تطور مفهوم الوطنية في العراق (القسم الاول)

سلمان رشيد محمد الهلالي
2016 / 12 / 24

تطور مفهوم الوطنية في العراق (القسم الاول)
الوطنية patriotism بحسب التعريف المبسط والتقليدي هى حب الوطن والعمل على خيره والدفاع عنه , الا ان التعريف الواقعي والشامل هو: العمل باخلاص في سبيل المجتمع او الوطن دون مقابل او اعلام او ضجيج او دعاية , والتضحية المادية والمعنوية والجسدية في سبيل حمايته وارتقائه واستقلاله وتحرره من القوى الخارجية والداخلية التي لاتريد العدالة والتقدم والرفاه له , والحفاظ على مؤسساته وكرامته وسيادته وممتلكاته , وان يكون المعيار في تحديد هذه الممارسات والسلوكيات هو المصلحة العليا للبلد التي يحصل عليها الاجماع النسبي عند اغلب فئات المجتمع, وليس الاجتهادات الفردية والحزبية التي تخضع في اغلب الاحيان الى منطق السياسات المصلحية والانية . ويعود اصل المفردة الى الكلمة يونانية (باتريوتيس) التي استخدمت لوصف اليونانيين الذين يرجعون الى اصول متعددة , تمييزا عن البرابرة الذين عما قيل انهم يرجعون الى اصل واحد . والوطن – من حيث الاساس – قطعة من الارض , والامة - في حقيقة الامر - جماعة من البشر , اي ان الوطنية هى ارتباط الفرد بقطعة من الارض تعرف باسم الوطن , والقومية Nationalism هى ارتباط الفرد بجماعة من البشر تعرف باسم الامة . والوطن هو عبارة عن رقعة جغرافية معينة لها حدود معروفة يعيش عليها مجموعة من البشر لهم تاريخ مشترك دون شرط الانتماء الى قومية او دين او عرق واحد , ويكون لهذه الرقعة اسم محدد ونظام سياسي فيه مؤسسات ثابتة .والهوية الوطنية – كما عرفها لؤي خزعل – هى بنية سايكو – سوسيولوجية تمثل هوية اجتماعية تعبر عن نزوع عميق لتقدير الذات , وهى ليست بنية استاتيكية (ثابتة) مغلقة تعمل على مستوى المطلق , وانما بنية ديناميكية (متحركة) منفتحة متعددة الابعاد تتصف بالمرونة والتلقائية والنسبية على صعيد الحركة , تسهم في تحقيق الامن النفسي والاستقرار الانفعالي للانسان من خلال تعزيز شعوره بالمكانة والاحترام والكرامة . بمعنى ان الوطنية ليست جوهر اصلاني ثابت على مدى الازمان , بل هو هى بنية متغيرة في الزمان متحولة في المكان , تتداخل معها السياسة والايديولوجيا والدين والمذهب والمصلحة الشخصية والحزبية وغيرها , فقد تنسجم اوتتماهى معها مرات عدة , وقد تتناقض معها مرات اخرى . وهى عبارة عن ممارسات وسلوكيات تخضع – على الاعم - لتحديد وتعريف السلطة النافذة في المجتمع , واهمها الحكومات التي تملك تحديد المفاهيم من خلال الاعلام والتربية والتعليم والقوات المسلحة وغيرها , او من خلال الايديولوجيا السياسية الفاعلة او حتى المعارضة ,او ربما من الاثنين معا . وسبق ان ذكر ميشيل فوكو دور السلطة في صنع الحقيقة والخطاب (فالنظام المعرفي او الخطاب قلما تصنعه المعرفة ذاتها , بل انها تجد نفسها اسيرة فيه من خلال السلطة او ممارسة سلطوية او تعبير عن سلطة) , لذا نجد مصداق هذه الظاهرة في العراق بوضوح , فمعيار الوطنية قد خضع لتحديد السلطة في الاغلب او معيار الايديولوجية المعارضة في احيان اخرى , لذا نجد فيه ظاهرة التحول في تحديد مفهوم الوطنية على مدى القرن العشرين والسنوات التي تبعته , فالسياسي او الحزب السياسي قد تجده عند العراقيين وطنيا في مرحلة تاريخية معينة , الا انك تجده وقد تحول عندهم الى عميل او ربما