مقتطفات من ترجمة كتاب المصادر الأصلية للقرآن-سان كلير تيسدال-الفصل الثالث1

عبدالجواد سيد
2016 / 12 / 23

مقتطفات من ترجمة كتاب المصادر الأصلية للقرآن- سان كلير تيسدال-الفصل الثالث1
عندما ظهر محمد كنبى ، ورغم أن العرب كان لديهم كثير من الأفكار والممارسات الدينية الثابتة ، فلم يكن لديهم كتاب يحتوى على وحى مقدس ، كان يمكن لمحمد أن يلجأ إليه فى إدعائه أنه مفوض لإعادتهم مرة أخرى لعقيدة أجدادهم الأكثر نقاءً. ومع ذلك فقد سكن الجزيرة العربية بعض الجماعات التى إمتلكت مايمكن إعتباره كتباً موحى بها ، ولذلك فقد كان من الطبيعى أن يشعر محمد وأتباعه بالإهتمام والإحترام لأفكائر وشعائر هذه الجماعات الدينية المختلفة. إن تعبير أهل الكتاب المذكور فى القرآن ، والمحدد خاصة لليهود ، وللمسيحيين أيضاً ، هو دليل على ذلك. إن الجماعات الأربع التى كانت تمتلك كتباً دينية فى الجزيرة العربية فى ذلك الوقت ، هى اليهود والمسيحيين والزرادشتيين والصابئة. إن كل هذه الجماعات مجتمعة مذكورة فى الآية رقم 17 من سورة الحج رقم 22. وسوف نرى أن كل من هذه الجماعات كان لها تأثير كبير على الإسلام الوليد ، ولكن تأثير الصابئة كان هو الأقل. ولذلك فسوف نبدأ بالحديث عن المعروف عن هذه الطوائف ، والمذكورة مرة أخرى فى الآية 59 من سورة البقرة رقم 2.
إن معرفتنا عن الصابئة معرقة قليلة ، لكنها كافية لغرضنا هنا. وقد عرفها أبو عيسى المغربى ، وهو أحد الكتاب العرب الأوائل ، والذى نقل عنه أبو الفدا تعريفه للصابئة بقوله (السوريون هم أقدم الأمم ، وقد تكلم آدم وأبنائه بلغتهم ، إن الصابئة هى جماعتهم الدينية ، وقد قالوا بأنهم قد تلقوا عقيدهم من سيث وإدريس (أخنوخ)، ولديهم كتاب يعزونه إلى سيث ، يطلقون عليه إسم (كتاب سيث). وقد سُجل فى الكتاب تصورات أخلاقية جيدة مثل الأمر بقول الحقيقة ، والشجاعة ، وحماية الغريب ، وهكذا، وقد ذكرت الممارسات الشريرة أيضا ، مع الحض على الإمتناع عنها. وللصابئة شعائر دينية معينة، ومنها سبعة أوقات ثابتة للصلاة، خمسة منها توازى الصلوات الخاصة بالمسلمين ، والسادسة صلاة عند الفجر، والسابعة صلاة يأتى وقتها عند نهاية الساعة السادسة من الليل. وصلواتهم ، مثل صلاة المسلمين ، تتطلب تركيزاً شديداً لايمكن للمتعبد خلاله أن يسرح بذهنه إلى أى شئ آخر. وهم يصلون على الميت بدون إنحناء أو سجود ، ويصومون ثلاثين يوماً ، وإذا ماكان شهر القمر الجديد قصيراً ، فإنهم يصومون لمدة تسعة وعشرين يوما فقطً. ومع صيامهم يقيمون إحتفالات الفطر، والتى تعنى التوقف عن الصوم عند نهاية الشهر، والهلال ، وهو القمر الجديد ، بطريقة تجعل إحتفال الفطر يحدث مع دخول الشمس إلى برج الحمل ، وقد إعتادوا أن يصوموا من الربع الأخير من الليلة حتى غروب قرص الشمس، كما كانوا يحتفلون بوقت نزول الكواكب الخمس إلى قصور مليكهم ، زحل ، المشترى ، المريخ ، الزهرة ، وعطارد ، كما إعتادوا على تقديس كعبة مكة.
ومن هذه الرواية يمكن أن نرى بوضوح أن المسلمين قد أخذوا من هذه العقيدة الغامضة كثيراً من ممارساتهم الدينية، والتى إعتقدوا أن محمد قد علمهم إياها بوحى من الله، من خلال الملاك جبريل. وعلى سبيل المثال ، فإن صيام المسلمين فى رمضان يستغرق شهراً ، من شروق الشمس حتى مغربها ، رغم أن قاعدة اللحظة الفعلية التى يبدأ وينتهى بها اليوم ، مأخوذة من اليهود ، كما سوف نرى. وفى فارس وبعض البلاد الأخرى ، كان يُضرب مدفع عند الفجر وعند الغروب ليعلن عن بداية ونهاية صيام كل يوم أثناء الشهر المقدس. ومازال المحمديون يحتفلون بعيد الفطر عند نهاية الشهر. وكما نعرف ، فلديهم خمس أوقات محددة للصلاة كل يوم، موازية لصلوات الصابئة ، كما أن الركوع والسجود إلزامى فى عبادة محمد، ولكن ليس أثنا صلاة الجنازة ، كما هو الحال فى صلوات الصابئة . وقد ذكرنا كيف أن المسلمين مازالوا يقدسون الكعبة تقديساً كبيراً ، كما كان الصابئة يفعلون. وبالطبع فإنه من الممكن أن كل هذه الممارسات كانت معروفة لقبيلة قريش ، تماماً كما كانت معروفة للصابئة . إن إفتراض أن كثيراً من هذه العادات الدينية قد أخذها محمد عن الصابئة ، وأن عقيدتهم بشكل عام ، ربما نظراً لقدمها السحيق ، كان لها تأثير كبير على الإسلام عند تأسيسه ، تؤكدها حقيقة أنه عندما أعلن بنو جذيمة فى الطائف ومكة لخالد بن الوليد عن تحولهم إلى المحمدية ، فقد قاموا بذلك صارخين(لقد أصبحنا صابئة).
لقد أفترض أن الصابئة كانوا فئة شبه مسيحية ، وقد عرفهم آخرون بالمندائيين ، الذين تقدم عقيدتهم خليط غريب من الاأدرية والوثنية البابلية ، ولكنها مع ذلك قد أخذت بعض العناصر من المجوسية واليهودية والمسيحية ، رغم أنها وبشكل عام ، كانت ضد المسيحية كنظام. ويستقى المندائيون إسمهم من مندى، وهو الأهم فى نظرية الفيض ، أوالأيون ، التى يؤمنون بها ، والذى يسمى فى كتابهم المقدس بالسدرا رابا ، الذى أظهر نفسه فى سلسلة من التجسدات ، كانت الثلاثة الأولى منها فى شخص قابيل وسيث وأخنوخ ، والأخيرة كانت فى شخص يوحنا المعمدان ، وقد منح الأخير المعمودية ليسوع المسيح ، والذى رجع فى النهاية إلى مملكة النور، بعد صلبه ظاهرياً. إن هذه الفكرة الأخيرة تتردد فى القرآن فى الآية رقم 159 من سورة النساء رقم 4 ، والتى سوف يلزم الإشارة إليها فيما بعد. إن معرفتنا المحدودة بالصابئة ، والشك فيما إذا كان المندائيين يمكن أن ينسبوا إليهم ، قد جعلت من المستحيل أن نقرر، إذا ماكان تأثيرهم على الإسلام ، كبيراً أو محدوداً.