نظرية التحرش أو مؤامرة التحرش

جهاد علاونه
2017 / 1 / 1

التحرش مضايقة وفعل غير مرحب به يبدأ لفظيا أو مِزاحا ويتطور إلى الاعتداء على الجسد بالنسبة للمرأة وتصفية جسدية بالنسبة للرجل وروحية ومعنوية وإسقاط للشخصية وتوبيخا وحث الناس على عدم الترحيب بها أو تقديم العون والمساعدة لها , وتلجأ الدولة إلى التحرش بالأفراد المتنطعين الذين يخرجون على المألوف ويخالفون السائد العام ويتمردون على قوانين المجتمع والدولة ونظريات الحكم السياسي منذ نشأة المجتمعات القروية البدائية المشاعية وحتى اليوم في زمن المجتمعات الكتلية الصناعية الكبرى معروفة لدينا ومن أهمها: نظرية الحاكم الفردي أو العادل المستبد ( الطاغية) وهو ما أصطلح عليه بالنظام, الديكتاتوري الفردي وهذا النوع من الحُكم عرفته حتى دولة المدينة في أثينا وتراجعت عنه وحنّت للعودة إليه على فترة من التاريخ بعد أن أطاحت بسقراط وبالديمقراطيين الذين قادوا أثينا إلى الهزيمة واتهموا سقراط بإفساد الشباب, وهذا الاتهام يعتبر أول نوع من أنواع التحرش السياسي غير الجنسي وهنا جاء هذا التحرش مصادفة ولم يكن مخطط له كمصطلح..إلخ, ونظرية دولة المدينة البدائية والأحزاب السياسية أي الحكم الجمهوري بمساعدة مؤسسات المجتمع المدني والتي من ضمنها الجمعيات والأحزاب السياسية, تحدث فيها عمليات التحرش كلٌ على مستواه وعلى حسب موقعه وبيئته سواء أكانت مدنية أم قروية أو في مكان العمل أو في السوق أو أثناء التنقل, وتحدد الدولة مكانا للتحرش وتخطط فيه السيناريو الذي من الممكن أن تكتبه بعدما تتم عملية التحرش على اعتبار أن التحرشات بشتى أنواعها سلوكيات سلبية تهدد أمن وسلامة القاصرين أولا قبل البالغين سن الرشد, ويعتبر التحرش مرضا نفسيا ولكن هذا المرض متفاوت جدا, فإن كان المتحرش مريضا فمن الممكن الأخذ بالمسببات وبالدوافع التي تخفف العقوبات عليه بدل توقيع أقصى أنواع العقوبات, ولكن إذا أرادت الدولة توقيع أقصى أنواع العقوبات بحق المتحرش فإنها تلجأ إلى تجنيد شباب يافعين جهال لا يعرفوا اتخاذ أعذار للمتحرش فيقتلونه دفاعا عن الشرف حتى وإن كان مريضا نفسيا مرضا يؤثر على سلوكه الشخصي.
وتنبثق نظريات التحرش من خلال تعدد أنواع الحكم السياسي من طبيعة العادات والتقاليد والأعراف السائدة في المجتمعات العالمية كافة وهي تعتبر بمثابة عقد اجتماعي بينها وبين الدولة وتستمد الدولة روح الشرائع والأنظمة والقوانين من طبيعة أعراف وعادات وتقاليد المجتمع الذي تنوي أن تحكمه, وبمعنى آخر الدولة تخضع للجمهور كما يخضع صُنّاع السينما إلى رغبة الجماهير حين يقولون( الجمهور عاوز كذا), فإن أبدى أحد أفراد القبيلة أو المجتمع سلوكا مخالفا للعادات والتقاليد يعتبرونه تحرشا أي أن نظام الدولة السياسي ينعكس عن طبيعة ما يؤمن به المجتمع, وأحيانا تُثقفُ الدولة الشعب على رغبتها لتحكمها على حسب ما ثقفت به المجتمع وتوجه تُهم التحرش على حسب تحديد ما هو عيب وغير لائق, كما يحصل اليوم في معظم أرجاء العالم, ويمتاز العالم العربي الآسيوي والأفريقي برغبة الحكومات للنظام القبلي العشائري فهو أسهل بكثير من الأحزاب السياسية التي يعتبرونها خطرا