مسلسل - باب الحارة في مخيم الزعتري للاجئين -

هاله ابوليل
2016 / 12 / 21

" باب الحارة في مخيم الزعتري "
في مخيم الزعتري - الذي تم إفتتاحه في تموز 2012 على مسافة تفوق 300 هيكتار من أراضي المفرق الصحراوية ,,هناك حيث لا توجد شجرة ياسمين دمشقي واحدة. هناك تنتصب الأسلاك الشائكة على مدار محيط خصر المخيم لتضيّق الخناق على خروجهم ودخولهم .
هل نحن في سجن!!!
هذا ما يدور فعليا في ذاكرة اعشاش الصغار ,,, وهم يحاولون فتح فجوة في الجدار . صحيح ,,, لاشيء يحدث من اجل إدخال السعادة إلى قلوب سكان رابع أكبر مدينة في الأردن و ثاني أكبر مخيم لاجئين في العالم حسب إحصائيات الأمم المتحدة . يقول المسيح عليه السلام :"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" هل سمعتم بإقامة حفل موسيقى أو غنائي أو عروض مسرحية حيّة أُعلن عنها !!! طبعا ,,, لاشيء من هذا يحدث . إنهم اللاجئين الجدد الذين هربوا من درعا وحلب والتجئوا الى الأردن. صحيح إنهم ليسوا غرباء لدى جيرانهم -اصحاب دولة الإستضافة .ولكن من يستطيع إزالة الوحشة والإغتراب الداخلي لدى لاجىء دُمر بيته, وشرد اهله ليعيش في خيمة!!

