مختصر تاريخ الأكراد والثورة الكردية

عبدالجواد سيد
2016 / 12 / 30

مختصرتاريخ الأكراد والثورة الكردية
الأكراد هم أحد شعوب الشرق الأوسط الكبرى، والتى توزع وجودها التاريخى بين الأجناس الثلاث الكبرى الأخرى، الفرس والترك والعرب، ولذا فقد بدا هذا الوجود مطموساً تغلفه الغيوم طوال عصورطويلة. يعود أصل الأكراد إلى الشعوب الهندوأوربية(الآرية)التى هاجرت من منطقة بحر قزوين حوالى الألف الثانى قبل الميلاد ،وإستقرت غرب الهضبة الإيرانية، ودخلت فى صراع مع الشعوب السامية التى سكنت تلك المناطق، وأسست حضارتها القديمة، كالعيلاميين والبابليين والآشوريين، وقد إنصهرت تلك الشعوب عبر القرون فى المنطقة الجبلية الشاسعة، التى أصبحت تعرف بإسم إقليم كردستان، الواقعة بين جبال زاجروس وجبال طوروس، والممتدة من غرب إيران ، إلى شمال العراق، إلى جنوب تركيا وشمال سوريا ، والتى توحدت سياسياً تحت راية القبائل البارزة منها ، كالكوتيين والكاشيين والحيثيين والحوريين والميتان ، حتى الميديين الذين أسسوا لهم دولة قوية حوالى سنة 700ق.م ، تمكنت من بسط سيادتها على جميع البلاد التى سكنتها أحفاد تلك الفروع الآرية، كما قامت حوالى سنة 612 ق.م وبالتحالف مع مملكة بابل الكلدانية (المملكة البابلية الأخيرة) بإسقاط نينوى، عاصمة دولة آشور، وتأسيس إمبراطورية ميدية ضخمة، عاشت أكثر من نصف قرن حتى قضى عليها قورش الفارسى حوالى سنة 550ق.م، وضمها إلى إمبراطوريته الفارسية الإخمينية، والتى ظل للميدين مركزاً متميزاً فيها ، حتى أن الحروب الشهيرة التى خاضها الفرس ضد اليونان فى العصور القديمة ، عرفت بإسم الحروب الميدية.
وفى سنة 33ق.م أسقط الإسكندر إمبراطورية الفرس الإخمينين، وإستولى على أملاكهم بما فيها المناطق الكردية،والتى آلت بعد وفاته إلى قائده سليوقس الأول مؤسس الدولة السلوقية فى سوريا والعراق(311-281ق.م)، فدخلت المناطق الكردية فى نطاق الحضارة اليونانية ، وذلك حتى قام البارثيون سنة 138ق.م - وهم فرع من الشعوب الفارسية - بتأسيس مملكة فارسية أخرى، وإنتزاع فارس وبابل والمناطق الكردية فى جبال زاجروس ، من الدولة السلوقية.
وفى سنة 224م ، تمكن أردشير بن بابك من إزاحة البارثيين، وتأسيس إمبراطورية فارسية جديدة، هى الإمبراطورية الساسانية، التى إتخذ لها الزرادشتية ديناً رسمياً، وضمت كل بلاد فارس القديمة والمناطق الكردية، وتوسعت بإتجاه سوريا ومصر، ودخلت فى حروب طاحنة مع غريمتها الرومانية، وقعت خلالها بلاد كردستان بين شقى الرحى الفارسية والرومانية، وعانت كثيراً من جراء تلك الحروب المتواصلة، التى إستمرت حتى ظهورالعرب المسلمين، وطردهم للرومان من سوريا حوالى سنة 640م ، وهزيمتهم للفرس حوالى نفس الفترة ، وإنسياحهم على أثر ذلك فى أملاك الإمبراطورية الساسانية وبلاد كردستان، التى دخلت فى طاعتهم وإعتنقت الإسلام ، شأنها شأن معظم شعوب الشرق الأوسط الأخرى.

لم تصفو بلاد الأكراد لحكم الدولة العربية الإسلامية تماماً ، ففى عهد الخليفة عبدالملك بن مروان ، إشترك الكرد فى الثورة التى قام بها عبدالرحمن بن الأشعث على الخليفة ، وفى سنة 129هـ-735م ساند الأكراد جيش الخليفة مروان الثانى ، آخر الخلفاء الأمويين ، ضد سليمان بن عبدالملك الذى كان والياً على كردستان، حيث كانت أم مروان منهم ، وبعد سقوط الدولة الأموية سنة 132هـ -750م، دخلت بلاد كردستان فى طاعة العباسيين ، لكنها شاركت فى معظم القلاقل والثورات التى قامت ضدهم، وتحالف الأكراد مع الحمدانيين فى الشام ، كما تمكنوا من تأسيس بعض الإمارات الكردية المستقلة. وقد إستمر نفس الحال من الثورة والتمرد والرغبة فى الإستقلال ، حتى بعد أن إستولى بنى بويه الفرس على الخلافة العباسية سنة 334هـ-945م ، ومع هجمات الشعوب التركية السلجوقية على المشرق الإسلامى، وسيطرتها على الخلافة العباسية ، خلال القرن الحادى عشر الميلادى، دخل كثير من الأكراد فى خدمة الإقطاعات العسكرية التى منحها هؤلاء السلاجقة لقادتهم، والتى عرفت بإسم الأتابكيات، نسبة إلى كلمة أتابك أى القائد العسكرى، ومنها أتابكية الموصل الشهيرة ، وحاكمها الأتابك عماد الدين زنكى وإبنه نور الدين محمود، والتى دخلت أسرة نجم الدين أيوب الكردية فى خدمتها ، وبرز منها صلاح الدين الأيوبى ، الذى إستطاع إسقاط الخلافة الفاطمية الشيعية بمصر، والإستقلال عن سيده نور الدين محمود - الذى كان قد أرسله إلى مصر فى مهمة عسكرية مع عمه أسد الدين شيركوه - وتأسيس مملكة أيوبية كردية مستقلة عن سلطان آل زنكى بمباركة الخليفة العباسى سنة567هـ -1171م، شملت مصر وسوريا والعراق وجزء كبير من بلاد كردستان ، والتى مثلت العصر الذهبى لتاريخ الأكراد فى القرون الوسطى ، وبرغم أن آل زنكى إستطاعوا إسترداد مكانتهم فى كردستان بعد وفاة صلاح الدين سنة 589هـ-1193 م، فقد إستمرت مملكة الأيوبيين فى مصر والشام حتى قضى عليها المماليك الأتراك سنة648هـ-1250م، كما إستمر كثير من الأمراء الأيوبيين حكاماً فى بلاد الأكراد حتى العصر العثمانى.

وفى سنة 614هـ-1217 تعرضت بلاد كردستان لهجمات الخوازميين المدمرة ، التى شنها السلطان محمد الخوازمى وإبنه جلال الدين خوازم شاه على أراضى الخلافة العباسية ، والتى إنتهت بهزيمة جلال الدين ومصرعه على يد بعض قبائل الأكراد سنة 628-1231م، بعد أن دمر كثير من المدن الكردية ، كديار بكر وأرزن وميافارقين وأخلاط وماردين ونصيبين وغيرها، ولم تنتهى محنة الأكراد عند هذا الحد، فسرعان ماإجتاح المغول، الذين كانوا قد جاءوا مطاردين لجلال الدين، بلادهم وأعملوا فيها الدمار والتخريب بدورهم، وقضوا على ماتبقى من نفوذ السلاجقة، ثم إندفعوا منها إلى العراق و الشام ومصر، مدمرين كل شئ فى طريقهم، ولم يتوقفوا إلا بعد هزيمتهم فى عين جالوت عند حدود مصر الشرقية سنة 680-1281م على يد المماليك الأتراك حكام مصر الجدد، الذين قضوا على الدولة الأيوبية ، حيث تراجع المغول بعد ذلك إلى فارس، وإستقروا فى دولتهم الإليخانية، التى كان هولاكو خان قد أسسها سنة 1256م.
خضع الأكراد لدولة المغول الإليخانيين، ويبدو أن الحروب المدمرة التى شنها جلال الدين خوارزم شاه عليهم قد أنهكت قواهم ، فلم يستطيعوا مقاومة موجات الزحف المغولى التى إجتاحت بلادهم، خاصة فى عهد هولاكو ، الذى دمر أثناء زحفه على بغداد سنة655هـ1257م مدن همذان وكرمنشاه وأربيل، ثم وبعد أن اسقط بغداد زحف على سوريا مدمراً فى طريقه مدن الجزيرة وديار بكر وميافارقين وماردين وغيرها من بلاد الأكراد، مما دفع بكثير منهم إلى الهجرة إلى مصر والشام، وبرغم هزيمة المغول فى عين جالوت فإن ذلك لم يغيرشيئاً من واقع الحال، فقد ظل خضوع الأكراد لمغول فارس ، حتى نهاية الدولة الإليخانية على يد تيمور لنك التترى، الذى غزا العراق والشام خلال القرن الرابع عشر، وأسقط الدولة الإليخانية المغولية فى فارس، لكنه مالبث أن عاد إلى آسيا حيث مات، وتوارث أحفاده دولته المترامية الأطراف، وحلت قبائل التركمان فى بلاد فارس، محل المغول ، حتى بدأ الصراع الكبير على العالم الإسلامى، بين الصفويين الشيعة فى فارس ، والدولة العثمانية السنية فى تركيا ، وفى التقسيم النهائى بين الدولتين المتصارعتين، وقعت معظم بلاد الأكراد ضمن أقاليم الدولة العثمانية ، بينما ظل جزءً منها فقط فى فارس الشيعية، وذلك بعد معركة جالديران ، التى إنتصرفيها العثمانيون سنة 1514م. وخلال هذه القرون إستمر الأكراد فى عادة الثورة وتكوين الإمارات المستقلة خلف فروعهم القبلية الكبيرة، مثل إمارات بابان وبوتان وهكارى وسوران وراوندوز وغيرها، حتى حلول القرن التاسع عشر، حين بدأت النزعة القومية الكردية فى الظهور نتيجة للمؤثرات الغربية، والتحديات التى واجهت الدولة العثمانية، فى حروبها مع روسيا وأرمينيا ومصر وبلاداليونان.

