مفاهيم علم النفس وإستخداماتها المفيدة في الحياة ‏

هاله ابوليل
2016 / 12 / 20

مفاهيم علم النفس وإستخداماتها المفيدة في الحياة ‏

 لم تقتصر المعارف على كتب الأدب والأبداع والخلق ‏الأدبي في الكتابة النثرية على هيئة ( شعر - قصص- ‏رواية - مسرح ) فقط , بل ظهرت أنواع عديدة من ‏الكتابات , كل واحدة منها تختص بفرع من فروع العلوم ‏الأخرى .فهناك كتب علمية , أدبية , فلسفية ,أخلاقية , ‏دينية . إجتماعية وسياسية ,حتى أن هناك كتبا في ‏الشعوذة والسّحر و الأبراج و تعليم الطّهي والعلاج ‏بالأعشاب , ولكل منها لغة مخصوصة , ومعجم من ‏مفردات خاصة ,تنتمي لذلك العلم ,فمفردات مثل " كاي ‏تربيع والتباين والإنحراف المعياري , لابد أنها تنتمي ‏لعلم الإحصاء ,ولكن مفردات علم النفس التي استخدمت ‏في الطب النفسي منذ أيام فرويد : مثل " التداعي الحر ‏‏– الإيحاء - الإسقاط – التسامي - المحاكاة والتمثّل و– ‏الكرسي الساخن - جلسات الإسترخاء" التعزيز و ‏الإطفاء وغيرها . حيث إنها مفردات تدل على نفسها ‏حيث تعانق النفسية الإنسانية وتحاول تطبيب الجراح ‏النفسية حسب وعي وثقافة المريض . ‏
 ‏ , فقد استخدمت في كل مجالات الحياة تقريبا وهي ما ‏أصطلح على تسميتها بآليات الدفاع النفسي - الثلاث ‏والثلاثين تقريبا . يعرفها الأطباء النفسيّين منذ فرويد ‏وسكنر وبافلوف مرورا بكارل روجرز و بغلاسر و ‏البرت إليس وغيرهم . و وصولا حتى طالب علم النفس ‏الذي التحق بتخصصه - رغم علامتة المتدنية في ‏جامعة رديئة. ‏
‏ في الأدب أيضا هناك لغة وقاموس خاص أو نثر أدبي ‏خاص لكل نوع من تلك الأنواع . فليس مستهجنا عندما يقول ‏رولان بارت ‏‎ " :‎أن أنواع السرد في العالم لا حصر لها" .ولهذا ‏أقتضى تصنيف تلك الأنواع و التمييز بينها لأغراض التعريف ‏والدراسة , وأن ما حدث مع التجريب والحداثة وخاصة في ‏المجال الأدبي الذي نحن بصدده في هذا المبحث - أن جعلت من ‏تلك الفوارق في عصرنا هذا لا مكان لها . فآليات الدفاع النفسي ‏ومفاهيمها استخدمت في كل الدراسات النقدية والأدبية وحتى في ‏الصراعات السياسية , ‏
ففي الأدب الروائي - إذا ما أتيح لك قراءة رواية – أهداها لك ‏صديق مثقف ,فإنك ستقرأ على لسان البطل – السارد ‏صفحات من الإعتراف والذكريات التي يختصر بها السارد ‏سنوات عديدة من حياته عن طريق ما يسمى "الإسترجاع ‏الماضوي" أو بما يسمى بعلم النفس " التداعي الحر" حيث ‏يسرد المؤلف على لسان ابطاله مواقف ومعلومات ومشاهد من ‏زمن ماضي , تساعد على بناء السرد الروائي وتسهم في رفع ‏وتيرة التشويق وتكون عاملا لفهم ما سيأتي من أحداث . وهذا ‏شبيه بما يفعله الطبيب النفسي للمريض حيث يوفر له فرصة ‏الإسترخاء والحديث بدون مقاطعة أو إعتراض , حتى يشعر ‏المريض بالراحة والهدوء وذلك بالتنفيس عن كل ما يقلقه .‏
أما في الطب , فقد استخدمت مفاهيم الإسترخاء من كرسي ‏فرويد لتخفيف الضغوط النفسية للمرضى أما الإيحاء كعلاج ‏‏,فقد استخدم في الطب وفي الأمن السياسي وحتى في ما يسمى ‏مجالس الخرافات وجلسات النساء , فاستغله المشعوذين في ‏إقناع الساذجين بما يرغبون بسماعه والحصول على الأموال ‏منهم , فعندما يعرف المشعوذ أن قاصده أو الفتاة غير متزوج ‏فأنه سيركز على تقديم الدعم له بتصوير أن ثمة حبيبة تنتظره ‏‏,وأن خاتم زواج سيزيّن اصبعها الثخين ,وسيريها المشعوذ ‏رقم 6 وهو ما رسمته بقايا القهوة على الفنجان ‏
‏ وسيقنع الضحية أنه لا بد من أن الرقم 6 , يعني قدوم العريس ‏بعد ست أيام أو ست أشهر أو ست سنين , وهكذا يتم حقن ‏الساذج بجرعة من الأمل كنوع من أحلام اليقظة والأمل ‏بمستقبل باهر بدون بذل أي نوع من الجهد.‏
في المستشفيات أيضا استخدم الإيحاء في تخفيف القلق والتوتر ‏وصراعات المرضى المقبلين على عمليات خطرة حيث تدخل ‏سيدة عن طريق الخطأ الى غرفة المريض وتعتذر وقبل أن ‏تخرج , تجري حوارا داعما لنفسية المريض وذلك بالسؤال عن ‏الطبيب الذي سيعالجه ,ومن ثم تقوم بذكر محاسن الطبيب الذي ‏سيجري له العملية ,وتكون في حقيقة الأمر هي ممرضة نفسية ‏تم دفعها لرفع معنويات المرضى أو ما يسمى بخدمات الرعاية ‏النفسية . ‏
