العلاقة مع الله (من العبودية الى الصداقة)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2017 / 1 / 1

كان من اهم انجازات الحضارة الغربية والحديثة والتنوير الاوربي هو تحويل نمط العلاقة مع الله من العبودية والخضوع والخوف والقلق والتوتر والارتباك الى نمط جديد قائم على الصداقة والمحبة والتفهم والثقة .لان العلاقة اذا قامت على الخوف فانها تقوم حتما على القسروالنفاق والتملق, والقيام باعمال او ممارسات او طقوس ظاهرها الاختيار والقناعة كالصيام في شهر تموز وباطنها الاجبار والتململ والكراهية.. وهذا العمل والانجاز التاريخي لم ياتي من خلال النصائح والتاملات والتنظيرات الى هذه الدعوة -- كما يقوم بها بعض الكتاب عندنا امثال عبد الرزاق الجبران – وان كانت دعوات مفيدة للجيل المتمرد الجديد -- وانما من خلال تفكيك نمط العبودية السابق وتحليله ونقده ومن ثم احداث قطيعة معرفيه معه وصناعة نموذج فكري (برادايغم) جديد – حسب منهج توماس كون -- قائم على رؤية مختلفة كليا للدين الاسلامي يعتمد الانسنة والتاريخانية والتسامح . وسبق ان ذكر ميشيل فكو بان تغيير النسق او النمط لايكون الا باحلال نسق اخر مغاير وبديل له يعتمد القطيعة المعرفية .... ويمكن الاعتماد على كتابات واراء محمد اركون وهاشم صالح وعبد الكريم سروش ومجتهد شبستري ونصر حامد ابو زيد والسيد القمني واحمد القبنجي وغيرهم , في ليس نقد نمط العبودية والخوف السابق واحلال نمط الصداقة والتفهم محله فحسب , بل وبلورة القطيعة المعرفية التي ستعمل على احلال قيم التنوير والحداثة من خلال (البراديغم) الجديد الذي بشروا به .
وقد بدات بواكير الاولى لهذا التحول في اوربا على يد المصلح المسيحي المعروف مارتن لوثر الذي اعاد ترتيب وصياغة العلاقة مع الله من الخوف والعبودية الى الصداقة بقوله (ان الاخلاق والحياة الانسانية تنشا من الصداقة لامن الخوف ومن الحرية لا من العبودية ومن الاعتراف بالجميل لامن الرغبة بالمكافاة ) وقد ساهمت هذه الحركة الاصلاحية التي تحولت لاحقا الى البروتستانتية الاصلاحية في خلخلة الثابت الكاثوليكي في اوربا والسماح بانسياب الاراء العقلانية والعلمية والليبرالية الى المجتمع ومن ثم عقلنة المسيحية وتنويرها .واذاعندنا الاسلام في نمطه الاصلاحي نجد ان هناك اقوال تعبر عن هذا النمط للامام علي يقول مناجيا الله ( الهي ماعبدتك خوفا من عقابك ولارغبة في ثوابك ولكن وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك) او قوله ( ان قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار وان قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد وان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار) واما النزعة الانسانية او الانسنه فهى ظاهرة في عبارات لاتعد في اقواله منها (جعل الله حقوق عباده مقدمة لحقوقه فمن قام بحقوق عباد الله كان ذلك مؤديا الى القيام بحقوق الله ) الا ان هذا النمط من الانسنة الذي ذكره الامام لم يستمر طويلا , بسبب هيمنة النسق الثقافي للاسلام البدوي المتعصب الذي فرضته الانظمة السلطوية , و القائم الذي فرض صورة الله المخيف والمتكبر والمعذب على الاسلام من اجل تبرير هيمنتها وترسيخ سلطتها الاستبدادية من قبل وعاظ السلاطين والتاويلات والاحاديث التي ادرجوها في التراث الاسلامي بهذا الصدد , وتمددها حتى على المذاهب المعارضة تاريخيا وحضاريا وثقافيا كالتشيع مثلا ..
سبق ان بين (هيغل) ان اليهودية قد اسست مفهوم (التمركز حول الله) وان شقاء الضمير والتمزق الذي يعاني منه الانسان المعاصر (المسيحي واليهودي والمسلم) هو بسبب الانفصال والطلاق والاغتراب Alienation بين الدين والحياة ، وان صلة اليهودي (والمسلم ايضا) بالله ، لم تكن في يوم من الايام صلة ايجابية تقوم على المشاركة ، بل مجرد صلة سلبية تقوم على العبودية . ولم تكن – علاقة ذات بذات ، بل علاقة موضوع بموضوع . وضرب لنا (هيغل) مثالا عن حياة ابراهيم (ايقونة الديانات التوحيدية الثلاث) فقال : ان الوحدة القاسية التي كان يعاني منها قد دفعته الى تسليم حياته لله (حتى انه اراد ان يذبح ابنه ثمنا لهذه الوحدة والاغتراب) . كما اكد (هيغل) ان شكل الله مرتبط بشكل الدولة ، من حيث الاستبداد والديمقراطية ، فالدولة الديكتاتورية تجعل المجتمع يتخيل الله مستبدا مخيفا وقاسيا ، لا يتحمل النقد والتجديف ، ولا يتقبل الرأي الاخر ، فيما ان العكس في البلدان الديمقراطية ، اذ تصورت الله ليبراليا منفتحا متفهما ، يتحمل النقد والرأي الاخر , وهو ماحاصل في اوربا بعد عصر التنوير والتحديث , الذي جعل الانسان هو محور الكون والدين والحياة وعبر عنه البابا بولس السادس بعد انعقاد المجمع الكنسي بقوله (دين الله الذي تجسد انسانا التقى اليوم بدين الانسان الذي تجسد الها )