عمال القطاع العام...دعموا الجيش في معركة العبور فدهستهم «الخصخصة» بالألفينات

السيد شبل
2017 / 1 / 2

نتناول إحدى الجرائم المترتبة على شيوع ثقافة «الخصخصة»، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم، وليس معقولا أن يفلت مرتكبوها من العقاب، كون آثارها السلبية لا تزال ماثلة أمام عيوننا، أبسطها في العملة الوطنية التي تنزف، مع ارتفاع الطلب على الدولار (بعد تحرير الصرف، ثم تحرير سعره)، لاستجلاب واردات تسد حاجة السوق المصري، وسط انهيار واسع في الإنتاح المحلي، كل هذا هو ثمرة تصفية القطاع العام، وغياب التخطيط الاقتصادي، والمؤامرة التي تمت على الملكيّات العامة، لتخريبها وإفسادها.. ثم التفريط فيها بأبخس ثمن، تكيفًا مع إملاءات «سادة البشرية» في مؤسسات المال الغربية (ورغبة في شراء شرعية حكم العائلة)!.

هذه المرة نلفت الضوء، لأحد شركات القطاع العام، وهي شركة صناعات البلاستيك والكهرباء المصرية، والتي كانت تنتج بالإضافة لبطاريات «نسر» المعروفة (بموجب اتفاق مع شركة فارتا الألمانية)، عددًا من المواد الكيمائية والبلاستيكية، التي اشتركت يومًا ما في دعم الجيش المصري في حروبه مع العدو الصهيوني في حرب الاستنزاف وعبور أكتوبر 73، حيث وفرت عمالة الشركة: احتياجات جميع أفرع القوات المسلحة آنذاك من بطاريات الرصاص الحمضية، والجلود الصناعية المكسوة بالمطاط للمظلات (البراشوتات)، والفلين الصناعي لعوامات عبور الأفراد لقناة السويس في السادس من أكتوبر.

هذا كان حجم إسهام الشركة في معركة مصيرية تضافر فيها الشعب، وتآزر، وخاط بيديه ثوبًا عريضًا لأحلامه، في مشروع «جمعي»، يحقق فيه كل فرد أمنه «الذاتي» ومعاشه الكريم.

لكن عقب العبور العظيم في السادس من أكتوبر، حلّت السياسة محل العسكرية، وبدأ الشروع، في تكييف «النصر» لا ليصب لصالح فاعليه، وإنما لصالح تعزيز سلطة الحكم، ثم تقديمه، على مذبحة المفاوضات، وكعربون مودة لسيّد «البيت الأبيض»، وأضاعت السياسة ما حققه المدفع والبندقية، في اللحظة التي بدأت فيها مفاوضات فك الاشتباك الأول، بتخطيط من هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي.

لكن، المستهدف من الحرب العدوانية على مصر في يونيو 67 لم يكن الأرض فقط، ربما هي آخر المستهدفين، من حرب خططت لها الإدراة الأمريكية، ونفذتها قاعدتها العسكرية المغروسة في الأرض العربية، والمغطّاة بأساطير دينية وأكذوبات عرقية «إسرائيل».. كان المستهدف «كسر الإرادة»، ومحو المشروع التنموي الثوري ذاته، الذي بدأته مصر بالخمسينات والستينات، مشروع التصنيع، والتنمية المستقلة، وتبني خطط جادة لرفع نسب المكوّنات المحلية في الصناعات التجميعية، مقترن بمشروع قيادي في المنطقة العربية والعالم الثالث، وخطط لاستصلاح الأراضي، والاهتمام بالتعليم، وتثوير المناخ الاجتماعي كله.. وإلخ. هذا، بالضبط ما كان مخططًا لكبح جماحه، وتعطيله، وإرباكه، وهزمه معنويا في يونيو 67.. لكن الصمود الشعبي، عبر على الهزيمة، وحشد قواته لرد الضربة.. لكنه عندما (عبر) الحاجز المائي، فعليًا، لم يحقق النصر، بل جاءت النتيجة السياسية، لتعزز «الهزيمة» في الداخل، وباع الساسة، والاقتصاديون معهم، دماء الجنود، وحبّات عرق العمال.