وهكذا بدأت ثورات الأكراد القبلية ، ضد الدولة العثمانية والفارسية تأخذ طابعاً قومياً، وقد تميز من هذه الحركات الثورية ثورتان كبيرتان، مثلت تهديداً حقيقياً للسلطة العثمانية والفارسية على السواء ، ففى سنة 1836 أشعل بدرخان بك ، أمير بوتان ، ثورة كبرى إستمرت حتى سنة 1847 ، وحد خلالها كثير من القبائل الكردية خلف زعامته وتحدى السلطة العثمانية رافضاً دفع الضرائب وتجنيد شباب الأتراك فى الجيش العثمانى، وقد دخلت قوات بدرخان فى مواجهات دموية مع السلطات العثمانية ، لكنه هزم فى النهاية وتم نفيه إلى تركيا مع أفراد عائلته. ومع قيام حرب القرم بين روسيا وتركيا سنة 1854 إستأنف عز الدين شير إبن أخى بدرخان الثورة على الحكومة التركية بالتحالف مع الروس، لكن مصيره لم يختلف عن مصيرعمه. ولم يتوقف كفاح أسرة بدرخان من أجل إستقلال كردستان ، وبرزت فى العقود التالية وجوه جديدة منها ، حملت راية الثورة الكردية.
وفى سنة1880 أشعل الشيخ عبيدالله النهرى ثورة أكثر خطورة فى منظقة هكارى، الواقعة بالقرب من الحدود الفارسية، منتهزاً فرصة هزيمة تركيا فى الحرب الروسية فى السنة السابقة مباشرة ، ووحد خلفه كثيرمن قبائل الأكراد، من بينهم بعض أبناء الزعيم بدرخان ، وذلك فى تجمع سياسى أطلق عليه تسمية (التحالف الكردى)وحاول الإستيلاء على منطقة مهاباد بالقوة العسكرية، لكن الفرس تمكنوا من هزيمته والقضاء على حركته سنة 1881. وقد تركت حركة الشيخ عبيدالله آثاراً بعيدة المدى على الثورة الكردية ، فقد كانت بمثابة البداية الفعلية لنشأة الحركة الوطنية الكردية ، وظهور فكرة كردستان المستقلة ، إذ قام على أثرها كثير من شباب الأكراد، الذين تلقوا تعليمهم فى جامعات تركيا وأوربا بتصدر المشهد الثورى، بدلاً من زعماء القبائل، وقاموا بإصدار الصحف المعبرة عن الشعور القومى الكردى، والرغبة فى الإستقلال، فصدرت فى مصر صحيفة بالكردية والعربية بعنوان (كردستان) أصدرها الأمير مدحت بدرخان إبن الزعيم بدرخان ، كما صدرت صحف مماثلة فى أوربا.
إكتسبت الحركة الوطنية الكردية زخماً كبيراً بعزل السلطان عبدالحميد الثانى، ووصول حركة تركيا الفتاة ولجنة الإتحاد والترقى إلى الحكم سنة 1908، وإعلانها لمبادئ الحرية والمساواة بين شعوب الإمبراطورية ، ففى نفس السنة تأسس ناد كردى فى إسطنبول، بمبادرة من الأمير أمين بدرخان، حفيد الزعيم بدرخان، وأصدر النادى صحيفة ذات طابع أدبى حملت إسم(التعاون والترقى الكردى)، إستلهاماً للمبادئ والأفكار التى قامت عليها جمعية الإتحاد والترقى التركية، وكذلك تأسست نواد مشابهة فى بغداد والموصل وديار بكر، ورغم الطابع الإجتماعى الأدبى التى حملته تلك النوادى، فقد حملت مضمون سياسى أيضاً، ففى هذه الفترة ظهر شعار(كردستان للكرد)، وبالمثل فقد كان للثورة الدستورية التى حدثت فى إيران القاجار حوالى نفس الفترة، أثراً فى تطور الوعى القومى لأكراد إيران . وقد إستمرت حركة الأكراد القومية فى تركيا ، رغم تراجع جماعة الإتحاد والترقى عن الوعود التى وعدوا بها ، وقاد عبدالرزاق زعيم أسرة بدرخان كفاح الأكراد إنطلاقا من منطقة خوى فى إيران ، كما إستمر عبدالقادر إبن الشيخ عبيدالله فى قيادة أكراد عشائر هكارى، وكذلك ظهر الشيخ محمود برزنجى وعبدالسلام البارزانى فى العراق فى جنوب كردستان ، كما أشعل سالار الدولة ، ثورة كبرى بين أكراد إيران حوالى سنة 1913 ، لكن تفرق هذه الثورات، وتحالف رجال الدين والإقطاعيين الأكراد مع السلطات الحاكمة، وتضارب مصالح الدول الكبرى، ومواقفها المختلفة من هذه الثورات ، ثم قيام الحرب العالمية الأولى ، قد أدى فى النهاية إلى إجهاض الحركة الوطنية الكردية الوليدة.