الى خائن , وابلغ دليل عندنا السياسي العراقي المعروف نوري السعيد فهو عندهم وطني قبل الحرب العالمية الثانية ,الا انه قد تحول عندم الى عميل وخائن بعدها , بسبب تداعيات الحرب الباردة وتحول النظام المعرفي والسياسي , واعتبار اي شخص ينحاز الى المعسكر الغربي الليبرالي عميلا للاستعمار والامبريالية والصهيونية العالمية والماسونية وغيرها من المفاهيم الخطابية التي كانت رائجة في الخمسينات والستينات . لذا تجد ان هناك من يقدم مصلحة السلطة على حساب الوطن بدعوى الوطنية , وهناك من يقدم مصلحة الحزب والايديولوجيا التي ينتمي اليها على حساب الوطن بدعوى الوطنية , وهناك من يقدم المصلحة الذاتية والفردية على حساب الوطن بدعوى الوطنية , وهناك من يختطف الوطن كله لصالح العائلة او القائد الاوحد بدعوى الوطنية , وهناك من يرى التضاد والمقاومة والمواجهة مع الغرب هو معيار الوطنية فقط , فيما يرى بعضهم ان مواجهة السلطة المستبدة التي تستعبد المجتمع والناس هى الوطنية , فيما يعتقد اخرون ان الوقوف مع السلطة (اي سلطة) ضد المعارضة (اي معارضة)هى الوطنية , وغيرها من المسارات والتحولات التي واكبت هذا المفهوم في العراق.
والوطنية هى درجات ومقامات متعددة , فهناك من يضحي بنفسه في سبيل الوطن , وهى حتما اعلى درجات الوطنية , وهناك من يبذل الاموال فقط , وهناك من يقدم العمل والجهد والحماية , وهناك من لاحظ له سوى الاعلام والضجيج والخطابات الثورية والادعاءات الفارغة والاكاذيب , والنمط الاخير للاسف هو المهيمن عندنا في العراق , واشار اليه اولا الدكتور علي الوردي في قوله بانه طيلة وجوده في الولايات المتحدة الامريكية اثناء مرحلة الدراسة هناك , لم يجد امريكيا يتغنى بالوطنية او يرفع شعارتها , الا انهم يقفوف في طوابير طويلة للتطوع اثناء الحرب العالمية الثانية من اجل الدفاع عنه (ينسون الوطن في اقوالهم ويخدمونه في اعمالهم), الا انه في العراق تجد الجميع يتغنى في الوطن ويرفع الشعارات والخطابات الحماسية والوطنية , ولكن ماان تاتي الى سياق الواجبات الملقاة على عاتقهم مثل خدمة العلم وغيرها , حتى ياخذون بالتهرب والتسيب والبحث عن الاعذار من اجل التملص منها . وهذا الموضوع يحيلنا الى مقاربة اخرى عن الوطنية وهو (المواطنة) Citizenship التي عرفت بانها انتماء الانسان او الفرد الى هذه الرقعة الجغرافية المحدده والتي اسميناها (الوطن) واستقراره بها والحصول على جنسيتها والخضوع لقوانينها والالتزام بواجباتها والحصول على حقوقها التي تستطيع ان توفرها واهمها العيش الكريم والامن والسلام والعدالة والحرية , الا اننا وجدنا في العراق ان تراكم الوعي السياسي في البلاد ادى الى زيادة المطالبة بالحقوق على حساب الواجبات , وهى ايضا من الاشارات التي ذكرها ايضا الدكتور علي الوردي في معرض نقده للانتلجنسيا العراقية التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية وخضوعها لمنطق التناشز الاجتماعي في رؤيتها للدولة بسبب الايديولوجيات الثورية الوافدة , فهم يطالبون الدولة العراقية ان تكون مثل السويد في مجال توفيرها للحقوق والخدمات للمجتمع او الشعب , ولكنهم من جانب اخر يتعاملون معها في الواجبات المترتبة عليهم , كما كان اجدادهم يتعاملون مع الدولة العثمانية , من حيث التسيب والانعدام الكلي في الالتزام الوظيفي والتربوي والاخلاقي تجاه الدولة ومؤسساتها .