يهدد أمن الدولة وسلامة الحاكم, وتوجيه تهم التحرش في المجتمع القبلي غير معقدة كما هي في المجتمع المدني لأن ما هو عيب وغير لائق في المجتمع القبلي والعشائري كثير ولا يمكن حصره ذلك أن كل شيء عيب, أما في المجتمع المدني فالعيب والمخالف لمعايير الأخلاق والسلوك العام محدود جدا ويمكن حصره, وتقوم الدولة بالإيعاز للحكام الإداريين أي وزارة الداخلية بالتنسيق مع وجهاء العشائر من أجل ترسيخ نظام الحكم وحل المشاكل بين الناس على حسب القوانين العشائرية وتسليم المطلوبين للأجهزة الأمنية والتنسيق معهم من أجل تصفية الخطرين جسديا من خلال إسقاطهم أولا اجتماعيا ومن ثم تصفيتهم, وتسقطهم عشائريا بالتحرش لكي لا يلقى هؤلاء المطلوبين أي تعاطف شعبي أو عشائري من قبل أقاربهم لأن التحرش عيب جدا, وتتبع الدولة نظرية( التحرش الجنسي وملامسة مواقع حساسة في الجسم, أو ممارسة سلوك حساس.. أو التحرش اللفظي أو التحرش بأنواعه المختلفة) لكي يخلقوا مع المطلوب مشكلة تؤدي بالنهاية إلى تصفيته جسديا ومعنويا وروحيا.
فإن كان المجتمع مجتمعا قبليا عشائريا تكون طبيعة الدولة عشائرية, وعلى الدولة أن تحترم طبيعة نظام الأخلاق ومعاييرها والعادات والأعراف حيث تختلف معايير الأخلاق من مجتمع إلى مجتمع كما تختلف من فرد إلى فرد آخر ومن قبيلة إلى قبيلة وهذا التباين في الاختلاف يكون ظاهرا حتى داخل (العائلة النواتية) أي ( الأسرة) ولكن هنالك قيم ثابتة يتفق عليها 99% من أفراد القبائل, وهذه العادات والأعراف تشكل نظرية حكم يحكم بموجبها أصحاب القرارات وصُنّاعها مجتمعاتها بما يؤمنون به, وإذا عقدت القبيلة أو العشيرة اجتماعا يعتبر هذا الاجتماع وقراراته نافذة وسارية ويؤخذ بها بعين الاعتبار, فإن قررت القبيلة إسقاط أحد أفرادها ولو قالوها مزاحا يعتبر قرارهم نافذا وتأخذ الأجهزة الأمنية به وتساعدهم بإسقاط من يريدون إسقاطهم, وغالبا يتم الإسقاط في قضايا تحرش جنسية حيث يتهمون الذي يريدون إسقاطه بأنه قد تحرش جنسيا بالفتيات أو بالرجال أو بالمارين بالشوارع والطرق ويعتبرون أن تركه حرا طليقا يشكل خطرا على الأمن المجتمعي, فمثلا لدينا في الأردن نظاما عشائريا قبليا سائدا وهو ما يُعرف عند علماء الاجتماع بأصم( العائلة الممتدة) وهذه العائلة الممتدة بالنسبة للدولة تُعتبر بديلا عن نظام الأحزاب السياسية المدنية ومؤسسات المجتمع المدني, وهو نظام حكم قديم وسهل التعامل معه يخلو من التعقيدات وفيه بعض الإيجابيات والسلبيات, حيث تقوم القبيلة بمقام الحزب, ويقوم شيخ القبيلة بمكان الأمين العام للحزب وشيخ القبيلة هو المنظر لأفراد القبيلة وباقي أفراد القبيلة ملتزمون بما يقرره شيخهم, وتتعاون الدولة مع وجهاء العشائر في إصدار الأحكام على الأفراد وتقرير مصيرهم وحل مشاكلهم التي تحدث يوميا بينهم, فإن استعصى عليهم أحد أفراد القبيلة فورا يتحرشون به لفظيا من خلال مشكلة بسيطة تكون بالبداية عبارة عن ( كلام أولاد وعيال جُهّال) مثل لعبة شد الحبل حيث يقوم المتآمرون بجر المنوي اتهامه بالتحرش أولا بأول ومن ثم تتطور إلى مستويات أعلى وأعلى حتى تصبح مشكلة كبيرة ومعقدة يموت بنهايتها واحدا من أفراد القبيلة..
