العودة لعبادة البعل:

فاروق عطية
2016 / 12 / 18

كرم الله الشرق الأوسط بأن يكون مهبط الديانات السماوية جميعا. وكرم الله مصر خاصة بكون معظم أنبيائه قد سكنوها فترة من الزمان. فقد مر بها إبراهيم الخليل أبو الأنبياء، كما بيع لعزيزها يوسف الذي عاش بها فترة من الزمان وكان سببا لوقاية مصر من المجاعة في السبع سنين العجاف، كما وُلِد بها موسي وألقته أمه إلي نهر النيل لتنتشله إحدي الأميرات وتتبناه ويعيش كأمير مصري وكان سببا لتخليص بني إسرائيل من العبودية. كما لجأت الأسرة المقدسة إليها خوفا من بطش هيرودس بيسوع الصبي الذي تحدثت عنه الكتب بأنه سيكونا ملكا لإسرائيل، كما أهدي المقوقس حاكم مصر مريم القبطية لنبي الإسلام ليتخذها زوجة له، فصارت مصر مباركة وقال عنها المخلّص " مبارك شعبي مصر"، وقال عنها القرآن "أدخلوها بسلام آمنين".
وما يحدث في مصر منذ وصول أنور السادات لسدة الحكم وحتي الآن غريب وبلا منطق يقبله العقل السوي. الله محبة وهو طويل الأناة صبور، محب لجميع مخلوقاته خاصة البشر الذين جبلهم علي صورته، وديع لا يحب سفك الدماء فمن قتل نفسا بلا جريرة كمن قتل الناس جميعا، هو رب منزه أن يكون دمويا ومحرضا علي قتل الأبرياء. حكيم شاءت حكمته أن تتعدد طرق عبادته، ولو شاء لوحد الأديان جميعا. حتي الديانات التي نطلق عليها الغير سماوية جميعها تدعو للخير والمحبة بين الناس، فلا توجد في تعاليم بوذا أو زرادشت أو كونفشيوس وغيرهم دعاوي للقتل وإراقة الدماء.
اليهودية والمسيحية والإسلام جميعها تدين لإله واحد هو الله خالق الكون وجابل كل المخلوقات، تقام له الصلوات في المعبد والكنيسة والمسجد. الكل يتقرب إلي الله ويطلب منه العفو والغفران ويغسل همومه بالصلاة ويخرج بعدها مطمئنا آمنا، قلبه مملوء بالسكينة وحب الناس لأن الله محبة وعباداته تدعو للتواد والتراحم والتسامح. لكن هناك فئة ضالة فقدت الصواب واختلط عليها الأمر بدلا من التوجه لله بالصلاة التي تنهي عن الفحشاء والمنكر وقتل النفس التي حرم الله قتلها، توجهت بصلواتها لإله آخر لا نعرفه ليس الله مُحب البشر أجمعين، الباسط رزقه وعدله ورحمته علي من يؤمن به ومن يكفر دون تمييز، توجهت لإله دموي قاس يدعو للقتل والسحل والتدمير، إله يختلف عما يعبد اليهود والمسيحيون والمسلمون. رب فاق اللات والعزة وهبل وكل أصنام الجاهلية صلفا وبشاعة. ليس إلها علي الإطلاق، بل هو الشيطان أو البعل الذي يوسوس في صدور الناس ويدفع مريديه للقتل والتدمير والفجور
شعب مصر شعب طيب ودود متدين بالفطرة حتي قبل وصول الأنبياء وظهور الديانات السماوية، ولا ننسي أن إخناتون أول الموحدين الذي عاد بالمصريين لعبادة الإله الواحد الأحد، وحتي يجذب الناس لعبادته رمز له بقرص الشمس وأسماه آتوم. لكن هذه الفئة الضالة والذين يدّعون الإسلام وهم مجرد متأسلمون، يوسوس لهم شيطانهم بتعاليمه المارقة فتدفع بمن يقع في براثنها إلي غيبوبة يفقدون فيها القدرؤة علي التمييز بين الخير والشر أو الحطأ والصواب، يندفعون كالمنومين بأفعال هم لها غير مدركين.
من يتصور أن أناسا يذهبون للمسجد لعبادة الرحمن المحب للبشر فيملأ الإمام الحقود الحائد عن تعاليم دينه قلوبهم بالحقد الإسود ضد أخوة لهم في الوطن تعايشوا معهم علي الحلوة والمرة عشرات السنين، يخرجون من المسجد الذي من المفترض أنه يطهر القلوب، مملوئين حقدا وكرها للآخر، يحطمون ويحرقون بيتا من بيوت الله (الكنيسة) التي يتعبد فيها إخوتهم ولله يسبحون، فيخرجون إليهم كأنهم مقبلين علي حرب ضروس، جموع مغسولة الأدمغة، جموع غفيرة تحتشد تهتف وتطالب بحمية وحماس بسقوط الكنيسة وكسر الصليب. يندفعون كالسيل العارم يخربون ويحطمون، ويمتد التدمير من الكنيسة لممتلكات الغير، حرق سيارات وتحطيم واجهات محلات وسرقة ونهب حوانيت وصيدليات وهم يهللون ويكبرون، ولا أدري لأي إله يكبرون..!