يقول غسان كنفاني" خيمة عن خيمة تفرق" مااجمل النوم في خيمة على شط البحر وما أتعسها من خيمة في صحراء لا ظل فيها لشجرة ولا لكرامة إنسان بلا وطن يحضنه, .ولكننا ولإضفاء الفرحة لديهم أدخلنا فريق التصوير الى قلب مخيم الزعتري, حيث يرقد أكثر من 81 ألف لاجى ء سوري!!! (الرقم غير دقيق ولكنه يدور حوله) ,,,
يتجول المخرج بسام الملاّ بين الحارات - التي اتخذت نسقا واحدا , يرتب المشاهد , ويعطي الأدوار ويسند أدوار البطولة لزعامات الحارة من أصحاب الفتوة و الشيوخ. المشهد نفسه مستوحى من مسلسل باب الحارة المعروف . تتكرر مشاهدات المشاجرات و يتنازع رؤساء الشوارع الزعامة فيما بينهم , ويبطش من يبطش في نسخة باب الحارة الجديدة ولكن هذه المرة في قلب مخيم الزعتري للاجئين . حيث تتوزغ الكرفانات الضيّقة بدلا من المشربيات الحلبية والقعدات السماوية المفتوحة , حيث تجتمع العائلة السورية حول وجبة "حراق اصبعه "اللذيذة . نعم الآن - تخلو المائدة من الكبة وصواني الدجاج المتبل والمحاشي , ورق اللّنجي الملفوف بعناية ربة بيت تدلل ذائقة زوجها , لتحصل على قلبه وهو يغمس فتة الحمص بالخبز المشروح الذي يقطعه لقطع صغيرة فجأة تدور الكاميرا ليتغيّر المشهد . تحول المشهد التخيّلي الذي دار برأس رئيس حارة الضبع سابقا , وهو يمد اذرعه للحصول على أكياس السّكر وعلب زيت النخيل - سيء السمعة فطفرت من مقلتيه دمعه ساخنة , سرعان ما مسحها بكف يده ,وهو يرى حصته تسرق من بين يديه . يتحول المنظر لملاحقة بين البطل واللّص ليوقعه أرضا ويلكمه ضربات على بطنه . الكاميرا تنتصب فجأة على بقايا الدمعة السّائحة بلمعانها الفضي , ليصرخ البطل . " الفقر بالوطن ,غربة يا ناس والفقر بالغربة,,, شو نسميه
يرد عليه بطل آخر يحاول إنقاذ اللص من تحته " سيبه سيبه الله يخليك,, هيدا معفر زينا ويكمل : يا ويلك وسواد ليلك إذا عدتها ياحرامي ,, يطلق اللص العنان لقدميه هاربا من قبضة البطل .
يا ريت الفقر في الوطن و الغربة ظلت ولا الي صار فينا اللي صار .
stop
يظهر مسؤول أحد مراكز الإغاثة ,وهو يحتج " المساعدات تستولي عليها الزعامات ورؤساء الشوارع - الأمر لا يخلو من المحسوبية والأتاوات,,, إنهم مافيا ,يتاجرون بكل شيء ,ويهربون المساعدات العيّنيّة لخارج المخيم لبيعها وشراء الدخان وغيره ,,ويغمز للكاميرا وهو يتابع بآخر كلمة " و فهمكم كفاية ".
يتساءل أحدهم :"إنهم يبيعون المخدرات هل تعرف كيف يحصلون عليها يضحك البطل وهو يخرج لفافة من جيبه
ويمنحها للسائل وهو ينصحه :" ليك عدّل دماغك وانسى
انسى
انسى
stop
نعم هذا فعليّا ما يحدث في المخيم يرد مسؤول الشركة النرويجية التي تقدم أكبر مساعدات للمخيّم ويكمل": ومعظمها لا يصل لأصحابه ". يستعين بسام الملا برجل أشقر تجاوز الخمسين ,نحيف وطويل نوعا ما يرتدي نظارة بحواف سوداء , ولا يجد صعوبة في إيجاده فأغلب السوريين من ذوي البشرة البيضاء, لكن الملا يصر على رجل ذو نمش احمر يتم أخيرا – الاستعانة( بالنمس) بعد تغيير شكله المألوف ,تم تزويده ببدلة سموكينغ سوداء وحذاء مدبب مع تزييت شعره بمرطب كريمي لامع .
يخرج النمس بحلته الجديدة من كرفان عليه علم هيئة الأمم المتحدة تحيط به اسلاك شائكة - تم قطعها بالآلات الحادة ,,, ينظر حوله خائفا بنفس النظرة اللئيمة . تخرج السكرتيرة قائله بخوف مفتعل :" سيد كيليان كلاينشميدت" ,,,, ارجوك , أدخل لكي لا تصاب بأذى. ينتبه النمس الذي يقوم بدور المدير السابق لمخيم اللاجئين الى وقع حجر على مرمى فرسخ من رجله ,فيهرول داخلا ليتصل بالمسؤول الأمني,
وبكل دهشة يصرخ :" الحقونا أنهم يرمون علينا الحجارة , ويحاولون قطع الأسلاك الشائكة ليصلوا إلى مكاتبنا .فماذا نفعل !!!
Stop ,,,
, يصرخ الملا يظهر شاب بلوحة خشبية مكتوب عليها المقطع الخامس والعشرين
Stop إعادة :" انهم يرمون علينا الحجارة ".
أمام مفاوضات مسؤول الأمن,, يصرخ رجل:" لقد نزحت من قريتي هربا من الحاكم ,ومن الطريقة المسيئة التي عاملنا بها إلا إني وجدته هنا - بانتظاري في المخيم ".
كانت جموع الكومبارس الذين تمت الإستعانة بهم من سكان المخيم ,ومعهم أبطال باب الحارة المشهورين يحملون الحصى والأحجار والعصيّ والسكاكين الرفيعة . كانت الكاميرا تدور حول شاحنة مساعدات قدمتها القنصلية النرويجية التي ظهر منها مسؤول بسحنة اجنبية يرطن بعربية مكسرة يتكلم بهاتف ذكي :" لقد تم تصريف نصف المساعدات قبل توزيعها على اللاجئين , لا نستطيع أن نمنعهم ,, ستتضرر أعمالنا فيما لو تصدينا لهم يستطيعون ايقاف أعمالنا ,نحتاج لشراكة و ثقة مع اللاجئين,,, لذا لا نستطيع أن نكون حازمين في هذه المسألة .
تصرخ سامية الجزائري بعد أن لفت شعرها للخلف بشال فيروزي :" منذ أن سكنا هنا والعديد من المساعدات تصل يوميا إلى المخيم ,,, بل إلى هذا الشارع تحديدا ...لكن أين ؟ نحن لم نر منها شيئا ..أين إختفت .
يظهر النمس وقد عاد لهيئته الخبيثة ,وهو يركض حاملا طردا كرتونيا قد سرقه ومضى .
stop
المقطع الخامس والخمسون
تهمس زوجة ( معتز ) لصديقتها شوقها لزوجها الغائب منذ سنتين ولا تعرف له أرضا :"مشتاقتله يا صفية ,,يقبرني , مشتاقيتله كثير بقاله سنتين غايب ما نعرف عنه لاحس ولاخبر!! ترد صفية : بس لو نعرف هو حي ولا ميت .
تصرخ فيها زوجة معتز وهي تضرب صدرها بيديها :" بقي من ثمك , يومي قبل يومه ,,,, يارب .
وتمط كلمة "يارب "على وسع ارض سوريا كلها فيرتج قلب معتز وهو مكبل في أحد سجون حلب متكورا على نفسه, يشتهي كبة باللبن , الكاميرا تعمل زوم على عينيه الباكيتين
وهو يهمس : وأنا مشتقائلك موت ياغالية .