وأثناء سنوات الحرب العالمية الأولى(1914-1918) خفتت الحركة الوطنية الكردية فى تركيا ، وتوزعت ولاءات الأكراد ، بين المحور والحلفاء ، وخاصة إلى جانب روسيا حليفهم الرئيسى فى ذلك الوقت ، لكن الحكومة التركية إستطاعت إستثمارعصبية الدين، وإقناع الإقطاعيين الأكراد بخيانة جيرانهم المسيحيين الأرمن، والذين ينتمون إلى نفس الدماء الآرية ، وبتواطئهم مع روسيا المسيحية، التى كانت تتقدم فى الأراضى العثمانية، وهكذا دخلت بعض قبائل الأكراد الحرب إلى جانب الأتراك ، وشارك بعضها مع الفرسان الكردية الحميدية، التى كان السلطان عبدالحميد الثانى قد أنشأها سنة 1891، فى المذابح التى قام بها الأتراك ضد الأرمن.
وبعد إنتهاء الحرب، عينت جمعية (تعالى كوردستان) أكبر فصائل الحركة الوطنية الكردية فى تركيا ، الجنرال شريف باشا الكردى، سفير تركيا فى السويد ، ممثلاً للقضية الكردية فى مؤتمر الصلح فى باريس ، وقد نجح شريف باشا فى مسعاه، ففى أغسطس 1920، وقعت دول الحلفاء المنتصرة معاهدة سيفر مع تركيا، منحت فيها الحكم الذاتى للمناطق الكردية، على أن تُمنح أيضاً حق تقرير المصير بعد عام من بدء سريان إتفاق الحكم الذاتى، وهكذا بدا وكأن الأكراد على وشك تحقيق حلمهم فى إستقلال كردستان ، ولكن القوى الأوربية تراجعت عن تنفيذ بنود المعاهدة ، وذلك بسبب نفوذ مصطفى كمال أتاتورك ونجاحه فى قمع الحركة الوطنية الكردية من جهة ، وبسبب رغبتها فى إقتسام أراضى كردستان فيما بينها من جهة أخرى، وعلى ذلك فقد تم تجاهل بنود معاهدة سيفر، المتعلقة بالأكراد، فى معاهدة لوزان سنة 1923م ، وإعتماد الحلفاء لبنود معاهدة سان ريمو 1920م الإستعمارية ، ولتفاهمات سايكس بيكو 1915، التى إتفقوا عليها قبل الحرب، لرسم خريطة الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية، والتى تقضى بتوزيع المناطق الكردية الرئيسية ، بين تركيا والعراق وإيران ، وفى سنة 1925تم التوصل إلى حل قضية الموصل المعلقة بين تركيا وبريطانيا ، بضمها إلى منطقة الإنتداب البريطانى فى العراق.
كان لتجاهل المطالب القومية لأكراد تركياً أثراً كبيراً فى تطور الحركة الوطنية الكردية ، فقد قرر أكراد تركيا الإحتكام إلى السلاح لتحقيق مطالبهم الوطنية ، وقاموا بتأسيس حركة سياسية جديدة بإسم لجنة إستقلال كردستان (أزادى) حوالى سنة 1923، بقيادة بعض المثقفين الأكراد ، ونجحوا فى ضم أحد اكثر المرجعيات الدينية الكردية نفوذاً وثراءً ، وهو الشيخ سعيد بيران ، الذى أصبح قائداً للجنة أزادى بعدما إستطاعت السلطات التركية القبض على القيادات الثقافية التى أسست اللجنة فى البداية ، ومن هنا جاءت شهرة الثورة فى التاريخ بإسم ثورة الشيخ سعيد.
إندلعت الثورة فى أوائل سنة 1925 قبل الموعدد المحدد لها بفترة قصيرة ، وذلك بسبب بعض الإشتباكات التى حدثت، بالمصادفة ، بين الشيخ سعيد وأنصاره، وبعض رجال الجيش التركى الذين كانوا قد جاءوا للقبض على بعض أتباعه، فبمجرد أن علم أنصار الشيخ سعيد من العشائر الكردية المتحالفة معه بتلك الإشتباكات، حتى رفعوا راية العصيان ، وأشهروا السلاح فى وجه السلطات التركية فى معظم أنحاء كردستان تركيا قبل الموعد المحدد للثورة ، لكن السلطات التركية ، وبإشراف مصطفى كمال نفسه ، إستطاعت قمع الثورة حوالى نهاية السنة ، وإعدام الشيخ سعيد مع معظم قيادات الثورة.
فشلت ثورة الشيخ سعيد ، لإنها لم تأخذ الوقت الكافى للإعداد ، كما أنها لم تحظى بدعم جميع أكراد تركيا، فكالعادة أخذ كثير من عشائر الأكراد موقف التحالف مع تركيا حفاظاً على مكاسبهم الخاصة ، كما أخذ بعض المثقفين نفس الموقف قناعة منهم بفكرة تركيا الحديثة ، التى تتساوى فيها كل القوميات ، ومنهم عصمت إينونو نائب أتاتورك نفسه ، ولم يكتب للثورة نصير دولى فقد إستطاع مصطفى كمال تصوير الثورة على أنها ثورة رجعية يقودها رجل دين من أجل الإنقضاض على الجمهورية ، وإرجاع حكم السلطان ، كذلك لم تستطع الثورة الإمتداد لتشمل أكراد العراق وإيران، ومع ذلك فقد كان للتضحيات الكبيرة التى بذلها الأكراد فى هذه الثورة ، وللدمار الذى حل بالقرى والأرواح الكردية ، أثراً كبيراً فى تاريخ الأكراد الحديث ، حتى أنهم مازالوا يعتبرونها أكبر ثوراتهم حتى اليوم.
لم تكن تلك نهاية الثورة الكردية فى تركيا ، فقد إستمرت مشاعر الكرد القومية متقدة ، كما إستمرت المظالم التركية المتمثلة فى التمييز العنصرى والضرائب المرتفعة ، وإمتيازات الإقطاعيين الكرد أنفسهم وسلطانهم الطاغى على رعاياهم ، كل ذلك أدى إلى إنفجار ثورة كبرى أخرى سنة 1927م فى جبال أرارات فى شمال شرق كردستان ، بقيادة حزب سياسى جديد أطلق عليه إسم خويبون ، بمعنى الإستقلال ، ترأسه إحسان نورى باشا الوطنى الكردى البارز ، الذى مثل الكرد فى مؤتمر الصلح فى باريس . أنشأ الحزب له فروعاً خارج تركيا ، وأصدر صحيفة بعنوان (أغرى) بمعنى اللهيب ، كما إتخذ له علماً. وقد تميزت الثورة الجديدة بتنظيم أفضل ووعى السياسى أكبر، ورغم أن نطاقها قد إنحصر فى شمال شرق تركيا ، فقد حاول الثوار الإتصال بأكراد كردستان فى إيران والعراق وسوريا ، وواجهوا القوات التركية وألحقوا بها خسائر كبيرة ، لكن النتيجة ، كانت واحدة فى النهاية ، فقد حاولت السلطات التركية اللجوء إلى الدبلوماسية وسياسة الوعود فى البداية، فى محاولة لإقناع الثوار بإلقاء السلاح ، وعندما فشلت لجأت إلى سياسة الإبادة الجماعية وإستخدام سلاح الطيران ، على نحو ماحدث فى ثورة الشيخ سعيد ، وفى سنة 1931 نجحت القوات التركية فى القضاء على الثورة.
لم تكن ثورة أرارت آخر إنتفاضات الكرد، التى أعقبت فترة الحرب العالمية الأولى ، ففى سنة 1936 أرادت السلطات التركية تهدئة منطقة ديرسيم التى كانت تعيش فى شبه إسقلال ذاتى ، وفقاً لعاداتها الكردية القبلية ، فجعلت منها ولاية ذات نظام خاص وغيرت إسمها إلى محافظة تونجيلى ، وأرادت نزع سلاح السكان ، وعندما أرسل سيد رضا شيخ العشائر الكردية فى دير سيم إبنه برا إبراهيم لمفاوضة القائد التركى المسئول عن المنطقة ، تم إغتياله ، فهبت العشائر الكردية فى ثورة مسلحة ضد الحاميات التركية ، وكالعادة لجأ الأتراك إلى أسلوب الإبادة الجماعية ، وإستخدام سلاح الطيران لضرب المناطق الجبلية التى كان يعيش فيها الأكراد ، وفى سنة 1937 تم إعدام سيد رضا مع بعض معاونيه وأفراد عائلته، ومع ذلك فقد إستمرت الثورة ، ولم تتمكن السلطات التركية من قمعها إلا بالتعاون مع السلطات الإيرانية والعراقية حوالى سنة 1938م ، وذلك من خلال حلف سعد الذى تم برعاية بريطانيا، وهدف إلى القضاء على الحركات الإنفصالية فى الشرق الأوسط ، ومن خلاله نجح الترك فى القضاء على ثورة دير سيم ، وتباهوا بمقولة (دير سيم لم تعد موجودة).

لم يختلف حال الحركة الوطنية الكردية فى العراق وإيران عما حدث فى تركيا ، فبعد إنتصار الحلفاء ، وعد الإنجليز بتحقيق حلم أكراد العراق فى دولة وطنية ، وجعلوا من الشيخ محمود البرزنجى حاكما عاماً على السليمانية سنة 1918 ، وذلك فى إطارمشروع حكم ذاتى للمناطق الكردية ، لكن سرعان ماأدرك الشيخ محمود وأنصاره، أن ذلك لم يكن أكثر من مجرد إستقلالاً شكلياً ، وأن السلطة الحقيقية ظلت فى يد البريطانيين ، فقاموا فى ثورة مسلحة ضد الإدارة البريطانية فى السليمانية ، لكن البريطانيين تمكنوا من هزيمته ونفيه إلى الهند سنة 1919 ، إلا أنهم أضطروا للإستعانة به مرة أخرى لتهدئة المناطق الكردية بسبب إندلاع الثورة العراقية على أثر مقررات مؤتمر سان ريمو الإستعمارية سنة 1920 من جهة ، وبسبب تقدم الأتراك لإستعادة الموصل من جهة أخرى ، ومرة أخرى عُين حاكم على السليمانية ونجح بالفعل فى تهدئة جماهيرالأكراد، وإقناعها بالتعاون مع الإدارة الإنجليزية ، إلا أنه قد خدع مرة أخرى، ورفض الهاشميون حكام العراق فى ظل الإنتداب البريطانى الإعتراف بالحقوق القومية للأكراد، وبحق الحكم الذاتى للمناطق الكردية ، فهرب الشيخ محمود إلى إيران سنة 1923 . وبعد أن وقع العراق المعاهدة الإنجليزية سنة 1930 ثارت المناطق الكردية مرة أخرى، حيث لم تلتزم الإدارة الإنجليزية للعراق بالوعود التى قطعتها فى المعاهدة ، بالإعتراف بالوضع الخاص للموصل والمناطق الكردية ، فعاد الشيخ محمود إلى العراق على أثر أحداث ايلول الأسود فى السليمانية ، التى سقط فيها نحو عشرين قتيلاً وهم يرفعون شعار يسقط الإستعمار والحرية لكردستان . وقاد الشيخ محمود الثورة المسلحة مرة أخرى ، لكنه لم يستمر طويلاً هذه المرة أيضا ، بسبب القمع الوحشى ، وإستخدام سلاح الطيران الإنجليزى فى قمع الثورة ، وإستسلم للسلطات الإنجليزية سنة 1931 ونفى إلى جنوب العراق . لم تكن ثورة الشيخ محمود آخر الثورات ، فقد ظهر بيت البرزانى فى منطقة برزان شبه المستقلة ، وبرز مصطفى وأحمد البرزانى كزعماء للمقاومة بعد إختفاء الشيخ محمود عن المشهد السياسى .