تبلور مفهوم الوطن في اوربا في القرن السادس عشر, واعطى معنى (البلاد زائدا الحرية) ومن هنا جاءت عبارة روسو (من لاوطن له , فلديه بلاد على الاقل) مستبعدا وجودها في نظام ديكتاتوري مستبد , وكذلك عبارة ماركس الشهيرة (العمال لاوطن لهم) وتاكيد جي موباسان (اذا ذهبت الحرية عن بلاد , بقيت البلاد , ولكن غاب الوطن) واخذت الكلمة طريقها في عصر النهضة الى اللغات الاوربية , واستعملت على نطاق واسع في حرب الثمانين عاما (1568 – 1648) او حرب الاستقلال الهولندية ضد سطوة التاج الاسباني , اذ وصف ويليام الصامت وغيره من الكالفيين انفسهم بالوطنيين . وفي القرن الثامن عشر اضيقت ياء النسب الى المفردة وظهر لنا اصطلاح (الوطني) لوصف الانسان الذي يوسم بهذه الصفة , وادخلها الفيلسوف البريطاني المعروف ديفيد هيوم الى الثقافة السياسية , ووصفها هيغل (المشاعر السياسية) . ولكن يجب القول ان مفهوم الوطنية والقومية قد حصل بينهما انسجام في اوربا وتشاطرا حدود جغرافية وسياسية وثقافية واحدة في الدول / الامم الاوربية , حتى ان البعض يذكرهما بمفردة واحدة وهى (National) وليس كما هو حاصل في العالم العربي الذي ارتبطت به الوطنية بالدولة القطرية المؤقتة والسلبية التي يجب تجاوزها الى دولة قومية اكثر عمومية .
في القرن التاسع عشر تلقف رواد النهضة العربية مفردة الوطنية والقومية في وقت واحد وضمن معنى مقارب , واصبحت المفردة متداولة في مصر وبلاد الشام , وربما يكون ابو التنوير العربي بطرس البستاني (1819 – 1883) اول من استعملها في مجلة الجنان البيروتية التي صدرت عام 1870 واخذ ينشر فيها اراءه السياسية والفكرية والاجتماعية , والتي كانت تضع عبارة (حب الوطن من الايمان) في صفحتها الاولى , وقد ظهر مفهوم الوطن والحنين اليه بقوة عند شعراء المهجر , وانتقل المفهوم الى العراق من خلال مجلة الجنان التي سبق ذكرناها , والتي كانت تصل اعدادها الى بغداد والموصل والبصرة وحتى العمارة في جنوب العراق . وتلقفه المثقفون او الانتلجنسيا العراقية التي تاخر ظهورها حتى الربع الاخير من القرن التاسع عشر بالقياس الى بلاد الشام ومصر على نطاق واسع وانبهار لافت , ولكن ضمن سياق رومانتيكي ومثالي يغلب عليه الجانب الادبي والغنائي .