ولا تستطيع القبيلة أن تندمج في الأحزاب السياسية ضمن دولة نظامها الاقتصادي نظاما تقليديا مختلطا ليس فيه المفهوم الرأسمالي السائد ولا تستطيع الأحزاب السياسية عندنا أن تفعل نفس الدور الذي تلعبه في المجتمعات الصناعية الكبرى, ولكن تبقى نظرية التحرش معمولا بها داخل المجتمع المدني, فمن الممكن التحرش بأحد أفراد المؤسسة التي يعمل به فيجتمع زملاءه في العمل ويقررون إسقاط زميلهم في العمل ويعتبر قرارهم نافذا وتلتزم بموجبه الدولة والأجهزة الأمنية ويساعدونهم من حيث لا يعلموا في عملية الإسقاط والتحرش, حتى في المجتمعات الكتلية الصناعية الضخمة تتم عملية التحرش وتصفية من يريدون تصفيته بالتعاون بين المؤسسة والدولة, سواء أكانت المؤسسة شركة أو وزارة أو قبيلة حيث تتم عملية تحديد موقع التحرش والعمل عليه, ذلك أن تلك المجتمعات الكبرى لديها مصانع ضخمة وعمال ومستخدمون بدرجات وظيفية مختلفة وشركات ممتدة في الداخل والخارج وعن هذه الشركات تنبثق النقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني ولدى أرباب تلك المؤسسات توجهات سياسية وفكرية وأيديولوجية ودينية عقائدية ومذهبية مختلفة عن بعضها البعض وقد يسعى أصحاب رؤوس الأموال إلى تشكيل أحزاب سياسية تعبر عن طبيعة تطلعاتهم وآمالهم ومن هذه التطلعات تنبثق الأيديولوجيا الفكرية المختلفة ويجد كل صاحب فكر وكل صاحب رأس مالا مجالا للعمل السياسي يلتف حوله المؤيدون والمناصرون ومن هذا التوجه تتشكل الأحزاب السياسية غير المدعومة خارجيا بل بتمويل داخلي من أصحاب رؤوس الأموال الذين بعد أن تتراكم بيدهم رؤوس الأموال يبدءوا بالتفكير للوصول إلى السلطة ومعهم برامجهم الاقتصادية السياسية, وهؤلاء أيضا تحدث عندهم عمليات التحرش بمن يريدون التحرش به وإسقاطه عدا عن الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بحقوق العمال والمرأة, فيبدأ كل عامل في المصنع بالتوجه إلى المؤسسة التي تعبر عن تقارب وجهات النظر فيما بينهما ومن هنا ينشأ العقد الاجتماعي بين العضو العامل والمؤيد والمؤازر بينه وبين طبيعة نظام الحزب أو مؤسسات المجتمع المدنية, ويعتبر التحرش وإثباته عقدا اجتماعيا بين المؤسسة أو القبيلة وبين الدولة ومؤسسات الحكم الرسمية.
وأخيرا آخر تقنية سياسية هي التوصل إلى احترام الآراء المختلفة بدل ان ينتشر التطرف الراديكالي, ولكن حتى مع هذا الاحترام تحدث عملية التحرش ذلك أن التحرش يحدث على كل الصعد, فتنتشر ثقافة الاختلاف وتوسيع قاعدة المشاركة, وهذا لا يحدث إلا في المجتمعات ذات البنية الاقتصادية القوية, أما في الدول العربية فإن الأحزاب السياسية ونشر ثقافة حقوق الإنسان ما هي إلا حركات تجميلية تسعى إلى إظهار الوجه الديمقراطي في المجتمع الذي هو أصلا مجتمعا قبليا يحكم بسلطة شيخ القبيلة الذي يفكر بالنيابة عن الأفراد وتبقى الديمقراطية لدينا هشة وضعيفة بسبب ضعف الإمكانيات الاقتصادية وطبيعة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن والقبيلة, وتدخل عمليات التحرش وتصفية المنتقدين وغير المرغوب بهم سياسيا والذي ينجو من التحرش يكون نادرا جدا لأن التحرش بلغة القانون انتهاك للجسد وللمشاعر وغالبا ما تنجح الدولة بالتحرش لأنها الأقوى وهي التي تملك الأدوات الفنية وتسيطر عليها أكثر من الفرد..