أما فى إيران ففى سنة 1922 أعلن الزعيم الكردى إسماعيل أغا سمكو نفسه ملكاً على كردستان، وشكل حكومة وأصدر مجلة بإسم (كردستان)، ودخل فى مواجهات عسكرية مع الحاميات الإيرانية ، لكن الإيرانيين إستطاعوا هزيمته ، فهرب إلى تركيا حيث إلتقى بباقى الزعماء الكرد ، وقرر مهادنة الأتراك ، ومواصة نضاله لتحرير أكراد إيران ، إنطلاقاً من تركيا ، مستغلاً سياسة إستمالة الأكراد ، التى كانت تتبعها الدول التى توزع فيها الأكراد ، تركيا والعراق وإيران ، لضرب بعضها البعض ، لكن الإضطرابات التى أثارها فى المناطق الحدودية بين الدولتين ، دفعت بهما للتعاون فى القضاء على حركته ، وهكذا تمكنت قوات الشاه رضا بهلوى من هزيمته وقتله سنة 1930 ، كذلك فقد أشعل سالار الدولة الثورة ، وحشد خلفه كثير من القوات الكردية المشتركة، لكن القوات الإيرانية تمكنت من هزيمته أيضاً ، كما شهدت منطقة خراسان إنتفاضة كبرى للفلاحين، بقيادة الفلاح الشاب زلفو ، الذى أصبح أسطورة فى أوساط الفلاحين الكرد ، لكن القوات الإيرانية تمكنت من هزيمته وإعدامه. لم تمر هذه الثورات المجهضة مرور الكرام ، فقد شحذت الوعى القومى الكردى، ومهدت لظهور حركات سياسية أكثر نضجاً.

وفى سنوات الحرب العالمية الثانية ، تباينت مواقف الأكراد من دولة إلى أخرى ، ففى تركيا ، حافظ الأكراد على الهدوء ، بشكل عام ، حيث كانوا يأملون أن تسجيب دول الحلفاء لمطالبهم القومية ، بعد أن تضع الحرب أوزارها، وهكذا وجه كثير من زعمائهم رسائل ومذكرات إلى هيئة الأمم المتحدة ورؤساء الدول الكبرى يعبرون فيها عن مطالبهم بالحكم الذاتى فى إطار تركيا والعراق وإيران. لكن أحد لم يهتم بمطالبهم فقد تعاظمت أهمية تركيا بعد الحرب بالنسبة للحلفاء كمركز من مراكز الحرب الباردة فى الشرق الأوسط ، وخاصة بعد الإعلان عن مشروع حلف بغداد سنة 1955 ، الذى كانت تركيا وإيران والعراق ضمن أعضائه، كما لم يكن للتغيرات الجوهرية التى طرأت على نظام الحكم فى تركيا بعد وفاة أتاتورك ، والتى راهن عليها الأكراد ، أى تاثير إيجابى على مطالبهم القومية ، ففى سنة 1945 تحولت تركيا إلى نظام تعدد الأحزاب ، وأصبح للصوت الكردى أهميته فى إنتخابات البرلمان، لكن الإقطاعيين الأكراد، المتحالفين مع الأتراك، إستطاعوا السيطرة على هذه الأصوات وتوجيهها وفق مشيئتهم ، كما لم يكن للتغيير الذى حدث بفوز الحزب الديموقراطى على حزب الشعب الجمهورى سنة 1950 أى اهمية حقيقية فسرعان ماتخلى الحزب الديموقراطى عن وعوده الإنتخابية بالإهتمام بقضية الأكراد ، وإستمر فى إتباع سياسة سلفه الجمهورى، فى تجاهل مطالب الأكراد القومية ، وهو الموقف الذى إزداد سوءً بعد الإنقلاب العسكرى على الحزب الديموقراطى سنة 1960 ، وتمكن الكماليين من البلاد مرة أخرى.

أما فى العراق فقد إختلف المشهد تماماً ، حيث أشعل الأكراد ثورة مسلحة كبرى بقيادة مصطفى وأحمد البرزانى اللذان تمكنا من العودة من المنفى إلى بارزان وقيادة الحركة القومية الكردية بالتعاون مع المنظمات السياسية التى ظهرت فى ذلك الوقت مثل منظمة هيوا والحزب الشيوعى الكردستانى . تمكن مصطفى البرزانى ، والذى أصبح أكبر زعماء الأكراد فى العصر الحديث ، من الإستيلاء على كميات كبيرة من السلاح من مراكز البوليس العراقى فى المناطق الكردية ، ونجح فى السيطرة على المناطق الكردية فى أربيل وكركوك والسليمانية ودهوق وبلاد بارزان، وهزم القوات الكثيفة التى أرسلتها الحكومة العراقية بدعم السلطات البريطانية. عمدت الحكومة إلى الدبلوماسية أثناء سنوات الحرب، وزار نورى السعيد ، رئيس الوزراء ،إقليم بارزان سنة 1944 ووعد بتلبية مطالب الأكراد فى الحكم الذاتى وتحسين ظروف المعيشة بعد نهاية الحرب، ولكن وبمجرد أن وضعت الحرب أوزارها حشدت الحكومة العراقية قوات بلغت تعدادها نحو 25 ألف جندى مدعومة بعدد كبير من أسراب الطائرات الإنجليزية تولت قمع الثورة فى برزان بالتعاون مع الإقطاعيين الكرد الرافضين لفكرة الإنفصال عن الدولة العراقية، وحوالى نهاية سنة 1945 تم القضاء على الثورة الكردية وحكم على عددكبير من الثوار بالإعدام ، وهرب مصطفى وأحمد البرزانى إلى إيران مع آلاف من انصارهم حيث كانت الحركة القومية الكردية فيها تشهد بدورها ثورة سياسية كبرى.

كان الحزب الديموقراطى الكردستانى قد نشأ فى إيران أواخر سنة 1945 وأصبح القاضى محمد الذى شغل قبل ذلك منصب حاكم مهاباد ، رئيساً له ، والذى حدد هدفه الرئيسى بالمطالبة بالحكم الذاتى فى المناطق الكردية بشمال غرب إيران. وهكذا وبناء على إقتراح قدمه بعض الأعضاء تم إنشاء منطقة حرة فى المناطق الكردية تحت إسم جمهورية مهاباد ، وإستطاع المواطنون الأكراد طرد الوحدات العسكرية الإيرانية بقوة السلاح ، وإستولوا على السلطة الفعلية ، وفى يناير عام 1946 أعلن عن قيام جمهورية مهاباد فى حشد جماهيرى ضخم ، شاركت فيه وفود من مختلف مناطق كردستان ، وإختير القاضى محمد ، رئيس الحزب الديموقراطى الكردستانى، رئيساً للجمهورية الوليدة، والتى حظيت بتأييد الحكومة السوفيتية ، التى كانت مازالت تحتل شمال إيران تبعاً لتسويات مابعد الحرب العالمية الثانية، لكن إنسحاب القوات السوفيتية قد جعل عمر الجمهورية الوليدة قصيراً ، فبمجرد إنسحاب القوات السوفيتية فى ربيع عام 1946 ، بموجب إتفاقية طهران ، حركت حكومة الشاه عناصر الكرد الإقطاعية لإجهاض مشروع الدولة الجديدة، وسرعان ماأرسلت وحداتها العسكرية إلى مهاباد حيث نشب الخلاف بين القادة الأكراد فى كيفية معالجة الموقف ، ففر بعضهم إلى الجبال مع مصطفى البرزانى وقواته المسلحة، بينما ظل القاضى محمد فى مهاباد ، محاولاً التفاوض مع الحكومة الإيرانية لوقف العمليات العسكرية ضد مواطنيه الأكراد. إنتهت المفاوضات بالفشل وفى ديسمبر عام 1946 إستطاعت القوات الإيرانية القضاء على جمهورية مهاباد، وفى عام 1947 أعدم القاضى محمد مع عدد كبير من أقاربه ورفاقه، وإنتهت تجربة جمهورية مهاباد قصيرة العمر بشكل مأساوى، لكن نشاط الحزب الديموقراطى الكردستانى الإيرانى إستمر بعد ذلك، ونشأ له فرع فى العراق.

