سالم سلام.. النبيل الذي رحل

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 1 / 1

سالم سلام قطعة غالية في حياة كل من عرفه. ولد في المنصورة وعرف منذ صغره بالنبوغ العلمي إلى جانب النشاط الطلابي الواسع.. وانتقل إلى مدرسة المتفوقين الثانوية بالقاهرة والتي أكد فيها تفوقه العلمي.. فعاد إلى المنصورة ليدخل كلية الطب فيها عام 1968والتي كانت وقتها جزءًا من جامعة القاهرة. وقد اشتهرت طب المنصورة عن حق بارتفاع المستوى العلمي لأساتذتها وطلبتها.
تمرد سالم مبكرًا على تنظيمات السلطة التي غازلته بقوة بسبب تفوقه العلمي ومكفاءات القيادية ومستوى الشعبية العالي الذي يتمتع به بين أقرانه، وحتى وسط من يكبرونه سنًا وخبرات..
عُرفت كلية طب المنصورة منذ نشأتها في الستينيات بأنها كانت قلعة للحركة الوطنية والنشاط اليساري على أيدي عدد كبير من القامات العلمية والسياسية في آن واحد. ولم يكن غريبًا أن هذا الشاب الذكي الموهوب والمحبوب وذا الثقافة الوطنية الجذرية والمواقف الجريئة جدًا في مواجهة قبح عهد السادات.. قد اختاره زملاؤه كي يكون رئيسًا لاتحاد طلاب الكلية وهو لم يزل في السنة الثانية. وأصبح سالم عضوًا أيضًا في مجلس اتحاد طلاب الجمهورية وقت أن كان لهذا الاتحاد شأن كبير في الأحداث الوطنية الكبرى.
اشتهر سالم وهو طالب بمجلات الحائط النارية.. منها مثلاً مجلة كان عنوانها "العصابة التي تحكم مصر".. وهي مجلة يقع طولها في عشرة أفرخ من الورق.. يهاجم فيها بالصور والأسماء كل وجوه نظام السادات.. وكان الأمن يستميت من أجل الحصول على المجلة لأنها إثبات يكفي على الأقل لفصل سالم من الجامعة والتخلص من "الصداع" الذي يتسبب فيه.. ولذلك كان الطلاب اليساريون والديمقراطيون يتكفلون يوميًا بحماية هذه المجلة وإخفائها في كافيتريا كلية الصيدلة.. وكانت هذه المعركة الصغيرة ذات مغزى رمزي عميق.
كان لسالم دوره البارز والقيادي في إنشاء جماعة الصحافة بالجامعة التي أصدرت جريدة "جامعة المنصورة" التي كانت تطبع في جريدة الأهرام، وتوزع عند باعة الصحف. ولم يحتمل صدور أكثر من ستة أعداد، فألغى ترخيص الجريدة.. وبعد ذلك لعب سالم وزملاؤه دورًا كبيرًا في إنشاء "النادي الوطني الديمقراطي" بالجامعة، وأصر الأعضاء على هذه التسمية (التي سرقها السادات فيما بعد) ليعبروا عن حرصهم على أن تكون حركتهم منفتحة على سائر طلاب الجامعة وليس اليساريين وحدهم.
كان دور سالم سلام في اتحاد طلاب الجمهورية كبيرًا من أجل التصدى لممارسات السادات المعادية للاستقلال الوطني والديمقراطية.. وبلغ هذا الدور ذروته في مؤتمر اتحاد طلاب الجمهورية الذي عقد عام 1976 في كلية هندسة شبين الكوم.. والذي هدد بالاستقالات الجماعية مالم يتراجع النظام عن تعديلاته على اللائحة الطلابية بإدخال نظام الأساتذة "الرواد". بل ونظم المؤتمر مظاهرة أمام قصر السادات في ميت أبو الكوم.
وقد كان سالم سلام من أهم القيادات النشطة في الحركة اليسارية التي فرضت عليها السرية. حتى أن سيد مرعي الرجل الأبرز في مجموعة السادات حينما جاء إلى المنصورة واجتمع بقيادات الاتحاد الاشتراكي سألهم عن طالب اسمه سالم سلام، وقال لهم إن المعلومات تقول إنه أخطر كادر يساري في وجه بحري.
ولم تمر أشهر قليلة كان سالم سلام على رأس الانتفاضة الجماهيرية في 18 يناير 1977 بالمنصورة، والتي استطاعت احتلال قصر المحافظ وحتى مديرية الأمن في تحرك شعبي سلمي رائع.
بعد تخرجه من الكلية درس سالم سلام بالخارج، لأنه كان من شبه المستحيل أن تستوعبه الجامعة.. ولفت نظر أساتذته بالخارج بتفوقه في دراسة أمراض الدم عند الأطفال. وعندما عاد سالم إلى الوطن استطاع بصعوبة بالغة أن يحصل على قرار تعيينه في كلية طب المنيا. وهناك أيضًا لم تتوقف جهوده ومعاركه من أجل الحفاظ على القيم الجامعية الأصيلة وإكمال المنشآت الدراسية بالكلية. وكانت معركته الكبرى عام 2006 عندما تقدم باستقالة مسببة من رئاسة قسم الأطفال بسبب الممارسات الطائفية البغيضة ضد تعيين طالبة مسيحية متفوقة.
رفض سالم، وهو الكفاءة الأكاديمية الكبيرة أن يفتح عيادة خاصة، وقال "من يرد أن أعالجه فليأت إلى المستشفى الجامعي لنعالجه بالمجان".. رغم أن نشاطًا كهذا كان يمكن أن يدر عليه مداخيل هائلة..
كان سالم مناضلاً لا يكل ولا يمل في النضال ضد الاتجاهات الانتهازية واليمينية في الأحزاب اليسارية.. وكان كل الانتهازيين يعملون ألف حساب له، نظرًا لسمعته النقية وكم الحب والاحترام الذي يحوزه وسط اليساريين والديمقراطيين عمومًا..
في الوقت نفسه لم يتوانَ سالم عن الاضطلاع بدور كبير في تكوين حركة كفاية ثم حركة 9 مارس لأساتذة الجامعات. لكنه كعادته كان يحرص على فعالية دوره أكثر من حرص آخرين على الضجيج الإعلامي. وفي كل الأحوال رفض سالم أن يغير مكان إقامته من المنصورة.. فهي حبه الأول وليس الوحيد.. فكان متواجدًا دومًا وسط شيوخها وشبابها الوطنيين بلا كلل.. وكان من الطبيعي أن يكون على رأس انتفاضة 25 يناير بالمنصورة..
أخفى سالم عن أسرته وعن الجميع إصابته بالمرض الخبيث.. إشفاقًا منه على زوجته الصبورة الدكتورة سلوى عبد الهادي، حيث تعاني هذه الأسرة الصغيرة النبيلة من المرض العضال الذي يفتك بابنتهما الرائعة الدكتورة وديان، العقلية العلمية في علم الصيدلة.