هل ل(قيادة) الحزب الشيوعي العراقي مشكلة مع مشاعر الحب والقلق؟

طلال الربيعي
2016 / 12 / 24

هل للحزب الشيوعي العراقي مشكلة مع مشاعر الحب والقلق؟ قد يبدو هذا تساؤلا في غير محله في احسن الاحوال, او سخيفا في اسوء الاحوال. ولكن دعوني اوضح.

حسب التحليل النفسي, ان نقيض الحب ليس الكراهية, وانما اللامبالاة. وعدم دخول الحزب في حوار مع آخرين او الردود على تعليقاتهم واستفساراتهم في الحوار المتمدن, على سبيل المثال, هو نوع من اللامبالاة ونقيض للحب.
فالحزب نشر لحد الآن 429 مقالة او مادة في الحوار المتمدن, ولكننا لا نجد اي تعقيب او رد من قبل الحزب على اي استفسار او تعليق ورد فيها, مما يدلل على ان الموضوع قيد النقاش هو ظاهرة او القاعدة وليس الاستثناء.

كما نعلم, ان الحزب الشيوعي العراقي تعرض الى تنكيل وقمع شديدين طوال فترة وجوده ومنذ تأسيسه في عام 1934, وفقد العديد من منتسبيه وانصاره حياتهم او سنوات من اعمارهم خلف القضبان. لا شك ان كل هذا يترك بصماته الواضحة على النفس "الجماعية" للحزب ويحفر فيها ندوبا عميقة ويمّهد الارض الخصبة لغرس وانتشار مشاعر استصغار النفس والدونية (الغير مبررة) بين اعضائه وانتقال تلك المشاعر انتقال الوباء الى العقل الجماعي للحزب - وهنالك العديد من البحوث العلمية بخصوص هذه العدوى وكيفية انتقالها من الافراد الى الجماعات او التنظيمات- ولكني سوف لا ادخل في تفاصيل هذا الموضوع لانه ليس احد اهدافي هنا. ولكن بأيجاز بالغ, اود ان اؤكد ان هنالك تفاعل متبادل بين المشاعر الفردية لاعضاء الجماعة او المنظمة, من جهة, وبين الشعور الجماعي الغالب الذي يسود المنظمة او الجماعة, من جهة اخرى. فمن لا يحب نفسه سوف يعتقد بالتأكيد ان مبادلتة الحب مع الآخرين هي امر لا قيمة له. ويبدو هنا, ان سلوك الحزب متفق مع ما يزعمه الفيلسوف البريطاني Alain de Botton بخصوص ما يسميه "الفكر الماركسي الكلاسيكي" (1):
It was the classic Marxist thought, where love is desired, but impossible to accept, for fear of the disappointment that will ensue when the true self is revealed – a disappointment that has already occurred

