند السيد الحاكم الوهمي في نفسه المدجنة والمخصية , حتى يحصل على صك البراءة والتقدير والاعتراف منه , وهو اعلى درجات التجلي في الدونية وعقدة الحقارة ان يتهم الانسان نفسه وعائلته ومجتمعه واهله بالخيانة والتبعية والعمالة من خلال مقولات رددها الاخرون عليه ضمن سياقات سياسية وسلطوية معينة , وهذا يرجع الى عقدة المثقف المخصي المزمنة بالنقص امام الاخرinferiority complex الذي تجعله في خانة الاتهام والتبعية للمقولات الاقصائية التي فرضت عليه , وللهروب من هذا الشعور بالدونية , فانه يعمل على اثبات برائته من هذه الاتهامات من خلال استبدال هذه العقدة بالتعالي على الاخرين من ابناء جلدته او فئته او طائفته , وتسخيف اراءها تاريخها ومنطلقاتها , واطلاق التهم والشتائم عليها والسخرية منها , رغبة منه في حيازة الرضا والمقبولية والاعتراف من الاب الحاكم , الدائم والمزمن , وتعرف هذه الظاهرة بعقدة التعالي superiority complex التي تاتي كنوع من الهروب من الدونية الى التسامي , لان هذا التعالي يحقق لهم اشباعا نفسيا ووجدانيا , بانهم لاينتمون الى هذه الفصيلة المنبوذه اوالهوية الكسيحة التي الصقت بها تاريخيا جميع سلبيات الكون وسيئات التاريخ .
وترجع اطروحة صناعة الشعوب والمجتمعات من قبل الاحزاب الشمولية والقادة العظام الملهمين والانظمة الحاكمة الى غوستاف لوبون في كتابه (سايكولوجية الجماهير) الذي اكد امكانية تحويل الشعوب والمجتمعات والجماهير الى نسق او نمط سياسي محدد واخضاعها الى التوجهات الايديولوجية والسياسية التي يريدونها من خلال اليات معينة او ضمن مسارات ترغيبية وترهيبية . وارتكزت هذه الاطروحة الى مقولة (ان الجماهير لاتعقل , وهى ترفض الافكار او تقبلها كلا واحدا دون ان تتحمل مناقشتها , لانه ليس الوقائع بحد ذاتها هى التي تؤثر على المخيلة الشعبية , وانما الطريقة التي تعرض بها هذه الوقائع , كما ان الفرد عندما ينخرط في جمهور محدد , فانه يتخذ سمات خاصة ماكانت موجودة فيه , وان الفرد هو غيره في المجموع , وان مايقوله الزعماء يغزو عقولها سريعا فتتجه الى ان تحوله الى حركة وعملا , اذ حتى لو كانت الجماهير علمانية فانها تبقى لديها ردود افعال دينية تفضي الى عبادة الزعيم والخوف من باسه والاذعان لمشيئته , فلاجماهير دون قائد كما ان لاقائد دون جماهير ) . وقد ظهر مصداق او تطبيق هذه الاطروحة عمليا في ثلاث انظمة سياسية في القرن العشرين وهى (الشيوعية والفاشية والنازية) . فقد استطاعت هذه الانظمة الشمولية التي تعتمد نظرية الحزب الاوحد الطليعي والقائد الرمز في الحكم ( الشخصية الكارزمية ) في تحويل المجتمعات في ايطاليا الفاشية والمانيا النازية والشعوب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي واوربا الشرقية والصين الشعبية وكوريا الشمالية وكوبا وغيرها الى قطيع سياسي هائج ضد العدو المفترض الذي حدده الحزب الحاكم والقائد الضرورة , مع ولاء مطلق يصل الى حد العبادة والتالية , والعمل على كل مايريده او يرغب به بقناعة تامة وايمان صادق , وبما ان حزب البعث الذي تسلم السلطة في العراق عام 1963 - وباقي التنظيمات الناصرية اللاحقة - كان متاثرا بالتوجهات النازية التي جمعت بين القومية المتطرفة والاشتراكية المعتدلة , فانها عملت بعد استلامها السلطة الى تطبيق تلك المنهجيات والاليات في صناعة المجتمعات تحت الانظمة الشمولية , مستفيدة بصورة او