رسالة الى قائد شيوعي(6)

ابراهيم الحريري
2016 / 12 / 28

رسالة الى قائد شيوعي(6)
ظواهر ضارة
ابراهيم الحريري
اكاد اسمع، هنا و هناك، بعض التعليقات : ماذا فعلنا للحريري؟ هل" قصرنا" معه؟ الم يكن موضع احترامنا و رعايتنا؟ أَلم نفتح له الأبواب، على سعتها، عندما اختار العودة؟
بلى. حظيت بكل ذلك و اكثر، بل بلغ الأمر حد " التدليل"! ما كان محرجا و موضع نقد. و انا ممتن لما حظيت به، و آسف لما كان يسببه من احراج. لكن ليس لما اكتبه علاقة بالموقف من هذا الشخص او ذاك، ايا كان مركزه فهم، جميعا، رفاقي اكن لهم كل الود و الآحترام، و اُكبِرما انجزوه و حققوه في ظروف بالغة الصعوبة.
اعتقد ان نشخيص بعض الظواهر الخاطئة و المضرة لا ينتقص من احد، بل ينبغي ان يفرح من يحرص، حقا، على مصلحة الحزب و يعمل على تحسين ادائه و زيادة فعاليته في الحياة السياسية، و في تحقيق برامجه. لا اعتقد ان ذلك، اي استمرار هذه الظواهر، في مصلحة احد، الا من له مصلحة في استمرارها لدوافع ذاتية.
من بين هذه الظواهر موضع النقد، النفاق و التملق.و هي تشيع، غالبا، للحصول على رضا القائد، او على مكسب ذاتي، كأن يكون التقدم الى مركز اعلى الخ... من الأَغراض التي لا علاقة لها بالمبادئ و لا بالمصلحة العامة، للحزب و للناس، و هما لا ينفصلان.
كذلك التملق و النفاق، فهما صنوان، آفتان متلازمتان تكاد تكون عامتين ، لهما جذورهما الأجتماعية ، طالما حللها الباحثون الأِجتماعيون، في مقدمهم الباحث الجليل، الراحل ، د. على الوردي، و ليس هنا مجال الأِضافة و الأِفاضة، و لا يمكن تحصين الحزب، او اية مؤسسة ، حكومية كانت او غير حكومية، تحصينها، تماما، من تسرب هذه الآفات، خصوصا اذا كان المسؤولـ او القائد يحِرّم النقد او يضيق به، و يستطيب، بدل ذلك، المديح و يشجع عليه.
الضعف ازاء المديح امر انساني، نعاني منه،جميعا، او اغلبنا، او بعضنا، ولست استثناءً، احاول ان اكافحه لدي. لكن عندما يتحول هذا الضعف الى ظاهرة مرضية،عندما يجري تشجيعه، بل المطالبة به، مباشرة، كما يفعل" الزعماء" الدكتاتورين، المهووسون بذواتهم، او بصورة غير مباشرة، عندها يتحول الى خطر يهدد الحياة العامة،أ و الحياة الحزبية. و يمكن الأِستشهاد بالكثير من الأَمثلة: ستالين، ماوتسي تونغ، كيم ال سونغ و ذريته الخ...
سيتكوم عليك، ايها الرفيق، البعض من هؤلاء، " اخوان الشياطين" كما تصفهم الآية الكريمة، او " اكلة الجبنة" كما يسميهم المثل الفرنسي ( لست متأكدا ما اذا كان الأستشهاد دقيقا)، و هم انفسهم، او بعضهم، من سيستغيبك، عندما تدير ظهرك! فهذه عادة شائعة.
و لقد حدث ما يشبه هذه الممارسة، و ان يكن بشكل معاكس، امامي. كنت في مكتب احدى الهيئات المرتبطة بالحزب انتظر لقاء رفيق قديم، لم التقه منذ سنوات. و حدث ان رفيقا آخر كان في غرفة اخرى، يعرف الرفيق القادم. ما ان عرف بذلك حتى بدأ يسلقه بأَلسنة حداد، لدرجة اني توقعت انه سيأخذ بخناقة اذا التقاه. انتظرت حتى استدعيت للقاء القادم. وجدت" الآخر" سبقني الى استقبال القادم، عانقه و رحب به! منذ ذلك الوقت و هو يتردد على زيارته بين الآن و الآن!
و من بين الظواهر، المقلقة، شيوع النقد خارج الهيئات، اي ما اصطلح على تسميته، في زماننا ب" التسيب"! و الملفت ان هذه الممارسة تكاد تكون شائعة، فما اكاد احضر بعض اللقاءات الأِجتماعية التي تضم بعض الرفاق، الا و يبدأ" الكَصّ"! على اصوله!
ينبغي، بالتأكيد، ادانة هذه الظاهرة، لكن هذا لا يكفي. ينبغي، لمعالجتها، البحث في اسبابها.
ان مراجعة متأنية للكتابات التي تعلق على ما كتبته خلال الأيام الماضية، و اكثرها ينضح مرارة من غياب الحياة الحزبية السليمة، بشكل خاص غياب النقد، او قمعه، تكشف ان وراء ما يسمى ب" التسيب" يكمن غياب النقد، البرم به لدرجة قمعه. فعندما لايجد عضو الحزب مجالا لنقد بعض الممارسات داخل الهيئة الحزبية، فانه سيمارسه خارجها، و قد يتعرض بسبب ممارسته للتسيب للعقوبة! لكن العقوبة لن تفلح في معالجة التسيب، بل ستفاقمه، و هكذا دواليك.

ذلك ان التسيب هو الوجه الأخر لغياب الحياة الحزبية السليمة. هما صنوان لا يفترقان، يغذي احدهما الآخر.
ستواجه القائد و الهيئات المختصة، خصوصا هيئة الرقابة المركزية، مسؤولية جسيمة، مسؤولية بذل جهد اكبر لمعافاة الحياة الحزبية، بتعزيز الديمقراطية داخل الحزب، بما في ذلك، بل بشكل خاص، تشجيع النقد داخل الهيئات الحزبية، و محاسبة كل من ينتهك ذلك، لا من يمارس حقه في النقد و المحاسبة.
سيكون من المبالغة، حد الحلم، توقع زوال كل المظاهر الخاطئة، الضارة، في حياة الحزب. ذلك ان اكثرها له جذور فيما يحيط الحزب، من ثقافة و عادات و تقاليد، اذ ليس ممكن بناء حزب من " الملائكة"! لكن هذا لا يعني الأِستسسلام لها و التعايش معها، خصوصا الكذب، لكن يمكن، بل يجب، مكافحتها و التقليل من تاثيرها الى الحد الأَدنى.
اجل! ان ذلك ممكن، اذا توفرت البصيرة و...الأِرادة!
بغداد 28 -12- 2016