أما في الأمن السياسي وأعمال المخابرات ورعاية المجتمع ‏الأمني فكثير من الجرائم يتم اكتشافها عن طريق الإيحاء ,ففي ‏أحد القصص المتداولة أن تم تعريض رجل - خارج عن القانون- ‏من طرف أصدقائه , لنوع من الإيحاء بأنه مراقب وسيتم القبض ‏عليه ,حيث قام بالسفر هربا وهو يعتقد انه مطارد ولم يعد منذ ‏ذلك اليوم إلى البلاد خوفا أن يقبض عليه .‏
‏ هذا مع مزيد من القصص التي يستخدم فيها الإيحاء في كشف ‏جرائم يعترف بها المجرم طواعيه عندما يتم الإيحاء له وهو ‏بأن جريمته اصبحت مكشوفة, مما يخدم الأمن المجتمعي ويحقق ‏الأمن والأمان في المجتمعات ,وأن كان هناك تحفظات على ‏إستخدام التخدير أو التنويم المغناطيسي في هذا المجال بحجة ‏الكشف عن الجرائم فلكل إنسان حرمة وخصوصية يجب أن لا ‏نهدرها أو نخترق خصوصية صاحبها بدون علمه أو موافقته ‏وذلك بما يسمى أخلاقيات العمل النفسي الإرشادي ومعايير ‏الممارسة المهنية الأخلاقية . ‏
وحتى يمكن إستخدام الإيحاء كعلاج في التوجيه و الإرشاد ‏وخاصة في مراكز الأطفال الأيتام وذلك بذكر محاسن وجود أحد ‏الوالدين في حياته ,فقد استخدمت الكاتبة تلك الحيلة في تخفيف ‏صراع ابنة أختها وهي تبكي لفقدان والدها حيث جلست خلف ‏الباب المغلق الذي تختبأ وراءه الطفلة الغاضبة من فقدان ‏والدها, وقامت بتمثيل دور الفتاة - السيئة الحظ - التي فقدت ‏والديها ولم يتبق لها أحد في هذه الدنيا ,وأشادت بكون الطفلة ‏محظوظة لأنه مازال لديها أم حنونة ترعاها وقامت بتمثيل دور ‏البكاء المرير لخسارتها والديها ,مما جعل الصغيرة تفتح ‏الباب وتربت على رأس الكاتبة - اليتيمة وتقوم بتطيّب خاطرها ‏بإحساس العطف والمواساة والتماهي معها , ومنذ ذلك اليوم لم ‏تعد الفتاة تشكو من فقدان والدها .بل أن الأمر تعدى ذلك في ‏تذكيرها من طرف الصغيرة - في كل مرة – تراها إنها يتيمة ‏وتستحق الرعاية والإهتمام منها ,,, ,ولك أن تتصور كاسات ‏العصير والخدمة السريعة لليتيمة التي بلغت الأربعين !!‏
‏ ألم اقل لكم عن فوائد العلاج بالإيحاء والقبول والإمتتنان التي ‏لا يمكن حصرها .‏
‏ أما في النقد الأدبي فقد تم الإستعانة بمفاهيم علم النفس في ‏قراءة الأشعار لبعض الشعراء لمعرفة ما يسمى بآليات الدفاع ‏النفسي ,فقد كان فرويد أوّل من تحدّث عن آليات الدفاع النفسية، ‏ورأى في هذه الآليات نوعاً من الحلّ النفسي الاضطراري لتجنّب ‏الصراعات. وقد درج على تسميتها بما يسمى الحيّل النفسية ‏وكلمة (حيّل ) تدل على إنها صفة تنزع للمكر وإخفاء الحقيقة ‏وتكون بمثابة تنفيس وتعويض لمستخدمها من عوامل النقص ‏التي يعاني منها . ‏
ولعلّ أهمّ خاصية لهذه الآليات - كما تناولها أصحاب مدرسة ‏التحليل النفسي- إنّها: 1. تحدث وتعمل لا شعورياً بحيث لا يفطن ‏الفردُ إليها، فمستخدمها لا يعرفها أو يدركها على أنّها آليات ‏دفاعية 2. أنّها قادرة على التكيُّف مع العوامل النفسية المشکلة ‏‏3. أنّ آليات الدفاع تُعدّ نوعاً من الحيل، وتحرّف وتنكر وتكبت ‏أجزاءً جوهرية من الواقع 4. أنّ الاستفادة المتکرّرة منها ‏
هي سمةٌ لسلبية شخصيته‎ ‎‏(2) .‏
‏ وفي دراسات النقد الأدبي , ستجد أن هناك دراسات تناولت ‏دراسة آليات الدفاع النفسية المستعملة في أشعار بشّار بن برد ‏تجاه عقد النقص التي كان يعاني منها , فقد كان بشار عبدا ‏مولى وفقيرا وأعمى و ذو وجه قبيح كما يصفونه . ‏
وحسب نظرية آدلر فقد سعى بشار لتعويض ذلك وأستخدم آليات ‏دفاع كثيرة منها الإيجابي ومنها السلبي فالتعويض ,حسب ما ‏عرّفه أدلر: «هو سَداة ولحمة نفسية تجرّ بعضَ الناس إلی ‏التعويض المضاعف عن حقارتهم الجسمية أو النفسية التي ‏يعانون منها
و استنتج الكاتب في تلك الدراسة (2) أنّ أهمّ آليات الدفاع التي ‏لجأ إليها بشّار للتنفيس عمّا يعتمل بداخله من صراعات وتنافس: ‏التقمّص أو التوحّد، التکوين العکسـي، الاستدماج، التقديس، ‏الإسقاط، الکبت، الإنکار، التبرير، المزاح والاستهزاء ‏بالآخرين، التواصل، الإزاحة، التعويض فالتسامي، وأحلام ‏اليقظة.‏
‏ قد يکون بعض هذه الطرق ايجابية، وقد تکون سلبية‎.‎فقد ذكر ‏أن بشار حاول أن يعالج عقدته، وأن يعوّض عمّا حرمته ‏الطبيعة من نعمة البصر، عن طريق التحقير والسخرية والإهانة ‏التي عمد إليها في کثير من سلوکه، ‏
‏ روي أنّ رجلاً قال لبشّار: «إنّ الله عزّ وجلّ ما سلب أحداً ‏کريمتيه إلّا عوضه عنهما حُسن صوت، أو ذکاء
‏ فأنت ماذا عوضك من بصرك؟
‏ قال: عوضني فقدان النظر إلی.. أمثالك .‏