ظهرت البواكير الاولى لانتشار الوعي السياسي عند العراقيين بعد الثورة الدستورية الايرانية عام 1906 والمعروفة في الادبيات التاريخية والسياسية بالمشروطية , الا ان انتشارها على الخريطة العراقية لم يكن شاملا بسبب السيطرة العثمانية والاستبداد الحميدي , واقتصرت على الحواضر الشيعية فقط كالنجف وكربلاء والكاظمية , ويعد كتاب الشيخ النائيني (تبية الامة وتنزيه المله) الذي نشر في اعقاب تلك الثورة , اول كتاب تناول المفردات السياسية الحديثة في العراق , وهو في نفس الوقت اول وثيقة ليبرالية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر , حيث ذكر كلمات ومفاهيم لم تكن معروفة انذاك في الاوساط الدينية والاجتماعية مثل كلمة (الوطن) , الا ان الثورة الدستورية او المشروطية التركية التي قامت بها جمعية الاتحاد والترقي في الدولة العثمانية عام 1908 واعلان الدستور الليبرالي الذي سمح في بلورة هامش من الحريات العامة والشخصية واطلاق الحياة الحزبية والصحفية , ساهم في انتشار مظاهر الانفتاح الاجتماعي والثقافي في البلاد , واطلاع الانتلجنسيا العراقيه على المفردات السياسية الحديثة والمفاهيم الغربية الفكرية كالوطنية والقومية والاشتراكية والامة والحرية والديمقراطية وغيرها , والمناداة بها كطريق احادي للاصلاح والتنوير والتحديث , ولكن الملفت للنظر ان المفهوم الوطني لم يتجلى بصورة واضحة بعد ثورة الاتحاديين ,لان العراق لم ينفصل عن الدولة العثمانية كليا , وان المطالبات التي كانت تنادي بها الجمعيات العلمية والادبية والسياسية -السرية منها والعلنية - كانت تنحصر او تندرج ضمن اطار اللامركزسة الادارية والحفاظ على الهوية العربية في مقابل الهوية العثمانية والاعتزاز بالتراث واللغة العربية , ونستطيع وصفها بالمطالبات القومية , لاسيما بعد انتهاج جمعية الاتحاد والترقي سياسه عنصرية شوفينية ضد العرب وباقي القوميات الاخرى , عرفت في المصنفات التاريخية والسياسية بالتتريك , والدليل ان الرصافي وعند نشره مقالة في مجلة لسان العرب عام 1913 حول الوطن والوطنية , نجد من خلال السياق وماطرحه من افكار , ان ماهية الوطن قصد بها الوطن العربي , والامة هى الامة العربية , وليس الوطن او الامة العراقية , الذي ذكره اول الامر الملك فيصل الاول عام 1921 , ولم يظهر لنا موقف وطني واضح المعالم لسبب بسيط , وهو عدم توفر الوطن بصورتة المحددة والمستقلة او المناداة به كعضو مستقل عن الدولة العثمانية , عدا الموقف السياسي الذي عبرت عنه (جمعية البصرة الاصلاحية) والمطالب بالهوية العراقية , من خلال مناداتها بان يكون على راس ادارة الولايات والمتصرفيات العراقية (عراقيا) , وليس تركيا كما جرت عليه العادة خلال السيطرة العثمانية التي دامت مايقارب الاربع قرون , وقد يذكر البعض ان رئيس الجمعية طالب النقيب كان يهدف من خلال هذه المطالبات الى زعامة ولاية البصرة او احدى المتصرفيات , ولكن يجب الاعتراف بان الشان السياسي متداخل بالضرورة مع المفاهيم الوطنية , ومن الصعوبة بمكان الفصل بينهما , فكثير من المطالبات الوطنية او تسمى وطنية لاتخفى من بعض الدوافع الشخصية والسياسية , الا اننا نعتقد ان التنويري العراقي الشيخ علي الشرقي - الذي هو احد اهم اعضاء هذه الجمعية ومعتمدها عند عشائر الوسط والجنوب - وراء تلك المطالبات الوطنية , فسبق له ان ايد الحركة الدستورية الاولى في ايران , والثانية في الدولة العثمانية ,وكانت له اراء اصلاحية وتنويرية متميزة وجريئة .
ويمكن تتبع تطور مفهوم الوطنية في العراق ضمن خمسة مراحل اوانماط رئيسية وهى :
النمط الوطني الاول : 1914 – 1921
النمط الوطني الثاني : 1921 – 1945
النمط الوطني الثالث : 1945 – 1963
النمط الوطني الرابع : 1963 – 2003
النمط الوطني الخامس : 2003 – (...؟؟...)
النمط الوطني الاول (المؤسس) : 1914 – 1921 .