وفى تركيا، وفى أعقاب إنقلاب 1960م قامت السلطات الجديدة بإعتقالات واسعة بين صفوف الكرد ، وجرى إعتقال كثير من الشخصيات الكردية بتهم التحضير لمؤامرة ضد أمن الدولة ، كما أصدرت لجنة الإتحاد الوطنى، التى تولت السلطة بعد الإنقلاب، القانون رقم 105 والذى تم بمقتضاه، تهجير الشخصيات الكردية البارزة ، غير المرغوب فيها ، من المناطق الشرقية ، إلى المناطق الغربية من البلاد ، كما قامت بفصل عدد كبير من المدرسين وأساتذة الجامعات ، ووجهت إلى قسم كبير منهم تهمة النشاط الرامى إلى إنشاء كردستان المستقلة ، وذلك فى نفس الوقت الذى عمدت فيه ، وبموجب الدستور الجديد ، الصادر سنة 1961 إلى سياسة التتريك وصهر الأقليات، ومنع إستخدام اللغة الكردية منعاً تاما. ونتيجة لهذا عاود الكرد حركات العصيان المسلح ، والتى وصفتها السلطات التركية فى ذلك الوقت ، بحركة قطاع الطرق ، كما أخذ المثقفون الكرد يشغلون دوراً هاماً فى الحركة الوطنية وقاموا بإصدار الصحف والمجلات لترسيخ الوعى القومى الكردى.
وفى أواسط الستينات تطورت الحركة الوطنية الكردية من النشاط السرى إلى النشاط العلنى وذلك فى شكل المؤتمرات الجماهيرية التى إنتشرت فى شرق البلاد، ورفعت شعارات مثل(هدفنا هو ضمان المساواة والإخوة والسعادة)( نقف إالى جانب الشعوب المناضلة ضد الإمبريالية)(سيحصل مواطن الشرق حتماً على حقوقه المدنية والإنسانية) ويلاحظ أنه فى حدود تلك الفترة بدأت المطالب القومية الكردية ترتبط بالحركة الإشتراكية التركية ومع فصائل اليسار ، وخاصة مع حزب العمال التركى.
ومع إرتباط الحركة الوطنية الكردية بالحركات اليسارية التركية، بدأت السلطات التركية، بقيادة حزب العدالة ورئيسه سليمان ديميريل، بإتخاذ إجراءات أشد قسوة فى بداية السبعينات، وأطلقت قوات الكوماندوز وقوات البوليس على المناطق الشرقية من البلاد بحجة جمع السلاح ، مما أثار موجة من الإحتجاجات تزعمها تيار اليسار فى كل أنحاء تركيا. ونتيجة لتلك الإضطرابات قام الجيش سنة 1971م بإنقلاب سلمى فى شكل مذكرة وجهها إلى الحكومة بضرورة القضاء على الإضطرابات فإستقالت على أثر ذلك حكومة سليمان ديميريل ، وتولت حكومة إنتقالية السلطة ، وأعلنت حالة الطوارئ فى البلاد ، وبدأت فى قمع الحركة الوطنية الكردية وحركات اليسار ، وظل ذلك الوضع سارياً حتى سنة 1973 حين أجريت الإنتخابات وفاز حزب الشعب الجمهوى وعاد إلى السلطة مرة أخرى فى إئتلاف مع حزب الرفاه الإسلامى بقيادة نجم الدين أربكان. ونتيجة لمساعى حزب الشعب الجمهورى أصدر مجلس الأمة التركية سنة 1974م قانون العفو العام ، والذى بمقتضاه تم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من السجون، بما فيهم عدد كببير من الشخصيات السياسية الكردية البارزة ، مما أدى إلى إنعاش نشاط الكرد السياسى مرة أخرى. وفى سنة 1978م نشأ حزب العمال الكردستانى ذو التوجه اليسارى، الذى إتخذ من العمل المسلح وسيلة لتحقيق مطالب الأكراد الوطنية ، والذى تصدر المشهد السياسى منذ الثمانينات وحتى اليوم ، كما تأسس فى بداية التسعينات فرع للحزب الديموقراطى الكردستانى بتوجهه القومى التقليدى.
تصاعدت حركة الأكراد القومية بالتحالف مع أحزاب اليسار، وتطورت إلى كفاح مسلح ، هدد كيان الدولة القومية الذى أسسها مصطفى كمال ، مما أدى إلى إنقلاب عسكرىسنة 1980 بقيادة رئيس الأركان كنعان إيفرين ، والذى قام بقمع الإضطرابات بقوة السلاح ، كما أصدر المجلس العسكرى الحاكم دستوراً جديداً سنة 1982 ينص على وحدة الأمة التركية وعدم الإعتراف بأى قومية أخرى داخل تركيا ، وقام بحل الأحزاب اليسارية ، وعمد إلى مصادرة الصحف والمطبوعات الكردية، وتجريم إستخدام اللغة الكردية ، وسجن وتشريد الشخصيات الكردية البارزة ، لكن حكومة تورجوت أوزال التى تولت السلطة سنة 1983 عمدت إلى إجراء بعض الإصلاحات فى المناطق الكردية فى شرق البلاد، من أجل تهدئة الحالة الثورية فى البلاد، إلا أن ذلك لم يمنع حزب العمال الكردستانى من تفجير صراعه المسلح مع الدولة التركية سنة 1984 إنطلاقاً من شمال سوريا بشكل خاص ، والذى إستمر لنحو خمسة عشر عاماً حين قبض على زعيمه عبدالله اوجلان بنيروبى بكينيا سنة 1999م وصدر ضده حكماً بالإعدام خفف بعد ذلك إلى حكم بالسجن مدى الحياة.
ومع مجئ حكومة العدالة والتنمية إلى الحكم فى تركيا سنة 2002 بدأت محاولات التوصل إالى تسوية سياسية شاملة للقضية الكردية ، وبدوره أعلن أوجلان من سجنه ببحر مرمرة سنة 2004 عن إستعداده للقبول بمطلب الحكم الذاتى بدلاً من الإستقلال التام ، وبدأت سلسلسة مشاورات سرية متقطعة مع حكومة العدالة والتنمية ، برعاية أوغلو وأردوغان ، والذى حاول إستثمار ماضى العداء المشترك للكماليين ، الذى يجمعه بالأكراد ، للتوصل إلى تسوية سياسية يدعم بها حكم العدالة والتنمية ، وبالفعل أعلن عن تسوية سياسية سنة 2012م، ووضعت موضع التنفيذ الفعلى سنة 2013 والذى توج بنجاح حزب الشعوب الديموقراطى الكردى، الجناح السياسى لحزب العمال الكردستانى، فى دخول الإنتخابات التشريعية وحصوله على 80 مقعد من مقاعد البرلمان بنحو 13% من الأصوات سنة 2015 ، لكن علاقات السلم لم تدم طويلا بسبب حادث مقتل شرطيين تركيين قامت بها عناصر من حزب العمال ، وقيام الطائرات التركية بضرب معاقل الحزب على أثر ذلك، وبسبب الظرف الإقليمى - فى الواقع - وبروز دور حلفائه أكراد سوريا فى محاربة تنظيم الدولة الإسلامية - مما دفع بعناصر الحزب إلى العودة لإمتشاق السلاح ، والقتال مرة أخرى من أجل الإستقلال.

إنضم أكراد سوريا إلى الحركة الوطنية الكردية متأخرين ، بسبب قلتهم العددية بشكل أساسى ، حيث يتراوح عددهم بين مليون ومليونين نفس بأقصى تقدير، ويمثلون أقل شريحة عرقية فى المجتمع السورى، وأقل نسبة من عدد السكان الأكراد فى كردستان الكبرى بشكل عام ، والذى يعيش معظمهم فى تركيا ، ثم إيران والعراق ، وينحصر وجود الأكراد فى مناطق شمال شرق سوريا فى محافظة الحسكة والقامشلى وبعض التجمعات بشمال مدينة حلب، وشأنهم شأن عموم الأكراد ، فمعظمهم من السنة المسلمين ، مع أقلية من الشيعة واليزيديين ، تجمعهم جميعاً رابطة الدم قبل رابطة الدين ، وقد هاجر كثير منهم من تركيا ، ومن العراق بعد فشل ثورة الشيخ سعيد سنة 1925م بالتحديد ، وهو مادفع السلطات السورية إلى رفض منح كثير منهم الجنسية السورية فى الإحصاء الذى أجرته بشمال البلاد سنة 1962 ومثل أول أزمة كبرى مع الأكراد. وفى سنة 1957 أسس الأكراد، فرع الحزب الديموقراطى الكردستانى ، على غرار حزبى إيران والعراق ، وهو أول أحزابهم السياسية ، ولكن الحكومة السورية رفضت الإعتراف به، كما رفضت الإعتراف بباقى الأحزاب التى تكونت بعد ذلك، ومنها حزب الإتحاد الديموقراطى الذى تأسس سنة 2003 بقيادة صالح مسلم، كفرع لحزب العمال الكركستانى فى تركيا، والذى يتصدر المشهد السياسى الكردى اليوم وتتبع له قوات سوريا الديموقراطية ووحدات حماية الشعب الكردى، نظيرة قوات الروج آفا أو البشمركة السورية(الروج آفا مصطلح كردى يعنى غرب كردستان او كردستان السورية) التابعة للحزب الديموقراطى الكردستانى المنافس. وفى سنة 2004 إندلعت أول مواجهات مسلحة كبرى مع الحكومة السورية فيما عرف بأحداث القامشلى، وهى الأحداث التى نتجت عن مباراة لكرة القدم بين فريق كردى وفريق عربى جرت فى مدينة القامشلى ، نتج عنها أحداث شغب بين مشجعى الفريقين سرعان ماتطورت إلى أحداث شغب بين العرب والأكراد فى معظم المناطق الكردية ، مما دفع بقوات الأمن السورية إلى التدخل للسيطرة على الأحداث ، لكن تدخلها أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى الأكراد ، بحيث أصبح الأكراد يشيرون إلى هذه الأحداث أحياناً بإسم ثورة القامشلى. وعندما جاء بشار الأسد إلى الحكم سنة 2000 حاول إستمالة الأكراد والإعتراف بهم كمكون رئيسى من مكونات الشعب السورى، لكنه مع ذلك لم يقدم على تحقيق مطلبهم الأساسى فى منحهم جميعاً الجنسية السورية ومايترتب عليها من حقوق مدنية ، وفى سنة 2012 إنضم الأكراد إلى ثورة الشعب السورى ، وبعد أن دخل تنظيم الدولة الإسلامية سوريا سنة 2014 تصدى له الأكراد بتنظيماتهم العسكرية المشار إليها أعلاه ، وبدأ دورهم السياسى يبرز على مسرح الأحداث ، بالإضافة إلى ثقافتهم الليبرالية التى لفتت أنظار العالم ، وبدأت دول التحالف الغربى ، فى تثمين هذا الدور ودعمهم عسكرياً كقوى محلية قادرة على مواجهة التنظيمات الإرهابية ،على نحو ماحدث فى العراق.