‏ أما في ساحات الحروب فقد تم استخدام الكلاب في الكشف عن ‏الألغام وإرسال الرسائل و مد خطوط الهاتف في مناطق لا يمكن ‏الوصول إليها عن طريق الجنود , وذلك عن طريق استخدام ‏مفاهيم النظرية السلوكية ومفاهيم الإشراط والتعزيز والإطفاء ‏والثواب والعقاب . ولنا بتجربة بافلوف مع الكلاب فكان يعلم ‏الكلب أن يربط بين ظهور الطعام وصوت الجرس- فأنتج رابط ‏بين استثارة غير مشروطة (الطعام) لاستثارة مشروطة (الجرس) ‏تعلم الكلب خلال التجربة أن يسيل لعابه عند سماع صوت ‏الجرس‎.‎
ومن هنا جاء استخدام تلك المفاهيم في التعلم المدرسي في ‏كيفية تقديم الثواب والعقاب في تحسين التعليم كما استخدمت ‏الفكرة نفسها في تعليم الكلاب لإستخدامهم في الحروب .‏
فمن منا لا يعرف ما فعلته الكلاب الروسية المدربة بهذه الطريقة ‏في الحرب العالمية الثانية أو ما يسمى بالكلب - القنبلة وهي ‏كلاب تم تدريبها لتبحث عن الطعام تحت الدبابات أو ‏المدرعات‎.‎حيث يتم تجويع الكلاب لعدة أيام ,ثم يقوم الجنود ‏بوضع حزام ناسف ملغم بالمتفجرات واطلاقها في أرض ‏المعركة، الحزام به عصا خشبية تتحرك عند نزول الكلب تحت ‏الدبابة أو المدرعة وتفجر الألغام وبالطبع يموت الكلب.‏
‎. ‎وبهذه الطريقة التي تم فيها مكأفأة الكلاب لعدة أشهر عن ‏طريق تقديم وجبة اللحم التي تم تقديمها - دائما - تحت الدبابة ‏‏,مما جعل الكلب يقوم بعملية الإستثارة والإستجابة والإشراط ما ‏بين الجوع و وجود الطعام تحت الدبابة . وفعلا قاموا بتجويع ‏الكلاب لأيام قبل إطلاقها بإتجاه الدبابات الألمانية وتم تفجير اكثر ‏من 300 دبابة المانية في تلك المعركة . ‏
‏ لذلك نجد أن مفاهيم علم النفس تغلغلت في كل ميادين المعرفة ‏مما يجعلها بحق بمثابة شريان يضخ الدماء لكل العلوم والفنون ‏الأخرى . ‏
ومنها عالم الرواية مدار موضوعنا في هذا المبحث ,‏

‏ ‏‎.‎



‎ ‎الهوامش ‏
‎ ‎
‎ (1) http://www.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article=41992
‎(2) http://www.forum.almaniah.com/index.php?p=/discussion/3511