وهى الفترة التي انحصرت خلال مرحلة الاحتلال البريطاني والادارة المباشرة لبلاد مابين النهرين , فقبل هذا التاريخ لم يتلمس العراقيون وجودهم واحساسهم بذاتهم كعراقيين , وكانت الجامعة الاسلامية التي اطلقها عبد الحميد الثاني لمواجهة الدول الغربية اثناء الحروب والصراعات المعروفة تاريخيا بالمسالة الشرقية هى التي تحدد توجهاتهم وميولهم الدينية والسياسية , واكد هذا الراي حنا بطاطو بقوله (في مطلع القرن العشرين لم يكن العراقيون شعبا واحدا او جماعة سياسية واحدة , وهذا لايعني الاشارة فقط الى وجود الكثير من الاقليات العرقية والدينية كالاكراد والتركمان والفرس والاشوريين والارمن والكلدانيين واليهود واليزيديين والصابئة واخرين , فالعرب انفسهم الذين يؤلفون اكثرية سكان العراق كانوا يتشكلون الى حد بعيد من جملة المجتمعات المتمايزة والمختلفة ) ولم يتلمس العراقيون وجودهم كشعب او امة مستقلة لها كينونة خاصة - وان كانت غير مكتملة المعالم او محددة الابعاد - الا بعد الاحتلال البريطاني للبلاد الذي بدأ عام 1914 وانتهى عام 1918 , فالاخر شرط الهوية , والعراقيون اعتبروا الانكليز هو الاخر , بحكم الاختلاف الديني والسياسي والمحمولات الاسلامية المتطرفة ضد الغرب والديانة المسيحية ذات الشحن العاطفي والشعبوي , والدليل اطلاق صفة الجهاد على المقاومة او المعارك التي حصلت ضد البريطانيين عام 1914 في البصرة , ورغم التداخل بين (الديني / الوطني) اثناء مواجهة الانكليز بحيث يصعب الفصل بينهما (وهى الاشكالية التي سوف يتم مواجهتها لاحقا في ثورة العشرين ايضا) , الا ان هذا العمل لم يعكس روحا وطنية واضحة المعالم , ليس بسبب التداخل الديني الفاعل فيها بحيث قد يغلب على المفاهيم السياسية الاخرى , وانما لان مفردة الوطن (الذي اشتقت منه الوطنية) لم يكن قد تبلور بقوة انذاك , وان الوعي بالحالة او النزعة العراقية قد شهد البواكير الاولى لتكوينه , ولم يكن متاصلا بصورة يمكن اطلاق عليها هذه الصفة بصورة اطلاقية او جزمية . وقريب لهذا الراي ماذكره الدكتور وميض نظمي في كتابه (الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية .......) بان العراقيين العرب كانوا خلال 1918 – 1921 قد تجاوزوا مرحلة العشائرية , ولكنهم لم يكتسبوا بعد الشروط الكاملة للقومية او الصفات المميزة للامة بمعناها الاوربي المحدد ( علما ان الدكتور يستخدم مفردتي الوطنية والقومية ضمن سياق واحد ) , وان الذي ساهم بقوة في معرفة العراقيين بذاتهم ضمن كيان سياسي محدد هم الانكليز وبياناتهم ووعودهم واعمالهم وغيرها , فقد عاملت سلطات الاحتلال البريطاني هذا المجتمع العراقي المتعدد الميول والاتجاهات والمنقسم دينيا واثنيا ومذهبيا وقبليا كمجتمع موحد , وظهر ذلك جليا في بيان الجنرال (مود) عام 1917 الذي اشار في خاتمته الى امكانية الادارة الذاتية للمجتمع العراقي , والتصريح الانكلو – فرنسي عام 1918 الذي تضمن وعدا بتحرير الشعوب التي رزحت تحت اعباء السيطرة العثمانية تحريرا تاما , مما عمل على تغذية الوعي الوطني في العراق و(احدث غليانا في بغداد) كما تقول المس بيل , حتى وصفه فيليب ايرلاند بانه (اساس مهم استند اليه المناضلين العراقيين في مطالباتهم بخلق كيان وطني مستقل) ,وصيغة الاستفتاء الذي عرضته الحكومة البريطانية عام 1918 على المتصرفيات العراقية حول طبيعة الحكم الذي يريدون والذي وصف بانه (خطوة ليبرالية) اعطت الامل عند العراقيين – ولاول مرة – في امكانية حكم انفسهم بانفسهم . كما ساهمت المبادىء او البنود الاربعة عشر التي اعلنها الرئيس الامريكي ويلسن عام 1919 حول تلبية نداء الشعوب المستعمرة والاذعان لرغبتها بالاستقلال والتحرر في الترويج لامكانية قيام كيان عراقي مستقل , فقد تفاعلت معه الانتلجنسيا العراقية حتى وصف بانه (انجيل القرن العشرين) واعتبر من اهم اسباب نمو (النزعة الوطنية) في العالم .