حيث ان الحب امر مرغوب فيه، ولكن من المستحيل تقبله، خوفا من خيبة الأمل التي سوف تترتب على ذلك عندما يتم كشف الذات الحقيقية لللعيان (مشاعر استصغار النفس ودونيتها). ولذلك يلجأ الحزب, كتعويض, الى التمسح باذيال من هم في السلطة, مثل دعوته اركان السلطة الى حضور مؤتمره الاخير, وذلك لأعلاء شأن نفسه امام اعينه وكسعي للتخلص من الشعور بالدونية, وذلك بزعم الحزب امام نفسه والآخرين ان السلطة تحترمه وترسل اكبر ممثليها لحضور فعالياته. ولكن هذا الزعم, لربما بحسن نية, قد يتخفى وراء عقلنة سياسية مضللّة, تزعم هي الاخرى ان الحزب راغب في تحقيق وحدة صفوف الشعب- او ما يسميه "التوافق الوطني!", ناسيا او متناسيا ان الشعب, ماركسيا, هو مجموعة طبقات لا يمكن التوفيق بينها في حالة العراق او اية دولة طبقية, اللهم الا اذا كان ذلك لصالح الطبقة المتنفذة وعلى حساب غالبية الشعب العراقي ومهمشيه ومشرديه وارامله والعاطلين عن العمل. كما ان الحزب يتناسى ايضا ان الحزب ينبغي ان لا يكون في حاجة الى الاحترام المزعوم-المنافق لهؤلاء الاشخاص. فهولاء يحترمون مَن هم مِن امثالهم. فهل يرغب الحزب ان يكون من امثالهم؟ واذا اصبح هو من امثالهم, كيف عندئذ سيحل التناقض الناشئ من ادعاءه بمحاربة هؤلاء؟ ان الفاسدين في السلطة هم الذين يعتلون السلطة. وهم ليسوا اشباحا بل اشخاصا. فهل يحارب الحزب اشباحا ام اشخاصا يجسدون فساد النظام وعنفه ويتحملون المسؤولية القانونية والاخلاقية عن افعالهم؟ ان الفصل بين النظام, من جهة, والمسؤولين الكبار, من جهة اخرى ,هو فصل تعسفي ويطيل امد فساد وظلم السلطة ويعمّقه وبمنح صكوك الغفران المجانية للمسؤولين!

والحزب الشيوعي العراقي, حاله حال اغلب الاحزاب الشيوعية العالمية, لا بد ان ي(شعر) بخيبة أمل واحباط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية. لقد سبب انهيار الاتحاد السوفيتي للحزب الشيوعي العراقي الشعور بفقدان مرفأ الامان, بهذا القدر او ذاك. فقادته سابقا كانوا يلجؤن الى الاتحاد السوفيتي عندما تتعقد الظروف ويستفحل القمع. وخيبة الامل والشعور بفقدان الامان اثرا بالطبع على قادة الحزب اكثر من تأثيرهما على قواعده (او ما تبقى منها وقتها), فقد كان لجوء القادة الى الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية امرا ميْسرا للقيادة نسبيا بالمقارنة مع قواعد الحزب. طبعا لا نستطيع هنا ايضا اغفال فقدان الحزب للمثال والقدوة وشعلة الامل, التي مثّلها الاتحاد السوفيتي بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي ولغيره من الاحزاب الشيوعية. وهذا ما استدعى من الحزب تشكيكه في صحة النموذج السوفيتي للاشتراكية الذي اسسه لينين.

ولذا, بعد سقوط الاتحاد السوفيتي, زعم الحزب انه سيسلك طريق الديمقراطية والتجديد. وقد اعلن ذلك في مؤتمره المنعقد بنفس الاسم, اي مؤتمر الديمقراطية والتجديد. وكان ذلك في عام 1993, اي بعد عامين من سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991. وفي هذا المؤتمر اعلن الحزب تخليه عن ديكتاتورية البروليتاريا, باعتبارها, كما زعم الحزب خطأ, بدعة لينينية مذمومة ولا تتفق مع عصر الديمقراطية (اقرأ: الليبرالية الرأسمالية). والحزب يعترف هنا ضمنا بما اعلنه فوكوياما بنهاية التاريخ عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. الحزب لم يذكر فوكوياما كمبرر لسياستة, ولكنه ليس من الصعب قراءة ما بين السطور, اضافة الى مغزى توقيت الاعلان نفسه. والحزب ايضا نسى او تناسى هنا ان ديكتاتورية البروليتاريا هي ليست بدعة لينينية وانما هي ابداع ماركسي.