باخرى من التجربة الشيوعية في ترويض وتدجين الشعوب التي ترزح تحت سلطتها على المجتمع العراقي , من اجل بلورة او صناعة شعب يخضع الى التوجهات الايديولوجية والسياسية التي يريدها , وفرض النمط الوطني / القومي الذي ينفعه او يفضله في ترسيخ هيمنته وسلطته , وهذه الصناعة اعتمدت على منطق التربية التدريجية وفق اسس محددة من الافكار والانماط والمفاهيم استندت الى ماذكرناه سابقا حول اطروحتي (المقدس) و (المدنس) , فكل علاقة هيمنة هى علاقة تربية بالضرورة – كما يقول غرامشي – واعتقد ان تاثيرات انقلاب 1963 هى اكثر فاعلية وانتشارا من ثورة تموز 1958 على المجتمع العراقي , رغم التغييرات والتحولات المفصلية التي احدثها في البلاد , لان الثورة لم تصنع شعبا مدجنا , بسبب عدم وجود الحزب الاوحد او سلطة النظام الشمولي والايديولوجي فيه , حتى ان الدكتور علي الوردي قال معقبا حول انعدام تاثير الثورة في تغيير بنية المجتمع العراقي بقوله (ان الثورة لم تحدث) , فيما استطاع انقلاب 1963 مستعينا بقدرات مالية واعلامية وامنية هائلة من صناعة شعب جديد مختلف عما سبقه , واذا شئنا الدقة جيل جديد يؤمن بالتوجهات السياسية والايديولوجية , هدفها الاساس ترسيخ المعادلة الاستبدادية في الادارة والحكم التي ترتكز على مفهوم حكم الاقلية السنية والحزب الاوحد والنخبة العسكرية وسلطة القرى الغربية .
وكان من اهم افرازات او نجاحات هذه المرحلة السياسية - الشمولية من الحكم وهذا النمط من الوطنية /القومية هو صناعة او ولادة (المثقف المخصي) العاجز عن اثبات ذاته امام الاب الحاكم , الا من خلال انتقاد نفسه وحزبه وطائفته ومجتمعه من اجل حيازة المقبولية الاجتماعية والوطنية والقومية , والمثقف المخصي يرجع اجتماعيا الى الوسط الشيعي في وسط وجنوب العراق والكوردي والمسيحي ومن الاقليات الاخرى كالفيلية وغيرهم , وحزبيا يرجع الى الحزب الشيوعي العراقي والفروع الاخرى المصاحبة له , او التي انشقت عنه , او تمردت عليه ,كالحزب الشيوعي العمالي والكادر والقيادة المركزية لعزيز الحاج وغيرها . والمثقف المخصي في العراق هو نسق ثقافي فاعل هيمن على اكثر من ثلاث ارباع المثقفين والمتعلمين ( وقد تصل في بعض المواقف الى اكثر من 90% ) وليس عبارة عن توجهات فردية او شاذة , بل هو نمط سياسي خضع الى ايديولوجية السلطة لاشعوريا , من خلال عملية او الية الخصاء التي استخدمتها بعد انقلاب شباط 1963 من قبيل القوة القاهرة المتماهية مع التربية والتعليم او من خلال الاغراء المالي والعمل المؤسساتي - الاعلامي بعد انقلاب 1968 , ونجد اقوى تمظهرات المثقف المخصي في انعدام النقد او الهجوم على الاب الحاكم (الذي سيتحول الى الاب الميت بعد 2003) والقاعدة الاجتماعية والطائفية والسياسية التي يستند اليها , والعكس من ذلك نجد الهجوم والسخريةعلى القاعدة الاجتماعية الشيعية والكوردية وتسفية اراءها وتطلعاتها , والنيل منها وتخوينها واتهامها بالعمالة والتبعية وانعدام الاصالة والوطنية وغيرها . والمثقف المخصي هو من اكثرفئات الانتلجنسيا العراقية التي تعرضت للاستلاب من قبل السلطات القومية , واذا شئنا الدقة الى مجموعة من الاستلابات . فاذا كان ميشيل فوكو يقول (ان الحضارة الغربية عرضت المجنون للاستلاب) فان السلطات القومية الحاكمة في العراق عرضت المثقف الشيعي للاستلاب . والاستلاب هو ظاهرة نفسية – اجتماعية تعني استسلام الفرد او