وفى العراق إرتبطت الحركة القومية الكردية بالحركات اليسارية ، على نحو ماحدث فى تركيا ، فقد ساند الحزب الديموقراطى الكردسانى ثورة يوليو- تموز 1958 التى قادها عبدالكريم قاسم ، وفى المقابل إعترفت حكومة الثورة بحقوق الكرد القومية ونص الدستور المؤقت الذى وضعته الثورة على أن العرب والكرد هم شركاء وأن الدستور يضمن حقوقهم القومية فى إطار العراق الموحد. وهكذا تم الإفراج عن المعتقلين الأكراد وأخذت الصحف والمجلات الكردية تصدر علانية، وأصبح للحزب الديموقراطى الكردستانى حرية النشاط فى جميع أنحاء البلاد وأسست إدارة تابعة لوزارة المعارف من أجل تنظيم العمل التعليمى التربوى فى كردستان وقضى بإدخال اللغة الكردية فى مدارس كردستان.
وفى أكتوبرعام 1958 إستقبل عبدالكريم قاسم قائد الحركة الوطنية الكردية مصطفى البرزانى الذى عاد من المهجر والمرافقين له من القادة ، كما قامت حكومة قاسم بإلغاء قانون العشائر الذى حد من سيطرة الإقطاعيين على الفلاحين الأكراد ، لكن الحزب الديموقراطى الكردستانى رفض قوانين الإصلاح الزراعى التى صدرت بعد ذلك حيث لم تغير كثيراً من وضع الفلاحين الفعلى ، كما بدأت مطالب الأكراد تصطدم بالإتجاهات القومية العربية الشيفونية فى حكومة قاسم ، التى قادها البعثيون والناصريون، والتى كانت ترى فى الحركة الوطنية الكردية حركة إنفصالية عن العراق العربى ، فأخذ قاسم فى التراجع عن تنفيذ وعوده فى تأسيس الحكم الذاتى الكردى ، كما بدأت حكومة الثورة بإضطهاد الإتجاهات اليسارية بشكل عام ، وقامت بحل الحزب الشيوعى العراقى، وبدأ الحزب الديموقراطى الكردستانى يفقد نفوذة وتعرض للملاحقات مما إضطر مصطفى البرزانى إلى الرحيل عن بغداد ، ومع تصاعد الإحتجاجات الكردية بدأ قاسم يستخدم القوة المسلحة فى قمع تلك الإحتجاجات.
وفى فبراير عام 1963 أسقط القوميون حكومة قاسم وإستولوا على السلطة ودخلت القضية الكردية مرحلة جديدة من المواجهة مع الحكومة العراقية، فبعدما فشل النظام الجديد فى الوصول إلى تفاهم مع القيادات الكردية بدأت العمليات العسكرية ضد الشعب الكردى فى يونيومن نفس العام ، وأعلنت الحكومة مكافأة قدرها مائة ألف دينارعراقى(مائتى وخمسين ألف دولار) لمن يأتى بمصطفى البرزانى ، حياً أو ميتاً ، كما قامت بالتنيسق مع تركيا وإيران لضرب الحركة الوطنية الكردية فى جميع أنحاء كردستان.
وفى نوفمبر 1963 تمكن الناصريان ، عبدالسلام عارف وشقيقه عبدالرحمن، من الإطاحة بالقيادة البعثية لثورة يوليو- تموز والإستيلاء على السلطة وبدأوا بدورهم فى محاولة تحقيق تسوية سياسية للقضية الكردية وبالفعل تم التوصل فى فبراير 1964 إلى تسوية سياسية تم بمقتضاها وقف القتال ، لكنها لم تصل إلى حدود منح الأكراد الحكم الذاتى المأمول ، ولذلك فسرعان ماإستونفت العمليات العسكرية مرة أخرى. وفى حدود ذلك الوقت أيضاً ظهر الإنشقاق الكبير فى صفوف الحزب الديموقراطى الكردستانى العراقى،حيث إنقسم إلى مجموعتين، مجموعة ظلت على ولائها لمصطفى البرزانى، ومجموعة جديدة تبعت عضو المكتب السياسى جلال طالبانى، وهو الإنشقاق الذى ترتب عليه تأسيس حزب الإتحاد الوطنى الكردستانى بقيادة جلال طالبانى سنة 1975 ، والذى ساهم فى إرباك المشهد السياسى للحركة الوطنية الكردية بعد ذلك.
وبعد مصرع عبدالسلام عارف فى إبريل 1966 فى حادث جوى تولى شقيقه عبدالرحمن السلطة وإستمر فى إتباع نفس النهج التعسفى فى معالجة القضية التركية، وفى خلال حكمه جرت معركة راوندوز الشهيرة التى أوقعت فيها القوات الكردية خسائر كبيرة فى صفوف القوات الحكومية العراقية وأجبرت عبدالرحمن عارف على العودة إلى طاولة المفاوضات بحثاُ عن حل سياسى للأزمة ، وبالفعل تم التوصل فى يونيو 1966 إلى إتفاقية سلام أنهت حالة الحرب وإعترفت بحقوق الكرد القومية وتم تثبيت ذلك فى الدستور.
وفى يوليو 1968 قام البعثيون بإنقلاب حكومى بقيادة الجنرال أحمد حسن البكر، وألفوا حكومة من أعضاء حزب البعث فقط. ورغم وعد البكر بالديموقراطية ، فإن الدستور الجديد الذى وضعه البعثيون فى سبتمبر 1968 حظر نشاط جميع الأحزاب السياسية بإستثناء حزب البعث ، كما لم يتضمن أى بنود محددة بشأن الحكم الذاتى للأكراد وظلت المسألة الكردية معلقة حتى أواسط 1969 عندما قام الرئيس البكر بمحاولة للتقرب من الأحزاب اليسارية وقام بضم بعض اليساريين إلى حكومته.
ومع أوائل عام 1970 تحسنت العلاقات بين الأكراد والحكومة العراقية وأعلن نائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين عن نيته فى التوصل لحل عادل للقضية الكردية. وبالفعل تم التوصل فى مارس من نفس السنة إلى إتفاقية الحل السلمى للقضية الكردية ومُنح الأكراد حق الحكم الذاتى وتم تعيين ممثل للأكراد فى منصب نائب رئيس الجمهورية ، كما تم الإعتراف بفصائل البشمركة كقوة عسكرية شرعية تقوم بمهام حفظ الأمن فى المناطق الكردية، وذلك بتأييد من الإتحاد السوفيتى الذى إتجه الحكم الجديد إلى تقوية العلاقات معه فى مواجهة المعسكر الغربى، ومع ذلك فقد ظلت هناك أصوات قومية شوفينية معارضة لذلك الإتفاق مع الأكراد ولتوجهات الأحزاب اليسارية الأخرى، وجرت محاولة لإغتيال مصطفى البرزانى كما حدثت موجة من الإضهادات والإغتيالات لأعضاء الحزب الشيوعى العراقى. ولكن وفى أواسط نوفمبر1971 أعلن الرئيس البكر مشروع الميثاق الوطنى والذى أكد على ضرورة وحدة الأحزاب التقدمية ومنها ، الحزب الديموقراطى الكردستانى والحزب الشيوعى العراقى ، وفى أواسط عام 1973 تأسست الجبهة القومية التقدمية التى إنضم إليها الكردستانى العراقى والشيوعى العراقى، وفى مارس1974 أعلنت الحكومة العراقية القانون 33 حول تطبيق الحكم الذاتى للشعب الكردى، وأصبحت أربيل مركزاً لمنطقة الحكم الذاتى ، كما أعلنت اللغة الكردية لغة رسمية للإقليم ، إلا أن الأكثرية فى قيادة الحزب الديموقراطى الكردستانى وقفت موقفاً سلبياً من القانون بحجة سيطرة البعثيين على الجبهة القومية والإختلاف حول الأماكن المحددة للحكم الذاتى، ولم تنجح المفاوضات التى جرت مع الحكومة فى تذليل تلك العقبات وبدأت العناصر اليمينية فى الحزب الديموقراطى الكردستانى تعمل على ضرب الإتفاق، مما ترتب عليه قيام نزاع مسلح مع الحكومة العراقية خلال فترة 1974-1975 أدى إلى القضاء على إتفاقية مارس-آذار 1970 وقتل أول مشروع حقيقى للحكم الذاتى للأكراد.
وفى أعقاب فشل نضال الأكراد بقيادة مصطفى البرزانى سنة 1975، شهدت العلاقات الكردية العراقية مسارات متباينة، فقد قامت السلطات البعثية بتهجير جماعى للأكراد إلى مختلف المناطق العربية من العراق، مما إضطر آلاف من العائلات الكردية إلى الهرب إلى كردستان إيران ، كما عمدت إلى التنكيل بحلفائهم فى الجبهة القومية من الشيوعيين واليساريين الأكراد، وقامت بالتنسيق مع تركيا بمحاولة قمع الحركة الوطنية الكردية، إلا أن الظروف قد تغيرت بنشوب النزاع المسلح مع إيران الثورة الإسلامية سنة 1980 مما إضطر صدام حسين لزيارة كردستان ، والإعلان عن إستمرار تأييده لإتفاق آذار للحكم الذاتى. لم تكلل جهود صدام حسين بالنجاح، فقد رأى الحزب الديموقراطى الكردستانى، الذى تولى قيادته مسعود برزانى بعد وفاة والده مصطفى البرزانى سنة 1979 ، فى الحرب الإيرانية العراقية فرصة لتحقيق الإستقلال ، فأعلن تحالفه مع إيران سنة 1983 ، بينما حاول الإتحاد الوطنى الكردستانى الوقوف موقف الحياد ، لكنه إنحاز فى النهاية إلى إيران ، ولذلك فبمجرد أن إنتهت الحرب سنة 1988 بادر صدام حسين بشن حرب تصفية حسابات على الشمال الكردى عرفت بإسم حملة الأنفال ، إستخدام فيها كل أسلحة الجيش العراقى البرية والجوية ، كما إستخدم الأسلحة الكيماوية فى ضرب منطقة حلبجة الكردية فقتل مايزيد عن خمسة آلاف مدنى كردى فى مجرد لحظات.
وبعد سنتين من هذا التاريخ غزا صدام حسين الكويت ، ولعب الأكراد دوراً هاماً فى عملية تحرير الكويت التى قادتها الولايات المتحدة، وبعد إنتهاء الحرب حاول صدام حسين تكرار سيناريو تصفية الحسابات الذى قام به فى أعقاب إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988 وبدأ فى ضرب المناطق الكردية بالطائرات عقاباً لها على مساعدتها لقوات التحالف الدولى ، لكن مجلس الأمن أسرع بإصدار قرار بمنطقة حظر جوى فى شمال العراق سنة 1991 بناء على طلب بريطانى أمريكى ، ومنذ ذلك التاريخ دخلت قضية أكراد العراق مرحلة جديدة ، إذ اصبحت كردستان العراق خارج قبضة النظام العراقى، وأصبح الحكم الذاتى حقيقة على أرض الواقع ، وبعد سقوط نظام صدام حسين سنة 2003 ، حصل الأكراد رسمياً على حق الحكم الذاتى بموجب الدستور الجديد سنة 2005، وتقاسم الحزبان الرئيسيان الإشراف على المناطق الكردية، وكانت الولايات المتحدة قد تدخلت لتصفية النزاع المسلح الذى نشأ بينهما خلال السنوات 1994- 1998، ثم ومع تصاعد وتيرة الإرهاب فى المنطقة وسيطرة تنظيم الدولة داعش على مساحات واسعة من سوريا والعراق سنة 2014 ، وبروز دور أكراد العراق ، فى مواجهة هذا التنظيم ، وتثمين التحالف الغربى لهذا الدور، على نحو ماحدث فى سوريا ، أن تطور طموح أكراد العراق من مجرد الحكم الذاتى إلى الإستقلال التام ، وهو الهدف الذى لم تعد تخفيه القيادات الكردية ، المشاركة فى عملية تحرير الموصل الجارية الآن.