ان الناس يتعاملون نفسيا بمشاعر وسلوكيات مختلفة مع فقدان احباءهم بسبب الموت او الفراق او خلافهما, او عند مواجهتهم الصعوبات والكوارث. والبعض يشعر بالغضب عند فقدانه احد احباءه بسبب موت طبيعي او بانتحار, ويبقى يتساءل في دواخل نفسه "لماذا تخليت عني وتركتني اصارع الحياة لوحدي؟" وهذا السؤال, "لماذا تخليت عني؟" يبدو انه سؤال ازلي, وهو نفس السؤال الذي سأله السيد المسيح لربه عندما عُلّق على الصليب. ولكن مَن سيسأل قادة الحزب او لمن سيتوجهوا بشكواهم, بالهمس او بصوت عال, "لماذا ايها الاخ الاكبر, الاتحاد السوفيتي, فارقتنا وتخليت عنا؟ هل سنستيطع العيش بدونك؟ هل اننا مهيؤن لان نكون مرجعية (ماركسية) لانفسنا بعد فقداننا مرجعيتك؟"

ولكن الرب كان موجودا في حالة المسيح (ولربما لا يزال موجودا اذا تناسينا ما قاله نيتشه بهذا الصدد) ليسأله وبعبر له عما شعر به من خذلان او حتى غضب. ولكن من سيسأل الحزب ويعبر له عن مشاعر الفقدان؟ فالاتحاد السوفيتي قد مات وليس هنالك مَن يُمكن ان يُوجه له السؤال او الشكوى. والزعيم غورباتشوف هو نفسه الذي حلْ الاتحاد السوفيتي وغادر مغادرة القبطان لباخرته, وزعيم الحزب الشيوعي الروسي الحالي, غينادي زيغانوف, كان اقرب الى الرئيس العراقي السابق صدام حسين منه الى الحزب الشيوعي العراقي؟ وهكذا تكون خيبة الامل كاملة والشعور بالاحباط يبلغ مداه.

ومشاعر الغضب قد تكون ليست فقط وليدة موت الاتحاد السوفيتي, وانما ايضا بسبب "توريط!" الاتحاد السوفيتي للحزب في اتباع سياسات فاشلة الحقت اكبر الضرر بالحزب وبعموم الشعب, كما, مثلا, في اتباع الحزب وصية الاخ الاكبر بالدخول في جبهة مع البعثيين, رغم مخالفتها لمنطق العقل والسياسة تماما. طبعا ان من يتحمل وزر الدخول في جبهة مع البعثيين هو الحزب وحده فقط, وليس الاتحاد السوفيتي. فالحزب كان بأمكانه رفض توصية الاتحاد السوفيتي ورفض الدخول في الجبهة. ولكن المشكلة كانت نفسية اكثر منها سياسية. فرفض توصية الاتحاد السوفيتي من قبل الحزب كان سيعرّض (قادة) الحزب الى شعور عارم بقلق وجودي, لانهم برفضهم وصية الاتحاد السوفيتي سيفقدون المرفأ الآمن, الاتحاد السوفيتي, وربما ايضا فقدان تضامن احزاب شيوعية اخرى سارت في فلك الاتحاد السوفيتي وقتها. والشعور بالقلق طبعا هو وجودي, وهو نفس القلق الذي حفّز الحزب على الجلوس في مجلس حكم الاحتلال وكذلك بالمشاركة في العملية السياسية لاحقا, وذلك, بزعم الحزب,لأن "الكل شاركوا!", وهم, اي الحزب, "لا يريدون العزلة!". ولكن علاج القلق الوجودي لا يتم ولن يتم بطريقة "حشر مع الناس عيد". نعم انه قد يخفف من القلق وذلك بواسطة تخدير المشاعر والانصياع الى (لا)عقل القطيع, وبالهروب من المسؤولية الفردية وتجنب حرية الاختيار, التي, بعرف المحلل النفسي الماركسي Erich Fromm, هي المقومات التي تمهد لنشوء الفاشية (2). وكما تدلل بحوث علم النفس الاجتماعي, عند الانصياع الى عقل القطيع (وهذا المصطلح, القطيع, هو مصطلح وصفي وليس تقييميا) تختفي ايضا الاصالة والتفرد, اي بكلمات اخرى, ان الحزب بهذا يفقد اصالته وشيوعيته. والحل النفسي كان ولا زال هو التعايش مع القلق الوجودي وتقبلّه كاحد شروط الحياة والابتكار والتغيير. ولكون الماركسية هي فلسفة التغير الدائم, فان الشعور بالقلق الوجودي هو شعور ملازم للماركسيين, وهو شعور ينبغي الترحيب به, بدل العمل على قمعه وازاحته من الوجود. ان هذا القلق (ضمن حدود معينة بالطبع) قد يدلل على صواب الخط الماركسي للحزب او الفرد. ولذا فان سعي الحزب لتجنب العزلة, بمشاركته في مجلس حكم الاحتلال او العملية السياسية, كان هو في نفس الوفت سعيا لتجنب القلق, وتجنب القلق هو بمثابة قلب للماركسية, كفلسفة التغيير الدائم, رأسا على عقب, واحالتها الى فلسفة اللامتغير او علم الموت, Thanatology, الذي يّدرس في العديد من معاهد وجامعات العالم, ويمكن الحصول على شهادة جامعية او دبلوم في هذا العلم (3).