الطائفة او الاثنية اوالمجتمع للاتهامات السلبية التي روجت ضده او الصقت به تاريخيا من قبل (الاخر) المخالف بالتوجه الحزبي والسياسي والاجتماعي والثقافي , وبما ان الحكومات القومية بعد انقلاب شباط 1963 قد روجت ورسخت من خلال الاعلام والتعليم والجيش وغيرها من المؤسات الحكومية التي سيطرت عليها بعد القرارات الاشتراكية وتمدد الدولة على حساب المجتمع , بان المجتمع الشيعي والكوردي والحزب الشيوعي هو عنوان العمالة والتبعية والخيانة والشعوبية والاعجمية والانحراف والتخلف والرجعية , وغيرها من الصفات التي تحمل جميع الخصال السلبية , فقد عاش المثقف العراقي في المؤسسات الاعلامية , والمتعلم في المدارس الحكومية , والاكاديمي في الجامعات والكليات الرسمية , والنائب ضابط والعريف في الجيش والاجهزة الامنية , حالة من الاستلاب الوطني والقومي والمدني والعلماني والديني والمذهبي - وهى المسارات التي تم توجيه الطعن اليه فيها - كان رد فعله قد اتخذ مسارين متناقضين :
الاول : محاولة نفي الاتهام والاستلاب من خلال التبني المتطرف للمسارات التي وجه الطعن اليه فيها . فلمواجهة الاستلاب الوطني اصبح اكثر وطنية حتى من نيوكلاس شوفان نفسه في دعم الحكومات القومية على مدى التاريخ المعاصر , ولمواجهة الاستلاب القومي فقد تبنى اشد القوميات الاستعلائية العربية تعصبا حتى اصبح اكثر قومية من ساطع الحصري نفسه اومن اعراب الجزيرة العربية , ولمواجهة الاستلاب المدني فقد اصبح اكثر الفئات عصرية وانفتاحا في المسار الاجتماعي والعائلي , ولمواجهة الاستلاب او العقدة الايرانية اصبح اكثر عنصرية وطائفية من خير الله طلفاح في مهاجمتها , ولمواجهة الاستلاب العلماني اصبح اكثر الحادا من فيورباخ وماركس ونيتشه في الحكم والتقييم على المنطلقات الدينية والغيبية , ولمواجهة الاستلاب الديني والمذهبي فقد وجة نقودات وهجومات اكثر من احمد امين والشيخ العرعور ضد الاسلام الشيعي , معلنا البراءة من الطقوس والمتبنيات الفكرية التي ينادي بها .
الثاني : محاولة ترسيخ مفهوم الاستلاب عند المثقفين المخصيين من خلال تاكيد صحة الاتهامات التي ذكرتها او روجت لها السلطات القومية الحاكمة , وذلك من اجل الحيازة على رضاها واعترافها , وبيان صحة الاراء والاتهامات التي ذكرتها , والادعاء او الايحاء بانها واقع موجود استطاع هو فقط ( او مجموعة قليلة من الخيرين اوالمثقفين المخلصين) من تجاوزه والتسامي عنه , فاصبح بالتالي المثقف الشيعي يتهم الشيعه الاخرين بالشعوبية او العمالة او الخيانة او التبعية او العجمة او التخلف والتدين , وغيرها من الصفات والسلبيات التي حددها الاب الحاكم , وكل هذا ليس من اجل حيازة المقبولية السياسية ونيل رضاه وبركاته فحسب , بل من اجل اثبات وطنيته وقوميته ومدنيته وعلمانيته امامه , حتى يحصل على صك البراءة من هذه الاتهامات التي يعدها خطيرة جدا على مستقبله السياسي والمهني والثقافي الذي يحدده له الحاكم الاوحد , وتاريخه الذي يكتبه عادة المنتصرمن هذا الصراع الخفي , او المؤسسات الاعلامية والتعلمية التابعة له والتي ذكرناها سابقا , وقد اشار الى هذه الظاهرة الكاتب الامريكي اريك دافيس في كتابه (مذكرات دولة)الى ان الحكومات العراقية لاتقبل من الوسط الشيعي الا من كان متخليا عن تراثه الثقافي , فيما ان المفارقة انها تقبل من السنة حتى اشد الناس انغماسا بتراثه الثقافي والعشائري والمذهبي .