تتجول الكاميرا في المخيم حيث ظهر حوار بين مهندس طرق اردني لتنظيم خريطة تصريف مجاري الحمامات المشتركة ومدرس يجلس أمام بيته .
ليك ليك ,,,, شوف ها المدرس الأردني خريج الأمس -,ينسى للحظة إنه يتكلم مع مهندس اردني :" معي ماجستير أدب عربي ,,,بربك ما هي مهانة ثم يؤكد متابعا :" إنها مهانة كبيرة لا تحتمل يأتون بالأردنيين من خارج المخيم , ليعلموا أولادنا ونحن أصحاب المعرفة والخبرات الطويلة في مجال التدريس والتعليم . حقا هذا شيء محرج لنا ولأولادنا ,
,هل تعلم ,, البارحة سألني ولدي :" لماذا لا تدرسنا انت ياأبي. قلت له:" ياولدي نحن ممنوعون من العمل ممنوعون يا ولدي بأمر من الحاكم العسكري
يتدخل كومبارس في الحوار :" حقا هذا الشيء,,, لا يمكن السكوت عنه, .فقط يحتاجوننا لتنظيف الحمامات وكنس الزبالة- الوظائف التي يأنف منها الآخرون .
وفي آخر مشهد ينتهي المخرج بسام الملا, من تحريك الكومبارس إلى ساحة المدرسة البحرينية- التي تشرف عليها اليونيسيف .وعمال يجرفون الثلج -الذي هطل بكثرة في تلك السنة فوق رؤوس أصحاب الخيّم .
يصيح بسام لمساعده :" أريد 150 كومبارس مع الأبطال الرئيسين لمشهد إقتحام المدرسة . يقترح مساعد المخرج تقديم مشهد احتلال المدرسة لإخراج ابو شهاب من السجن قبل القيام بمشهد جرف الثلج, كانت صيحة المتظاهرين تطالب بكرفانات المدرسة المطالبة بدلا من الخيّم التي طمرتها الثلوج في ذلك العام .
انتهى المشهد قبل الأخير بمفاوضات بين رؤساء الشوارع والفتوات المساندة بالسلاح الأبيض , وبين مديرية شؤون امن اللاجئين السوريين في محاولة اخماد ثورتهم ومطالبتهم بإخراج السجين "ابو شهاب" من السجن محمولا على الأكتاف أو الوعد بإخراجه, و ما زالت إدارة المخيم تحتاج لرؤساء الشوارع لتهدئة الشارع والتوسط وإدارة الأزمات,,,
أو ,,,, ربما إفتعال الأزمات !!
انتهى المشهد بظلمة معتمة وقمر حزين وبيوت الكرفانات المغلقة على من فيها ,, الريح قوية تصفع الأبواب الخشبية , وصوت مذياع يصدح بكلمات أغنية ,,, تجوب المخيم من أوله الى آخره بموسيقى حزينة
كلماتها :"وطني حبيبي وطني الأكبر" .

****المعلومات الواردة في هذا المقال جزء من المبحث الميداني الأكاديمي "مدن المخيمات بين التخطيط والواقع : رصد التحضر العمراني في مخيم الزعتري والمقدم للحصول على شهادة الماجستير في التخطيط العمراني المتكامل والتصميم المستدام من جامعة شتوتغارت المانيا وعين شمس ( مصر ) عام 2014 للباحث : أيهم دلال
بتصرف من هاله ابوليل