أما فى إيران، وبعد سقوط جمهورية مهاباد، فقد جرى التنكيل بمعظم أعضاء الحزب الديموقراطى الكردستانى ، وأصيب نشاط الحزب بالشلل ، وحكم على كثير من أعضائه بفترات سجن طويلة ، خاصة بعد محاولة الإغتيال الفاشلة التى تعرض لها الشاه محمد رضا بهلوى سنة 1949، ولكن ومع مجئ حكومة مصدق الليبرالية ، نشط الحزب مرة أخرى ، وخاصة فى مدينتى مهاباد وبوكان ، وقام بإعادة تنظيم صفوفه ودخل فى تحالف مع حزب الشعب الإيرانى (حزب تودة الشيوعى) إلا أن حكومة مصدق لم تعمر طويلاً وتم الإنقلاب عليها سنة 1953 وعاد أعضاء الحزب الديموقراطى الكردستانى إلى السجون مرة أخرى.
كان لتأييد الشاه لثورة الأكراد فى العراق، كيدأ للحكومة العراقية التى أيدت إنقلاب مصدق، أثر سلبياً على وحدة الحزب الديموقراطى الكردستانى الإيرانى ، فقد شقت صفوفه وظهرت مجموعة يمينية مالت إلى التحالف مع الشاه وقطع العلاقات مع حزب تودة ، وأصدر الحزب فى مؤتمره العام الثانى سنة 1964 نداءً بضرورة وقف الأعمال العدائية ضد حكومة الشاه ، بحجة أنها تضر بالثورة الكردية فى العراق، وفى ظل هذا الإنقسام، وفى ظل تنكيل حكومة الشاه بالعناصر المعارضة ، إضطر عدد كبير من القيادات إلى الهرب خارج إيران ، لكن هذه السياسة المزدوجة التى إتبعها الشاه لم تنجح، فسرعان ماإشتعل كفاح الأكراد المسلح مرة أخرى عام 1967 بتوجيه قيادات الحزب العائدة من الخارج. وفى عام 1968 أصدرت مجموعة من قيادات الحزب بياناً دعت فيه إلى حرب العصابات مسترشدة بالثورة الكوبية، وردت السلطات الإيرانية بمنتهى القسوة وإعتقلت كثير من قيادات الحزب وقامت بإعدامهم، وعلقت جثة سليمان معينى ، عضو اللجنة المركزية للحزب على أعواد المشانق فى عدد من المدن بالتناوب.
لكن إتفاقية مارس-آذار عام 1970 بين الحكومة العراقية وقيادة الحركة الكردية فى العراق، مثلت إلهاماً لأكراد إيران فأستأنفوا الكفاح بعد فشل ثورة1967-1968م. وفى يونيو 1971م عقد الحزب الديموقراطى الكردستانى الإيرانى مؤتمره العام الثالث ووضع برنامجاً جديداً أكد على وحدة صفوفه وعلى مواصلة النضال ضد قوة السافاك ورفع شعار(ديموقراطية لإيران ، والحكم الذاتى لكوردستان) كما دعى إلى إعادة إصدار مجلة كردستان بصورة دورية وبتنظيم جبهة واحدة مع باقى الأحزاب اليسارية فى النضال ضد الشاه ، وفى ظل الإحتجاجات الثورية التى شهدتها المدن الإيرانية ومناطق كردستان سنة 1978، قبيل الثورة الإسلامية ، إضطرت حكومة الشاه إلى تقديم بعض التنازلات وسمحت بعلنية الأحزاب السياسية ، مما مكن باقى أعضاء الحزب، الذين كانوا فى الخارج ، من العودة إلى الوطن، وقيادة كفاح الأكراد مع سائر الأحزاب ، والمنظمات الإجتماعية الأخرى.
إعترف آية الله الخمينى ، قائد الثورة الإسلامية الإيرانية ، من منفاه فى باريس ، بدور الأقليات القومية فى عملية إنجاح الثورة ، ولكنه سرعان ماتراجع عن هذا الإعتراف بعد أن نجحت الثورة وتم طرد الشاه من البلاد ، وبدأت حكومة الملالى التى سيطرت على الحكم الجديد ، فى إضطهاد الأقليات القومية، والعمل على تثبيت الركائز المذهبية الشيعية وحدها كأساس للدولة الجديدة، وإعتبرت مطالب الأكراد مطالب إنفصالية شأنها شأن النظام السابق. وفى ظل ذلك الموقف المتأرجح قامت فصائل الأكراد المسلحة فى ربيع 1978 ، بقيادة الحزب الديمقراطى الكردستانى، مستغلة حالة الإرتباك فى طهران، بالإستيلاء على أراضى واسعة من كردستان إيران، وقامت بوضع مشروع تفصيلى للحكم الذاتى. ورداً على ذلك قامت السلطات الجديدة ، بقيادة الحرس الثورى، والقوات الحكومية ، بإجتياح أراضى كردستان ، وإنشاء محاكم إسلامية محلية لتصفية الثوار، مما إضطر عبدالرحمن قاسملو زعيم الحزب الديموقراطى الكردستانى إلى الهرب إلى المناطق الجبلية فى شمال غربى إيران، وقيادة الثورة من هناك ، بعد أن تكبد الأكراد خسائر فادحة أمام قوات الحرس الثورى والقوات الحكومية ، المدعومة بالمدرعات والطائرات.
وفى أواخر عام 1979 أرسلت حكومة مهدى بازركان وفداً للتفاوض إلى كردستان فى محاولة للوصول إلى حل سلمى لقضية الأكراد ، وبالفعل تم التوصل إلى إتفاق مبدأى ، يقضى بإجراء بعض الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية على أن تستمر المفاوضات السياسية من أجل التوصل إلى حل تام. وفى مارس 1980 وجه الحزب الديموقراطى الكردستانى رسالة إلى الرئيس الإيرانى الحسن بنى صدر دعاه فيها إلى إستئناف المفاوضات من أجل التوصل إلى حل سياسى لقضية الأكراد ، لكن بنى صدر إشترط أن يكون ذلك فى إطار دستور الدولة الإسلامية الجديدة ، التى تقوم على أسس الشريعة الإسلامية ، ولاتعترف بالأفكار القومية العلمانية ، التى يتبناها الأكراد ، وعلى نحو ماحدث زمن الشاه ، فقد أثار رفض الحكومة الإيرانية القبول بشروط الحكم الذاتى الكامل للأكراد ، خلافاً شديداً بين صفوف أعضاء الحزب ، أدت إلى شق الحزب إلى مجموعتين ، مجموعة عبدالرحمن قاسملو، رئيس الحزب ، الذى رأى التمسك بالأهداف الثابتة للحركة القومية العلمانية الكردية ، ومجموعة أخرى قادها نائب السكرتير العام للحزب غ . بلوريان، الذى رأى أنه يجب تعديل مطالب الأكراد وفق المرتكزات الأيدولوجية الدينية للحكم الإسلامى الجديد فى إيران ، والتى خرجت من الحزب، وشكلت تنظيم سياسى جديد خاص بها، تحت إسم الحزب الديموقراطى الكردستانى- أنصار المؤتمر الرابع.
وقد أدى ذلك الإنشقاق إلى إضعاف الحركة الثورية الكردية، وأعطى الفرصة لحكومة طهران للقضاء عليها ، فقامت فى يوليو 1980 بشن عملية عسكرية كبيرة فى أراضى كردستان ، رافقتها عملية إعتقالات وإعدامات واسعة فى صفوف القيادات الكردية ، لكن ظروف الحرب مع العراق ، إضطرت الحكومة الإيرانية إلى اللجوء إلى التفاوض مرة أخرى ، فأجرت فى نفس السنة 1980 سلسلة من المباحثات مع القادة الأكراد، لكنها إنتهت بالفشل ، فعادت إلى الخيار العسكرى مرة أخرى. وفى أواسط يناير عام 1981 ، أرسلت سلطات طهران تشكيلات عسكرية كبيرة إلى كردستان ، بقيادة الحرس الثورى، مدعومة بحملة دعائية إسلامية ضخمة ضد الحركة الوطنية للأكراد. وفى يونيو 1983 تمكنت القوات الإيرانية من الإستيلاء على المراكز الإستراتيجية على طول خط الحدود الإيرانية العراقية، وإستمرت فى عمليات التطهير العرقى ، بواسطة المحاكم الإسلامية المحلية ، التى أنشأتها لقيادة الحرب المقدسة ضد الأكراد السنة. وفى أوائل سنة 1985 ، أجريت جولة جديدة من المفاوضات ، إنتهت بالفشل أيضاً ، وذلك بسبب إصرارالحزب الديموقراطى الكردستانى، والذى وحد جهوده بجهود الأحزاب والمنظمات الثورية الأخرى ، كحزب كوملة اليسارى ، ومنظمة الشيخ عزالدين الحسينى ، وجماعة مجاهدى خلق ، وغيرهم ، على المطالب السياسية الثابتة لأكراد إيران فى الحكم الذاتى التام ، ولذلك دبرت طهران عملية إغتيال زعيمه عبدالرحمن قاسملو فى فيينا سنة 1989 فى عملية إتصفت بالغدر الشديد أثناء المفاوضات السرية التى عقدت بينه وبين بعض مندوبى الحكومة الإيرانية ، ثم أعقبت ذلك بإغتيال زعيمه اللاحق الدكتور صادق شرفنكى سنة 1992 أثناء حضوره مؤتمر للإشتراكية الدولية فى برلين ، وقد أضعفت تلك الإغتيالات من مركز الحزب ، كما نالت الهجمات المسلحة التى شنتها السلطات الإيرانية على قواعده ومقراته من معنوياته ، وجعلت كثير من قياداته تلجأ إلى شمال العراق ، لكن التطورات الأخيرة ، وبروز دور الأكراد على المسرح الإقليمى فى سوريا والعراق ، دفع بالحزب إلى إعادة تنظيم صفوفه وإرسال مقاتليه وقياداته إلى إيران مرة أخرى ، بتأييد من قيادة الفرع العراقى ، كما أعطت هذه الظروف الفرصة أيضاََ ، لتعاظم دور حزب الحياة الحرة الكردستانى ، فرع حزب العمال الكردسانى التركى المنافس ، فى قيادة الكفاح المسلح ، للشعب الكردى فى إيران.