وبعد خراب مالطا تلوح في الأفق عربات مصفحة تحمل رجال أمن بزيهم الرسمي، يتحركون في رعونة يطبقون تعليمات لا أدري من أين استقوها، لا تفرق بين معتدي ومعتدي عليه، ويقبضون علي أعداد متساوية من المعتدين والمعتدي عليهم للمساومة وإجبار المعتدي عليهم علي التنازل عن شكواهم مقابل الإفراج عن ذويهم، فتسقط الأقنعة ويتكشف الزيف وتظهر الوجوه علي حقيقتها. هنا لا يملك المرء إلا أن يتساءل : هل حقا ما قام به المعتدون المخدوعون المنومون حربا مقدسة ؟ وهل محرضيهم حقا يعبدون الله الذي نعبد وينفذون مشيئته ؟ كلا وألف كلا، تنزه الله عما يضمرون ويفعلون، إنهم والله للشيطان ينصاعون وينفذون. ماذا يضير شركاء الوطن من صلوات المسيحيين وتسبيحاتهم وهم فقط لله يسجدون، وماذا يضير الأمن لو نفذ القانون ومنع الجريمة قبل وقوعها ؟ وماذا يضير القضاء لو نفذ العدل وهم يعلمون أن الله هو العدل؟
هذا حالنا منذ السبعينات، وكنا نأمل بعد قيام ثورتين أن يتغير الحال ويسود الود والحب كما كان بين كل أقباط مصر مسلمين ومسيحيين من مئات السنين، ولكن ليس كل ما يتمني المرء يدركه. تخلصنا من ديكتاتورية وفاشية مبارك بثورة يناير، ثم تخلصنا من الفاشية الدينية المتمثلة في حكم المرشد بثورة يونيو، ولكن ظل الحال هو الحال. استبدل نظام الحكم الجديد الإخوان بالسلفيين الوهابيين وهم أشد مكرا وأكثر تشددا، فأذاقوا إخوتهم في الوطن أكثر مما كانوا يذوقون. نسمع ما يقوله السيسي عن الدولة المدنية وحق المواطنة وإصلاح الخطاب الديني وتفعيل سلطة الدولة بالقانون والعدل نصدقه، ولكن ما يحدث علي أرض الواقع من ازدياد العنف ضد المسيحيين وضد من يطالب بالإصلاح وتنظيف كتب التراث مما علق بها من مغالطات كانت تصلح في الماضي ولكنها لا تصلح اليوم فنزداد عجبا.
أهمس في آذان عبدة الشيطان علهم يتعقلون: شعائر وصلوات المسيحيون لا تزعج أحدا، ولا تفرض عليكم فروضا، ليس فيهم من يفترش الشوارع بكتب خزعبال عذاب القبر ومخاوف الثعبان الأقرع، ولا يُغلق الطرقات أمام المارة، ولا يعطل مصالح الناس في الدوائر الحكومية، ولا يتباهي بصلواته بمكبرات الصوت مزعجا المرضي والناجعين. إيمانهم أن الله يسمع الصلوات الهامسة ويقبلها، تشفي المرضي وتقيم الموتي وتنقل الجبال، لأن الصلاة بخشوع ودعة وإيمان تصنع المعجزات. الصلاة والسجود للخالق في هدوء وبساطة واتضاع، فقد أوصانا الله أن نحب حتي مبغضينا والمسيئين إلينا ونحسن إليهم، ونغفر للاعنينا ونصلي من أجلهم وندعو لهم في صلواتنا. لا نهين الآخر ولا نطلب من الله أن يخسف بهم الأرض، ولا نطلب منه أن يشتت لهم شملا أو ييتم لهم طفلا، لأننا نعلم أن الله محبة ودود ومتسامح ولا يقبل منا إلا أن نكون كذلك. أهمس في آذان المتنطعين متسائلا: لماذا تهاجمون بيوت الله وتتركون بيوت الفجور والدعارة والمواخير التي تملأ البلاد فسقا وفجورا إذا كنتم حقا تبتغون وجه الله ؟ أهمس في آذان القائمين بالحكم بسؤال واحد: لماذا يتحالف النظام مع الوهابيين المتطرفين ويشجع أعمالهم أو علي الأقل لا يمنعها ؟
يوم الأحد الماضي (11 ديسمبر 2016) حدث تفجير إرهابي بالكنيسة البطرسية المجاورة للكاتدرائية المرقسية بالعباسية، تبناه في بيان له تنظيم داعش، كما أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي إسم من قام بتفجير نفسه بحزام ناسف، شاب في الثاني العشرين من عمره ينتمي لعصابة الإخوان المسممين بايع تنظيم داعش الإرهابي وإسمه محمد شفيق محمد مصطفي وهو من مواطني الفيوم وكان طالبا بكلية العلوم جامعة الفيوم. أدي التفجير لاستشهاد 28 معظمهم من النساء والأطفال بالإضافة لـ 70 مصابا، وكانت الخسائر المادية تفوق المائة مليون جنيها وهي عبارة عن تدمير للوحات الخاصة التي رسمها الرسام الإيطالي " بريمو بابتشيرولى" والتي تتزين الكنيسة بها ولوحات الفسيفساء التي صنعها " الكافاليري أنجيلو جيانيزى" من فينسيا مثل فسيفساء التعميد، والتي تمثل السيد المسيح ويوحنا المعمدان في نهر الأردن. وتم تدمير حوض من الرخام يقف على أربعة عمدان، وصورة بالفسيفساء في قبة الهيكل تمثال للسيد المسيح وعلى يمينه السيدة العذراء وعن اليسار "مارمرقس الرسول". وحين أعلن أسماء شهداء التفجير راعني أن أجد إسم أم العربي بين من استشهدوأ، فانخرطت في بكاء ونحيب هز مضجعي فأيقظ أم العربي من سباتها، لأستيقظ علي يدها الحانية تهزني حتي أفيق من حلمي الرهيب.