وقد يسال احدهم : ان كلامك هذا حول صناعة المجتمعات من قبل الانظمة الشمولية والاحادية قد تشمل العامة والبسطاء من الناس , فليس من المعقول ان تشمل الانتلجنسيا التي تملك ذاتا مثالية من السمو والتطلع والموضوعية . ان الجواب على هذا السؤال ينحصر في نقاط عدة اهمها :
1 . ان التجربة التاريخية علمتنا ان الانتلجنسيا في الانظمة الشمولية السابقة التي اتخذناها معيار في صناعة الشعوب والمجتمعات كالشيوعية والنازية والفاشية استطاعت كسب او شراء النخبة والانتلجنسيا في بلدنها , وهى حتما اكثر وارقى من الانتلجنسيا العراقية عقلانية وعلمية وشهرة . فيكفي ان نضرب مثالا واحدا على ذلك الفيلسوف خالد الذكر (هيدغر) الذي اعجب وتاثر بالحركة النازية في المانيا بين الحربين العالميتين , والنظام السياسي الذي استطاع كسب هيدغر لصالحه , فهو من باب اولى يستطيع شراء قروي من ابي الخصيب يدعى سعدي يوسف لجانبه . واما المفكرين والمثقفين والمتعلمين في الاتحاد السوفيتي واوربا الشرقية والصين الشعبية فلايمكن حصر اعدادهم واسمائهم .
2 . بما ان اغلب فئات الانتلجنسيا العراقية ترجع في اصولها الاجتماعية الى مناطق ريفية وعشائرية – او مدن تهيمن عليها القيم البدوية - فان الكثير من القيم الخطابية والحماسية والبطولية والفحولية العروبية التي ارتكز عليها الفكر القومي بعد عام 1963 تتناغم مع النسق الثقافي الذي تحمله, وبالتالي فان هذا النمط من الوطنية تداخل مع نظامهم المعرفي بدون استئذان .
3 . ان المفاهيم العصرية كالحداثة والتنوير والعلمانية والوطنية والقومية والماركسية وغيرها من المتبنيات الحديثة لم تنفذ الى اعماق الانتلجنسيا العراقية , وتلقفها المثقفون عندنا – كما اثبت ذلك الدكتور الوردي – كمودة ثقافية او شعارات ومحفوظات في المدارس او من الصحف والاذاعات , وبالتالي فان البنية الاصلية لهم , ليست العقلانية او الموضوعية او العلمية , وانما المتبنيات الذاتية والعشائرية والمحلاتية والمصلحة الشخصية وغيرها . وسبق ان فصلت ذلك في دراستي الخاصة المنشورة في موقع الحوار المتمدن بثلاث اقسام (لماذا خذلت الانتلجنسيا العراقية علي الوردي؟)
4 . ان عملية القسر والترهيب الذي مارسته السلطات القومية الحاكمة في فرض نموذجها او نمطها من الوطنية وفق اطروحتي المقدس والمدنس على المثقفين العراقيين – وبخاصة من شملهم مفهوم المدنس – جعلتهم في موقف محرج من الذل امام انفسهم والمجتمع الذي يرجعون اليه , او اصابتهم بنوع من الجرح النرجسي – بلغة فرويد – لذا عمدوا الى ازالة هذا التوتر والارتباك الداخلي الى عملية التبرير او الدفاع الذاتي من خلال الادعاء بان هذه الافكار والتوجهات التي فرضت عليهم قسرا , انما هى اراءهم وافكارهم التي طرحوها او صنعوها , او في احسن الاحوال الادعاء بانهم قد تبنوها باختيارهم , وعن قناعة ذاتية وايمان صادق ( فالخوف هوالخميرة اللازمة لتحويل الخائفين الى جلادين ) كما يقول كنعان مكية .
5 . الانبهار السبعيني البغدادي : وهى ظاهرة الاعجاب المفرط من قبل الانتلجنسيا العراقية بالنمط السياسي والاقتصادي والعلماني الذي حصل في بغداد بفضل الاستقرار السياسي بعد قيام التحالف او الجبهة الوطنية والتقدمية بين حزب البعث الحاكم والحزب الشيوعي العراقي , الايرادات النفطية الهائلة التي استغلها النظام في ترسيخ سلطته والترويج لنظامه السياسي , وتزامن هذه الظاهرة في هجرة وقدوم الكثير من المثقفين والفنانين والادباء الى بغداد من المحافظات الجنوبية , والمفارقة ان الادباء والفنانين الذين لم يهاجروا الى بغداد كان تاثرهم هذا الانبهار والنمط الخاص من الوطنية / القومية هو اقل من غيرهم امثال الشاعر رشيد مجيد والاديب احمد الباقري والشاعر البصري كاظم الحجاج .