يقول de Botton:
Marxists would unconsciously prefer that their dreams remain the realm of fantasy
"يفضل الماركسيون في عقلهم الباطن بقاء احلامهم في مجال الخيال" (1)
وتجنب الرد على التعليقات قد يكون محاولة من قبل الحزب لتفادي مجابهة الواقع المؤلم, حاليا وتاريخيا, والاستمرار في التحليق في عالم الخيال. ولكن السبب قد يكون مصدره ايضا هو ما يسميه المحلل النفسي Lacan "السجل المرآتي" (4) الذي يسبب الشعور المزيف بالرضى عن النفس والاحساس بالكمال او ما يقرب. والرد على التعليقات, باضطراره الى ملامسة الواقع, قد يخدش الشعور بالكمال ويقلل من الغبطة المرافقة له.

ويضيف de Botton:
Only so long as the loved one believes the Marxist is more´-or-less nothing can the Marxist continue to believe that the loved one is more´-or-less everything. For the beloved to begin loving would ---dir---ectly tarnish their perfections by an unfortunate association with scoundrels.
The Marxist cry is hence a paradoxical, ‘Defy me and I will love you,

"فقط طالما يعتقد المُحب ان الماركسي لا قيمة له بهذا القدر او ذاك, يستمر الماركسي بالشعور بان المُحب هو كل شئ. وشروع المحبوب بالحب من شأنه تشويه صورة الكمال عن طريق تداعي افكار مؤسف بالاوغاد...صرخة الماركسي بالتالي هي تناقض «اهزمني وأنا سوف أحبك"" (1).

طبعا يستطيع الحزب الشيوعي العراقي الرد بقوله ان الاحتلال لم يكن هزيمة وان اشتراكه في مجلس حكم الاحتلال كان فقط بدافع الكراهية للاحتلال. ولكن ردا كهذا سوف لن يتفوه به حتى الحزب نفسه. لذا يبقى التناقض تناقضا وتبقى للاسف الشديد مقولة «اهزمني وأنا سوف أحبك" متمتعة بكل الصحة.
...............
المصادر:
1. Essays in Love by Alain de Botton, Part II
https://tabbedbooks.wordpress.com/2011/02/21/essays-in-love-by-alain-de-botton-part-ii/

2. Erich Fromm
The Fear of Freedom
http://realsociology.edublogs.org/files/2013/09/erich-fromm-the-fear-of-freedom-escape-from-freedom-29wevxr.pdf

3. مثلا
Thanatology, Death Studies
http://db2.centennialcollege.ca/ce/certdetail.php?CertificateCode=7982
او
Advanced Diploma in Bereavement Counselling yand Thanatoloy
http://www.kadmon-academy.org.uk/dipbt.html

4. مرحلة المرآة لدى لاكان
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=372614