فالمفاوضات مع العدو الصهيوني، برعاية أمريكية، وضعت «برنامجًا» للتحكم في الداخل المصري، لا يناقش متر هنا أو متر هناك، بل ينفذ إلى القلب ويطعن، يتخلى عن الأطراف ليمسك بالعقول والهياكل العظمية ذاتها، حيث تم استهداف زعزعة اقتصاد البلد والإخلال بموازينها الداخلية، وجرى ذلك عن طريق تصفية القطاع العام، والقرار ليس اقتصاديا فقط، إنما هو «قرار حربي»، بنفس الدرجة (والحقيقة أن تصور حواجز بين ما هو سياسي واقتصادي وعسكري، هي من ضمن الأوهام التي تحكم البعض، بلا سبب عقلاني) صدر «القرار الحربي» في وزارة الدفاع الأمريكية، بغرض تجريد مصر من أدواتها الاقتصادية، االتي تعد ظهيرًا للجيش في معركته، والتي يعد أهمها «القطاع العام» الذي لعب الدور الرئيسي في المجهود والتمويل الحربي، وفي هذا السياق جاءت (المعونة) بشقيها العسكري والاقتصادي، وتم تشكيل «طبقة» رأسمالية جديدة، تلعب دور الوكيل والتابع المحلي للناهب والمهيمن الخارجي.

لكن التركة كانت كبيرة، والـ 1200 مصنع التي خلّفتهم (الخمسينات والستينات)، وهي الفترة التي سماها جمال حمدان، بالطفرة الاشتراكية، في تاريخ مصر (طفرة جاءت ورحلت في عجل، وانتصرت للجماعة الوطنية، ولقيم الشراكة والتعاونيات، وكانت الردة عليها قاسية)، كانت التركة كبيرة، وعطّلت القوى الشعبية، والنخب الشبابية اليسارية، عملية التصفية، بحراكات متعددة، أبرزها في يناير 1977. لكن مشروع «التخريب» و«التصفية» لم يرتدع، وعاود الكرة، بعد عقد أو عقدين، حين بدأت مشاريع «الخصخصة» بشكل أكثر صفاقة، وتحدي للثقافة الوطنية التي تقوم بالأساس على تعزيز كل ما هو جمعي وشراكيّ ومنها «الملكيّات العامة» (وأي اختطاف لمفهوم الوطن من هذا الحقل، هو تجارة بالوطنية وتعصّب شوفيني.. لا يمت لأصل الكلمة بصلة، ويوظفها في اتجاه ضار)، وبدأ قطار «الخصخصة» في التسعينات، وتنامت فداحته، رغم حجم الاحتجاج والرفض الشعبي والنخبوي (وبالمناسبة هذه هي البذرة الحقيقة للانفجار الشعبي بيناير 2011، حتى لو أغضب القول، الليبراليين الجدد).

ومن ضمن ما دهسه القطار، في فبراير 2000، كان مصنع البلاستيكات والكهرباء المصرية، وعوضًا أن يكون الشعب كله «مالكًا» للمنشأة، تم تخصيصها لفرد واحد أو جماعة، ووجد العمال أولئك الذين قدّموا للجيش في شبابهم، الفلين لقوارب العبور، والجلود للمظلات، والبطاريات للمعدات العسكرية، وعاشوا زمن المد الثوري والتقدم الاجتماعي في الستينات، وأورثوا هذا «النَفَس الاجتماعي» لمن لحق بهم كمعينين جدد في سنوات ما بعد الحرب، وجدوا أنفسهم (جميعًا) عرضة للتعسف والنقل والمعاش المبكر (شكاويهم تجوب الشبكة العنكبويتة ذهابا وإيابًا) ولا تجد من يلتفت لها، في ظل نظم متعاقبة تنحاز -بحكم تكوينها، وارتباطاتها بالسياسية الخارجية- للأقلية مالكة الثورة وتعزز مواقعها.

لا نستهدف هنا، حصر الضوء على هذه الشركة، ولكن نتعامل معها كأنموذج ضمن مئات، ونتعاطى مع عمالها كأمثلة ضمن ألوف. وإن أي إصلاح اقتصادي، لا ينطلق من عند هؤلاء، هو ليس إصلاح بالحقيقة، وإنما ماء جديد يزيد الأرض (المبللة أصلا) انزلاقًا، ويكفي أنه يطلب «روشتة» العلاج من حاقني الجسد بالفيروسات!، وهم جماعة منظري البنك والصندوق الدوليين، وطابور «الكارتلات الغربية» التي تقف في ظهورهما.