كما ساهمت الاحزاب والجمعيات السرية التي تاسست خلال فترة الاحتلال البريطاني المباشر في بلورة الهوية الوطنية العراقية من خلال مناداتها بالاستقلال , وقيام كيان عراقي – دستوري , وظهر هذا واضحا في منهاج حزب النجف السري الذي تاسس عام 1918 والمتضمن الدعوة الى استقلال العراق وتاسيس حكومة برئاسة احد ابناء الملك حسين بن علي شريف مكة ,. وجمعية حرس الاستقلال التي تاسست في بغداد عام 1919 التي اكدت ان غايتها السعي لاستقلال البلاد العراقية استقلالا مطلقا , وان يكون الحكم دستوريا وديمقراطيا . وجمعية العهد العراقية التي تاسست في دمشق عام 1918 من قبل فريق من الضباط العراقيين المنشقين عن الدولة العثمانية الذين خدموا مع الجيش الحجازي بعد الثورة العربية ضد الدولة العثمانية عام 1916 واكدت سعيها الى استقلال العراق استقلالا تاما ضمن الوحدة العربية , وغيرها من الجمعيات الفرعية والصغيرة الاخرى .وبرامج هذه الجمعيات ومناهجها يختلف كليا عن التوجهات السياسية للاحزاب والجمعيات العراقية والعربية التي تبلورت بعد ثورة الاتحاديين وقيام الحياة الحزبية عام 1908 والتي كانت مطالبها تنحصر ضمن السياق العام للدولة العثمانية , ولم تخرج عنه الا ضمن نطاق اللامركزية الادارية واعتماد اللغة العربية في المخاطبات الرسمية والمدارس العراقية والمساواة مع الاتراك في الوظائف والمناصب وغيرها .
بلغ الفعل الوطني ذروته خلال هذه المرحلة الاولى عام 1920 الذي شهد اعلان وانطلاق ثورة العشرين ضد سلطات الانتداب البريطاني . ففي نيسان عام 1920 اعلن المجلس الاعلى للحلفاء وقوع العراق تحت الانتداب البريطاني , الامر الذي عده الوطنيون ورجال الدين من الشيعة وبعض شيوخ العشائر اختلالا وخروجا عن الوعود البريطانية بالاستقلال الكامل والادارة الذاتية العراقية , وتعد هذه الثورة لحظة وطنية فارقة في تاريخ العراق الحديث ليس لانها ساهمت بصورة مباشرة في تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 فحسب , وانما لانها قد عملت على ترويج مفهوم الوطنية – ولاول مرة – عند العراقيين واعطائه بعدا شعبيا وحشديا بعد ان كان مفهوما نخبويا مقتصرا على المثقفين والمتعلمين فقط . كما انها ساهمت وبصورة كبيرة ايضا في معرفة العراقيين بذاتهم كعراقيين بعد ان كانوا يعدون انفسهم ضمن نطاق او سياق العشيرة او الاثنية او الدين او المحلة او المذهب .
وخلاصة القول ان هذا النمط الاول قد اعتبر (الاخر) او (الاجنبي) ومقاومته هو معيار الوطنية في العراق , وهو مايشكل لاحقا نسقا فاعلا في مفهوم الوطنية العراقية , وسياخذ ابعادا عصابية ودينية خطيرة , لها انعكاسات سلبية حول شكل العلاقة مع الغرب وكيفية التعامل مع الحضارة الغربية التي هى مرتكز الحداثة والتقدم . كما نجد ان قادة ومؤسسي هذا النمط سواء اكانوا من قادة الجمعيات والاحزاب المطالبة بالاستقلال والدولة الوطنية الدستورية او زعماء ورموز ثورة العشرين وغيرها هم من الاغلبية الشيعية في العراق , لذا نرى ان مطالباتهم وخطاباتهم كانت اكثر تركيزا على الوطنية بالقياس الى النمط القومي او الاصلاحي العثماني الذي كانت تطالب به الجمعيات والاحزاب العربية والعراقيه السنية في اسطنبول وفروعها في المنطقة .