وهكذا تقف الحركة الوطنية الكردية اليوم على مفترق طرق جديد ، مفترق طرق أشد خطورة من ذلك الذى وقفت عليه فى أعقاب الحرب العالمية الأولى ، ففى هذه الفترة من التاريخ ، كانت المنطقة ، وفى أعقاب سقوط الإمبراطورية العثمانية ، فى حالة من السيولة ، يمكن فى ظلها أن يعاد تشكيلها بسهولة ، كما كان يفترض فى معاهدة سيفر 1920 م ، والتى تطل برأسها الآن بعد كل هذه السنين ، أما اليوم وفى ظل وجود تركيا أردوغان ، وإيران الخمينى ، فليس من المنظور أبداً ان يكون هناك أى تفاهمات بهذا الخصوص ، وبإستثناء الحالة العراقية ، والتى مكنتها الظروف الإقليمية من فرض نفسها على أرض الواقع ، تبقى مشكلة الأكراد فى المناطق الأخرى شبه مستحيلة ، وحتى فى الحالة السورية ، الشبيهة بالحالة العراقية ، فليس من المتوقع أن ينجح الإنفصال، أو حتى مجرد الحكم الذاتى بهذه السهولة ، فلم يلق أردوغان بكل أوراق سوريا فى يد بوتن ، إلا ليدعمه الأخير فى منع إستقلال الشمال الكردى السورى، كما لم تقبل إيران وتركيا بالتقارب ، إلا بهدف قمع حلم دولة الأكراد ، الذى أصبح ممكن التحقيق فى سوريا والعراق ، فكيف يمكن أن يفعلا إذا ماتحركت الجموع الكردية الأكبر، التى تعيش داخل أراضيها ؟ أن من شأن ذلك أن يحدث زلزال جيوسياسى كبير فى الشرق الأوسط ، ونزف دم هائل لاتحمد عقباه ، إذا لم يتدخل العالم ، بشكل حاسم ، ومع ذلك فإن كل هذا الجدل ، وكل هذه التحفظات المقبولة ، لن تغير من الواقع شئ ، فشعب من أكثر من ثلاثين مليون إنسان ، يحمل السلاح ، رجال ونساء ، ورغم تفرقه السياسى بين جبهتين ، الديموقراطى الكردستانى ، والعمال الكردستانى ، لن يثنيه عائق عن متابعة حقه فى تحقيق وحدته وإقامة دولته المستقلة ، بعد أن بذل كل هذه التضحيات ، عبر كل هذه السنين ، كما أن العالم بدوره ، لن يستطيع مواصلة الإنكار، أن هذا الجزء الموبوء منه ، فى حاجة إلى هذه الدولة الكردية المسلمة ، عريقة الجذور، ليبرالية الثقافة ، التى تحترم المرأة ، وتسامح فى العقيدة ، وتقاتل على الوطن، وليس على الدين، لتقف حاجزاً بين إمبراطوريات الدين الشرق أوسطية البربرية ، وتقدم النموذج القومى البديل !!!

أهم المراجع:
1-خلاصة تاريخ الكرد وكردستان - محمد أمين زكى- دار الشئون الثقافية العامة- بغداد
2-الكرد وكردستان - أرشاك سافراسيان - ترجمة د. أحمد محمود خليل - دار سردم للنشر- السليمانية -كردستان العراق
3-إحتلال وتقسيم كردستان- سلام تاوخوش - ترجمة يوسف كمال- مكب التفسير- أربيل- كردستان.
4-الحركة الكردية فى العصر الحديث - جليلى جليل ومجموعة مؤلفين - ترجمة د.عبدى حجى- مطبعة خانى- دهوك - كردستان العراق
5-لاأصدقاء سوى الجبال - هارفى موريس وجون بلوج - ترجمة راج آل محمد- إخراج باران كمبيوتر-ميرفان دركى - بيروت
6-الكرد - دراسة سوسيولوجية وتاريخية - باسيلى نيكيتين - ترجمة د. نورى الطالبانى - مكتب الفكر والتوعية - الإتحاد الوطنى الكردستانى.
7-دراسات وثائقية فى تاريخ الكرد وحضارتهم- د.عماد عبدالسلام رؤوف- دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق - سوريا.